المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين
 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام المرسلين، وٍعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى من اتبع هداه واستن بسنته إلى يوم الدين. 
 
أما بعد، يعتبر مصطلح «الحاكمية»  اصطلاحا مولدا في التراث الإسلامي لم يُعرف استعماله في لغة العرب، وقد وردت أصوله في القرآن والسنة ومنها "الحُكمُ والحاكِم والتحكيم والحَكَمُ" كما في قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)1. 
 
وأول من استخدم اصطلاح الحاكمية في تاريخ الفكر الإسلامي المعاصر هو المفكر الهندي أبو الأعلى المودودي، ثم استعمله بعده سيد قطب رحمه الله، خاصة في كتابه "معالم في الطريق"، وتفسيره "في ظلال القرآن"، وشاع بين المفكرين الإسلاميين، لاسيما بعدما طُرح سؤال المرجعية في الحكم والتشريع، عقب حركات التحرر والانعتاق من ربقة الاستعمار الغربي التي ظهرت في العالم الإسلامي، وقد أصبح مرادفا للحكم في اصطلاح كثير من المتأخرين، ويراد به عند الإطلاق الشرعي "إفراد الله بالتحكيم والتشريع، وتفويض الحكم إليه في جميع الأمور"، كما هو مستفاد من نصوص كثيرة في القرآن والسنة، كقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا إِيَّاهُ)2.
 
ولم يكن مفهوم الحاكمية مثار أي التباس أو سوء فهم في الصدر الأول من تاريخ الأمة حتى ذر قرن الفتن، وتفرق المسلمون إلى شيع وطوائف، واشرأبت رؤوس الخوارج الذين حذر منهم النبي (ص) في قوله: "سيكون في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". فكان ما كان، ثم تجددت هذه الفتن في العصر الحديث.
 

الحاكمية عند فقهاء  الأمة

لقد أفضى مسلك التعميم والإطلاق في مفهوم الحاكمية إلى غلو وتقصير بين طوائف المسلمين، في الفهم والتنزيل لهذا المفهوم، ولذا ميز العلماء بين نوعين من الحاكمية، كما هو مستفاد من نصوص القرآن والسنة: 
 
(1) الحاكمية التكوينية: وهي إرادة الله الكونية القدرية التي تتمثل في المشيئة العامة المحيطة بجميع الكائنات، وهي "حاكمية الله" التي لا يشاركه فيها أحد. وفيها دلالة على إحاطة الله بشؤون الخلق والأمر، فلايقع ولايجري في الكون إلا ما سبق في حكم الله، كما قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالامرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (سورة الأعراف الآية: 54).
 وقال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ) (الأنعام 57).
 
(2) الحاكمية التشريعية: وهي التي تتعلق بإرادة الله الشرعية في الخلق، بتحكيم شرع الله في الناس، وهذه فوض سبحانه تنزيلها في الأرض للأنبياء والخلفاء وأولي الأمر وأهل الحل والعقد، ومنها تستمد "حاكمية الأمة" كما في قوله تعالى: (إن الله يامركم أن تودوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل). 
 
ويدخل في ذلك التحكيم في شؤون القضاء، وبعث الحكمين حالة الشقاق بين الزوجين، والحكم في صيد الحرم.. وإنزال النبي (ص)  أقواما عند حكم بعض الصحابة، واجتهاد الأمراء في أحكام التعزير في أبواب التصرف بالإمامة، ولذلك احتج ابن عباس على الخوارج في شأن التحكيم، بأن الله حكم العدول في الأبضاع وصيد أرنب، فكيف تنكرون التحكيم في شأن الأمة، فرجع منهم أربعة آلاف إلى الحق.
 
وقد حكّم النبي (ص) سعد بن معاذ في شأن بني قريظة الذين نقضوا العهد، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ النَّبِيُّ (ص) قُومُوا إِلَى خَيْرِكُمْ أَوْ سَيِّدِكُمْ، فَقَالَ يَا سَعْدُ إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، قَالَ حَكَمْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ أَوْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ"3.
 
كما دلت على ذلك سياسة النبي (ص) في بعث السرايا وآداب الحكم والقضاء، كما في حديث سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي (ص) "كان إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تمثلوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لا"4.
 
وفي هذه النصوص والآثار دليل على أن «الحاكمية التشريعية» من الأمور التي ناط الله تطبيقها وتنزيلها بالأنبياء وولاة الأمر من بعدهم، وأنها مجال اجتهاد البشر والتصرف بالإمامة والقضاء والفتوى، ضمن مرجعية الكتاب والسنة، وأن ولاة أمور المسلمين فيها بين مجتهد مأجور، ومخطئ معذور، ما اجتهدوا في تنزيل شرع الله، أصابوا ذلك أم لم يصيبوه. وهي مجال تنويع الوسائل وسن القوانين التي تحفظ مصالح الناس، في مجال النفوس والأعراض والأموال، وأنه لا مشاحة في ذلك، بل هو مطلوب لحفظ المقاصد والكليات، شريطة عدم مضاهاة أحكام الشريعة بما يتناقض مع مقاصدها.
 
فالأولى خاصة بالله، والثانية يمارسها الشعب من خلال منصب الإمامة، ومن ينوب عنه في ظل المرجعية الإسلامية للقرآن والسنة. 
 
أما آيات الحاكمية التي ثار حولها جدل الطوائف، فقد أطبقت كلمات المفسرين على أنها نزلت في الرد على أهل الكتاب الذين تحاكموا إلى النبي (ص) في شأن حد الزاني، وأخفوا الرجم الذي كان مكتوبا عندهم في التوراة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، وقد روى أهل الأثر عن طاووس قال: "سئل ابن عباس في قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: هي كبيرة، قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله"5.
 
قال ابن عطية الغرناطي: "وقالت جماعة عظيمة من أهل العلم الآية متناولة كل من لم يحكم بما أنزل الله. ولكنه في أمراء هذه الأمة كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان.. فلا يترتب له ما ذكر في المسلمين إلا على أنهم خوطبوا بقوله: (فلا تخشوا الناس)"6.
 
وقال البغوي: "وسئل عبد العزيز بن يحيى الكناني عن هذه الآيات، فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه، فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق، فأما من حكم بما أنزل الله من التوحيد وترك الشرك، ثم لم يحكم بجميع ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات"7.
 
وعليه، فلا تلازم بين مسألة الحاكمية وبين نواقض الإسلام، إلا من جهة الجحود العام والانسلاخ التام  من أحكام الدين، وإحالة الشرع المنزل إلى شرع مبدل، أما ما كان من جهة الهوى والتشهي أو مسايرة التيار العام لأهل الزمان، فإنه معصية تتناولها التوبة والمغفرة، لا يكون ذلك كفرا ينقل عن الملة بحال.
 
قال أبو بكر ابن العربي: "قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ، عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ"8.
 

مسألة الحاكمية بين سوء الفهم وسوء القصد

لا شك أنّ "توحيد الحاكمية" اصطلاح حادث في الملة لا مُشَاحَّةَ فيه، ما لم يتضمن معنى فاسدًا، إذ لمَّا تضمن معنى فاسدا صار اللفظ صحيحًا والقصدُ فاسدًا سيِّئا، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للخوارج لما قالوا له: "لا حكم إلا الله" وكان قصدهم فاسدًا، فقال لهم مقولته الشهيرة: "كلمة حق أريد بها باطل".  قال النووي رحمه الله: "معناه أن الكلمة أصلُها صِدق، قال الله تعالى: (إن الحكم إلا لله)، لكنهم أرادوا بها الإنكار على علي رضي الله عنه في تحكيمه"9.
 
وقد ارتبط سوء فهم مسألة الحاكمية بظاهرة الغلو في الدين التي انتحلها الخوارج، وكفروا بها عوام المسلمين، وهي ظاهرة قديمة حديثة تتجدد في المسلمين كلما وجدت القابلية في الناس لذلك، لقلة النضج العلمي، وسيادة الجهل، واستشراء سوء الفهم، والعصبية للرجال. كما قال الحسن البصري رضي الله عنه: "ضاع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه".
 
قال الطاهر بن عاشور: "فالغلو، في الغالب، يبتكره قادة الناس ذوو النفوس الطامحة إلى السيادة أو القيادة، بحسن نية أو بضده، إفراطا في الأمور، وذلك إما بداعية التظاهر بالمقدرة، وحب الإغراب لإبهات نفوس الأتباع، وتحبيب الانقياد.. أو حب الإكثار والزيادة والتفريع في الأمور المستحسنة لديهم، فإن النهم في المحبوب من نزعات النفوس"10.
 
وقد حدثت بسبب سوء الفهم والتنزيل للنصوص الواردة في شأن الحاكمية فتن، ماجت في الأمة كقطع الليل المظلم أريقت فيها دماء، وأزهقت فيها أرواح، وتكبدت الأمة بسببها فتنا ومحنا لم يزل شررها يتطاير في كل ناد، بسبب سوء الفهم أو سوء القصد.
كما قال رَسُولُ اللَّهِ (ص): "يكون بين يدي الساعة الهرج"، قالوا: يا رسول الله وما الهرج؟ قال: القتل، قالوا: أكثر مما نَقتل؟ قال: إنه ليس من قتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا، قال: ومعنا عقولنا؟ قال: إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان". قَالَ، وفي رواية أحمد وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ"11. 
 
ومعلوم أن سوء الفهم كان سبب كل فتنة وبلاء في الإسلام، فإذا انضاف إليه سوء القصد، فيا محنة الدين والشريعة!!.
مسألة الحاكمية في فكر الفرق الإسلامية 
 
كانت مسألة الحاكمية في تاريخ المسلمين مثار جدل ونزاع بين طوائف من المسلمين، كالخوارج والشيعة وغلاة المكفرة في زماننا ممن أساءوا فهمها ووضعها في غير موضعها، فتحولت من «حاكمية الله» إلى «حاكمية الطوائف» التي نصبت نفسها وكيلا عن صاحب الشريعة، وأرهجت بذلك بلاد الإسلام فتنا، وانقلبت الحاكمية عندها إلى «كلمة حق أريد بها باطل» كما قال علي رضي الله عنه للخوارج.
 

الخوارج الحرورية ومسألة الحاكمية

 
اتخذ الخوارج قديما مسألة الحاكمية ذريعة ومطية إلى تكفير العوام والحكام، وإعلان العصيان والخروج على الأمة، وإلزام المسلمين بقاعدة لبس بها عليهم الشيطان "من لم يكفِّر الكافر فهو كافر"، وهم أول نابتة أهل الأهواء في الإسلام "كفروا أهل القبلة والمعاصي وحكموا بتخليدهم في النار، واستحلوا دماءهم وأموالهم، حتى الصحابة من السابقين الأولين"12.
 
وقد خرجوا إلى حروراء وسموا بالحرورية، وسموا "الخوارج" لخروجهم على علي، وزعموا أنه من الخروج في سبيل الله، وسموا أنفسهم الشُّراة"13 لقوله تعالى: (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)، وهذا افتئات وتأويل بعيد. 
 
وقد كان أكثر الخوارج من أجلاف الأعراب الذين ألفوا شظف العيش والخشونة، وكانوا عُبادا زهادا، يقومون الليل ويصومون النهار، كما قال النبي (ص) "يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم"، فلم ينفعهم شيء من ذلك إزاء فساد الأصول والمشارب، حيث غلب عليهم الجهل، فكانوا لا يميزون بين مراتب الأحكام، ولا يعرفون لمنازلها وردا ولا صدرا، فكان ما يفسدون في الدين أكثر مما يصلحون. فقد لووا أعناق النصوص، وأساءوا تنزيلها في غير محالها، حيث كفروا المسلمين، وسفكوا دماء الأبرياء، ونهبوا أموالهم، وسبوا نساءهم وذراريهم، وأضعفوا أمر الخلافة، وشغلوا الأمة زمنا بحروبهم. ولم يكن ينتظر منهم غير ذلك لأن منطلقهم في الفهم والعقيدة كان أعمى عن رؤية الحق.كما قال الله تعالى: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا)14. 
 
وكان أصل بدعتهم التنطع وسوء الفهم عن الله ورسوله، في خلافهم مع علي رضي الله عنه، حيث أنكروا عليه قبول التحكيم، وطلبوا منه الحكم على نفسه بالكفر، أو نقض ما أبرمه مع معاوية، وقالوا: "لاحكم إلا لله" فصار ذلك شعارا لهم وسموا "المحكِّمة"، وخرجوا على علي رضي الله عنه بعد رجوعه من صفين، انحازوا الى حروراء، وهم يومئذ اثنا عشر ألف مقاتل، بزعامة عبد الله بن الكواء، وشِبت بن ربعى، ثم ناظرهم علي فرجع منهم ابن الكواء مع عشرة من الفرسان، وانحاز الباقون إلى النهروان وأمروا على أنفسهم عبد الله بن وهب الراسبي وحرقوص بن زهير البجلي بــ "ذي الثدية". 
 
وقد غالوا في آرائهم، وجادلوا خصومهم بفصاحة وبيـان، وأخذوهم بعنف وقوة، فلما يئسوا منه، اجتمعوا في منزل سليمان بن صرد، وخطب خطيبهم يقول: "أما بعد: فإنه لا ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآن، أن تكون هذه الدنيا أثر عندهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول  الحق، فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى بعض كور الجبال، أو إلى  بعض هذه  المدائن، منكرين هذه البدع المضللة".
 
فكان ذلك منطلق الشر في الأمة، لأنهم فارقوا الجماعة، وخرجوا على السواد الأعظم، كما قال عمر بن عبد العزيز: "ما تناجى قوم دون جماعتهم إلا كانوا على تأسيس ضلالة". 
 
ومن فواقرهم أنهم التقوا عبد الله بن خباب بن الأرت، فقالوا له حدثنا حديثا سمعته عن أبيك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: سمعت أبي يقول، قال رسول الله: "ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، فمن استطاع أن يكون فيها مقتولا فلا يكونن قاتلا" فشد عليه رجل من الخوارج بسيفه فقتله، فجرى دمه فوق ماء النهر كالشراك الى الجانب الآخر، ثم دخلوا منزله فقتلوا ولده وجاريته أم ولده، ثم عسكروا بالنهروان فسار إليهم علي في أربعة آلاف من أصحابه، فأرسل إليهم على أن سلموا قاتل عبد الله بن خباب فأرسلوا إليه، إنا كلنا قتله، ولئن ظفرنا بك قتلناك، وناظرهم ابن عباس قبل القتال فيما نقموا على علي من المسائل، ففل من غربهم، ورجع منهم ثمانية آلاف، وبقي منهم أربعة آلاف15.

 

مناظرة ابن عباس للخوارج في مسألة الحاكمية

روى ابن عبد البر بسنده، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما اجتمعت الحرورية يخرجون على علي، جعل يأتيه الرجل فيقول: يا أمير المؤمنين! إن القوم خارجون عليك، قال: دعهم حتى يخرجوا. فلما كان ذات يوم قلت: يا أمير المؤمنين! أبرد بالصلاة فلا تفتني حتى آتي القوم ـ قال ـ فدخلت عليهم وهو قائلون، فإذا هم مسهمة وجوههم من السهر، قد أثر السجود في جباههم، كأن أيديهم ثفن الإبل عليهم قمص مرخصة، فقالوا: ما جاء بك با بن عباس؟ وما هذه الحلة عليك؟ ـ قال ـ قلت: ما تعيبون من ذلك؟ فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه أحسن ما يكون من الثياب اليمنية ـ قال ـ ثم قرأت هذه الآية: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق) فقالوا:ما جاء بك؟ قال: جئتكم من عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيكم منهم أحد، ومن عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله، جئت لأبلغكم عنهم وأبلغكم عنكم، فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشاً فإن الله يقول: (بل هم قوم خصمون) فقال بعضهم: بلى ! فلنكلمه ـ قال ـ فكلمني منهم رجلان، أو ثلاثة ـ قال ـ قلت ماذا نقمتم عليه؟ قالوا: ثلاثاً. فقلت: ما هن؟ قالوا: حكم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: (إن الحكم إلا لله) ـ قال ـ هذه واحدة، ماذا أيضاً؟ قالوا: فإنه قاتل فلم يسب ولم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم، ولئن كانوا كافرين لقد حل قتالهم وسبيهم ـ قال ـ قلت: وماذا أيضاً؟ قالوا: ومحا نفسه من إمرة المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين ـ قال ـ قلت أرأيتم إن أتيتكم من كتاب الله وسنة رسوله بما ينقض قولكم هذا، أترجعون؟ قالوا:وما لنا لا نرجع؟
قال ـ قلت ـ أما قولكم حكم الرجال في أمر الله فإن الله قال في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ) وقال في المرأة وزوجها: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) فصير الله ذلك إلى حكم الرجال، فناشدتكم الله ! أتعلمون حكم الرجال في دماء المسلمين وفي إصلاح ذات بينهم أفضل أو في دم أرنب ثمنه ربع درهم؟ وفي بضع امرأة؟ قالوا: بلى ! هذا أفضل: قال: أخرجتم من هذه؟ قالوا: نعم !
قال وأما قولكم: قاتل ولم يسب ولم يغنم أتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها. فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، فأنتم ترددون بين ضلالتين، اخرجتم من هذه؟ قالوا: بلى !
قال: وأما قولكم: محا نفسه من إمرة المؤمنين فأنا آتيكم بمن ترضون "إن نبي الله يوم الحديبية حين صالح أبا سفيان وسهيل بن عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال أبو سفيان وسهيل بن عمرو: ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. قال رسول الله: اللهم إنك تعلم أني رسولك، يا علي اكتب: هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وأبو سفيان وسهيل بن عمرو قال: فرجع منهم ألفان وبقي بقيتهم فخرجوا فقتلوا أجمعون"16. 
 
وقد قاتلهم علي مع أعلام الصحابة في معركة النهروان عام 36 هـ. وصح عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه وقف على قتلاهم من الأزارقة في أبواب المدائن، فَقَالَ: "كِلابُ النَّارِ كِلابُ النَّارِ ثَلاثًا، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ، ثُمَّ قَرأَ (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) وفي رواية لأحمد: ثُمَّ إِنَّهُ بَكَى ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ يَا أَبَا أُمَامَةَ أَرَأَيْتَ هَذَا الْحَدِيثَ حَيْثُ قُلْتَ كِلَابُ النَّارِ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ شَيْءٌ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ؟ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنِّي إِذًا لَجَرِيءٌ، لَوْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى ذَكَرَ سَبْعًا.. فَقَالَ الرَّجُلُ لِأَيِّ شَيْءٍ بَكَيْتَ، قَالَ رَحْمَةً لَهُمْ أَوْ مِنْ رَحْمَتِهِمْ"17.
 
ولذلك قال علي رضي الله عنه لما رأى ما آلوا إليه: "إنه ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه". وقد أبادهم يومئذ عن بكرة أبيهم، فلم يفلت منهم غير تسعة أنفس، صاروا منهم الى سجستان واليمن وعمان والجزيرة، ومن أتباعهم كان بقايا الخوارج في الجزيرة18.
 
ولم يزل بهم الشيطان حتى حملهم على قتل سادات المسلمين، وذلك من علاماتهم "يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان".      وقد تقرب زعيمهم عبد الرحمن بن ملجم إلى الله، كما زعم، بقتل علي بن أبي طالب، وطعنه وهو في المسجد يصلي، ومدحه بذلك عمران بن حطان الخارجي قائلا:
 
يا ضربة من تقي ما أراد بها         إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يومـــا فأحسبـــه         أوفى البرية عند الله ميزانا
 
ورغم هزيمتهم في معركة النهروان، فقد ظلوا شوكة في تاريخ الدولة الإسلامية، وكبدوها الويلات في معارك متواصلة، ثم ضعف شأنهم في العصر العباسي19. وامتد تأثير أفكارهم إلى العصر الحديث.

دعاة العصمة وحاكمية الأئمة

كما أن أدعياء "عصمة الأئمة" صاروا في نفس المنحى، حيث اصطنعوا لأئمتهم سلطة إلهية، صار عليها الولاء والبراء، حتى  قال قائلهم: "إن من ضروريات مذهبنا، أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه نبي مرسل، ولا ملك مقرب"22، وجعلوا لهم "حاكمية" بناء على عقيدة الإمامة، و"خلافة تكوينية تخضع لها جميع ذرات الكون".
 
وقد ظهرت هذه الدعوة لحاكمية الأئمة، زمن بني عبيد، لما قويت شوكتهم بمصر، وتوطد ملكهم بها، وكان ذلك زمن المعز لدين الله. كما أفصح عن ذلك الشاعر أبو عيسى بن هانئ في مدحه، وقال:
 
ما شئت لا ما شاءت الأقدار        فاحكم فأنت الواحد القهار
وكأنمـا أنت النـبي محمد           وكأنما أنصارك الأنصار
أنت الذي كـانت تبشرنا            به في كتبها الأحبار والأخبار
هذا إمـام المتقين ومـن به          قد دوخ الطغيـان والكفار
هذا الذي ترجى النجاة بحبه        وبه يحط الإصـر والأوزار
هذا الذي تجدي شفاعته غــدا       حقـا وتخمد أن تراه النار
 
فاعتبروا من خالف حاكمية الأئمة المعصومين كافرا خارجا عن الملة، حلال الدم. ولذلك كفروا الصحابة لما زعموا أنهم كتموا وحرفوا أمر الوصية بالإمامة لعلي وأئمة آل البيت من بعده. وخرجوا في ثورات مسلحة ضد جماعة المسلمين، وأعملوا السيف في رقاب مخاليفهم، كما حصل لعلماء المالكية مع العبيديين الروافض، فقد نكل بهم العبيديون وأذاقوهم صنوف العذاب، كما حكى القاضي عياض في المدارك، وابن ناجي في معالم الإيمان.
 
قال القاضي عياض: "كان أهل السنة أيام بني عبيد في حال شديدة من الاهتضام، تجري عليهم المحن في أكثر الأيام، ولما أظهر بنو عبيد أمرهم، ونصبوا حسينا الأعمى السباب، لعنه الله في الأسواق، للسب بأسجاع لُقنها، ثم انتقل منها إلى سب النبي صلى الله عليه وسلم، في ألفاظ حفظها، كقوله: العنوا الغار وما وعى، والكساء وما حوى، وغير ذلك، وعلقت رؤوس الحمر على أبواب الحوانيت، عليها قراطيس، معلقة مكتوب فيها أسماء الصحابة، اشتد الأمر على أهل السنة، فمن تكلم أو تحرك قتل ومثل به"24.. 
 
وممن أوذي في تلك المحنة من علماء المالكية "أبو بكر بن الهذيل، وأبو إسحاق بن البرذون"، قتلا وسحبا في أذناب الدواب، لعدم إفتائهما بإحاطة البنات بالميراث، كما هو مذهب الروافض الإثني عشرية، من أجل أن تكون فاطمة أحاطت بميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم.  قال القاضي عياض: "فقتلا ثم ربطت أجسامهما بالحبال، وجرتهما البغال مكشوفين بالقيروان، وصلبا نحو ثلاثة أيام، ثم أنزلا ودفنا"25.
 
وقد مارس الروافض باسم "حاكمية الأئمة" ضروبا من الاستبداد الديني والتسلط السياسي على رقاب المسلمين، أيام عُتُوّهم، زمن بني عبيد والقرامطة وأيام الصفويين حيث ساموا علماء الأمة وأهل السنة سوء العذاب في عهود تسلطهم، ولم يزل ذلك مستمرا تحت مظلة حاكمية الأئمة المعصومين. 

سوء فهم الحاكمية بين غُلاة المكفِّرة من خوارج العصر 

بعد انبعاث ظاهرة الغلو التي خرج قادتها التاريخيون إبان محنة الإخوان المسلمين في المشرق، ظهر دعاة التكفير الذين نظروا إلى المجتمع نظرة سوداء، يطبعها اليأس من أي إصلاح، وغلاة المكفرة نابتة من بقايا الخوارج، ظهروا في هذا الزمان بسبب قلة العلم وسيادة الجهل بين المتحمسين، وسادت في أوساطهم انحرافات فكرية خطيرة، تهدد منحى الاعتدال في العمل الإسلامي.
 
فعمدوا إلى تكفير المجتمعات والحكام، وأعلنوا العصيان، وركبوا مطية الحاكمية بفهم سطحي ظاهري، وأعلنوا العمل المسلح الذي راح ضحيته كثير من العلماء ورموز السياسة في الأمة، والأبرياء المستأمنين.
 
وقد خرجت أكثر أفكارهم في الغلو والتكفير والإرهاب من رحم السجون، تحت وطأة التعذيب الذي تعرض له الإخوان في مصر وسوريا، حيث ولد ذلك ردة فعل عند بعضهم كمصطفى شكري وكرم زهدي وغيرهم، ممن اعتقدوا كفر الحكام، وكفر المجتمعات الساكتة على كفرهم وظلمهم. ثم صار لهم أتباع انتحلوا تلك الأفكار، وبدأوا بعدما خرجوا من السجون ببث أفكار الرعب والغلو بين الناس حتى صار منهم ما صار، وانتشروا في كثير من بلاد الإسلام، متخذين العمل الإسلامي دثارا، والجهل والغلو إماما، والتكفير وسفك الدماء ونهب الأموال جنة وشعارا. ومن أصول هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه:
 
      1 - اعتقاد التفرد بالنجاة ومعرفة الحق
فإنه قد حملهم الاغترار بلزوم بعض ظواهر السنن، والغلو في العصبية لفهوم حرفية ظنوها غاية المرام، على اعتقاد التفرد بمعرفة الحق، اغترارًا منهم بأنهم وحدهم «الطائفة الناجية» وأن من سواهم على الباطل، ولو كان المخالفون لهم أصحاب خلاف في فروع المسائل الفقهية والسياسية، فصار من خالفهم في مسألة من ذلك مخالفا للسنة، شاذًّا عن الجماعة، مفارقا لحاكمية «الطائفة المنصورة».
 
وقد وُجد من قعَّد لهم قواعد في مفاصلة كل مخالف، وهجر كل مناوئ لفهوم بعض المتشبهين بالعلماء، فصارت النجاة منوطة بموالاتهم، والانتساب لرأيهم، مناداتهم بنبذ المذاهب الإسلامية جمعاء !!.
ومما قوّى لديهم هذه الشبهة، فهمهم السيء لآيات الحاكمية، وحديث افتراق الأمة، عن معاوية رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، يعني الأهواء، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله"26. 
 
فحملو افتراق أهل الأهواء على اختلاف المذاهب الإسلامية، دون تمييز بين المفارقة في الأصول والعقائد، واختلاف المذاهب التي وجدت منذ سالف الأزمان ولم توجب هذا الفهم الكاسد، الموجب لإقحام المذاهب الإسلامية ضمن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا.
 
وأكثر المحدثين ذكروا هذا الحديث في أبواب الفتن وقتال أهل البغي، وقرنوه بأحاديث قتال الخوارج، وحملوا معنى الافتراق على طوائف الضلال المخالفة لإجماع الأمة في العقائد والأصول، كالخوارج، والمرجئة، والقدرية، والقرامطة، والخرمية، ومن جرى مجراهم27. قال القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيدهم ثم يقولون هذا من عند الله): "فكل من بدل وغيَّر، أو ابتدع في دين الله ما ليس منه ولا يجوز فيه، داخل تحت هذا الوعيد الشديد والعذاب الأليم"28.
وقد بالغ هؤلاء في هذا الشأن، واتخذوه دينا وعقيدة يدينون بها الله، ونصبوا أنفسهم وكلاء عن الله، يحاكمون العباد إلى «حاكمية الطائفة الناجية» كما يزعمون، فيدخلون في منهاج الطائفة الناجية، ويخرجون من يشاءون، دون أدنى فقه لقواعد التصنيف والحكم على الطوائف والرجال. وآفتهم كانت من جهة سوء الفهم، وضعف التمرس بآلات فقه النصوص والأحكام، والاعتداد بالرأي في المظنونات، مما يفضي بالمرء إلى أن يسترسل مغرورا في عناده، وأن يعصي الله في عباده.
 
      2 - هجر المجتمعات وتكفير المخالفين 
فقد صار هؤلاء ينظرون إلى المجتمعات نظرة سوداء متشائمة من كل خير أو أمل في إصلاح، مما ولد لديهم سوء فهم لمعنى العزلة وهجران الفتن، اعتقادا منهم بأنّ الأمة عطلت الشرائع،  جملة وتفصيلا، فوجب الهجر والعزلة بسبب سوء التأويل لأحاديث الفتن، مثل حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"يأتي على الناس زمان خير مال الرجل المسلم الغنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن"29. 
وهي أحاديث متعلقة بأحوال خاصة، حين يرتفع الخير ويكثر الشر، ويقل المال الحلال، وتموج الفتن، ويفشو الهرج والقتل تحت رايات عمية.
 
ولذلك صاروا يرون حرمة الاشتغال بوظائف الدولة، أو التعلم والدراسة في المدارس والجامعات، لأنها مؤسسات تابعة لحاكمية الطواغيت والمشركين كما يزعمون، فكثر فيهم الجهال والأميون، وهجر كثير منهم الوظائف والمدارس لأجل ذلك. كما ترك طائفة منهم صنائعهم وهجروا ديارهم، وخرجوا إلى قرى نائية، وتخلصوا من كل وثائقهم الإدارية، لأنها من رسوم الكفر وشريعة المجتمعات الجاهلية، وصاروا يمتهنون بيع الأعشاب أمام مساجد لايصلون فيها، إذ يرونها المهنة الوحيدة لكسب الحلال، لأنها لاترتبط بمؤسسات جاهلية، ولما ضاقوا ذرعا بذلك، وأمضتهم الحاجة، رجع بعضهم عن ذلك الخبال، ولا يزال لفكرهم نفوذ بين الأميين والبسطاء.ومنهم غلاة المكفّرة اليوم الذين يعتقدون أن المخالفين لهم من عوام المسلمين والقائمين على أجهزة الدولة كفار وأعداء الإسلام، لأنهم رضوا بالحكم بغير ما أنزل الله، ومن رضي بحكم الكافر فهو كافر حلال الدم.
 
ومن طرائف ما يحكى عن أحدهم أنه دخل السجن مع عدد من أصحابه، وكان يخرجهم السجانون كل يوم من الزنازن إلى ساحة يتفسحون فيها، فمرة مكث منزويا مع صاحبه، وقال له: "يامحمود ترى هؤلاء الإخوان كلهم كفار، ورجال الحكومة كفار، ولم يبق اليوم في مصر مؤمن إلا أنا وأنت وصاحب لي أكفره احتياطا"  خشية أن يكون صاحبه كافرا فيتردى بعدم تكفيره في داهية30.
 
فكافة المستضعفين المغلوبين على أمرهم من أهالي البلاد الإسلامية، في نظرهم تجري عليهم أحكام الكفر، ويرون بلادهم دار كفر وحرب، وكل ما تتوفر عليه من المصالح والمؤسسات العمومية للدولة يعد غنيمة وفيئا يحل الاستيلاء عليه، واستغلاله للتمكين لدين الله في الأرض وإعلاء راية الجهاد!! 
 
وهذا من الفهم المعوج، والمكر السيء بهذه الأمة، فأي دين هذا الذي يستحل السرقة والنهب باسم الدين، ويستبيح أموال الأبرياء وأعراضهم ويحكم على مجتمع مسلم بأنه دار حرب، فيكفر من بها من المسلمين ويهدر دماءهم، ويستبيح أموالهم وذراريهم.. فلقد أزرى هؤلاء بأحكام الشريعة، وأساءوا إلى الإسلام إساءة بالغة في نظر الذين لا يميزون الغث من السمين، ولا يعرفون الشمال من اليمين.
 
      3 - نهج خيار العنف في التغيير
فقد صار هؤلاء اليائسون لايعرفون من الدين سوى خيار العنف، وفتح جبهات الصراع مع المخالفين، وركوب طريق الدماء والأشلاء، إذ يرونه السبيل الوحيد لنصرة الإسلام، بدل الدعوة والعلم والتدرج في التربية !!. لأنهم استطالوا أمد نصر الله للمسلمين، بعدما رأوا المحن التي تعرضت لها الحركات الإسلامية في المشرق، ولم تجن وراء صبرها في نظرهم، سوى التقهقر والبقاء في الظل، وتعطيل الحكم بما أنزل الله.
 
وقد ركبوا لذلك مطايا الغلو والتحريف، فصاروا يحشرون ويتصيدون آيات وأحاديث السيف والقتال، يحرفونها عن مواضعها، وينزلوها في غير منازلها. ومنها آيات السيف في سورة التوبة، وحديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله". وحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأَيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي.." الحديث31. 
وحديث ابنِ عُمَرَ أن رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ، حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ". وهو من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان،  قال أحمد: أحاديثه مناكير.
 
ومع ذلك يطرحون المحكّمات ويتبعون المتشابهات. فتراهم يسلخون هذه النصوص من مواردها، وسياقها الذي وردت فيه، ويخرجون بها إلى فهوم  غاية في السطحية والحرفية، فيرونها دالة على وجوب قتال المشركين، وتتبعهم في كل زمان ومكان، واختطافهم رهائن، والقعود لهم بكل مرصد، ويدخل معهم من حكموا بكفرهم من المسلمين.
 
وهذا سبيل الجهلة المتحمسين الذين لا يجدون ما يقدمون من أدوية ومشاريع إصلاحية لعلل الشعوب، فيرون أن هذه الأمة إنما تنصر بالرعب والإرهاب، لا بالدعوة والتدرج في الإصلاح كما أمر الله، مما يرونه أمرا بعيد المنال بسبب الجهل وقصور النظر. 
 
وقد بلغ ببعضهم الجهل والغلوّ، أن حكموا بجواز قتل النساء والأطفال في أحداث العنف التي جرت في بعض البلدان، نكاية بالأنظمة والحكام، مع أن ذلك قتال فتنة، لا يستبين فيه وجه الحق، وأولئك الأبرياء من المستضعفين الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، وقد حرمت الشريعة التعرض لهم بشيء من الأذى، ولو كانوا غير مسلمين، فما بالك بأنهم من ذراري المسلمين. فصنف متنطع من رؤوس هؤلاء رسالة سماها "تنبيه الإخوان إلى جواز قتل الذراري والنسوان"32. وفي هذا ما فيه من النكاية بالإسلام والافتئات على دين الله، وقد قال ابن مسعود رضي الله: "أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار".
خاتمة 
 
لقد أثبتت التجربة، في تاريخ اعتلاج الأهواء والفتن، أن منهج الترشيد والحوار مع طوائف المخالفين من أنجع سبل علاج ظاهرة الغلو والتطرف، والتي كان للعلماء فيها دور أساسي في النقد والتحليل، وبيان جذور الظاهرة وكشف العلل والأدوية الفكرية في هذا المضمار.
 
فبفعل الحوار والعمل الراشد لعلماء الأمة قد حصلت أوبة لقادة أكبر تيار في هذا المنحى، حيث تراجعت الجماعة الإسلامية، في مصر، عن بعض معتقداتها، وآبت إلى العمل في ظل الشرعية مع السواد الأعظم، وقررت أن مسألة الحاكمية لا علاقة لها بالحكم على الأشخاص بالكفر أو النفاق، وأن البلاد لم تجن من الخروج على الحكام سوى إراقة الدماء، وهدر الطاقات، والخسائر الفادحة، وعشرات الآلاف من المعتقلين والخراب والدمار، وأن وجود بعض المظالم والمعاصي لا يُسوِّغ القول بجاهلية المجتمع المعاصر.
 
ولا سبيل إلى سداد الفهم وترشيد سلوك أبناء الأمة في شأن مسألة الحاكمية، إلا بفقه منزلتها في التشريع، وتعريفهم بمن وكلهم الله بحفظها، ووضعها في موضعها، بالرجوع إلى فقه علماء الأمة وأئمة الهدى الذين لم يعدموا شجاعة ولا إخلاصا، ولم تلن لهم قناة في الحق، ومع ذلك عاشوا في عصور تطبعها مظاهر الضعف البشري، والاختلال السياسي في سياسة الدين والدنيا، ولم يزالوا يأمرون الأمة بوحدة الصف والكلمة ولزوم غرز السنة والجماعة، لأن الخلاف شر، والفرقة سبيل الضعف والهوان وطريق إلى ضياع مجد أمة. كما قال الإمام مالك: "السنن سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق". 

هوامش 

1 سورة النساء الآية:65.  
2 سورة يوسف الآية:40.
3 أخرجه البخاري في المناقب3520 - ، ومسلم في صحيحه 3314.
4 أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير 3261، باب تأمير الْإِمَامِ الْأُمَرَاءَ عَلَى الْبُعُوثِ وَوَصِيَّتِهِ إِيَّاهُمْ بِآدَابِ الْغَزْوِ..
5 تفسير ابن أبي حاتم الرازي 22 /301)
6 تفسير المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي: 2 / 294
7 تفسير البغوي - (ج 3 / ص 61)
8 أحكام القرآن لابن العربي - (ج 3 / ص 213).
9 أخرجه مسلم (2/749) [1066] من طريق عبيد الله بن أبي رافع عنه.
10 أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، للطاهر بن عاشور: 23.
11 أخرجه أحمد في المسند 18672، وابن حبان في صحيحه 6834. 
12 معارج القبول للحكمي: 3 /1172
13 ومن أسمائهم كذلك"الشراة" لأنهم في زعمهم باعوا أنفسهم لله تعالى (ومن النـاس من يشري نفـسه ابتـغاء مرضاة الله) البقرة، الآية: 207.وكانوا قسمين:أحدهما بالعراق في منطقة "البطائح" استولوا على كرمان وفارس وهددوا البصرة، وكان المهلب بن أبي صفرة صاحب البلاء معهم، ومن رجالهم » نافع بن الأزرق وقطري بن الفجاءة، وثانيهم "بجزيرة العرب "استولوا على اليمامة، وحضرموت، والطائف ومن أشهر أمرائهم أبو طالوت، ونجدة بن عامر.
14 سورة الكهف: الآية: 103-104
15 الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي: 57.
16 الاعتصام للشاطبي: 470
17 أخرجه أحمد في المسند 18923، والترمذي في التفسير 3000، وابن ماجة: 173. وهو حديث حسن رجاله ثقات متقنون سوى أبي غالب الراوي عن أبي أمامة وثقه الدارقطني وقال ابن معين صالح الحديث، وقال الحافظ: صدوق يخطئ. وله شاهد صحيح في مسند أحمد 19635من حديث عبد الله ابن أبي أوفى قَالَ "لَعَنَ اللَّهُ الأَزَارِقَةُ لَعَنَ اللَّهُ الأَزَارِقَةُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنَّهُمْ كِلاَبُ النَّارِ قَالَ قُلْتُ الأَزَارِقَةُ وَحْدَهُمْ أَمِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا قَالَ بَلَى الْخَوَارِجُ كُلُّهَا" 
20 الفرق بين الفرق: 60
21 "الفصل في الملل والأهواء والنحل" لابن حزم:5/51. 
23 انظر الحكومة الإسلامية للخميني: 56.
24 ترتيب المدارك في معرفة أعيان مذهب مالك: 
25 انظر ترتيب المدارك في معرفة أعيان مذهب مالك: 5/ 119.
26 أخرجه ابن ماجة:3996 وأحمد في المسند 16329، والحاكم في المستدرك: 1/218 والطبراني
27 انظر اعتقاد أهل السنة للالكائي: 11/106، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 187. 
28  الجامع لأحكام القرآن: 2/9.
29 أخرجه البخاري 5/2382، باب العزلة راحة من خلاط السوء.
30 محاضرة المسلمون في الغرب، للدكتور محمد فؤاد البرازي، جامعة ابن طفيل مارس 1998.
31 أخرجه البخاري في كتاب التيمم 1/128، والنسائي في السنن: 1/212 حديث 433، وابن حبان في صحيحه: 14/308، والبيهقي في السنن: 2/433.
32 وفيه ضعف رواه أحمد في المسند: 486، وابن أبي شيبة (4/212)، والبيهقي في الشعب (2/75)، والطبراني في مسند الشاميين (1/135) وذكره البخاري تعليقا، باب ما جاء في الرماح. من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ثنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي، عن ابن عمر، وعبد الرحمن بن ثوبان قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير. وقال مرة: لم يكن بالقوي في الحديث..وقال يحيى بن معين: صالح. وقال في موضع آخر: ضعيف.. زاد معاوية فقلت: يكتب حديثه؟ قال: نعم على ضعفه وكان رجلا صالحا.

 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube