الخميس 4 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 23 نوفمبر 2017

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

أدلة سنية السدل في الصلاة

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

مفهوم الولاء والبراء في الإسلام
 
 عَرفت بعضُ المفاهيم الإسلامية - في العصر الحاضر - أنواعا من الاضطراب في الاستعمال، وضروبا من الفوضى في التوظيف؛ وذلك لأسباب شتى، لعل من أبرزها ردود الفعل النفسية التي يعاني منها بعض المسلمين، إزاء ما يقع على العالم الإسلامي من مظالم مختلفة، على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ مما أدى إلى ظهور الفكر «الخوارجي» مرة أخرى، ذلك الفكر الميال إلى التكفير، وإلى التعميم غير المتبصر في إدانة المجتمع الإسلامي بكل تجلياته. متوسلا إلى ذلك ببعض المصطلحات القرآنية والحديثية، وحَمْلِهَا على غير محملها الشرعي، مما حملها عليه السلف من الصحابة والتابعين، فخالفوا بذلك السواد الأعظم من الأمة، ووقعوا في الغلو والشذوذ، سواء على مستوى الفكر أو على مستوى الممارسة!
 
ولعل من أخطر المفاهيم التي قُصِّدَتْ بغير مقصدها، فأدت – بسبب ذلك - إلى كثير من البلاء والفتن، مفهومُ "الوَلاَءِ والبَرَاءِ"، حيث جعله الغلاة – بصورته المحرَّفة - مناط الإيمان، وشرط الدخول في جماعة الإسلام. وكَفَّرُوا بمقتضاه كلَّ من لم يحرره في عقيدته وتطبيقه، على ما فهموه هم وقصَّدوه من معنى، ما أنزل الله به من سلطان!.
 
من هنا كان من الواجب دراسة هذا المفهوم ورده إلى أصوله اللغوية، ومساقاته الشرعية، على ما ورد عليه في الكتاب والسنة، وعلى ما فهِمه عليه السلف الصالح من هذه الأمة. وفي هذا السياق تأتي محاولتنا هذه. وبيان ذلك كما يلي: 

 في تحرير مفهوم "الولاء والبراء"

ترجع مادة "ولي" في اللغة إلى معنى "القرب" و"الدنو"، وما يترتب عن ذلك من معاني المحبة والصداقة والنصرة. جاء في القاموس: "الوَلْيُ: القُرْبُ، والدُّنُوُّ، والمَطَرُ بعدَ المَطَرِ. وُلِيَتِ الأرضُ، بالضم. والوَلِيُّ: الاسمُ منه، والمُحِبُّ، والصَّدِيقُ، والنَّصيرُ."1. وقال الراغب الأصفهاني: "ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد."2.
 
وأما "البراء" فهو من مادة "برأ"، وهي راجعة - على المستوى اللغوي - إلى معنى المفارقة والمباعدة والتنـزه. ومنه البُرْءُ: وهو السلامة من المرض. والبراءةُ من العيب والمكروه3. وقال الراغب: "أصل البرء والبراء والتبري: التقصى مما يكره مجاورته"4.
 
ذلك هو الأصل اللغوي الذي تدور عليه هاتان المادتان: "ولي" و"برأ".
 
وأما من حيث الاستعمال الشرعي الاصطلاحي، في سياق القرآن الكريم، والسنة النبوية، فمفهوم "الولاء" راجع إلى معنى إيماني قلبي محض. هذا هو أصله وأساسه الذي ينبني عليه، وتتفرع عنه فروع.
 
ذلك أن معنى الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، إنما هو ميثاق محبة تعبدية، راجع في الأصل إلى توحيد الله بالإخلاص له في كل شيء، وإلى محبة رسوله - صلى الله عليه وسلم – بتوقيره ونصرته، ثم إلى محبة المؤمنين؛ بتمتين آصرة الأخوة في الله، وتعميق مفاهيم التواد والتعاطف والتآزر في الدين، وذلك كله هو أساس السلام والتسامح القائم في المجتمع الإسلامي.
وأما "البراء" فهو كره المسلم للكفر – على سبيل التعبد – وتبرؤه منه، وتنـزهه عنه، من حيث هو عقيدة قائمة على نقض حقائق الإيمان، ولا يلزم عنه بغض المسلم لغير المسلمين بإطلاق، بل هؤلاء أُمِرْنَا شرعا أن نعاملهم بالقسط وبالبر، لا بالتعدي وسوء المعاملة، وأن النصوص الواردة بمقاطعة الكفار والشدة عليهم – في سياق الولاء والبراء - إنما هي مقيدة بالمحارِبين منهم، وبالمعتدين على المسلمين خاصة، وليست على إطلاقها. وأما تطبيق ذلك – على المستوى العسكري - فالقرار فيه موكول إلى تقدير الإمام الأعظم، على ما تقتضيه مصالح الأمة.
 
ومن هنا وجب التمييز بين نوعين من المحبة، وكذلك بين نوعين من الكراهية. 
 
فثمة محبة تعبدية تحصل بين المسلمين في الله. كما أن ثمة محبة عادية ترجع إلى الْجِبِلَّةِ الإنسانية، مما تقتضيه العادة البشرية الطبيعية. والأُولى لا تمنع الثانية بما سنفصله من أدلة من الكتاب والسنة. فمحبة المسلم لزوجته الكتابية أمر مطلوب، وهو واقع بمقتضَى العادة. ومحبته لأخيه في الدين واقعة بمقتضَى العبادة. وهو أمر دقيق في غاية الأهمية؛ إذ ينبني عليه - بالمقابل - أن الكره للكفر لا يلزم عنه جواز التطاول على الكافرِ بغير سبب! فذلك ضرب من الظلم والتعدي المحرم شرعا. ولذلك فقد وجب حمل المطلق على المقيد، وبناءُ العام على الخاص، برد النصوص الواردة في مطلق «الولاء والبراء» إلى الثوابت الأخلاقية في القرآن، من أمهات الفضائل التي لا تقبل النسخ ولا التبديل.
 
وقد جرت عادة المشتغلين بهذا الموضوع - قديما وحديثا5 - أن ينطلقوا في محاولة تأصيله وتوظيف أحكامه - بالحق أو بالباطل - من مثل قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ)(آل عمران: 28)،
 
وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(المائدة: 51). ونحو هذا وذاك.
 
وهذا كله مقيد بمحكمات القرآن القطعية، في وجوب معاملة الكفار بالقسط والبر، من مثل قوله تعالى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(الممتحنة: 8-9).
 
وقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة: 8). وهذا المعنى في القرآن والسنة كثير، وهو الأصل المستقر الثابت. والقول بأن هذه الآيات وأضرابها منسوخة بآية السيف6 - كما يسميها بعض المفسرين - هو غير صحيح البتة؛ إذ هذه حقائق مطلقة من أمهات الفضائل، وقد عُلِمَ - في قواعد أصول الفقه - أن أمهات الفضائل هي مما لا يدخله النسخ مطلقا.
 
فالأصل في «الولاء والبراء» إذن، أنه مفهوم إيماني تعبدي، القصد منه أساسا هو تحصين المسلم؛ بما يجعله معتصما بحبل الله، وبمحبة رسول الله، ثم مندمجا في البنية الإيمانية للمجتمع المسلم؛ بما يحميه من الانحراف عن دينه وعقيدته. وقد تكون له أحكام عسكرية خاصة، لكنها مقيدة بأحكام الحرب والسلم في الشريعة الإسلامية، وبما يَصْدُرُ عن الإمام الأعظم في ذلك من توجيه وأحكام. وإنما هذا فرع من فروع مفهوم «الولاء والبراء».
 
والخطأ الجسيم هو الحكم على الأصل بمقتضى الفرع، وتعميم مقتضى السياق الجزئي على مطلق السياق الكلي، فيعطي «للولاء والبراء» الذي هو معنى إيماني أخروي معنى عسكريا مطلقا! فيقع بذلك من الفساد في الدين ما الله به عليم! مع أن الفتوى في هذا إنما يجب أن تصدر عن أهل العلم، ومما يقرره إمام المسلمين من شؤون الحرب والسلم، كما هو معروف بأبوابه في كتب الفقه الإسلامي. وليس شيء من ذلك موكولا إلى آحاد الناس! 

براءة "الولاء والبراء" من عقيدة التكفير 

بناء على ما سبق من مفهوم «الولاء والبراء» لا يجوز أن تبنى عليه أحكام التكفير، لأنها ضرب من الحكم على النيات، ونوع من تقصيد القلبيات، وكل ذلك ممنوع في الشريعة. حتى ولو كان ظاهر الأمر المخالفةَ الصريحةَ لأصول «الولاء والبراء»، فذلك قد يعتبر معصية كبيرة، لكن لا يكفر المسلم بها على عقيدة أهل السنة، كماهو الشأن في قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، الذي أفشى أسرار الدولة العسكرية في عهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - وكتب بذلك إلى الكفار. فلما كشفه الوحي قال له رسول الله: "يا حاطب، ما هذا؟!"، قال: "لا تعجل عليَّ يا رسول الله! إني كنتُ أمرأً مُلْصَقًا في قريش [أي: ليس من أصولهم]، وكان مِمّن معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يحمون أهليهم، فأحببتُ - إذ فاتني ذلك من النسب فيهم - أن أتّخذَ فيهم يداً، يحمون بها قرابتي. ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صدق". فقال عمر: "دَعْني– يا رسول الله – أضربْ عُنُقَ هذا المنافق!" فقال صلى الله عليه وسلم: "إنه قد شهد بدراً، وما يُدريك؟ لعلّ الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم!"7. وهذا نص صريح واضح في أن من أسْوَإِ ما قد يقع من خرم «الولاء والبراء» هو مناصرة الكفار المحارِبين، وخيانةُ الدولة في ذلك، وشق إجماع الأمة، ومع ذلك لم يعتبره الشارع كفرا، يستحِل به دم صاحبه. وإنما هو معصية كبيرة ترجع عقوبتها التعزيرية إلى تقدير الإمام.
 
أما إذا كان الأمر مجردَ ربط علاقات مع دول غير إسلامية، مما يقدره الإمام من مصلحة الأمة، فهو مما لا علاقة له بمفهوم "الولاء والبراء"، لا أصالةً ولا تبعاً. بل هو أمر اجتهادي صِرف، وهو مما يوكَل التقدير فيه إلى ولي الأمر، الذي يتحمل أمانة حفظ مصالح الأمة الدينية والدنيوية، والذَّوْد عن حياضها، بجلب ما ينفعها ودفع ما يضرها. فهو ينوب عن الأمة في كل ذلك، ويسعى بذمة المسلمين؛ لحفظ دمائهم وأموالهم. قال صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون تَتَكَافَأُ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم!"8.
 
وقد أدى عدم اعتبار ذلك والتفقه فيه بطائفة من الناس إلى الغلو في فهم «الولاء والبراء»، وتكفير كل من لم ير رأيهم فيه. حيث لم يعتبِروا الدولة مؤَهَّلة لعقد عهود الذمة والأمان للأجانب المقيمين بالبلاد الإسلامية، في شكل سِفارات أو شركات استثمارية، أو نحوه هذا وذاك. فاستحلوا دماءهم على أنهم محارِبون! فنتج عن ذلك من الفساد في الدين والدنيا ما حَرَمَ المسلمين الأمن والأمان، وأدخلهم في ظلمات من الفتن مما لا طاقة لهم به، وجَرُّوا على الأمة من البلاء ما الله به عليم. حتى إن الغلو قد بلغ إلى تكفير عامة المسلمين ممن لا يرون هذا الرأي الشاذ، ولا يعتقدون هذا الاعتقاد الباطل، فاستحلوا دماءهم أيضا، وقَتَلُوا الأبرياء ظلما وعدوانا، ونصوص الشريعة تُدِينُهم صراحة، معلنة بقواطعها أن دم المسلم حرام!
 
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا! الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ! كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ: حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ!"9.
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى!"10
 
هذا هو الأصل في بناء النسيج الاجتماعي الإسلامي، وهو المبدأ الإيماني الثابت المستمر، الذي لا يجوز نقضه لا بردود الأفعال النفسية، ولا بالاجتهادات الفردية، أنى كان مصدرها. 

 "الولاء والبراء" وأخلاق الإسلام السمحة في معاملة غير المسلمين

 لا تعارض بين مفهوم «الولاء والبراء» وبين منظومة الأخلاق في الإسلام، بل هو مندرج ضمنها وخاضع لأحكامها. فبُغْضُ الكفر لا يلزم عنه بغض الكافر لذاته، وإلا ما أمكن التعامل معه مطلقا، وهو عكس التوجيه القرآني الكريم وضد الثابت المتواتر من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في معاملته لأهل الكتاب خاصة، وللمشركين عامة، وما كان لهم منه - عليه الصلاة والسلام - من حُسن المعاملة؛ مما أدى إلى إسلام كثير منهم متأثرا بأخلاقه العالية، التي شهِد له بها القرآن الكريم، في قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم: 4).
 
وكذلك كان أصحابُهُ - رضوان الله عليهم - من بعده، في علاقاتهم مع أهل الكتاب، سواء في ذلك ما تعلق بمعاملاتهم إياهم، أو بتجاراتهم معهم، أو عهودهم، أو جوارهم، أو نحو هذا وذاك من شتى ضروب المعاملات والعلاقات، مما يشهد به تاريخهم النبيل في العهد الراشدي وبعده.
 
والأخلاق الإسلامية الراقية - تصوراً وممارسةً – هي من أهم أنواع الإعجاز التي تحدى بها القرآن الكفار. ولو مورست على غير وجهها لما كان لذلك التحدي معنى! فإنما تحداهم بها من خلال ممارسة المسلمين لها في علاقتهم الدولية العامة والإقليمية والمحلية. فقال صلى الله عليه وسلم في مثل هذا السياق: "المسلمون على شروطهم"11. وجعل للمعاهَدين وسائر المواطنين من غير المسلمين الأمانَ التام والسلام الكامل، وجعل حقهم على المسلمين مرتبطا بذمة الإيمان التعبدية، من خرمها انخرم إيمانه. 
وفي ذلك قال عليه الصلاة والسلام: "من قَتَل معاهَدًا لم يُرَحْ رَائِحَةَ الجنة! وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً!"12. 
وقال صلى الله عليه وسلم: "أيُّما رجلٍ أمَّنَ رجلاً على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء ، وإن كان المقتولُ كافراً!"13.
ومن هنا فليس عبثا أن جعل الله للكافر حقا عنده إذا ظلمه مسلم، وذلك في الحديث النبوي الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: "اتقوا دعوة المظلوم، وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب"14. بل أمرنا ألا نعامل الخائن بالمثل بل بالعفو والسماح كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك!"15.
 
إن تجزيء أحكام الشريعة، وعدم رد جزئياتها إلى أصولها الكليات، يوقع المرء في التخبط والاضطراب في الفهم والممارسة للدين. ومن ذلك أن بعضهم أخذ نصوص الشدة على الكفار، وأخرجها عن سياقها الحربي المؤقت، فجعل أحكامها أصولا مطلقة، لا ترتبط بحال دون حال. والواقع أنها مرتبطة بظروفها الحربية، أو بظروف سوء العلاقة التي يتسبب فيها الآخر ابتداءً، ويفرضها على المسلمين. فمن ذلك مثلا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه!"16.
 
وقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا لقيتم المشركين في الطريق فلا تبدؤوهم بالسلام واضطروهم إلى أضيقها!"17
 
وقوله صلى الله عليه وسلم: "إني راكب غدا إلى يهود، فمن انطلق منكم معي فلا تبدؤوهم بالسلام! فإن سلموا عليكم فقولوا: وعليكم!"18
 
وقد أخذ بعض الغلاة اليوم هذه الأحاديث، وأدخلوها جهلا وتعنتا تحت أصل "الولاء والبراء"، فطبقوها بظواهرها، وبصورة عشوائية، على كل يهودي أو نصراني صادفوه أمامهم! دون تَرَوٍّ، وبلا تبين لخصوصية سياقها، ولا لفقه مناطها في زمانها، ولا لما يستوجبه الفقه في زماننا هذا، من مراعاة شروط تحقيق المناط – بهذا العصر - في الحال والمآل. بينما كل هذه الأحاديث وأضرابها لا علاقة لها بأصل "الولاء والبراء". بل هي في ذاتها ليست على إطلاقها، ولا على ظاهر عمومها، بل هي مرتبطة بما فرضه أهل الكتاب المجاورون للنبي - صلى الله عليه وسلم – بالمدينة، من سوء الأدب في معاملتهم لرسول الله - عليه الصلاة والسلام – والتعريض به عند تحيته وملاقاته، وتضمين السب والشتم في عباراتهم وكلماتهم، له ولأصحابه صلى الله عليه وسلم – بأبي وأمي هو –، فكان الجواب لهم هو هذه التوجيهات الخاصة بهذا النوع من الظلمة المعتدين.
 
وهو واضح من سياق الأحاديث التالية، التي تبين سبب ورود هذه الأحكام جميعا، وظروف تطبيقها. بل تبين حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضبط النفس، وحمل أصحابه على عدم رد السيئة بسيئة، ولا بما هو أسوأ منها! بل أمر في سياق ذلك بالرفق وعدم الفحش؛ بما يرسخ الحقيقة القرآنية العظمى في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(الأنبياء: 107). والنصوص الآتية واضحة في هذا التوجيه بينة فيه.
 
فعن عائشة - رضي الله عنها – قالت: (استأذن رهط من اليهود على النبي  - صلى الله عليه وسلم – فقالوا: "السَّامُ عليك!" فقلت: "بل عليكم السَّامُ واللعنة!" فقال: "يا عائشة! إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله!" قلت: "أوَلم تسمع ما قالوا؟" قال: "قلتُ: وعليكم!")19
 
وللحديث صيغة أخرى عن عائشة - رضي الله عنها – "أن اليهود أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم – فقالوا: "السام عليك!" قال: "وعليكم!" فقالت عائشة: "السام عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم!"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مهلا يا عائشة! عليك بالرفق! وإياك والعنف أو الفحش!" قالت: "أوَلم تسمع ما قالوا؟" قال: "أوَلم تسمعي ما قلتُ؟ رددتُ عليهم، فيستجاب لي فيهم، ولا يستجاب لهم في!"""20. 
 
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "مَرَّ زُفَرُ [من يهود] برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "السام عليك!" فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – "وعليك!" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما يقول؟ قال: السام عليك!" قالوا: "يا رسول الله ألا نقتله؟" قال: لا! إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: "وعليكم!""21.
 
فعلى هذا السياق تحمل الأحاديث التي وردت في النهي عن بدء أهل الكتاب بالسلام؛ فلا يكون لها طابع العموم والإطلاق، بل هي مقيدة في نواهيها، ومخصوصة في شمولها بمثل ظروفها الواردة فيها. كما أن حشرها ضمن أدلة «الولاء والبراء» إنما هو ضرب من التنطع في الدين، وشعبة من الغلو في فهمه وتنـزيله.
 
ولله در الإمام عبد الرؤوف المناوي - رحمه الله – لما ساق من الفقه الحكيم، في بيان اختلاف التصرفات باختلاف المواطن، موفقا بين قوله تعالى: (وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ)(آل عمران: 159) وبين قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِـيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)(التوبة: 73) قال: "فهذا من باب إظهار عزة الإيمان بعزة المؤمن، وفي الحديث: "أن التبختر مشية يبغضها الله إلا بين الصفين"22 فإذا علمتَ أن للمواطن أحكاما فافعل بمقتضاها تكن حكيما!"23.
 
فهو إذن فقه الْمَوَاطِنِ المختلفة، والأحوال الطارئة من ظروف الحرب والسلم. وأما الأصل الثابت من معاملته - صلى الله عليه وسلم - لغير المسلمين فهو قوله تعالى: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)(فُصِّلَت: 34-35). 
 
ولذلك فلم تكن معاملته - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب إلا على موازين أخلاق القرآن، من البر والإحسان. فعن أنس رضي الله عنه قَالَ: "كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ! فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ! فَأَسْلَمَ! فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ!"24.
 
فتقييد نصوص الشدة على الكفار بظروفها، والانبساط إليهم في المعاملة، وبدؤهم بالسلام والكلام والتهادي، هو الذي جرى به العمل منذ عهد الصحابة والتابعين - وهو الذي عليه جمهور الفقهاء -، فقد قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قيل لابن عيينة: "هل يجوز السلام على الكافر؟" قال: "نعم، قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين). وقال: (قد كانت لكم إِسوة حسنة في إبراهيم)، الآية. وقال إبراهيم لأبيه: "سلام عليك". [قال القرطبي] قلت: "الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة""25.
 
ومن تراجم الإمام البخاري في صحيحه قوله رحمه الله: "بَاب الْهَدِيَّةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(الممتحنة:8)"، ثم أخرج بسنده عن ابن عمر - رضي الله عنهما – "أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم:َ "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ". ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا". فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا."26.
 
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: "أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جُبَّةَ سُنْدُسٍ"27.
 
وَلِأَبِي دَاوُد: "أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَقَةَ سُنْدُسٍ فَلَبِسَهَا"28.
 
وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه: "أَنَّ أُكَيْدِرَ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَوْبَ حَرِيرٍ فَأَعْطَاهُ عَلِيًّا فَقَالَ: شَقِّقْهُ خُمْرًا بَيْنَ الْفَوَاطِمِ!"29
 
وَفِي مُسْلِمٍ: "أَهْدَى فَرْوَةُ الْجُذَامِيُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَغْلَةً بَيْضَاءَ رَكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٌ".
 
وَعَنْ بُرَيْدَةَ عِنْدَ إبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ أَبِي عَاصِمٍ: "أَنَّ أَمِيرَ الْقِبْطِ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَارِيَتَيْنِ وَبَغْلَةً، فَكَانَ يَرْكَبُ الْبَغْلَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ لِنَفْسِهِ فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ وَوَهَبَ الْأُخْرَى لِحَسَّانَ".
 
وَفِي كِتَابِ الْهَدَايَا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ: "أَهْدَى يُوحَنَّا بْنُ رُؤْبَةَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ".
 
وَعَنْ أَنَسٍ أَيْضًا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا".
 
وَفي الصحيحين عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَت: "أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: أَصِلُهَا؟ قَالَ : نَعَمْ!"30. وزَادَ الْبُخَارِيُّ: "قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ)(الممتحنة: 8). وَجاءَ تَفْصِيلُهُ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: "قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ سَعْدٍ عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِهَدَايَا ضِبَابٍ وَأَقِطٍ وَسَمْنٍ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَأَبَتْ أَسْمَاءُ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَتُدْخِلَهَا بَيْتَهَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) إلَى آخِرِ الْآيَة، فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا."31.
 
قال الإمام الشوكاني معلقا على هذه النصوص: "وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنْ الْكَافِرِ."32 يعني مطلقا. ثم قال عن قصة أسماء مع أمها: "فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْهَدِيَّةِ لِلْقَرِيبِ الْكَافِرِ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْهَدِيَّةِ لِلْكَافِرِ مُطْلَقًا، مِنْ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ. وَلَا مُنَافَاةَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا بَيْنَ قوله تعالى: (لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الْآيَةُ(المجادلة:22)؛ فَإِنَّهَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ قَاتَلَ وَمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ خَاصَّةٌ بِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ."33 بمعنى أن عموم المقاطعة للكفار وجب حمله على الخصوص، فيتوجه المعنى إلى أن الأصل في العلاقة مع الكفار هو المعاملة بالبر والإحسان، إلا مع الظالم المحارِب.
 
ثم قال الشوكاني بعدها: "وَأَيْضًا الْبِرُّ وَالصِّلَةُ وَالْإِحْسَانُ لَا تَسْتَلْزِمُ التَّحَابَّ وَالتَّوَادَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ. وَمِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَاضِيَةِ بِالْجَوَازِ قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)(العنكبوت:8).
 
وَمِنْهَا أَيْضًا: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: "أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَسَا عُمَرَ حُلَّةً فَأَرْسَلَ بِهَا إلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ" (...) قَوْلُهُ : "فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا. .. إلَخْ" فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ قَبُولِ هَدِيَّةِ الْمُشْرِكِ كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ السَّالِفَةِ، وَعَلَى جَوَازِ إنْزَالِهِ مَنَازِلَ الْمُسْلِمِينَ"34. 

خاتمة

تَبَيَّنَ إذن أنَّ مفهوم «الولاء والبراء» في الدين، إنما شُرع لحفظ بيضة الإسلام، وذلك باحتضان المؤمنين بضعهم لبعض، وبإشاعة روح التعاطف والتواد والتراحم فيما بينهم، وبغض ما ينقض ذلك والتبرؤ منه. وهو أمرٌ لا يكون إلا بالوسائل المشروعة، التي جعلها الله ورسولُه أدوات لتحقيق مقاصده. ومدارُها على محبة الله ورسوله، والاندماجُ في النسيج العام للأمة، وممارسة الإصلاح لها من داخل بنيتها، التي هي هذا السواد الأعظم من المسلمين، وعدم الخروج عن ذلك إلى إثارة الفتن، وجر البلاد والعباد إلى ما لا طاقة لها به من الاضطراب والفساد!.
 
وخير ما نختم به عرضنا هذا، حكمة بالغة للعلامة ابن حجر العسقلاني - رحمه الله – بَيَّنَ فيها ضلال أهل الابتداع والغلو في الدين أبلغ بيان! قال رحمه الله: "وحسبك من قبيح ما يلزم من طريقتهم، أنا إذا جرينا على ما قالوه، وألزمنا الناس بما ذكروه، لزم من ذلك تكفير العوام جميعا! لأنهم لا يعرفون إلا الاتباع المجرد. ولو عُرِضَ عليهم هذا الطريق ما فهمه أكثرهم، فضلا عن أن يصير منهم صاحب نظر. وإنما غاية توحيدهم التزام ما وجدوا عليه أئمتهم في عقائد الدين، والعضُّ عليها بالنواجذ، والمواظبةُ على وظائف العبادات، وملازمةُ الأذكار بقلوب سليمة، طاهرة عن الشبه والشكوك. فتراهم لا يحيدون عما اعتقدوه ولو قُطِّعُوا إرْبا إرْبا! فهنيئا لهم هذا اليقين! وطوبى لهم هذه السلامة! فإذا كُفِّرَ هؤلاء، وهم السواد الأعظم، وجمهور الأمة، فما هذا إلا طي بساط الإسلام، وهدم منار الدين! والله المستعان!"35. 

هوامش

1  القاموس المحيط، مادة: "ولي".
2  المفردات، مادة: "ولي".
3  ن. المادة في: لسان العرب، والقاموس المحيط، ومختار الصحاح، ومفردات الراغب.
4  المفردات: "برأ".
5  ن. مثلا كتاب "الولاء والبراء في الإسلام" تأليف محمد بن سعيد القحطاني، وأيضا "الولاء والبراء في الإسلام" للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، ثم "الولاء والبراء بين السَّمَاحَةِ والغلو" للدكتور حاتم بن عارف بن ناصر الشريف. وهو من أجود هذه البحوث وأحسنها.
6 هي قوله تعالى: (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ، وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(براءة:5). وقد اختلف المفسرون في كونها ناسخة للعهود والمواثيق. وسياقها لا يقتضي ذلك إطلاقا.
7 متفق عليه.
8 رواه أبو داود، والنسائي، والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
9 متفق عليه.
10 متفق عليه.
11 رواه أبو داود والحاكم، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
12 أخرجه البخاري. 
13 أخرجه أحمد، والبخاري في التاريخ الكبير، والنسائي في سننه الكبرى، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه. كما صحّحه الألباني في صحيح الجامع الصغير. 
14 أخرجه الإمام أحمد وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة. 
15 أخرجه أبو داود، والترمذي وحَسّنه، كما أخرجه الطبراني والحاكم وصححه، ثم صححه الألباني في صحيح الجامع.
16 رواه مسلم عن أبي هريرة.
17 رواه ابن السني عن أبي هريرة. قال الشيخ الألباني : (صحيح) انظر حديث رقم: 791 في صحيح الجامع.
18 رواه أحمد، وابن ماجه، عن أبي عبد الرحمن الجهني مرفوعا. كما رواه أحمد، والنسائي، والضياء عن أبي بصرة. وصححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم: 2464.
19 متفق عليه. والسَّامُ: هو الموت.
20 متفق عليه.
21 رواه البخاري.
22  أخرج الطبراني في الكبير: (أن أَبا دُجانة يومَ أُحُد أعلم بعصابة حمراء، فنظر اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يختال في مشيته بين الصفين، فقال: "إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع!") وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه.)(مجمع الزوائد: 6 /109)
23 فيض القدير: 4 /277.
24 رواه البخاري.
25 الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 11 /111-112.
26 رواه البخاري.
27 متفق عليه.
28 الْمُسْتَقَةُ بِضَمِّ الميم وَفَتْحِهَا:  الْفَرْوَةُ الطَّوِيلَةُ الْكُمَّيْنِ وَجَمْعُهَا مَسَاتِقُ.
29  متفق عليه.
30 متفق عليه.
31  رَوَاهُ أَحْمَدُ.
32 نيل الأوطار: 6 /106.
33 نيل الأوطار: 6 /106.
34 نيل الأوطار: 6 /105 - 107.
35 فتح الباري: 13 /507. 

لائحة المصادر والمراجع

 - القرآن الكريم
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن للإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري. نشر دار الفكر، بيروت: 1408/1988.
- الجامع لأحكام القرآن للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد القرطبي، نشر دار الشعب القاهرة، تحقيق أحمد عبد العليم البردوني، ط. الثانية: 1372هـ.
- صحيح البخاري للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق مصطفى ديب البغا، نشر دار ابن كثير، واليمامة، بيروت، ط. الثالثة: 1407/1987م.
- صحيح الجامع الصغير وزيادته. تأليف محمد ناصر الدين الألباني. نشر المكتب الإسلامي. بيروت/دمشق. ط. الثالثة: 1408هـ/1988م.
- صحيح مسلم للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري للإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، نشر دار المعرفة، بيروت: 1379هـ.
- فيض القدير شرح الجامع الصغير للإمام عبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، ط. الأولى، مصر: 1356هـ.
- القاموس المحيط للإمام مجد الدين الفيروزأبادي. نشر دار الجيل بيروت.
- لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن منظور الإفريقي المصري، دار صادر بيروت.
- مجمع الزوائد للإمام علي بن أبي بكر الهيثمي، نشر دار الريان للتراث القاهرة، ودار الكتاب العربي، بيروت: 1407هـ.
- المفردات في غريب القرآن للإمام الراغب الأصفهاني.
- نيل الأوطار للإمام محمد بن علي الشوكاني، نشر دار الجيل بيروت: 1973.
- الولاء والبراء بين السَّمَاحَةِ والغُلُوّ" للدكتور حاتم بن عارف بن ناصر الشريف. بحث مقدم للمؤتمر العالمي عن موقف الإسلام من الإرهاب. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
- الولاء والبراء في الإسلام تأليف محمد بن سعيد القحطاني ط. الثالثة: 1409هـ. بلا ذكر لدار النشر ولا لمكان الطبع.

 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

 

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

إقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة المقبل بمختلف جهات وأقاليم المملكة
facebook twitter youtube