المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 في تحديد مصطلحات الموضوع

الأمر
تفيد مادة «أمر» في الحقيقة اللغوية معنى الطلب، بقول القائل لمن دونه: افعل، واستدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، وهذا المعنى نفسه ينطبق على الحقيقة الشرعية، كما تفيده أفعال الأمر في قوله تعالى: (وامُرْ أهلك بالصلاة واصطبر عليها)2 وقوله سبحانه: (ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فرُدوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خــير وأحسن تأويلا)3؛ فإذا صدر الأمر من الأعلى إلى الأدنى فالأصل أنه يقتضي وجوب الفعل، بدليل قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالِفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم)4 والفتنة والعذاب لا يحصلان إلا لمن ترك واجبا. وقد يخرج الأمر عن الوجوب، إذا صدر من أدنى أو من مساو، وأحيانا من أعلى أيضا، إلى معاني أخرى مجازية تستفاد من السياق وتدل عليها القرائن، فتصرف المعنى إليها، كالندب أو الاستحباب أو التخيير أو الإباحة أو غيرها، كما يستفاد معنى الإباحة في  قول الحق سبحانه: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)5
 
المعروف
أما مادة «عرف» فتدل في اللغة على إدراك الشيء بتفكر فيه وتدبر لأثره، كما في مفردات الراغب وتاج العروس، ومنه العرفان وهو العلم. والمعروف مفعول مشتق من المادة، وهو في الحقيقة الشرعية ضد المنكر، ومن الدقة في العربية والتأدب مع الخالق عز وجل أنه يقال: فلان يعرف الله ورسوله، ولا يقال يعلم الله، لأن معرفة البشر لله عز وجل هي تدبر آثـاره دون إدراك ذاته؛ ويقال: الله يعلم كذا ولا يقال يعرف كذا، لأن المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصل إليه بتفكر6. غير أن للمعروف في الحقيقة الشرعية تعاريفَ شتى، تعددت ألفاظها وتقاربت دلالاتها:
 
فعند الإمام الطبري: "وأصلُ المعروف: كل ما كان معروفا، ففعله جميل مستحسن غير مستقبح في أهل الإيمان بالله، وإنما سميت طاعة الله معروفا، لأنه مما يَعرفه أهل الإيمان ولا يستنكرون فعله"7.
 
 وعند بعض المتأخرين: "المعروف هو كل اعتقاد أو عمل أو قول أو إشارة،ٍ أَقرها الشارع الحكيم، وأمر بها على وجه الوجوب أو الندب بالتوحيد والإيمان...، فالعقائد تعتبر معروفا، والصلاة والصوم والزكاة والحج والصدقة تدخل ضمن دائرة المعروف، وقول كلمة الحق، والأمر بالواجبات الدينية، والنهي عن المحرمات يدخل في دائرة المعروف"8.
 
وهذه التعاريف وغيرها تدور في مجملها حول كل ما عُلم لدى الشارع، أو أَمر به من طاعة الله ورسوله والتقرب إلى الله عز وجل، والإحسان إلى مخلوقاته، وكل ما نَدَبَ إليه الشرع من البر والخير، والمستحسنات، وما نهى عنه من الإثم والشر والمستقبحات، ويدخل في ذلك الدينُ الحق القائم على التوحيد، والإيمان بالله ورسوله، والعملِ بشرائعه واتباع سننه، وكل ما يدخل في طاعة الله والتقرب إليه من القول والعمل.
 
- النهي: مادة «نهي» أصل يدل على الغاية والبلوغ، يقال: أنهيت له الخبر، أي بلّغتُه إياه؛ ونهاية الشيء طرفه وغايته، ومنه: نهيته عن أمر يفعله فانتهى عنه، فتلك غاية ما كان وآخِره؛ والنُّهية: العقل، لأنه ينهى عن قبيح الفعل. ثم النهي خلاف الأمر، يقال: نهاه ينهاه نهيا، فانتهى إذا كف عما هو فيه؛ وتناهى القوم: نهى بعضهم بعضا، ومنه قوله تعالى: (كانوا لا يتناهَون عن منكر فعلوه)9. 
 
وعند البلاغيين: حقيقة النهي طلب الترك على جهة الاستعلاء، فإذا أطلق بهذا المعنى اقتضى تحريم الفعل المنهي عنه، لقوله تعالى: (وما نهاكم عنه فانتهُوا)10، والأمر (انتهُوا) فيه للوجوب، ولأن ارتكاب المنهي عنه معصية، بدليل إطلاق اسم المعصية على ارتكاب آدم عليه السلام مـا نُهي عنه من قُربان الشجرة، إذ قال تعالى: (ولا تقرَبا هذه الشجرة فتكونَا من الظالمين)11، وقال سبحانه: (وعصى آدم ربه فغوى)12، ولا يُستحَق اسمُ المعصية إلا بترك واجب أو فعل محرم. وقد يخرج النهي عن وجوب الترك إلى معاني أخرى تَصرف القرائنُ إليها، كالكراهة أو التنـزيه أو التحقير أو التهديد والوعيد أو التيئيس أو غيرها، كما يستفاد التيئيس من قوله تعالى: (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)13.
 
المنكر
تفيد مادة (نكر) في اللغة الدهاء والفطنة والجحود والمحاربة والأمر الشديد والقبح، وغير ذلك من المعاني والدلالات، كما يفيد معنى القبح قولُهُ تعالى: (إنَّ أنكر الأصوات لصوتُ الحمـير)14؛ وأنكر الشيء: جهله، قال تعالى: (فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون)15؛ ونكَّر الشيءَ: غيَّره بحيث لا يُعرف، قال تعالى: (نكّروا لها عرشها)16. والمنكر من الأمر في الشرع خلاف المعروف وضده، كما يفيده قوله تعالى: (وتاتون في ناديكم المنكَر)17، وقوله سبحانه على لسان موسى عليه السلام في قصته مع الخَضِر: (لقد جئت شيئا نُكُرا)18، فالمنكر في ذلك هو ما يُحرمه الشرع ويستقبحه، وترفضه العقول الراجحة، وتستهجنه الفِطَر السليمة، لمنافاته للفضائل والمنافع الفردية والمصالح العامة؛ والشرع هو القُسطاس المستقيم في ذلك كله19؛ فكل ما قبّحه الشرع وحرمه أو كرهه فهو منكر، وكذلك ما تحكم العقول الصحيحة بقبحه وتنفر الطباع السليمة منه، ومن ثم كانت المعاصي كُلُّها منكَرات، لأن العقول السليمة تنكرها. 
 
وقيل: هو كل اعتقاد أو عمل أو قول أنكره الشارع الحكيم ونهى عنه، فالشرك بالله والشعوذةُ، والكهانة وضربُ الودع، والخط في الرمل، والفتح في الفنجان، والتمائم والتِولة منكَرات اعتقادية، وهذا ما يفيده قول الإمام الطبري: "أصل المنكر ما أنكره الله ورآه أهل الإيمان قبيحا فعله، ولذلك سميت معصية الله منكرا، لأن أهل الإيمان بالله يستنكرون فعلها ويستعظمون ركوبها"20، ويرى البعض أن المنكر هو "كل معصية حرمتها  الشريعة، سواء وقعت من مكلف أو  غير مكلف، فمن رأَى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر فعليه أن يمنعه ويُريق خمره، ومن رأى مجنونا يزني بمجنونة أو يأتي بهيمةً فعليه أن يمنع ذلك، والمنع واجب، سواء ارتكب المعصية في سر أو علانية"21، غير أنه يجب تقييد تلك الإنكارات بقيودها المانعة من الفوضى وفتح أبواب الاعتداء، ومن ثم الوقوع في منكرات أعظم.

 الفرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين الجهاد

الجهاد
الجهاد بذل الجهد لقتال الكفار ومن نهج نهجهم أو سلك سبيلهم، من أجل إعلاء كلمة الله، أي إعزاز الدين وقهر المارقين. وهو من فروض الكفاية إلا إذا استنفَر الإمامُ استنفارا عاما؛ ولأنه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فهو على الكفاية لا على التعيين، ولو وجب على جميع الناس لتعطلت مصالح المسلمين من الزراعات والصناعات وغيرها. وهما متفقان في أمور؛ منها:
  •  أنهما من فروض الكفاية على المشهور من أقوال أهل العلم.
  •  أن القصد منهما السعي لإعلاء كلمة الله.
  •  أن كلا منهما يحتاج إلى جهد ومشقة وبذل وتضحية.
  • أن كلا منهما يدخل في الأجر والاحتساب.
  •  إذا توفرت القدرة لهما فإن العمل فيهما يكون باليد، وإلا فباللسان أو بالقلب،
 
لكنَّ هناك فروقاً بينهما من وجوه:
  •  أن الجهاد إذا أطلق فإنه ينصرف إلى مجاهدة الكفار المناوئين المحارِبين بالسلاح غالبا، أما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه ينصرف إلى مجاهدة الكافر والمسلم في الإنكار، والغالب أن يكون في المجتمع المسلم.
  •  أن الجهاد يصاحبه القتال غالبا، بخلاف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه يَنْدُرُ فيه القتال.
  • أن الجهاد يجب أن يكون تحت قيادة الإمام أو نائبه، بخلاف الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه يقوم به المؤهَّلون لذلك شرعا من ولاة الأمور في الإسلام، والعلماء بالشريعة والفقه في الدين، كل بحسب قدرته ومكانته.

في استحضار الحكم الشرعي

 
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إنساني وفضيلة اجتماعية بانية، من أجلها بعث الله الرسل والأنبياء، ويَسَّرَ لَهُ المصلحين الاجتماعيين من ذوي العلم والفقه في الدين عبر الحقب والأزمان. فهو وصية الله عز وجل وأَمرُهُ في الأمم المتقدمة والمتأخرة، قال تعالى: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخــيرات وأولئك من الصالحين)22، وهو واجب الجميع، إذ فيه سعادة الإنسان وفلاحه، وصلاح المجتمع واستقراره.
 
ولم يكن النبي الكريم سيدنا محمد (ص) ولا الصحابة الكرام ولا السلف الصالح رضي الله عنهم يتهاونون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما تشهد بذلك الأخبار والسير. وقد أجمعت الأمة على أنه واجب، ولم يخالف في ذلك أحد. لكنها اختلفت في وقوع هذا الواجب: هل هو وجوب عيني أو كفائي، أو وجوب عيني عند الاستطاعة، ويتحول إلى القلب عند عدم القدرة، أم هل هو سنة؟ أم إن حكمه يدور مع حكم المنكر في ذاته: فإن كان في ترك واجب وفعل محرم فهو واجب، وإن كان في ترك مندوبِ وفعل مكروه فمندوب؟  للعلماء في ذلك أقوال وآراء ومذاهب، ومدار هذا الاختلاف على النصوص الواردة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله (ص)، فقد بين الله عز وجل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في مواضعَ كثيرة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: (ولْتَكن منكم أمة يدعون إلى الخــير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)23، وقوله عز وجل: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله)24، وقوله سبحانه: (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مَكَّنَّاهم في الأرض، أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهَوا عن المنكر..)25 أي دعَوا إلى الخير والصلاح ودفعوا إليه الناس، وقاوموا الشر والفساد، وحققوا بهذا وذاك الأمة المسلمة التي لا تبقي على منكر، وهي قادرة على تغييره، ولا تقعد عن معروف، وهي قادرة على تحقيقه26، ففي الآيات الكريمة عموم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه سبيل القيام بواجب النصح والإصلاح، لتحقيق السعادة والفلاح للأمة. 
 
وأكد ذلك رسول الله (ص) في أخبار كثيرة، مثل قوله (ص): "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"27، فهذا أمر صريح بتغيير المنكر، وتفصيل لوسائله وطرقه ودرجاته. ومثله قوله (ص): "بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم.."28 وقوله (ص): "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: يارسول الله، ما لنا من مجالسنا بد، نتحدث فيها. فقال رسول الله (ص): "فإذا أَبيتم إلا المجلسَ فأعطُوا الطريق حقه"، قالوا: وما حق الطريق يارسول الله؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"29؛ وقوله(ص): "مثلُ القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا !! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"30. 
 
وأجمع السلف وفقهاء الأمة في الأمصار والأزمان على وجوبه31، واعتبروه من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصلا عظيما من أصولها، وركنا مشيدا من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها.
 

 خطر تركه وإهماله

 
لا تقتصر الآثار السلبية والأخطار المحدقة المترتبة عن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأفراد بل يمتد إلى الجماعات والشعوب. فمن أخطار تركه على الأفراد اسوداد القلوب، والخروج من زمرة المؤمنين، والانغماس في الإثم والغي حتى الهلاك، واستحقاق غضب الله عز وجل. قال تعالى: (لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داودَ وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما كانوا يفعلون)32، فالله سبحانه وتعالى لعن بني إسرائيل على لسان داود وعيسى، عليهما السلام، بسبب أمور، منها أنهم لم يكونوا يتناهون عن المنكرات الموجودة لديهم، وهم شاهدون عليها، وفي ذلك تحذير لأمة محمد (ص) حتى لا يتهاونوا في هذا الباب.
 
وأما أخطار ترك هذا الواجب على المجتمعات والشعوب فمنها فشو الضلالة، وشيوع الجهالة، وجريان التخريب في البلاد، وهلاك العباد، وعدم استجابة الدعاء، واستحقاق عموم غضب الله، والتعرض للتعذيب بأنواع العقوبات التي يسلطها الله تعالى على المجتمعات التي يترك فيها الأمر بالمعروف، ويسكت عن المنكرات إذا شاعت؛ ففي الحديث الصحيح: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو لَيوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم"33. وفي الصحيح من الخبر أيضا: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: ياهذا اتق الله ودَعْ ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. ثم قال: "لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصَوا وكانوا يعتدون: كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون"، ثم قال: "كلا والله لتأمُرُن بالمعروف ولَتَنهُون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطِرنه على الحق أطرا، ولتقصُرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنْكم كما لعنهم"34. 
 
ولقد أشكل على بعض الناس والتبس عليهم معنى قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)35، لكن بيانها جاء على لسان الصديق أبي بكر رضي الله عنه بالحجة البينة: فقد روى أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: "ياأيها الناس، إنكم تقرأون هذه الآية: (ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده"36؛ ويقول الجصاص في بيان ذلك: "ليس على ما يُظَن، فقوله تعالى: (عليكم أنفسكم) يعني: احفظوها (لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)، ومن الاهتداء اتباع أمر الله في أنفسنا وفي غيرنا، فلا دلالة إذن على سقوط فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"37. 
 
ويقول الزمخشري في تناوله للآية: "ليس المراد ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركهما مع القدرة عليهما فليس بمهتد، وإنما هو بعض الضُّلاَّل الذين فصلت الآية بينهم وبينه"38. ويقرب من ذلك قول ما جاء في توضيح الآية: إن الاهتداء إنما يتم بأداء الواجب، فإذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضُّلاّل، وذلك تارة بالقلب، وتارة باللسان، وتارة باليد39.
 
ولو كان الأمر كما توهم أولئك المتوهمون لانتشرت فوضى الاعتقاد وفوضى السلوك، ولاضطرب الشأن العام للأمة، ولما استقام للدين أمر، ولا للدولة استقرار، ولا للمجتمع سلم وأمان، ولا للأفراد اطمئنان على حال ولا مال؛ لكن المفهوم العام لهذه الآية وما تفيده النصوص القطعية الأخرى من الآيات والأحاديث والأقوال الراجحة للفقهاء والعلماء، أنه يَجِبُ الاهتمام بالدعوة إلى الله وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بذلك ممن أهلهم الله لذلك من أولي الأمر وأهل العلم في الإسلام، فالله عز وجل أثنى على الذين يقومون به ولا يخافون في الحق لومة لائم، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم..)40.
 

الأهلية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

 فالإمام السلطان، أو من ينوب عنه، أولى من غيره بمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو القادر الممكَّن من ممارستها باليد، أي بالسلطة والقوة عند الاقتضاء؛ ثم العلماء أصحاب المعرفة وأولو الفكر والنظر، فهم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، أي بالكلمة البليغة المؤثرة عن طَريق الوعظ الحكيم والإرشاد القويم والنصح الموجه؛ ثم عامة الناس ما كانوا متمكنين مما يدعون إليه من المعروف أو ينهون عنه من المنكر، ملتزِمين بحدود المعرفة في القول، والانضباطِ بالحكمة في النصح واختيار الموعظة الحسنة في المنهج. وإن كانت هناك هيئة متخصصة أو جهة معينة مكلفة من قبل السلطان، فيجب قصر القوة عليها وتوكيل الأمر إليها، والاستعانة بها في نشر معروف أو إزالة منكر، حتى لا تحصل فوضى مؤذية، واجتهادات خاطئة تكون مضارها أكبر من مصالحها.
 
ولقد سارت الدولة العصرية في نهج مأسسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومارسته بنفسها، أو أسندته إلى العلماء المتمكنين والدعاة العارفين والهيئاتِ المتخصصة؛ ولها في نظام الحسبة في الإسلام شاهد، فهو دليل على التنظيم الجيد والفعال، لمهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالسلطة الشرعية المستمدة فعاليتها من روح الشرع ذاته، وتفويض الحاكم وسنده.
غير أن الملاحظ في الآونة الأخيرة أن بعض الجهلة قليلي المعرفة، أو الأحداث ناقصي الخبرة والتجربة يتصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتخذون القوة والعنف والانتحار وسيلتهم في ذلك، فيرهبون ويرعبون، ويفسدون في الأرض ولا يصلحون، ويعبثون بعقول الناس وأمنهم، ويعتبرون أنهم أهل لذلك على حداثة سنهم وقلة معرفتهم بالدين والفقه، أو سوء تلقيهم للمعرفة والتوجيه، وقد يكونون ضحايا شيوخ متعالمين، أو شُذّاذ ضالين مضلين، ويحسبون التفجير والنسف والعمليات الانتحارية الإجرامية من صميم واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينهجون هذه الطرق الإجرامية الآثمة!! 

  شروط التصدي له وآداب ممارسته

لتقديم النصح للآخرين، وأمرهم بالمعروف أو نهيهم عن المنكر، شروط وآداب؛ مستنَدُها مجموعة من القواعد المنهجية المؤصلة لممارسة النصح، في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الضابطة لموازينه، المصححة لمساره ونهجه؛ يجب على كل آمر بمعروف أو ناه عن منكر مراعاتها خلال قيامه بمهمته، فمنها42:
  • اجتناب إنكار ما يحتمل تأويلا أو يستند إلى رأي، أو ما هو محل خلاف بين العلماء، عملا بقاعدة "لا إنكار في مواطن الخلاف"
  •  اجتناب الأمر بما هو مستحسن لا واجب، واجتناب النهي عما هو مكروه لا محرم، إذا كان في ذلك ما ينفر المؤمنين بعضهم من بعض، أو يحدث تباغضا أو قطيعة بين الناس، طبقا لقاعدة: "من المستحسن ترك المستحسن، لتأليف القلوب". 
  • اجتناب الأمر والنهي إذا كان ذلك يؤدي إلى ما هو أفظع، تطبيقا لقاعدة "ترك النهي عن المنكر إذا كان سيفضي إلى منكر أعظم منه". 
  • أن لا يترتب على النصح وقوع مفسدة، وفقا لقاعدة "درْءُ المفاسد مقدم على جلب المصالح".
  • أن ينصح بما يمكن تطبيقه وتنفيذه في إطار الشرع، فقديما قيل: إذا أردت أن تطاع، فمر بما يستطاع.
  • الأمن على النفس والمال من المكروه الضار غير المحتمل.
  • القدرة على ممارسة المهمة، دون أن يكون هناك مانع حسي أو معنوي، أو تَوَقُّعُ رد فعل سلبي من جراء النصح، فالشارع لا يطالب أحدا بما فوق طاقته، فإما تكليف بمقدور عليه، وإما تخفيف إلى درجة تتناسب مع قدرات المكلف، وإما إسقاط كلي للتكليف عند العجز، والله عز وجل يقول: (لا يكلف الله نفسا إلا وُسْعَهَا)؛ ومدار الاستطاعة في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث رسول الله (ص) المتقدم: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"44. 
والقدرة المعنوية، المقصودُ بها: العلم الكافي بالشرع وأحكامه وحدوده، وبالدعوة وأساليبها، وبالواقع ومجرياته، وبالمقاماتِ ومقتضياتها؛ والتحلي بالصفات المؤهِلة كالورع وحسن الخلق والرفق والحلم والصبر وعدم تتبع عورات الناس، والبدء بالنفس والأقارب والمحيط الداخلي،.. فليس على العامي ولا على الجاهل أن يتصدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما يحتاج إلى علم أو دراية أو اجتهاد، ولكن عليه أن ينصح الأمور التي لا يعذر أحد بجهلها، كترك الصلاة والصيام، أو إذاية الجار أو رمي الأزبال في الأزقة والطرقات، أو ما أشبه ذلك، وإلا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه.
ومن آداب النصيحة: الإخلاصُ في النصح: لارتباط أي عمل بالإخلاص، كما أمر الله عز وجل في مثل قوله: (قل إني أُمِرْتُ أن أعبد الله مخلصا له الدين)45؛ وكما دل عليه حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى"46.
 
ومنها مراعاة المقام، بأن لا يكون المنصوح مشغولا بأمر ما، ولا يكون معه صديق أو قريب؛ وأن يكون الناصح متمكنا ما يريد أن ينصح به، متأكدا من موضوع النصيحة، إما برؤية وإما بإخبار ثقة؛ وأن يستخدم الحكمة والأسلوب الحسن، عملا بقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..)47؛ وأَن يُشْعر المنصوح بأن المقصود بالنصيحة الرغبة الصادقة في إرادة الخير له محبة وإشفاقا، وأنه لا يريد بها جزاء ولا شكورا.
 
وعلى العموم فيمكن تصنيف شروط ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في واقع العصر الحاضر في ثلاثة مناح: 
الأول يتعلق بالآمر الناهي نفسه، وشرطه التفقه في الدين وعلومه، والمعرفةُ بأساليب الدعوة وواقع حياة الناس، وإخلاصُ النية، وإمعانُ النظر في أقوال العلماء المستوحاة من نصوص الشرع، وأن يعرف متى يصلح الأمر فيأمر، والنهي فينهى؛ ولا يكون همه إزالة المنكر فقط، صارفا النظر عن الأمور التي تحدث بعد ذلك، فقد يحصل من المفاسد أكثر من زوال ذلك المنكر، وأن يلم بجانب النظر في المصلحة والمفسدة، والكثير يجهل ذلك، فيتركون أموراً مهمة فيها مصلحة كبرى للدين، ويشتغلون بأمور تافهة أو بسيطة، يتوهمون فيها مصلحة كبرى لتصورهم أنها من الكمال أو الورع، فيفوتون أمورا عظيمة، كالبعد عن السلطة والزهد في الوظائف المهمة، وعدم إدراك الأبعاد الدعوية والمنفعية لوسائل الاتصال المتاحة والمتطورة، كالإذاعة والتلفزة والصحف والمجلات وغيرها من وسائل الاتصال والتواصل المتطورة المتاحة، وعدم الاندماج في المجتمع بدعوى ضلاله أو شيوع الانحراف فيه...
 
والثاني يتعلق بموضوع الأمر والنهي، وشرطه كون المعروف معروفا لدى الشرع، والمنكر معلوما إنكاره بغير اجتهاد، وكونه موجودا في الحال لا مقدرا ولا محتملا، وكونه ظاهرا بينا بغير تجسس ولا تأول، وأن لا يكون من المسائل المختلف فيها بين العلماء والفقهاء والمذاهب.
 
والثالث يتعلق بالمنهج، وشرطه الحكمة في الخطاب، والإحسانُ في الموعظة، والأداءُ المقنع  بالحجج الواضحة والشواهد المبينة، واتباع سبيل اللِين والمودة، وفق المنهج الرباني الرحيم المستمد من قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك)48؛ ثم التدرج في النهي عن المنكر، بتعريف المرء أن ما يفعله منكر، ثم معالجته بالوعظ والنصح والترغـيب والبشاشة، ثم التخويف بالله تعالى والترهيب من سوء العاقبة، ثم التعنيف بالقول الغليظ عند الضرورة وعلى قدر الحاجة، ثم التغيير باليد لمن له سلطة شرعية.
 
ولا بد من مراعاة المصالح والمفاسد، وترجيح درء المفاسد على جلب المصالح، لأنه بذلك بعث الله الأنبياء والمرسلين، ولأن كل ما أمر الله به وكل ما أمر به الرسول الأكرم محمد (ص) فهو صلاح أو فيه مصلحة، وكل ما نهى عنه الله ورسوله فهو فساد أو فيه مفسدة؛ والشارع إنما جاء بجلب المصالح وتحصيلها، ودفع المفاسد وتقليلها، فحيث كانت مصلحة الأمر والنهي أعظم من مفسدته، فهو مما أمر الله به، وحيث كانت مفسدته أعظم لم يكن مما أمر الشارع به. وعند تعارض المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمها، فإنه يجب ترجيح الأصلح منها، وإنما تقدر المصالح والمفاسد وتعتبر بميزان الشريعة. 
التغيير باليد: استعمال القوة أو اليد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مشروع بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين، للمؤهلين له من ولاة الأمور، الذين يقومون به وفق ضوابط شرعية وشروط مرعية، كما فعله الأنبياء المرسلون، وقام به الصحابة والتابعون والدعاة المصلحون عبر مختلف العهود، كما نجده ويتضح لنا في عدة آيات قرآنية وأحاديث نبوية كثيرة.
 
التغيير باللسان: يمكن الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر باللسان، عن طريق الوعظ والإرشاد والنصح، وتعريف الناس بالحكم الشرعي في مسألة ما أو نازلة معينة، وقد يصل الأمر إلى التخويف وتغليظ القول والتقريع والتعنيف، وذلك كله يتعلق بالمخاطَب والمخاطِب، وبنوع المعروف المرادِ الأمر به أو المنكرِ المرجو تغييره، فربما كان الكلام البسيط الناصح ناجعا وكافيا.
 
فنبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام استعمل الغلظة والشدة لما قال لقومه: "أف لكم ولما تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون"49.
التغيير بالقلب: بما أن المنكر لا تقره الشريعة بأي حال، فلا بد من تغييره بأي أسلوب، والشارع الحكيم رتب إنكار المنكر على حسب موقع الشخص ومكانته، دون أن يترك لأحد من المكلفين عذرا بترك الإنكار، مهما يكن الأمر: فأوجب عليه أن يغيره بيده، إن كان من ولاة الأمور وذوي السلطان، فإن لم يستطع فبلسانه، إن كان من أهل العلم والفقه في الدين، فإن لم يستطع فبقلبه، إن كان من عامة الناس. واعتبر تغيير المنكر بالقلب أقل الأحوال وأضعف الإيمان، لأن كل إنسان يستطيعه، فمن ليس في مقدوره أن يغير المنكر بيده، ولا بلسانه، فعليه أن يكره ذلك المنكر، ويشهد الله على ما في قلبه من الصدق والعزيمة على تمني زواله.
 
ولكن لا بد أن يكون للتغيير بالقلب رصيد من الواقع يصدق ما في القلب، يطالبه الشرع بفعله تجاه المنكَر عند الإصرار عليه، وهو: بغضه، وهجره حتى لا يكون مشاركا في المنكر50: قال تعالى: (وقد نُزِّل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويُسْتهزأ بها، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديثٍ غــيره، إنكم إذن مثلهم)51؛
 
وقال عز وجل: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غــيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين)52
 
وروى الترمذي والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال: (..ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر..)53.
 
فقد ثبت هجر النبي (ص) لبعض زوجاته ولبعض الصحابة، وهجر بعض الصحابة لبعض، وكان لهذا الهجر أثر كبير في تركهم للمنكر وفعلهم للمعروف:
  • هجر النبي (ص) نساءه شهرا، وهجر كعبا وصاحبيه، وأمر الصحابة بهجرهم خمسين يوما.
  • وهجرت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما مدة.

فالهاجر يثاب على هجره، لمن يصر على ترك المعروف وارتكاب المنكر، إذا كان الهجر من أجل الله تعالى، إخلاصا لله وغيرة على دينه. 

المرأة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

عرفت المرأة المسلمة عبر تاريخ الإسلام بمشاركتها في الحياة العامة، كلما نبغت امرأة في مجال من مجالات الحياة المختلفة، وذلك لكون النساء في الإسلام شقائق الرجال في الأحكام. 
 
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مجال لم تكن المرأة غائبة عنه ولا مغيبة عبر تاريخنا الطويل؛ يؤكد ذلك مثلا ما يروى أن يحيى بن معاذ الرازي54 تكلم يوما وهو يعظ في الجهاد وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالت امرأة: هذا واجب وضع عنا. فقال: هَبي أنه وضع عنكن سلاح اليد واللسان، فلم يوضع عنكن سلاح القلب. فقالت له: صدقت، جزاك الله خيرا55 فالمرأة ليست معفاة من هذه المهمة الجسيمة، وبإمكانها ممارستها بالوسائل الممكنة والمتيسرة لها، إن باليد إذا كانت مسؤولة، أو باللسان إن كانت من أهل العلم والمعرفة، وليس هناك موانع، أو بالقلب إن كانت امرأة عادية؛ تنكر على من تستطيع الإنكار عليه من الرجال بالشروط الشرعية المعتبرة، وتنكر على النساء بصفة عامة، ولها في ذلك سند من عمل الصحابيات الفضليات؛ فقد روي أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رأت امرأة بين الصفا والمروة عليها خميصة من صلب -أي ثوب عليه خطوط متصالبة- فقالت عائشة: "انزعي هذا من ثوبك، فإن رسول الله (ص) إذا رآه في ثوب قضبه"56، وروي أيضا أن عائشة رضي الله عنها رأت أخاها عبد الرحمن يسرع في الوضوء ليدرك الصلاة على سعد بن أبي وقاص، فقالت: ياعبد الرحمن، أسبغ الوضوء، فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: "ويل للأعقاب من النار"57.
 
وإنكار المرأة على الرجال بقلبها هو الغالب، وعلى النساء في بعص الحالات، بخلاف الرجل فإن إنكاره في قلبه مقيد بعدم قدرته على الإنكار باليد واللسان. 

أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناهجه

من المعلوم أن لكل شأن ضوابط تضبطه وقواعد تحكم سيره، حتى لا يضطرب أو يختل. ولمباشرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وممارسته أيضا ضوابط ضابطة وشروط مرعية؛ والنصح أول أساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأسهلها، وقد يكون أنجعها وأبلغها أثرا. فما النصيحة؟ وما حكمها؟
 
تعريف النصيحة
النصح في اللغة نقيض الغش، والتوبة النصوح هي الصادقة الخالصة، والنصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، ويقال: نصحت الود، أي أخلصته، وناصح العسل خالصه، قال تعالى على لسان نبيه صالح عليه السلام في مخاطبة قومه: (لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين)58؛ وقال سبحانه في سياق عرض الحوار الذي دار بين آدم عليه السلام وبين إبليس اللعين، وذكر إغرائه لآدم بالأكل من الشجرة: (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)59؛ وقال جل شأنه في قصة نوح عليه السلام مع قومه: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم)60؛ قال القرطبي مبينا:النصح: "إخلاص النية من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش"61. 
 
حكم النصيحة
قيل إن النصيحة فرض عين، وقيل إنها فرض كفاية، والإجماع على أنها واجبة على المسلم تجاه أخيه المسلم، إذا توافرت الشروط وانتفت الموانع، بدليل قوله تعالى: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)62؛ 
 
واستنادا إلى النصوص الثابتة عن النبي(ص) من مثل قوله (ص): "الدين النصيحة" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال:"لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"63، وقوله (ص): "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"64، وقوله (ص): "للمؤمن على المؤمن ست خصال: يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويسلم عليه إذا لقيه، ويشمته إذا عطس، وينصح له إذا غاب أو شهد"65. ويرى الإمام القسطلاني أن "النصيحة فرض كفاية على قدر الطاقة، إذا علم أنه يقبل نصحه، ويأمن على نفسه المكروه، فإن خشي فهو في سعة"66.
 
فهذه النصوص وغيرها دالة على وجوب التناصح بين المسلمين، وتحث على المناصحة بين الرعية وبين ولاة الأمور؛ وهي بين عامة المسلمين عنوان الشفقة بينهم، ودليل على أن بعضهم يسعى فيما يعود على بعض بالنفع، من تعليم العلم ونشره، ومحبة الخير وتعميمه والترغيب فيه، وكره الضرر ودفعه، وكف الأذى والتحذير منه.. في جميع جوانب الحياة الدنيوية والأخروية. ولقد هيب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينصح فاستنصح، فقيل له: إننا نهابك! فقال حاضا على النصيحة استجابة لأمر رسول الله (ص): "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها"67. 

تطور وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناهجه 

بالأمس البعيد كان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة واحدة هي الكلمة المسموعة نصحا ووعظا وخطبة، أو المكتوبة وصية ورسالة. 
 
وبالأمس القريب صارت الجريدة والمجلة والكتاب والكلمة المذاعة عبر (الراديو) وسائل رائجة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. 
 
وفي العصر الحديث كثرت وسائل النصح والتبليغ ونشر المعروف والخير، ومحاربة المنكر والشر، وتعددت منابر ذلك وتطورت، وتنافست في مناهج التقديم ومواد الحديث وشخصيات المبلغين والناصحين؛ ولا مناص من استغلال تلك الوسائل، واستثمار كل الوسائط، وانتهاج كل السبل المؤدية إلى إسداءِ النصح، والأخذ بيد الإنسان في متاهة الحياة، لتحقيق الأمن الروحي والاستقرار النفسي والاجتماعي الذي يفتقر إليه الإنسان اليوم. والمشكل هو كيف يُستفاد من تلك الوسائل المتيسرة إيجابا، ويُجتنب تسخيرها سلبا في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتطوير خطاب الديني الوعظي والاجتماعي التوجيهي وجعله مؤثرا مؤديا مهمته؟  

خاتمة في منهج التعامل مع المصلحة والمفسدة 

المسلم الحق يحرص على اتباع الكتاب والسنة بعزم وحزم، ويحتكم إليهما في الصغير من الأمور والعظيم، ويعرض جميع أمره على الشرع الحكيم؛ فإن وافقت حكم الشرع واستحسانه عمل بها، وإن تعارضت معه ضحى بمصالحه برضى، وأذعن لشرع الله بلا تردد، ثم لا يجد في نفسه حرجا مما قضى به الله ورسوله، ويسلم أمره لربه تسليما كاملا، لأنه يعتبر مصلحته تكمن في تطبيق شرع الله، واتباع سنة رسول الله (ص).
 
والذين يتعللون للمخالفات الشرعية بالمصلحة، ودعوى القيام بمهمة الأمر المعروف والنهي عن المنكر، إنما يتذرعون بذلك لشق عصى الطاعة على الأئمة، أو لاستباحة دماء الأبرياء، والآمنين من أبناء الأمة‍‍! 
 
وفي الإسلام منطق واضح لقبول المصلحة أو رفضها وتحصينها من الاشتباه، والانتباه إلى المفسدة والبعد عنها، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة؛ وبهذا المنطق أوجب الشارع على المسلم أن يكون يقظا في حياته، عارفا بدينه، مشغلا لفكره وعقله بوعي، ليدرك أن إرهاب الناس وبث الرعب فيهم وإزهاق أرواح الأبرياء والمعاهدين مفاسد كبيرة مهلكة يجب اجتنابها، والضرب على أيدي مرتكبيها، وليعلم أن التوجه بالأذى إلى المهادِنين المسالِمين والمعاهَدين محظور محرم شرعا.
 
وفي الإسلام بفضل الله سبحانه طريقة عملية في تقدير الأشياء، والموازنة بين حجم الشر والخير فيها: فما كان ظاهر المصلحة يأذن فيه الشرع أو يوجبه،كالأكل والشرب والتزاوج وإبرام المعاهدات والوفاء بالعهود والمواثيق.. 
وما كان ظاهر المفسدة ينهى عنه أو يحرمه، كالكفر والظلم والزنا والانتحار ونقض العهود وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.. 
 
وما كانت المصلحة فيه أغلب، والمفسدة فيه ضئيلة، فهذا يجيزه الشرع ويأذن فيه.
وما كانت المفسدة فيه أغلب، والمصلحة فيه ضئيلة، فهذا يمنعه الشرع ويرفضه.  

هوامش 

1 ينظر معجم مقاييس اللغة، الصحاح، اللسان، تاج العروس، القاموس المحيط، التعريفات للجرجاني، الإيضاح للقزويني، عبد العزيز المسعود: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر1 /33.. 
2 سورة طه 20 /132.
3  سورة النساء 4 /59.
4 سورة النور 24 /63.
5 سورة البقرة 2 /187.
6 انظر مفردات الراغب343 مادة عرف. 
7 جامع البيان 3/4/45 
8 عبد العزيز المسعود: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة 1 /46، عن محمد أبو فارس.
9 سورة المائدة 5 /79.
10 سورة الحشر 59/7.
11 سورتا البقرة 2 /34، والأعراف7 /18.
12 سورة طه 20 /1181.
13 سورة التوبة 9 /66.
14 سورة لقمان31 /18.
15 سورة يوسف12 /58.
16 سورة النمل27 /41.
17 سورة العنكبوت 29 /28.
18 سورة الكهف 16 /74.
19 ينظر تفسير المنار لمحمد رشيد رضا 10 /533 .
20 جامع البيان 3/4/30
21 عبد القادر عودة: التشريع الجنائي في الإسلام 492
22 سورة آل عمران 3 /113-114.
23 سورة آل عمران 3 /104.
24 سورة آل عمران 3 /110.
25 سورة الحج 21 /40-41.
26 انظر في ظلال القرآن4 /2427.
27 أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
28 أخرجه الإمام أحمد، عن جابر رضي الله عنه في حديث بيعة العقبة. 
29 أخرجه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. 
30 أخرجه البخاري، عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.
31 ينظر أحكام القرآن للجصاص 2 /592 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي4 /48 ، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر244، وفتح القدير للشوكاني1 /369، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما في حفظ الأمة لعبد العزيز المسعود1 /63.
32 سورة المائدة  5 /80-81.
33 رواه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه، وقال: حديث حسن. 
34 رواه أبو داود، والترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث حسن.
35 سورة المائدة 5 /105.
36 أخرجه ابن ماجة ، والإمام أحمد.
37 أحكام القرآن 2 /592.
38 الكشاف1/2/51 
39 الحسبة في الإسلام أو وظيفة الحكومة الإسلامية62
40 سورة المائدة 5 /56.
41 مجموع فتاوى ابن تيمية: التفسير2 /70.   
42 تراجع هذه القواعد وغيرها في مصنفات علم أصول الفقه مثل المستصفى، والموافقات، وأصول الفقه الإسلامي للزحيلي وغيرها.
43 سورة البقرة 2 /286.
44 أخرجه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي اله عنه، وقد سبق في الفقرة (3) من هذا البحث: «في استحضار الحكم الشرعي»، ص7، ح27.
45 سورة الزمر 39/11
46 أخرجه البخاري  ومسلم.
47 سورة النحل16 /125  
48 سورة آل عمران 3/159
49 سورة الأنبياء 21 /67
50 انظر تفسير القرطبي 4/7/12
51 سورة النساء 4 /140.
52 سورة الأنعام 6 /68.
53 أخرجه الدارمي في السنن 2 /112.
54 واعظ زاهد من أهل القرن الهجري الثالث / التاسع الميلادي، ت258هـ.
55 إعلام الموقعين ، وانظر عبد العزيز المسعود: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأثرهما..1 /528. 
56 رواه الإمام أحمد في المسند.
57 رواه الإمام مسلم.
58 سورة الأعراف7 /78.
59 سورة الأعراف7 /20 .
60 سورة هود11 /34.
61 التفسير4/7/234
62 سورة العصر103 /1-3
63 رواه الإمام مسلم، عن تميم الداري رضي الله عنه. 
64 رواه البخاري ومسلم، عن أنس رضي الله عنه.
65 رواه ابن ماجة، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث صحيح. 
66 إرشاد الساري1 /151.
67 انظر خلفاء الرسول لخالد محمد خالد 251. 

 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube