الخميس 4 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 23 نوفمبر 2017

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

أدلة سنية السدل في الصلاة

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

مدخل

الإسلام في يوم الناس هذا- وكما هي طبيعته دائما- ليس فقط « جواز مرور « إلى الجنة عندما نلقى الله تعالى، بل إنه قبل أن نلقى الله تعالى هو ضمان استمرار الحياة لنا على ظهر الأرض.
 
فهذا الدين ليس فقط تأمين آخرتنا عند ربنا..إنه الآن تأمين حياتنا العاجلة. وقد فهم المسلمون – منذ أن أكرمهم الله بنور هذا الدين- أن الإيمان هو أساس نهضتهم، وأن الإسلام هو سياج عزتهم، فانطلقوا يبنون على قواعده ، ويؤسسون على مبادئه، ويتجهون إلى غاياتهم وأهدافهم ..
 
فقد تعلموا من الإسلام أنه جاء ليكون من هذا العالم المتقطع الأوصال المتنافر وحدة متآلفة متناسقة تقدم جهودها لتزيد في عملية السير مضاء واندفاعا إلى الأمام.
 
وظل المسلمون من أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الفرق بين المسلم وغير المسلم هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، إلى أن ابتلى مجتمعنا اليوم بفتنة من يزعم أن المسلمــــين قد كفروا لأنهم ينطقون بشهادة لا يعرفون معناها ولا يعملون بمضمونها، ومهما صلوا وصاموا وحجوا وزعموا أنهم مسلمون، فلن يغير ذلك من كفرهم شيئا.
وقد أيدوا فكرهم هذا بعدة مقدمات، منها :
  • أن المسلم في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم هو من انتقل من المجتمع الجاهلـــي إلى المجتمع الإسلامي، أما من تلفظ بالشهادتين وظل مع المشركين فليس بمسلم.
  • من أجل ذلك فالمجتمع الحالي لا يسير على الإسلام، فأعماله وتصرفاته واقتصاده ومنهاجه وسياسته ليست إسلامية، وبالتالي فهو مجتمع جاهلي وكافر، وكل أفراده كذلك، وقد ترتب على هذه الدعوى – التي سأناقش بطلانها بعد حين- ما ترتب من أفكار تفرعت عنها تيارات تبث في الشباب جرثومة الحقد والانتقام من المجتمع وأفراده ، تحت غطاء محاربة الجاهلية ونشر الإسلام.
ومن يستقرئ أحوال هؤلاء يتكشف له أن أمرهم يرجع إلى شيئين أساسين:
  • أحدهما: البلاهة الفكرية لدى كثير من المتحمسين، حيث يريد بعضهم بعقل أبله أن يضخم أحكاما صغيرة في الإسلام ليجعلها عقائد، ويحمل على غيره إذا لم يفعلها.
  • ثانيهما: الرذيلة الخلقية لدى من يستغل الخلاف، ليفرض نفسه، لعله مجنون بحب الظهـــور، وبانتقاص الآخرين والتهجم عليهم.

أما مسؤولية النفس عن سلوكها وعن عملها ، فكم يضيق بها هؤلاء عباد القرابين وأصحــــاب المزاعم في أن الله يحتاج إلى كفارات من الدماء البشرية.

وبما أن هؤلاء يرتدون عباءة الإسلام فيما يزعمون من حكم على المجتمع المسلم بالجاهلي فهل يرضى الإسلام هذا الحكم؟ وما مفهوم الجاهلية في الإسلام؟ وما هي سماتها من خلال القرآن الكريم والسنة؟ وهل الجاهلية تعادل الكفر؟ وهل يصح وصف المجتمع المسلــــم بالجاهلي؟ وهل تطابق النصوص الشرعية ذلك الوصف؟ وما هي آثار وصف المجتمع المسلم بالجاهلي؟ 

 تحديد مفهوم الجاهلية 

جاءت مادة "جهل" في القرآن الكريم بصيغ متنوعة، في حوالي عشرين موضعا، مثل قوله تعالى : (ولكن أكثرهم يجهلون)،  و(قال إنكم قوم تجهلون)  و(يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف)، (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)، (وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، و(إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) الخ 
 
وهذه الصيغ ترد بمفاهيم تبدأ بجهل الحقيقة الكبرى بوجود خالق الكون ، وتتفرع إلى معان أخرى تتناول الطيش وعدم الاتزان، والعبث وجهل الأمر، أي عدم معرفته أو عدم العلم به، كما وردت بمعنى سوء السلوك.
 
ولكن ذلك كله لا يخرجها عن الإطار العام للمعنى الأول، والمفهوم الواضح للكلمة وهو جهل الحقيقة وعدم الوصول إليها.
  • أما صيغة "الجاهلية" فقد وردت في أربعة مواضع، كلها من قسم القرآن المدني، وهي قوله تعالى في سورة آل عمران: (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) (آل عمران: 154).
  • وقوله تعالى في سورة المائدة: (أفحكم الجاهلية يبغون) (المائدة :50)
  • وقوله تعالى في سورة الأحزاب: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) (الأحزاب:33)
  • وقوله تعالى في سورة الفتح : (إذ جعل الذين كفــــروا في قلوبهم الحميــــة حميــة الجاهلية). (الفتح: 26) 
والملاحَظ أن هذه الصيغ جاءت في موضعين بصيغة المفعول المطلق المبين للنوع، وذلك في قوله تعالـــى: (ظن الجاهلية) و(تبرج الجاهلية)، وبصيغة المصدر المنصوب على المفعولية في قولـه تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون) أو على البدلية في قولـه تعالى: (حمية الجاهليــة) والصيغ الثلاث (ظــن الجاهليـة)، (وتبرج الجاهلية) (وحمية الجاهلية) وهي تشبيه بليغ حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه، ليدل ذلك على أن المقصود هو إثارة الانتباه إلى حالات عرضية قد تبرز عند بعض الناس، وفيها خصلة من خصال المجتمع الجاهلي الذي كان سائدا قبل الإسلام.
 
كما يشهد لذلك سياق كل آية ومناسبتها.فآية آل عمران وهي قوله تعالى: (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) جاءت في سياق الحديث عن آثار هزيمة المسلميـــن في غزوة أُحُد، حيث يغشي النعاس طائفة من المهاجرين وعامة الأنصار الذين كانوا على بصيرة في إيمانهم، وكانوا على يقين بأن الله سينصر رسوله.
 
وطائفة أخرى قد أهمتهم أنفسهم، أي حملتهم على الهم، وملأ الخوف قلوبهم لعدم ثقتهم بنصر الله، وهؤلاء هم الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، أي غير الظن الحق الذي يجب أن يظنوه، لأنهم قالوا: لو كان محمد نبيا حقا ما تسلط عليه الكفار، وهو قول الشرك بالله.
 
وأما آية المائدة وهي قوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون)، فقد جاءت في سياق الحديث عن جماعة من أحبار اليهود أرادوا التآمر على النبي صلى الله عليه وسلم بفتنته عن دينيه، حيث ذكر رواة السيرة أن كعب بن أسيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس قالوا: (إِذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فجاؤوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعتنا يهود ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، ونؤمن بك ، فأبى ذلك ، وأنزل الله فيهم : (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك، فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيرا من الناس لفاسقون، أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون). (المائدة 49-50)1.
فيكون معنى "حكم الجاهلية" الذي يبغونه من النبي صلى الله عليه وسلم هو أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى: فتكون الآية بذلك لعله تعييرا لليهود الذين هم أهل كتاب وعلم، ومع ذلك يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل.
 
وأما آية الأحزاب (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) فقد جاءت في معرض الحديث عن نســـاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأديبهن بمجموعة من الآداب العالية، حيث أُمرن بقوة الكلام وعدم إلانة القول للرجال، وبالقرار في البيوت باعتبار البيت أصل قرار الأسرة، ثم جاء النهي عن تبـــرج الجاهلية القديمة قبل الإسلام ، حيث كان من سيرة النساء إبداءُ الزينة والمحاسن للرجال كالصدر والنحر.
 
أما حمية الجاهلية التي وردت في سورة الفتح، فقد جاءت في سياق ذم الله تعالى قريشــــا إذ منعوا المؤمنين دخول المسجد الحرام عام الحديبية ، حين أحرم النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بعمرة، ومنعوا الهدْي وحبسوه أن يبلغ محله ، ولم يكن هذا من اعتقادهـــــم ولكنهم حملتهم الأنفة ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدونه ،فوبخهم الله على ذلك وتوعدهم عليه، وآنس رسوله صلى الله عليه وسلم ببيانه ووعده.
 
فبهذه المعاني وردت كلمة "الجاهلية" في القرآن الكريم، ولم ترد بتاتا بأي معنى يفهم منه تكفير الناس وإخراجهم من ربقة الإيمان ..، وإذا كان ذاك معناها ومفهومها ، فما بال قوم يحملونهـــا على الكفر البَوَاح، فيقودهم ذلك إلى تطرف يؤدي إلى أبعد من الضلال، فما هي سمـات الجاهلية إذن؟ 

 سمات الجاهلية 

 في القرآن الكريم
لقد عرض القرآن الكريم جملة من صفات وسمات الجاهلية التي كانت سائدة قبل الإسلام، سأورد أمثلة منها ليتسنى عدم مطابقتها لما يزعمه أولئك الذين ينعتــون مجتمعنا المسلم بالجاهلي. فَمِن سمات الجاهلية: 
  • أ - تقاليدها وعبادتها في الحرث والأنعام التي ذكرها الله تعالى في سـورة الأنعام من الآية 137 إلى الآية 139 وهي قوله تعالى:(وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنـا، فما لشركائهم فلا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون، وكذلك زين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه، فذرهم وما يفترون، وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورُهَا وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه. سيجزيهم بما كانوا يفترون، وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصةٌ لذكورنا ومحرم على أزواجنا، وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصْفهم، إنه حكيم عليم) (الأنعام 136 - 139).
  • ب - ظلمهم بقتل الأولاد وما زين لهم في ذلك: وهو ما ذكره الله بقوله: (قد خسر الذين قتلوا)، و(كذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم).
  • ج - تعبدهم بالبحيرة والسائبة، والوصيلة والْحَـــام: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حامٍ) ( المائدة 102).
  • د- استقسامهم بالأزلام: (وأن تستقسموا بالازلام)، (المائدة: 3).
  • هـ - توارثهم وأسبابه: حيث كان للإرث عندهم ثلاثة أسباب:
  1. أحدها: النسـب وهو خاص بالرجال الذين يركبون الخيل ويقاتلون الأعـــداء ويأخذون الغنائم، وليس للضعيفين: المرأة والطفل منه شيء.

  2. ثانيها: التبني، فقد كان الرجل يتبنى ولد غيره فيرثه.

  3. ثالثها: الحلــف والعهد ، كان الرجل يقول للرجــــل : دَمي دمك، وهدمي هدْمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك. فأبطل الله تعالى ذلك بآيات المواريث ، وبقوله سبحانه: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ( الأنفال 75).

  • و- أنكحتهم: فقد كان فاشيا في الجاهلية أن يتزوج الرجل امرأة أبيه إذا مات أو طلقهــــا فألغى القرآن هذه العادة السيئة بقوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا، وساء سبيلا) (النساء 22) 
 
فهذه بعض سِمات الجاهلية كما بَيَّنَهَا القرآن الكريم.
أما سماتهـا في السنة فكثيرة، منها: 
  • أ - تعددهم في النكاح: لما روي أنهم كانوا يعددون بين الزوجات من غير حد معروف ينتهي إليه، وكانوا يجمعون بين الأختين، وكانوا يتزوجون بزوجات آبائهــم إذا طلقوها أو ماتوا عنها، وكان الطـلاق بين الرجال لا إلى حد معين1.
  • ب- تعاطيهم الكهانة: ففي البخاري عن عائشة (ض) قالت: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبوبكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو؟ قال : كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه ...2 

هذه بعض النماذج لسمات الجاهلية في القـرآن والسنة، فهل تنطبـق على المجتمع المسلم بإطلاق؟ وهل الجاهلية تعادل الكفر؟  هل الجاهلية تعادل الكفر؟  

إن أمر الجاهلية لا يعادل الكفــر في كل الأحوال، ولهذا ترجم الإمام البخاري لباب من أبواب كتاب الإيمان من صحيحه بقوله : باب، المعاصي من أمر الجاهليــة، ولا يكفَّـر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إنك امرؤ فيك جاهلية"، وقول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء) ثم روى عن المعرور قال: "قيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة، وعلى غلامه حلــة،  فسألته عن عن ذلك فقال : إني ساببت رجلا فعيرته بأمه ، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبـس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم"3. 
 
والمراد من الحديث بيان أن المعصية وإن كانت من أمر الجاهلية ، فصاحبها لا يكفـــــر ، فإن أبا ذر تساب هو وبلال الحبشي مؤذن رســــــول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : يا ابن السوداء فلما شكا بلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: شتمت بلا لا وعيرته بسواد أمه ، قال نعم، قال "حسبت أنه بقي فيك شيء من كبر الجاهلية" فألقى أبو ذر خده على التراب ثم قال: لا أرفع حتى يطأ بلال خدي بقدمه4.
 
فمفهوم الجاهلية هنا يشير إلى روح الاستعــــلاء والتفاخـــر بالأحساب والأنساب دون النظر إلى مقياس التقوى ...، ولا يمكن لعاقل أن يقول : لقد كفر أبو ذر وخرج من ربقة الإسلام بكلمته تلك ، وبرد الرسول الكريم عليه ووصفه له بأنه امرؤ فيه جاهلية.
وانطلاقا من هذا يحق لنا أن نضع السؤال التالي:  

هل يصح وصف المجتمع المسلم بالجاهلي؟ 

روى الإمام البخاري في كتاب اللباس من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيــــت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ، ثم أتيته وقد استيقظ فقال: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ، قلت: وإن زنى وإن ســرق؟، قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟، قال وإن زنى وإن سرق،  قلت وإن زنى وإن سرق؟، قال وإن زنى وسرق على رغم أنف أبي ذر5.
 
فهذا الحديث وأمثاله كثير يحتاج منا إلى وقفات إمعان وتدبر، حرصا منا على الهدى أن يُتَّبَع ، وعلى الحق في إسلام المجتمع أن يصان ، فلا يجنح منا تطرف، ولا يُضِلنا طيــــش أو هوى أو سوءُ فهم لديننا فنكيل لمجتمعنا التهـــم الباطلـــــة، ونُلْصق به أبشع ما يُلْصق بالإنسان وهو الجهل والجاهلية، ذلك أننا نرى في هذا الحديث إلحاح أبي ذر رضي الله عنه في سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يريد أن يؤكد معنى معينا أو يتثبت من مفهوم يخشى غموضه، وهو يصر على تساؤله: وإن زنى وإن سرق؟ 
 
ونرى كذلك إصرار النبي صلى الله عليه وسلم على أن من قال لا لإله إلا الله ثم مــــــات عليها دخل الجنة، وإن زنى وإن سرق، بعد أن ينال من العذاب ما يستحق أو أن تتداركه رحمة الله التي وسعت كل شيء.
 
ويختم النبي الكريم حديثه ذلك بدعابة مرحــة، ولكنها جـــادة حاسمة حازمة تتجلى في قوله: على رغم أنف أبي ذر.
فأين هذا المعنى السابق للقول النبوي الكريم من شهوة التجهيل والتكفير ومـــــرض التسلط على الناس ومنحهم صكوك الإيمان وفق ما يشتهي المتنطعون ويرغبون؟.
 
إن ارتكاب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة لا يخرج الفرد أو المجتمع من دائرة الإسلام ولا يقول بتجهيله وتكفيـــره إلا جماعة الخوارج التي حاربت الإسـلام بإسم الحرص على  أحكام الإسلام .... 

 هل تطابق النصوص الشرعية وصف المجتمع بالجاهلي؟  

إن المسلم لا يملك أن يطلق على المجتمع المسلم وصف الجاهلية أو الكفـر وإن ظهرت فيه المعاصي وارتكـــاب الكبائر ، لأن الإسلام لم يأمر بالبحث عما في نفوس الناس، وليس لأحد سلطة حرمان أحد من جنة الله أو الحكم عليه بالجاهلي كوسيلة لطرده أو حرمانه.
 
 وسند ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد(ض) قال : "بعث علي وهو باليمـــن بذهبية إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقسمها بين أربعة،  فقال رجل : اتق الله، فقال صلى الله عليه وسلم: ويلك، ألست أحق أهل الأرض أن يتقي الله، ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال : لا، لعله أن يكون يصلي، فقال خالد : وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إني لم أومر أن أنقب في قلوب الناس ولا أشق في بطونهم" 6. 
 
فهذا الذي اعترض على حكم النبي صلى الله عليه وسلم في القسمــة، لم يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليه حد الردة وهو القتل ، لاحتمــال أن يكون ممن يصلي فتشهد له الصلاة بالإيمان ، مع ما بدر منه من رفض صريح لحكم رســـول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ولما عورض بقول خالد ، كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه ، ردنا النبي صلى الله عليه وسلم إلي القاعدة الذهبية، وهي أخذ الناس بالظاهر، لأن الله تعالى لم يأمــره بشق بطون الناس حتى يعلم حقيقة ما في قلوبهم ونواياهم، بل أمره بالأخذ بالظاهر وترك ماعداه لحساب الآخرة ، لأن الله هو الذي يعلم السرائر وما في القلوب.
 
كما روى البخاري ومسلم عن المقداد بن الأسود (ض) قال: قلت يا رسول الله، أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله ، أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال: لاتقتله ، فقلت: يا رسول الله، قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعدما قطعها ، فقال : لاتقتله ، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال7. 
 
فحكم النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الأعرابي بأنه معصــــوم الدم نتيجة للتسلـيـم له بظاهر إسلامــه وترك باطنه إلى الله، وحذر المقـــداد من التعالي، لأنه لو لم يذعن إلى هذا الحكم لأصبح بمنزلة الرجل الكافر قبل أن يعلن هذا الإسلام الذي لم يطمئن إليه المقداد.
 
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمتــه، يفيــد أنه حتى لو  كانت هناك شبهة تؤدي إلى الكفر فيجب الأخذ بالظاهــــر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل وإنك بمنزلته قبل أن يسلم، بل قال "قبل أن يقول كلمته التي قال" أي مع التسليم بأنه قالها فقط.. وعبارة "إنك بمنزلته" لا تفيد أن المقداد يصبح كافــــــرا إن قتلــه بعد النطق بالشهادة، بل المقصود هنا ما يترتب على ذلك من استباحة دم المقداد بالقصاص إذا قتل من نطق بالشهادتين، وبذلك يصبح بمنزلته قبل هذا القول وهو عدم عصمة دمه.
 
وهكذا فإن إطلاق وصف الجاهلية على المجتمع المسلم لا يطابق نصوص الشريعة ولا قواعدها بأي وجه من الوجوه ، فمن أعلن الإسلام باللسان ولم يظهر ما يوجب كفره لا يستطيع أحد أن يحكم عليه بغير الإسلام ، وفي هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد فيما رواه البخاري ومسلم : "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ «، ولم يقبل النبـــي صلى الله عليه وسلم حجة أسامة بأن المشرك إنما قالها خوفا من السيــــف الذي كان على عنقه، بل قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تصنع بلا إله إلا الله"؟.

آثار وصف المجتمع بالجاهلي 

من أخطر ما ترتب على وصف المجتمع بالجاهلي ، أن أصبح اعتزال مساجد المسلمين أمرا من مقومات الإسلام عند حملة هذا الفكر ، لأن هذه المساجد في رأيهم المعوج هي معابد الجاهلية، والذين يصلون فيها قد ارتدوا عن الإسلام، والصلاة معهم شهـادة لهم بالإيمان  وهم كفار.
 
فهذا الكفر يقوم عندهم على دعامتين: الأولى: حتمية التسليم بأن مجتمعات المسلميــــن في عصرنا مجتمعات جاهلية، والثانية: أن النتيجة هي حتمية اعتـــزال المجتمعات، وفي مقدماتها المساجد، لأنها معابد هذه الجاهلية.
 
وقد عمد بعض هؤلاء إلى تحريف أقوال مجموعة من العلماء واتخذوها ذريعة لتبرير أفعالهم، وفهموها وفق ما تشتهي عقولهم، فحرفوا كلام ابن تيمية حين تحدث عن الجاهلية فقــــــال: "فأما بعدما بعث الله الرسول صلى الله عليه وسلم، فالجاهلية المطلقة قد تكون في مصر دون مصر ، كما هي في دار الكفار ، وقد تكون في شخص دون شخص كالرجل قبل أن يسلم ، فإنه يكون في جاهلية  وإن كان في دار الإسلام، فأما في زمن مطلق فلا جاهلية بعد مبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لا تزال طائفة من أمته طائفة ظاهــــرين على الحق إلى قيام الساعة" 8 كما عمدوا إلى أقوال سيد قطب (ح)، خاصة وهو يتحدث في "ظلال القرآن" عن قوله تعالى في سورة يونس(الآية 87): (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصـــر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المومنين)، فجعلوا منها قاعدة عامة هي أن اعتزال معابد الجاهلية ليس خاصا ببني إسرائيل في زمن نبي الله موســــى، بل هو موجه إلى المؤمنين في عصرنا لاعتزال المساجد لأنها معابد الجاهلية ، وهو تحريــــــف لكلام سيد قطب عن مواضعه، فهو كان يتحدث عن المجتمع الذي يكون فيه اضطهــاد ومطاردة للمؤمنين كما كان الأمر في عهد فرعون، وهذا مبسوط في محله من كتــــب التفسير والفقه9.
 
وكان من الآثار السلبية لوصف المجتمع المسلم بالجاهلي أن استحدث مبتدعـو هذه الأفكار سندا شرعيا لاعتزال المدارس والجامعات، لأن الله تعالى قال: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم .....) (الجمعة 2). وادعوا أن هذه الآيات تقيد أن المسلم يجب أن يهجـــر المدارس والتعليـــم ليتحقق فيه وصف الأمية لأنه وصف الله لهذه الأمة.
 
ولا يشك عاقل بأن وراء هذا البله فكرا خبيثا يريد أن يرسخ في وجدان الناس وتفكيرهم أن من صفات المسلم الأمية، وتعني عندهم اعتـــزال الثقافات والعلوم طبقا للمفهوم الشائع والدارج لمعنى الأمية في عصرنا ، وهذا البله لا يساوي ضياع الوقت للرد عليه.
 
ومن الآثار السلبية لوصف المجتمع المسلم بالجاهلي أن زعم حملة هذا الفكر أن تخريب ذلك المجتمع من الواجبات الشرعيــــــة، لأنه عندهم مجتمع جاهلـــي  يحب أن يُكشف ويحطم ، فاستحلوا بذلك دماء الناس وإتلاف ما أمكن من الأموال العامة، وإيقاعَ المظالم بمن خرج عن جماعتهم، ومحاربتهم في أرزاقهم وإيذاءَهم بشتى أنواع الإيــذاء، ويحسبون ذلك من الإيمان.
 
ويستندون في استحلال تحطيم المجتمع على فهم خاطئ لقول الله تعالى: (ما قطعتم من لِينة أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقيــن)، ( الحشر 5) فقالوا إن الآية تبيح تحطيم المجتمع الجاهلي بشتى الوسائل، لأنه لاحق في الحياة لمن كان كافرا في زعمهم إلا بعد أن يدخل المسلمون في الإسلام من جديد، لأن إسلامهم جاهلي.
 
ولست الآن بصدد مناقشة هذه الأفكار ، لأن بطلانها لا يحتاج إلى برهنة واستدلال، وإنما أثرتها لألفت الانتباه إلى أن الفتنة في الداخل أقسى على الأمة من الهجوم الصريــح من الخارج، ولذلك فالمسلمـون اليوم ينبغي أن ينظروا بحذر إلى النزاعات المغالية التي تنتشر هنا وهناك.
 
فإن من العجيب أن يخرج المسلمون من المسجد ممزَّقي الصفوف بأفكار تافهة وقضايا حقيرة مبنية على فهم منحرف أعوج، حتى صرنا نسمع من يزعم لنفسه الحرص على السنة النبوية، والغيرةَ عليها يدعو الناس ليكون طعامهم كله خَلاَ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « نِعْمَ الأدم الخل»10، ويجهل ذلك المدعي أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لم يقل في الخل ما قال لتفضيله على غيره ، وإنما قال ذلك جبرا لقلب من قدمه له من أهله وتطييبا لنفسه.
 
وما أحق الخائضيـــــــن في مثل هذه الترهات بأن يجابوا  بقول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما للذين سألوه عن حكم دم البراغيـــــث، هل هو طاهر أو نجس؟ فقال: من أنتم؟ فقالوا: من أهل الكوفة، فقال: واعجباً بكم سفكتم دم الحسين ابن نبيكم وتسألون عن دم البراغيث11. أو يقال لهم: تركتم الضب لصغره، وأكلتم الخنزير بشعره وبعره.
اللهم قنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. 
 

الهوامش

1 سيرة ابن هشام 3/105.
1 انظر في أنواع الأنكحة عند الجاهلية : صحيح البخاري: كتاب النكاح ، باب من قال لا نكاح إلا بولي، ح 4834 ج 5 ص 1970.
2 البخاري: كتاب فضائل الصحابة ، باب أيام الجاهلية؛ ح 3629 ج. 3 ص. 1395.
3 البخاري 1/19 ح 30.
4 شعب الإيمان 4/288 ح 5135 فصل ومما يجب حفظ اللسان منه الفخر بالآباء وخصوصا بالجاهلية والتعظيم.
5 كتاب اللباس باب الثياب البيض ح 5489 ج 5 ص 2193.
6 البخاري في المغازي باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن فبل حجة الوداع 4/1581 ح 4094.
7 البخاري في المغازي باب شهود الملائكة بدرا ح 3794 ج 4 ص1474 ، ومسلم في الإيمان في باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال لاإ له إلا الله ح 95 ج 1 ص95.
8 اقتضاء الصراط المستقيم 77-78-79.
9 تفسير القرطبي 8/330 وتفسير ابن كثير 2/563
10 مسلم في اللباس؛ باب فضيلة الخل والتأدم به. ح 2052 ج 3ص 1622.
11 حلية الأولياء 5/71
 

 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

 

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

إقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة المقبل بمختلف جهات وأقاليم المملكة
facebook twitter youtube