المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

الإرهاب ودعوى الجهاد
 
يتستر بعض الإرهابيين وراء الجهـاد في سبيل الله، ويبررون ما يرتكبونـه من جرائم في حق أنفسهـم، وفي حق غيرهم، بأنهم يمارسـون فريضة إسلامية هي فريضة الجهاد.
 
ويبدو هذا التبرير، وذلك التستر – أكثر ما يبدو – من حرص بعضهم على وصف الجماعة التي ينتمي إليهـا، ويرتكب ما يرتكب تحت مظلتها، بأنها جهادية أو مجاهدة أو ما إليهـمـا.
 
فهل هذه الدعوى صحيحة؟، وهل هذه الشبهة التي يثيرونها مقبولـة؟، وهل هم حقا مجاهـدون في سبـــيل الله؟
 
إن الجواب عن هذه التساؤلات لن يكون إلا بالنفي القاطع، لأن الدعوى التي لا يسندها دليل ملموس، تظـــل مجــرد دعـوى، ولا تتحول إلى حقيقة، ما دامت لا تعكس الواقع.
 
و الدعاوي ما لم تقيـموا عليهـا       بينات أبناؤهـا أدعياء1
 
و دعـوى هــؤلاء من هذا القبـيل، وشُبهتهـم من ثَم كاسـدة، لا تصمـد للنقـاش، ولا تروج في سوق النـــقـد والتمحيـص، ولا ينطلي خطـؤُهــا المكشوف إلا على المغفلـيـن السذج، الذين يُصَدقون كل ما يسمعـون، ولا يميزون بين غث الأقوال وسمينها. ونحـن لا نريد لأبــــناء المسلمين أن تنطلي عليهم حيل المحتالين، وأباطيلُ المبطلين، وأن يقعوا تحت تأثــير الدعاية والتزوير، فينساقوا وراء المخادعين، ويظنوا أن هذه الجرائم الإرهابية- التي تُرتكب في شــرق الدنيــا وغربها، وتدمي القلوب السليمة، وتملأ النفوس السوية ألما وحسرة وأسفا - أعمـال صالحة، مرغب فيها شرعا. لا نريد أن يلبسوها ثوب الإسلام، لأنه لا يناسبها ولا تناسبه، وكيف يناسبها أو تناسبه، والإسلام الحق بريء منها براءة الذئـب من دم يـوسف عـليه السلام؟
 
إننا نريد من أبناء المسلمين الذين تُستغل طيبوبتهـم، وعاطفتهم الدينية، ويُغَرَّر بهم، أن يعرفوا حقيقة الإسـلام، وحقيقة ما يروجه أصحاب الأطماع الخفية والمكشوفة، وأن يعرفوا من ثَم أن الإسلام الحنيف الحكيم الرحيم، لا يعلم أتباعَه الحقد والبغضاء، وسفك الدماء، وإزهاق أرواح الأبرياء، ونسف معالم الحضارة، بل يعلمهم – على العكس  من ذلك - المحبة الإنسانية، والرحمة والتعـاون، يعلمهم كيف يبنون لاَ كيف يهدمون، وكيف يُحسنون، لا كـــــــيف يسيئون، وكيف يسهمون في بناء الحضارة الإنسانية  الراقية، لا كيف يسهمون في نسفهـا، وتقويض أركانهـا.
 
إن الإرهابيين بكل تأكيد، لا يَصْدرون عن الإسلام السمح، وإنما يَصْدرون عن أهوائهم المنحرفة، وأذواقهم المريضة، وأمزجتهم المختلة، وتصوراتهم الفاسدة، وعن جهل فادح بالإسلام وسماحته ومرونته ورحمته ونبله ومثله وأحكامه، وعن تغرير ماكر من جهات لها مصلحة ما في الفوضى والاضطراب.
و سنحاول فيما يلي أن نفتح الأقفال، ونزيل الإشكال، وأن نضع النقط على الحروف، ليتبين الرشد من الغي، ويرى الصبح كل ذي عينين،  و"ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيِىَ عن بينة"2.

أولا: الإرهـاب لا يصدق عليه تعريف الجهـاد

إذا قارنا بين تعريف الجهاد المتداول عند علماء المسلمين، وهو قول ابن عرفة: الجهاد: "قتال مسلم كافرا غير  ذي عهـد، لإعلاء كلمة الله، أو حضورُه له، أو دخول أرضه"3، وما يرتكبه الإرهابيون من أفعال غايــــة في السوء والبشاعة يتبين لنا بوضوح تام أن ما يرتكبونه بعيد عن الجهاد في سبيل الله بُعد السماء عن الأرض.
 
1 – فالجهاد بمقتضى هذا التعريف هو قتال المسلم للعدو المحارب، والعدو المحاربُ، هو المراد في التعريـف بالكافر غير المعاهَد، وهو المراد بالناس في قوله صلى الله عليه وسلم : "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ..." الحديث4، وهو المراد بالمشركين في قوله تعالى: (فإذا انسلخ الأشهرُ الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ...)5، كما قال ابن العربي في «أحكام القـرآن»6.
 
و الإرهابيون يقاِتلون ويقتُلون المسلمين والذِّميين المعاهَدين، وقتالُ هذين الصنفين ليس بجهاد باتفـاق، بل هو معصية كبيرة.
 
أما قتال المسلمين وقتلهم فِلنصوص شرعية كثيرة، منها: قوله تعـالى: (ومن يقتل مومنا متعمِدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضِبَ الله عليه ولعنه وأَعد له عذابا عظيمـا)7. وقول الرسول صلى الله عليه وسلـــــم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضربُ بعضكم رقاب بعض"8. وقوله صلى الله عليه وسلم: "سِبَاب المسلم فسوق، وقتاله كفـر"9، وقوله صلى الله عليه وسلم: "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا"10. 
 
و أما قتال المعاهَدِين وقتلهم فلورود نصوص شرعية عديدة كذلك تحرم على المسلمين الاعتـداء على الذميين والمستأمنين، سواء تعلق الاعتداء بأنفسهم أو تعلق بأموالهم أو تعلق بأعراضهم.
 
ومن هذه النصوص قوله صلى  الله عليه وسلم: "من قتل معاهدا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما"11، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان بينه وبين قوم عهد، فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمرها"12، وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أَمَّن الرجل الرجل على نفسه ثم قتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتـول كافـرا"13.
 
2 – والجهــاد بمقتضى هذا التعريف كذلك يستهـدف إعلاء كلمة الله، والإرهابيون –حسب قرائن كثيرة – يحاربون لأهداف أخرى، منها السيطرة والحكم وتبوؤ مراكز القيادة والتوجيه.
 

ثانيـا: انعدام ظروف وشروط الجهـاد:

الظروف التي تحيط بالمسلمين اليوم، وتحيط بالعالم كله من حولهم، ليست ظروف حربٍ وجهاد بالسيف، بل هي ظروف خاصة دقيقة تفرض على المسلمين أن يحتاطوا ويحذروا، ويتبينوا مواقع خطاهم، ويتحاشــوا الأخطاء، والمغامرات، ويحسبوا لكل خطوة يعتزمون خَطْوها ألف حساب. وعلى المسلمين في ظل هذه الظــــروف الصعبة أن يتوجهوا إلى أنواع أخرى من الجهاد ليس فيها سل السيوف، ولا خوض المعارك، وليس فيها قتلى ولا جرحى، وليس فيها ما تجره الحروب من المآسي والكوارث الإنسانية، وذلك بأن يتوجهوا إلى: 
  1.  الجهاد الأكبـر، الذي هو مجاهدة النفوس بتكوينها وتهذيبها وتزكيتها، وتأهيلها لتحمل مسؤولية الخلافة في الأرض بصدق وصبر وجد وإخلاص، بعيدا عن سيطرة الرعونات والأهواء، وبعيدا عن اللامبـالاة والكسـل  والعجـز.
  2.  الجهـاد بالفكر، ويكون بترويضِ العقل وصقله، واستخدامه فيما يفيد البشرية، ويرقّي حياتها، ويجعــــلها قادرة على ابتكار الحلول الناجعة لمشاكلها، لتتقدم بسرعة وثبات نحو الأفضل والأليق والأصلح. 
  3. الجهـاد بالقلم، ويكون بتأليف الكتب النافعة، وتحرير المقالات المنورة للفكر البشري، ورد الشـبه والـــتهم الملصقة زورا بالإسلام والمسلمين، وتصحيح الأخطاء، وتبيين ما انبهم، وتوضيح ما غمـض.
  4.  الجهاد بالمال، ويكون بالإنفاق بسخاء في ميادين الخير المتنوعة، إعانة للمحتاجين وإغاثــــــة للملهوفين، وإسهاما في التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
  5. أما الجهاد بالسيف، فأوضاع المسلمين الحالية والظروف العالمية الراهنة، لا تساعد عليه، بل تجعله متعـــــذرا –إن لم نقل مستحيلا-، وتحدي هذه الظروف من قبل فرد أو جماعة جهل بطبيعة الأشياء، ومغامرة غير محسوبة النتائج، والمقدمات الخاطئة لا تعطي إلا النتائج الخاطئة.
 
و معلوم أن الجهاد بالسيف لا يلتجئ إليه المسلمون إلا في حالة الضرورة، أي عندما يعتدي عليهم أعداؤهم، وتفشل الوسائل السلمية في رفع الاعتداء، فالجهاد من هذه الناحية شبيه بالكيّ الذي هو آخر الدواء.
 
و ذلك أن الإسلام حريص حرصا أكيدا على نشر السلم في العالم، لما يوفره للناس جميعا من جو إنساني منعــــــش، يساعدهم على تمتين أواصر الأخوة والمحبة بينهم، ويحملهم على التعارف والتعاون، والتفكير في الخيــر والنفع، ولذلك ألح الإسلام على السلم، فقال تعالى:  ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطـوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)14، وقال عز من قائل: (و إن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله )15، وألـــح على التعارف وما يتولد عنه من تعاون وتبادلٍ للمصالح، فقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثــــى  وجعلناكم شعوبا وقبائلَ لتعارفوا ...)16  وقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)17، وهذا ما جعل الحرب في الإسلام- على مر تاريخه المشرق- حربا دفاعية، لا يلبس المسلمون لاَمَتَها، ولا يوقدون نارها إلا إذا اضطروا لذلك، بأن اعتدى عليهم عدوهم فمس بسوءٍ دينهم أو مالهم أو عرضهم أو أرضهم، ولم تُجْدِ معه المساعي السلمية، ففي مثل هذه الحالـــــة يعطـي الإسلام للمسلمين حقهم الطبيعي، ويبيح لهم أن يدافعوا عن أنفسهم، ويحموا بيضتهم، ويصونوا دينهم وكرامتهـم وأرضهم.
وارتباط الحرب في الإسلام بالدفاع، أي بسبق اعتداء العدو على المسلمين، مفهوم من نصوص شرعيــــــة كثيرة، من مثل قوله تعالى: (أُذِنَ للذين يُقَاتِلُون بأنهم ظُلِمُوا...)18، وقوله تعالى: (و قاتلوا في سبيل الله الـذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)19، وقوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)20، وقوله تعالى: (وقاتِلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)21.
 
و انطلاقا من هذه النصوص - وغيرها كثير – قرر جمهور المحققين من علماء الإسلام أن أساس العلاقات الدولية في الإسلام هو السِلم لا الحرب، وأن الحرب استثناء، وليس القاعدة22. 
 
وإذا أضفنا إلى ذلك كله أن المسلمين ارتبطوا في عصرنا الحاضر بغيرهم بأوفاق دولية متنوعة، وتبادلـوا معهم السفراء، وطبعوا العلاقات، وأبرموا معاهدات كثيرة، تبَيَّنَ لنا بجلاء أن ظروف الجهاد بالسيف غـــير قائمة الآن. ومعلوم كذلك أن المسلمين يتسمون الآن بالضعف المادي والمعنوي، ومن شـــروط الجهــــاد الاستطاعــة، وتكون بالصحة، وبما يحتاج إليه الجهاد من مال كثير، وعتاد حربي متطور، والمسلمون لا يتوفرون على هـــذه الاستطاعة، فإقبالهم على الجهاد في هذه الظروف العصيبة مغامرة وانتحار، لعدم تكافؤ الفـرص.
 
و يضاف إلى ذلك أن من شروط الجهـاد – إذا لم يتعين – إِذن الأبوين، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال: أَحَيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: "ففيهما فجاهد"23.
 
و في حديث أبي سعيد الخدري: "فارجع فاستأذنهما، فإن أَذِنَا لك فجاهدْ، وإلا فبَرَّهما"24.
 
وأجمع جمهور العلماء على حِرمة الجهاد على الابن إذا منعه أبواه المسلمان أو أحدُهما، لأن بِرَّهُما فـرض عين، والجهاد فرض كفاية"25.
 
و الإرهابيون الشبان يغامرون، ويجاهدون في زعمهم، دون إذن آبائهم، بل يقومون بما يقومون بــه على الرغم من معارضة آبائهم لهم، وإنكارهم عليهم، وفي ذلك عقوق لهم.
 

ثالثا: انعدام آداب الجهاد

أحاط الإسلام الجهاد المشروعَ بآداب رفيعة، تطبعه بطوابع السماحة، والرحمة والنبل، وتجعله أرحم حرب وأعدلها، ومن تلك الآداب: 
  1.  وجوب عرض الإسلام على العدو قبل محاربته.
  2.  تحريم قتل الأطفال الذين لا ذنب لهــم.
  3.  تحريم قتل النساء اللائي لا يشاركن في الحرب ضد الإسلام والمسلمين.
  4.  تحريم قتل الرهبان الذين انعزلوا في صوامعهم وأَديرتهم للعبادة، ولا يشاركون - لا بالمال ولا بالرأي- في إدارة الحرب.
  5.  تحريم قتل العـبيــد.
  6. تحريم التمثيل بالقتـلــى.
  7. تحريم إحراق الأشجار، وقتل الحيوانات، وإتلاف الممتلكـات.
و هذه الآداب تضمنتها نصوص شرعية عديدة، منهـا: 
  •  قول عبد الرحمان بن عائذ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بَعث بَعثا قال: "تأَلَّفوا الناس، وتأَنَّوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت من مدَر ولا وبر، إلا أن تأتوني بهم مسلمين، أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم وبناتهم وتقتلوا رجالهم"26.   
  •  وقـول ابن عمر: "إن امرأة وُجِدَت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقــتولة، فأنكــر رســول الله صلى الله عليه  وسلم  قتل النساء والصبيان"27.
  •  وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة"28.
  • وقوله صلى الله عليه وسلم لرجل: "الحق خالدا فقال له: لا تقتل ذرية ولا عسيفا"29.
  •  وقول أبي بكر الصديق (ض) ليزيد حين وجهه إلى الشام: "لا تقتل صبيا ولا امرأة ولا هرما"30.
  •  وقول عائشة (ض): "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَمَّرَ أميرا على جيش أو سَرِية أوصاه في خاصته بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرا ثم قال: "اغزوا على اسم الله في سبيل الله تعالى، قاتِلــــوا من كفـــر بالله، اغْزُوا ولا تُغْلُوا ولا تغدِِروا ولا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا وليدا... الحديث""31.
  •  وقول ابن عباس (ض): كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "لا تقتلوا أصحاب الصوامع"32. 
  •  وقول ابن عباس أيضا: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا قال: "اُُخرجوا باسم الله، تقاتلون فـي سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تغلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع"33.
  •  وقول أبي بكر (ض) لأحد قواد جيوشه إلى الشام: "إنك ستجد قوما زعموا أنهم حَبَسـوا أنفسهم  لله، فدعهـم  وما حبسوا أنفسهم له... وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة ولا صبيا، ولا كبيرا، ولا هرِما، ولا تقطعــــن شجرا مثمرا، ولا تخرِبن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا إلا لمأكلة، ولا تحرقن نخلا، ولا تفرقنه، ولا تغلل ولا تجبن"34.
فهذه النصوص الشرعية واضحة الدلالة على أن الإسلام أحاط الجهاد المشروع بآداب عالية نفيسة، تجعل منه جهادا مقدسا ذا طبيعة خاصة، وأهداف تربوية نبيلة.
و الإرهابيون لا يحترمون أيّاً من هذه الآداب، ولا يتقيدون بأي ضابط، ولا يلتزمون بأي مبدإ، وإنمــــا يخبطون في مواقفهم العدائية ضد أنفسهم وضد غيرهم خبطَ عشواء، فيقتلون أنفسهم ويقتلون غيرهم، ويهلكـون الحرث والنسل، ويسعون في الأرض فسادا، والله لا يحب الفساد.
 

رابعا: الجهاد من اختصاص الإمام الأعظــم

حرصا من الإسلام على استقامة الحياة البشرية وتوازنها، وانسجامها مع مقتضيات الخلافـــة المنوطة بالإنسان، وإيمانا منه بأهمية السلم، وضرورة انضواء الناس جميعا تحت لوائه، لم يكتف بإباحة الجهـــــاد عند اضطرار المسلمين إليه، بل نظمه وأحاطه بضمانات تضمن نظافة وسائله، ونبل مقاصده، وسمو أهدافــه.        
 ومن مظاهر هذا التنظيم أنه جعله من اختصاص الإمام الأعظم، حيث أعطاه وحده الحق في إعلانــــــه والدعوة إليه وتنظيمه، ولم يبح لأي فرد ولا جماعة في الدولة الإسلامية أن تقتحمـه من تلقاء نفسهـــا، ولا أن  تعلنه أو تنظمه أو تدعو إليه، لأنه لو فتح بابه على مصراعيه، للعبت به الأهواء، ولآل أمره إلى الفتنة والفوضى، ولانحرف عن هدفه المقدس، الذي هو إعلاء كلمة الله، إلى أهداف تافهة، لا تسمو سموه، ولا تناسب خطورتـــه وقدسيتـه.
 
و قد ألح علماء الإسلام قديما وحديثا على إبراز هذا الاختصاص، صيانة لتماسك الأمة، وحماية لها من أن ينفرط عِقدها، فتتنازع وتفشل وتذهب ريحـها.
* قال الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: "ويعد الجهاد القتالي في مقدمة أحكام الإمامة، بل لا أعلـم أي خلاف في أن سياسة الجهاد، إعلانا، وتسييرا، وإنهاء، ونظرا لذيوله وآثاره، كل ذلك داخل في أحكام الإمامة،  وأنه لا يجوز لأي فرد من أفراد المسلمين، أن يستقل دون إذن الإمام ومشورته، في إبرام شيء من هذه الأمور"35.
 
وقال الدكتور محمد رأفت عثمان: "يلزم الشعب أن يطيع رئيس الدولة فيما يتخذه من قــــرارات تختـــص بأمـــر الحرب، لأن أمر الحرب من الأمور العظيمة التي يجب أن تعطى لأعلى مستوى في الحكم، ويجب على رئيس الدولة أن يفعل ما فيه مصلحة المسلمين"36.  
 
والإرهابيون يتنكـرون لهذا المبدإ ويتجاهلونه، ويعلنون الحرب ويقاتلون ويقتلون بدون إذن الإمـــام، وبدون استشارته، وفي ذلك تطاول على اختصاصات الإمام، ومخالفة للشريعة الإسلامية، وتناقض صارخ مــع مبادئها وأحكامها.
 
ورئيس الجماعة أو العصابة الإرهابية، لا يقوم في هذا الشأن مقام الإمام الأعظم، ولا يكون بديلا عنـه، لأن الإمام الذي يقاتِل المجاهدون وراءه، وينزِلون عند أمره ونهيه، هو الإمام الأعظم، الذي يســـوس الـــدولة، ويدير شؤونها العامة.
وتسمية بعض الجماعات زعيمها بالأمير أو الإمام، لا يقدم في الأمر ولا يؤخر، بل إن رضاه بأن يسمى بالأمير خروج عن الجماعة، وشقٌّ لِعصـا الطاعة، وتلك معصية كبيرة، إذا لم يتب منها ومات متلبسا بها، مــات ميتة جاهليـة. 
 

خامسا: الإرهاب تواكبه معاص وفتن ومآس كثيرة

ومما يجعل الإرهاب بعيدا عن روح الإسلام ومثله وأحكامه، انطواؤه على فتن ومعاص كثيرة، يرتكبها الإرهابيون، وينغمسون في أوحالها، على الرغم من أن الإسلام حرمها تحريما باتا، وحذَّر المسلمين من شؤمهــا.
ومن تلك المعاصي: 
  •  إيقاظ الفتنة الملعون موقظها، والفتنةُ أشد وأكبر من القتل، لأنها تأتي على الأخضر واليابـس، ويكتـــوي بنارها الخاص والعام "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصـة"37. 
  •  ترويع الناس، ونشر الفزع والهلع بينهم، "ومن روع مؤمنا لم يؤمن الله روعته يوم القيامة"38.
  •  قتل النفوس التي حرم الله إلا بالحق، "ولا يحــل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رســول الله إلا بإحدى ثلاث:..."39.
  •  الانتحار عن طريق تفجير الإرهابي لنفسه، (ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنـم)40.
  •  أخذ الإنسان بجريرة غيره، وذلك لا يجوز لقوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تــــزر وازرة وزر أخرى)41، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه"42.
  • هدم المباني، وإحراق وسائل النقل، وإتلاف السلع والممتلكات، وذلك لا يجوز حسب ما ذهب إليه الخليفــــة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الوصية التي وجهها إلى زيد بن أبي سفيان لما بعثه على جيش إلــــى الشام، ومنها: "لا تعقرن شجرا بدا ثمره، ولا تحرقن نخلا، ولا تقطعن كَرْما، ولا تذبحن بقرة ولا شاة ولا ما سوى ذلك من المواشي إلا لأكل"43، وحسب ما ذهب إليه الإمام الأوزاعي القائل: "لا يحل للمسلميــن أن يفعلوا شيئا مما يرجع إلى التخريب في دار الحرب، لأن ذلك فساد، والله لا يحب الفساد"44.
  •  ترميل النساء وتيتيم الأطفال، وذلك أمر فظيع، وعمل شنيع، تترتب عليه مآس إنسانية بالغة الخطـــورة.
  •  تشويه الإسلام، وتصويره للناس على أنه دين الكراهية والحقد والانتقام، وسفك الدماء، ومن ثـــم تنفيـــر الناس منه، وتزهيدهم في اعتناقـه.

سادسا: تناقض الإرهاب مع هدف كبير من أهداف الإسلام

من أهداف الإسلام الكبرى، تقوية أواصر الأخوة والمحبة بين الناس، ونشر السلم والتعارف والتعاون والتعايش بينهم.
والإرهاب يسير في عكس اتجاه الإسلام، فيزرع الأحقاد، ويغذي التفرقة البغيضة، وينمـي العنصرية المقيتة، ويزج بالناس في أتـون الفتنة والخوف والاحتراس وسوء الظن.

الخـلاصـة

  1.  لا علاقة بين الإرهاب والجهاد في سبيل الله.
  2.  لا علاقة بين الإرهاب والإسلام، إلا من حيث إن الإسلام يحرم الإرهاب، ويعاقب الإرهابيين (حد الحرابة).
  3.  الإرهاب ظاهرة عالمية، لا علاقة له بدين أو جنس أو لون أو لغة، وهو وليد انفعالات غامضـة غريبـــة أفرزها في الغالب الفقر والظلم المتفشيان في العالم، وهو من ثم رد فعل عنيف ضد الحرمان والتهميش والاستغلال.
  4.  علاجه الحاسم يتطلب – من جملة ما يتطلب:
  •  العناية بالطبقات المحرومة، ورفع الظلم عن الطبقات المظلومة، وإشعار الناس كل الناس بكرامتهـم، وتمكينهم من حقوقهم، لأن ذلك أدعى لتجفيف منابع الحقد والكراهية، وأدعى لنشر الأخوة والمحبة بين الناس. 

  •  تحصـين الشبـــاب ضد التيارات الغريبة، والتصورات المنحرفة، وتكوينه تكوينا سليما متوازنـــــا، وإعطاؤه مناعة ذاتية.

  •  إصلاح التعليم ليكون قادرا على تكوين أجيال صالحة مؤهلة لتحمل المسؤولية، وحفــــظ الأمانــــــة، وخدمة الصالح العام.

  •  إصلاح الإعلام وتنظيفه ليكون هادفا وقادرا على السير بالناس عامة، وبالشباب خاصة في طريق البناء والتشييد. 

  •  التزام العدالة والمساواة في تدبير الشأن العام، ليشعر الجميع بأن لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات.

 

هوامش

1 البيت من همزية البوصيري، (ديوان البوصيري، تحقيق محمد سيد كيلاني ص 60).  
2 سورة الأنفال، الآية 42.  
3 شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص 193 (منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية).  
4 متفق عليه من حديث ابن عمـر، وهو متواتر، انظر كلاما نفيسا حول هذا الحديث في كتاب «لجهاد في الإسلام» لمحمد سعيد رمضان البوطي ص52 - 63.  
5 سورة التوبة، الآية 5.  
6 الجزء 2 ص 902.  
7 سورة النساء الآية 93.  
8 أخرجه البخاري في كتب العلم والفتن والديات من صحيحـه.  
9 أخرجه البخاري في كتب الإيمان والأدب والفتن من صحيحه، ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه.  
10 أخرجه النسائي والضياء عن بريدة، وابن عدي عن أبي هريرة مرفوعا، ورمز السيوطي في الجامع الصغير (2 /250) لصحته.  
11 أخرجه البخاري في كتابي الجهاد والديات من صحيحه.  
12 أخرجه الطيالسي وأحمد وابن ماجة وغيرهم من حديث عمرو بن الحمق(مسالك الدلالة في شرح متن الرسالة ص168).  
13 أخرجه أحمد وأصحاب السنن من حديث عمرو بن عبسة (مسالك الدلالة ...ص 168).  
14 سورة البقرة، الآية 208.   
15 سورة الأنفال، الآية 61.   
16 سورة الحجرات، الآية 13   
17 سورة الممتحنة، الآية 8.   
18 سورة الحج، الآية 39.    
19 سورة البقرة، الآية 190.   
20 سورة البقرة، الآية 194.   
21 سورة التوبة، الآية 36.    
22 انظر «العلاقات الدولية في الإسلام» للإمام محمد أبو زهرة ص 47، و«الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية في الإسلام» لمحمد رأفت عثمان ص 189، و«الجهاد في الإسلام كيف  نفهمه  وكيف نمارسه»، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ص 227، و«العلاقات الدولية في الإسلام» للدكتور وهبة الزحيلي ص 93، و«السياسة الشرعية» لعبد الوهاب خلاف  ص 72. 
24 أخرجه البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه، باب الجهاد بإذن الأبوين (2 /115).  
23 أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، من سننه (3 /18 رقم 2530)، وصححه ابن حيـان.  
25 إرشاد الساري 5 /140.   
26 الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية في الإسلام ص 192.  
27 أخرجه مسلم في كتاب الجهاد من صحيحه (هامش إرشاد الساري 7 /310).  
28 نيل الأوطار للشوكاني 8 /72.  
29 أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث رباح بن ربيع.  
30 الحقوق والواجبات في العلاقات الدولية في الإسلام ص 192.  
31 أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير من صحيحه (هامش إرشاد الساري 7 /297).  
32 أخرجه أحمد وأبو داود.  
33 أخرجه البيهقي في سننه، وأبو داود في سننه.  
34 الموطأ بشرح الزرقاني 2 /295 ، وسنن االبيهقي 9 /85 ، ونيل الأوطار 8 /74.   
35 الجهاد في الإسلام... ص112.  
36 الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية في الإسلام ص: 182.  
37 سورة الأنفال، الآية 25.  
38 أخرجه البيهقي في الشعب عن أنس مرفوعـا.  
39 أخرجه البخاري في كتاب الديات من صحيحه،(4 /132)، وأخرجه مسلم في كتاب القسامة من صحيحه.  
40 أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور من صحيحه (4 /107).  
41 سورة الأنعـام، الآية 164.  
42 أخرجه النسائي والبزار، ورجاله رجال الصحيح (نيل الأوطار 7 /245).  
43 القانون والعلاقات الدولية في الإسلام للدكتور صبحي محمصاني ص 262.  
44 نفسه ص 263.
 
 من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube