المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

مصطفى بنحمزة: ثقافة الإرهاب، قراءة شرعية

د.مصطفى بنحمزة: ثقافة الإرهاب، قراءة شرعية
 

في منهج التحليل 

حين وقعت أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية بالدار البيضاء، كان من تداعياتها الآنية والمباشرة انطلاق موجة عارمة من التحليلات السياسية والاجتماعية تضمنتها مقالات ولقاءات صحفية وبحوث علمية، ودراسات أكاديمية حاولت تأطير الحدث فكريا، ورصد بواعثه واستشراف تداعياته وانعكاساته.
 
ولقد كانت تلك التحليلات من الكثرة في العدد، ومن التنوع في الخلفيات والمرجعيات وفي الأهداف والغايات، بحيث تعذر إيجاد خيط ناظم لها، أو رسم ملامح مشتركة بينها، تساعد على مقاربة الظاهرة مقاربة علمية، من شأنها أن تحدد الخلل، وتقترح أساليب تجاوزه، وتمنع تكرره.
 
ولعل استعجالية الظرف، وصدمة المفاجأة، وعدم توقع حدوث ما وقع، كانت وراء توقف التحليلات عند العتبة التي توقفت عندها، ولم تستطع أن تتخطاها إلى أبعد منها، ولذات السبب حملت تلك المعالجات أخطاء أصبحت هي أيضا في حاجة ماسة إلى معالجة جديدة، وهي أخطاء تمت على مستويات التناول، والتحليل، والتسمية، وعلى مستويات التصنيف، والاستنتاج، والاستخلاص.
 
فمن الأخطاء التي تمت على مستوى التسمية، تسمية من يقومون بأعمال التفجير «انتحاريين»، وكأن الأمر لا يعدو أن يكون انتحارا فرديا، وكأنه يتعلق بأشخاص انتحروا كما ينتحر كل من انهزموا أمام أزمات معيشية أو إخفاقات عاطفية، فتحسوا سما زعافا، أو تردوا من شاهق، أو شنقوا أنفسهم.
 
والواقع أن من يسمون «انتحاريين» هم أشخاص مسكونون باقتناع بحِلِّية القتل الذي تحملهم عليه أفكار خاطئة، تدفعهم إلى معاقبة المجتمع، بالارتماء في تجمع بشري لقتل أناس آمنين. وبهذا لا يكون الانتحار لديهم غاية في حد ذاته، بقدر ما يكون وسيلة إلى التمكن من إصابة أكبر عدد من الضحايا الأبرياء، على أن الانتحار في ظاهرة الإرهاب ليس إلا أسلوبا واحدا من جملة أساليب القتل، وإلى جانبه وسائل التلغيم والتفجير عن بعد، وهي تؤدي نفس الغاية من غير أن يموت المفجر.
 
لهذا فإن من يسمون انتحاريين هم عدوانيون، يستهدفون أرواح الأبرياء الذين يرونهم مستحقين للموت.
 
ومن أخطاء الخلاصات والاستنتاجات، التي قادت إليها التحليلات المتسرعة ذات البعد الواحد، قَصْر أسباب هذه الأحداث على الجوانب المادية المتمثلة في الوضعية المعيشية، وفي حالة الفقر والتهميش، وفي كل الأوضاع الاقتصادية للمفجرين.
 
لكن الذي يمنع هذا الربط من أن يكون مشخصا للحقيقة، أنه يفقد قدرته التفسيرية أمام نماذج معاكسة، بل ومناقضة عاشت نفس الأحداث. فقد وقعت التفجيرات في أماكن لا تعيش ساكنتها نفس الظروف الاجتماعية والأوضاع الاقتصادية، كما هو الشأن في أحداث باريس، ومدريد، ولندن، وبالي، وموسكو.
 
وإذا لم يكن من الموضوعية ومن الجدية في البحث عن الأسباب، أن نهمل أهمية الشروط المادية في إنتاج ثقافة الإرهاب، فإننا مع ذلك لا نراها إلا شروطا مواتية، وعوامل مساعدة لنشوء ثقافة تؤسسها أصلا مفاهيم صدامية، يعتنقها أصحابها في مناخ  الجهل بحقائق الإسلام ومعارفه.
 
ويؤكد مسؤولية نوعية الأفكار التي يتلقاها التفجيريون عن صنع ثقافة الإرهاب، أن في مدننا أحزمة للفقر، وفي بوادينا مناطق كثيرة تعيش الهشاشة والحرمان، وآثار البطالة والجفاف بشكل أقسى مما تعيشه الأحياء الفقيرة في الحواضر؛ ومع ذلك فإن سكانها يحاولون مغالبة ظروفهم الصعبة، وهم حريصون أشد ما يكون الحرص على الحفاظ على أمنهم، مطمئنون في حياتهم مسالمون لغيرهم.
 
إن دعوى ارتباط الإرهاب بالأحياء الهامشية واختصاصها بإنتاجه وتفريخه، يدحضها أن تلك الأحياء هي التي قاومت الإرهاب وطوقته، بيقظتها وحرصها على الأمن، وباستنكاره مما جعله حدثا معزولا، ومظهرا عارضا في حياتها.
 
إن المرء ليتوجس من أن يكون الربط الجدلي بين الإرهاب والأوضاع المادية المتردية مظلمة جديدة، يلحقها المجتمع بتلك الأحياء التي يمكن أن تعاني معاناة إضافية من هذا الاقتران، على مستويات النظرة الاجتماعية والمشاركة الاقتصادية وغيرها.
 
كما أن التركيز على العامل الاقتصادي دون غيره، قد يوحي بإعفاء المجتمع، بكل مؤسساته الرسمية والشعبية، من إنتاج ثقافة إسلامية حقيقة بديلة تلبي حاجة التدين، وتستجيب لأشواق  الروح في التعرف على خالقها، وفي التعامل معه من موقع الالتزام بشريعته وهديه.
 
إن القصد من هذه الإشارات في هذا المدخل هو لفت النظر إلى خطورة إغفال الجذور الفكرية المؤسسة لثقافة الإرهاب، وعدم معالجتها بما يقتضيه الموقف من تحليل ونقد، يتأسس على حقائق الشرع وثوابته كما يعرفها العلماء.
 
إن المطلوب حاليا هو الغوص في عمق الذهنية الإرهابية واستبطان مكوناتها الفكرية، واستعراض مقولاتها التأسيسية، ومواجهتها بالحقائق الشرعية التي غيبها منظور ثقافة الإرهاب.
 

 ثقافة التكفير، المنطلق والمكونات

حينما تنـزوي مجموعة بشرية عن مجتمعها، وترفض التواصل معه أو الاندماج في نسيجه الاجتماعي، وتؤمن بمقاطعته شعوريا، ويمتنع أفرادها عن إلقاء السلام على غيرهم لاعتقادهم أنهم بذلك الإلقاء يقرون بانتساب المجتمع إلى الإسلام، ويختارون العنف المسلح أسلوبا للتغيير؛ فإن ذلك السلوك ينبئ عن وجود خلل معرفي، وعن دخول تلك المجموعة في نسق فكري وفي منظومة تصورية منغلقة، وفي حالة شعورية ترى في المجتمع أنه مجتمع كفر، يتعين التعامل معه على هذا الأساس.
 
ولهذا لا يصح منهجيا مقاربة هذه الظاهرة المعقدة الضاربة في أرضية فكرية غامضة، بمجرد الإحالة على ضغوط الوضع الاقتصادي المتأزم، وعلى إفرازات واقع التهميش والإقصاء، وما أشبه ذلك من العوامل التي أصبحت تشكل أجوبة سهلة جاهزة لمقاربة ظاهرة بالغة الخطورة، شديدة التعقيد.
 
إنه بالإصغاء إلى كل ما صرح به أولئك الذين اقتنعوا بمقولات التكفير المنتج للإرهاب، ثم أعلنوا تراجعهم عنه، وبقراءة المقالات المنظرة للفكر التكفيري، يمكن وضع اليد على الخيوط الأساسية، والجذور العميقة للمشكلة.
 

جذور فكر المفاصلة الاجتماعية

إن قصة التوتر قد بدأت في حياة المسلمين الحديثة بداية لم تكن تؤذن بأنها ستسفر عن تشكل تيار عنيف من الخصومة بين أفراد المجتمع.
لقد بدأ الاختلال حين تعالت أصوات، تنكر على الفقه الإسلامي أصالته وانبثاقه عن قراءة ناضجة للكتاب والسنة، بعد إعمال كل آليات النظر العلمي، وتفعيل كل مصادر الاستنباط المعتمدة في تشقيق الدلالات من الألفاظ.
 
وبهذا تقاطعت هذه الأصوات من حيث تدري أو لا تدري، مع  أطروحات  بعض المستشرقين، أمثال شاخت الذي كان يرى أن النصوص الإسلامية قاصرة عن استيعاب مستجدات الحياة، فاحتاج الأمر إلى أن يكملها الفقهاء بآراء وأحكام لا علاقة لها بالكتاب والسنة.
وقد وطأت هذه الجرأة على الفقه الإسلامي، وعلى أعلامه الكبار، وعلى جهودهم الكبيرة في بناء صرح الفقه الإسلامي، لمظهر آخر هو استعلاء على المجتمع الإسلامي، تمثل في توزيع تهم الابتداع والتفريط في السنة.
 
وقد رأى هذا الاتجاه أن كل ما جد في حياة المسلمين ليس إلا بدعة وضلالة تجب مقاومتها.
 
وبعد الاتفاق منا جميعا على أن ما هو بدعة بالمفهوم الشرعي هو ضلال وتحريف للدين يجب أن يتخلص منه المجتمع، فإن هذا لا يمنع من طرح تساؤلات ضرورية منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان قد حذر من البدعة فقال: "وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار"، فإنه من جهة أخرى فسح أمام المسلم مجال الإقدام على الفعل الخير لما قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة". ويبقى التساؤل عن الحد الفاصل بين ما هو بدعة، وما يمكن أن يكون سنة حسنة، علما بأن سبب ورود الحديث وإن كان في حادثة الصدقة، فإنه لا يمكن أن يخصص النص، ما دامت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
 
وإذا كان كل ما يطرأ على حياة المسلمين ليس إلا بدعة، فلم يتحدث العلماء المسلمون إذن عن أصول استنباطية تتحدد على ضوئها أحكام تصرفات جديدة مشروعة، ومنها: أصل القول بالمصلحة، وسد الذرائع، والاستحسان، وغيرها من الأصول التي اعتمدها المسلمون لمواجهة المستقبل؟
 
ومن الأسئلة الملحة سؤال عن تكييف تصرفات أحدثها المسلمون عبر تاريخهم، وقد تحدث الشاطبي منها عن جمع الصحابة للقرآن الكريم وتدوينه في المصاحف العثمانية، واقتفى الناس أثرهم في كتابة العلم، رغم ما نقل عن بعض العلماء من كراهية ذلك. وقد ذكر مالك امتناع بعض السلف عن كتابة العلم قال: "فهذا كان شأن الناس، فلو سار الناس سيرتهم لضاع العلم، ولم يكن بيننا منه ولو رسمه".
 
ويقول الشاطبي المناهض الأبرز للبدعة عن قول مالك: "وفيه إجازة العمل بما لم يكن عليه من تقدم لأن له وجها صحيحا، فكذلك نقول كل ما كان من المحدثات له وجه صحيح فليس بمذموم بل هو ممدوح".(1)
 
إن القول بالابتداع يقتضي، منطقياً، توفر مستلزمات منها: تصور مفهوم البدعة في بعدها الشرعي الذي يتجاوز مجرد الدلالة اللغوية، كما أن الأمر يقتضي الإحاطة الشاملة بحياة الرسول صلى الله عليه وسلم وبسنته، وبالوصف الذي خرج عليه قوله أو تصرفه، حتى يصح القول بأن ما حدث هو مقطوع الصلة بواقع السنة النبوية. والأمر يقتضي، بعد هذا كله، معرفة أصول الاستنباط، حتى لا يكون بعض ما أحدثه المسلمون مخرجا على أصل من تلك الأصول. وهذه المستلزمات تجعل المسارعة إلى التبديع عملا غير علمي، خصوصا إذا تحمس لها من ليس مؤهلا لها معرفة وقدرة على النظر الصحيح.
 
يبدو لي أن منشأ الاختلال في قضية التبديع لدى بعض الناس، يكمن في عدم اتضاح مفهوم البدعة لديهم، أي إنه اختلال نشأ عن عدم تحرير المناط كما يقال.
 
والواقع أن للبدعة في النظر العلمي الذي يعتني ببحث حقائق الأشياء تحديدات منها: 
التحديد اللغوي للمادة، وهو يقف عند معنى إيجاد الشيء على غير مثال سابق(2)، وهذا التعريف هو أعم من أن تعرف به البدعة الشرعية، لأن أدنى شروط التعريف أن يكون مساويا للمعرف، لا قاصرا عنه ولا أعم منه.
 
وإلى جانب التحديد اللغوي تحديدات اصطلاحية أسوق منها اثنين هما:
 
1-. ما عبر به عز الدين بن عبد السلام، وردده بعده القرافي، وخصوصيته أنه يبقي على الدلالة الشاملة لكل ما لم يعهد في العهد النبوي، لكنه يعود فيجري الأحكام الشرعية على البدعة، فيرى أن بعضها حرام، وبعضها مكروه، وأن بعضها واجب، وبعضها مندوب، وبعضها مباح، يقول العز بن عبد السلام: "والبدعة ما لم يعهد في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي مقسمة إلى بدعة واجبة، وبدعة محرمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مباحة".
 
والطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة. وقد مثل لهذه البدع الواجبة والمندوبة والمباحة بما أحدثه الناس من علوم مساعدة على فهم الخطاب الشرعي من علوم النحو، وحفظ غريب القرآن والسنة، وابتكار علم أصول الفقه، وإحداث علم الجرح والتعديل، وما أشبه ذلك من العلوم(3).
 
ومهما يقل عن هذا التقسيم من أنه يلغي العموم في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل بدعة ضلالة"، وعن دفاع البعض بإيراد الخصوص في قوله عليه السلام: «كل» كما قال به الزرقاني، فإن داعي هذا التقسيم كان هو الرغبة في دفع  الحرج عن الأمة من جهة تنزيهها عن أن توصف بأنها أمة ابتداع، من خلال كل ما أحدثته عبر تاريخها.
 
2-أما التحديد الثاني فهو ما ذكره أبو إسحاق الشاطبي حين عرف البدعة بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد(4).
 
وهذا التعريف يحد من شيوع مفهوم كلمة البدعة، وتفيد عناصره أن البدعة تقوم على ادعاء القدرة على اختراع طرق في التدين تزايد على الشريعة، وتوهم الناس بقدرتها على إيصالهم إلى مرضاة الله، واستجلاب أجره ومثوبته.
 
والملاحظ أن التعريفين السابقين، مع اختلافهما في تناول البدعة، فإنهما يحاولان تضييق دلالتها إما بتقسيم ما سمي بدعة باعتبار اللغة، وإما بإيراد التعريف لكثير من القيود كما فعل الشاطبي.
 
لكن الإشكال في الموضوع نشأ في راهن المسلمين حين برز مفهوم جديد، هو في حد ذاته بدعة في مفهوم البدعة، لأنه مفهوم لا يحدد المفهوم ولا يقيده بأي قيد، وإنما يعتبر كل ما حدث بعد فترة النبوة بدعة؛ ولهذا السبب لم يكن غريبا أن يذهب البعض إلى القول ببدعية تصرفات أجراها الصحابة أنفسهم، فضلا عن تصرفات علماء الأمة.
 
وتأكيدا لمسؤولية التبديع عن إشاعة روح الكراهية ضد المجتمع، ثم الدخول معه في صدام مسلح، فإني أحيل على الإقرار الذي كتبته بعض قيادات تيارات العنف، بعد مراجعتها لمواقفها، وأثبتته ضمن كتاب «دعوة للتصالح مع المجتمع»؛ فقد جاء فيه أن من أسباب التصادم مع المجتمع بعضَ الاختلافات الفقهية التي رأى المتعصبون أن مخالفهم فيها مبتدع، وهي قضايا عديدة، منها: كيفية أداء صلاة التراويح، وقراءة البسملة في الصلاة، والقنوت في صلاة الفجر، والجهر بالدعاء بعد الصلاة، وأذان يوم الجمعة وغيرها.
 
وليس من قضية من هذه القضايا إلا وقد كانت موضع اختلاف فقهي قديم، دافع فيه كل فريق عن موقفه، وأدلى بحججه وأدلته.
 
وليس يدري أحد لم يكون الواقف عند رأي منها متمسكا بالسنة، ويكون مقابله مبتدعا ضالا؟ إلا إذا اتجه الناس إلى إلغاء كل خلاف فقهي، وهذا أحد المستحيلات.
 
وبالإمكان إيراد نماذج من الخلافات الفقهية التي تطورت إلى تبديع المخالف فيها، ومنها:
1.اعتبارهم تكرير الأذان قبل صلاة الجمعة بدعة يجب تغييرها.
وهذا حكم ناشئ عن الجهل بواقع أذان الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الجماعة إلا مسلما أن الأذان كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي زمن أبي بكر وعمر رضي الله عنهم، إذا جلس الإمام. فلما كان زمن عثمان وكثر الناس أضاف النداء الثالث بالزوراء التي كانت موضع السوق. وفي رواية البخاري زاد النداء الثاني. وإضافة عثمان أو عمر نداء ثالثا لتنبيه الناس، أصبح جزءا من سنة الصحابة تم عليه إجماعهم. وقد ظل الأذان الذي يمنع به البيع والشراء هو الأذان الذي يرفع إذا قعد الإمام على المنبر، وفي عدد هذا الأذان خلاف ظاهر. 
 
وقد أورد ابن عبد البر في الاستذكار: أن هناك خلافا فيما إذا كان أذانا واحدا أو متعددا، وساق حديث ابن شهاب الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر أذن المؤذنون. قال ابن عبد البر: "ومعلوم عند العلماء أنه يجوز أن يكون المؤذنون واحدا وجماعة في كل صلاة إذا كان مترادفا لا يمنع من إقامة الصلاة في وقتها"(5).
 
وقد حكى ابن عبد البر عن الطحاوي أنه ذكر في مختصره قول الحنفية إنه إذا زالت الشمس يوم الجمعة جلس الإمام على المنبر وأذن المؤذنون بين يديه، امتنع الناس عن البيع والشراء، وأخذوا في السعي إلى الجمعة، فإذا فرغ المؤذنون من الأذان فإن الإمام يخطب الخطبتين.
قال ابن رشد في «البيان والتحصيل»: "إنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زالت الشمس وخرج فرقي المنبر، فإذا رآه المؤذنون وكانوا ثلاثة، قاموا فأذنوا في المشرفة واحد بعد واحد، كما يؤذن في غير الجمعة، فإذا فرغوا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته(6)، وذكر ابن أبي زيد القيرواني في نوادره(7)  والقرافي في ذخيرته تثليث الأذان يوم الجمعة.
 
وقد أورد مفتي مصر الشيخ محمد بخيت المطيعي في كتابه «أحسن الكلام» الذي خصصه لبحث مفهوم البدعة نقلا مفاده: أن عمر أمر مؤذنين بأن يؤذنا للناس بالجمعة خارج المسجد حتى يسمع الناس وأمر بأن يؤذن بين يديه8. وبهذا يكون الأذان ثلاثيا.
 
هذه نصوص دالة بكل وضوح على أن العلماء كانوا أكثر تحققا من واقع الأذان، وقد أثبتوا أنه كان بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث أذانات، فهم يثبتون العدد، ومعلوم أن المثبت مقدم على النافي، وإن هذا القول يتأيد بأن قائليه هم من أنباه العلماء من أمثال: ابن عبد البر، وابن أبي زيد القيرواني، والقرافي، وابن رشد.
 
2. من نماذج ما يتهم فيه المجتمع بالابتداع، ترك الداخل للمسجد يوم الجمعة تحية المسجد إذا كان الإمام يخطب. ومتمسكهم في سنية أداء الركعتين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر سليكا الغطفاني بأن يصلي ركعتين لما دخل وهو يخطب.
 
ونظرا لاكتفاء المبدعين بالدليل الواحد، فقد غيبوا مثلا أن رجلا دخل المسجد وصار يتخطى الرقاب، فقال له صلى الله عليه وسلم هو على المنبر، اجلس فقد آذيت، ولم يأمره بأداء الركعتين.
 
وصرح ابن شهاب الزهري، وهو من أعلام علماء المدينة، بأن خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام(9). وشأن هذا الكلام أن لا يكون من قبيل الرأي خصوصا وأن قائله من أهل المدينة الذين استقر لديهم فعل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى آخر أيامه.
 
ولأجل هذا كان مالك يقول: "من دخل بعد ما خرج الإمام فليجلس ولا يركع، وإن دخل فخرج الإمام قبل أن يفتتح هو الصلاة فليقعد ولا يصلي.
جاء في «المدونة»، قال ابن وهب: عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني ثعلبة ابن أبي مالك القرظي: أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة، وأن كلامه يقطع الكلام، وقال أيضا: عن سفيان بن أبي إسحاق عن الحارثي عن علي: أنه كره الصلاة يوم الجمعة والإمام يخطب.
(10)
 
وتبعا لاختلاف الشواهد والأدلة، اختلفت المذاهب في القضية من غير أن يدعي أحدها استئثاره بتمثيل السنة وأن غيره مبتدع، فقد قال مالك، وأبو حنيفة وأصحابهما، والثوري، والليث بن سعد: إن على من جاء يوم الجمعة والإمام يخطب، أن يجلس ولا يركع، لحديث ابن شهاب وهو سنة، وعمل مستفيض في زمن عمر وغيره.
(11)
 
وذهب الشافعي وابن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداوود والطبري ، أن لكل من دخل المسجد والإمام يخطب أن يركع.
(12)
 
وبهذا يتبين أن القضية لا تخرج عن طبيعة الخلاف الفقهي الذي لا يجوز أن يتحول إلى تبديع وإلى إيهام بأن صاحب موقف معين هو الأكثر التزاما بالسنة، وأن غيره ضال منحرف.
 
هذان مثالان لما قيل إنه بدعة، وقد بينت سند كل فعل من السنة، وبالإمكان بحث الكثير مما قيل بأنه بدعة من أجل التحقق من حكمه الحقيقي، لولا أن المجال لا يتسع لأكثر من هذه الإشارة.
 
والقصد دعوة الناس إلى التروي ومتابعة البحث، طلبا للحقيقة وإنصافا لتاريخ الأمة، ليظل ما هو بدعة حقيقية بعد ذلك موضع اتفاق منا جميعا على وجوب إزالته وإلغائه.وليسد بعد ذلك باب واسع من الخصومة المجتمعية.
 

بروز تيار العنف

 
أما عن تشكل تيار العنف وبروزه، فقد تكونت في الستينات من القرن الماضي، تيارات مركزية تبنت مجموعة من الأفكار، خلاصتها تكفير شمولي، شمل الأنظمة السياسية والأفراد والمجتمعات بكل مكوناتها، بناء على قراءات خاطئة لنصوص شرعية، وبناء على إخفاق في تنـزيل حقائق الشريعة على الواقع.
 
لقد تبنت الجماعتان اللتان تسمتا بــ «جماعة المسلمين» و«الجماعة الإسلامية» مجموعة آراء شكلت منظومة فكرية لم يكن لها إلا أن تؤدي إلى  العنف وحمل السلاح ضد المجتمع.
 
ومن تلك المقولات أنهم يكفرون الحكام، ويكفرون المحكومين، لأنهم رضوا بهم، ويكفرون العلماء، لأنهم لم يكفروا الحكام، إجراء لأصلهم في أن من لم يكفِّر الكافر فهو كافر، وهم يكفرون كل من عرضوا عليه دعوتهم فلم يقبلها، أو قبلها لكنه لم يبايع إمامهم، أما إذا بايع ثم تراجع عن انتمائه فهو مرتدّ حلال الدم، ويكفرون كل الجماعات التي لم تنضم إليهم.
 
وقد اعتبروا كل العصور الإسلامية بعد القرن الرابع عصور كفر لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله.
 
وقد أنكروا أن يكون الإجماع وما سواه من مصادر التشريع غير الكتاب والسنة أصولا اجتهادية تصلح لاعتمادها في استنباط الأحكام الشرعية.
وقد قالوا بترك صلاة الجماعة والجمعة في غير المساجد الأربعة التي هي المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومسجد قباء، والمسجد الأقصى، لأن ما سواها من المساجد هي مساجد ضرار لا تجوز الصلاة فيها.(13)
 
وتبعا لهذه التصورات، فقد دعوا بإلحاح شديد إلى إحياء الجهاد الذي سموه الفريضة الغائبة. وقد كتب محمد عبد السلام فرج، وهو أحد منظري الجماعة الإسلامية بمصر كتابا تنظيريا لمفهوم الجهاد في سنة 1981 وعنونه بــ «الفريضة الغائبة»، وهو الكتاب الذي كان  له أكبر الأثر في إدخال المجتمعات الإسلامية في دائرة العنف، حتى رآه بعض الباحثين منطلق الفكر الجهادي(14). هذا مع صغر حجمه واقتصاره على إيراد النقول.
 
وقد رأى الكاتب أن الجهاد يجب أن يتجه إلى الحكام، وإلى المحكومين، وإلى كل من يندرج في خانة الكفار.
 
بل إن محمد عبد السلام فرج يذهب إلى أن العدو القريب هو أولى بالمقاتلة من العدو البعيد، فيقول في هذا الموضوع: هناك قول بأن مبدأ الجهاد هو تحرير القدس كأرض مقدسة، والحقيقة أن تحرير الأرض المقدسة أمر شرعي واجب على كل مسلم، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بأنه كيس فطن، أي إنه يعرف ما ينفع وما يضر، ويقدم الحلول الجازمة الجذرية.
 
ويقول: "فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجد، وغير مفيد، وما هو إلا مضيعة للوقت، فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية وهي إقامة شرع الله في بلادنا".(15)
 
وقد استند الفكر التكفيري إلى عدة مرتكزات جعلها أساس القول بالتكفير، وهي قاعدة التكفير بسبب انخرام ركن من أركان الإيمان، ثم قاعدة التكفير بسبب ترك العمل واقتراف الكبائر، ثم قاعدة التكفير تبعا لحكم دار الإقامة.
 
وقد انتهى التفريع على هذا التأصيل إلى أن ترك العمل هو إخلال بالإيمان، وأن مرتكبي الكبائر كفار، وأن ديار المسلمين ليست دار إسلام.
كما أعلن هذا الفكر الجهاد على البلاد غير الإسلامية، وتوقع زعماؤه فتح روما عاصمة إيطاليا، وتحدثوا أخيرا عن فتح الأندلس، وسموا الكثير من الوقائع غزوات، فتحدثوا عن غزوة منهاتن، وغزوة مدريد، وغيرها.
 
وقد أوحى حديثهم عن فرضية الجهاد بأن الإسلام لا يعرف أسلوبا غيره في التعامل مع الغير، متجاهلين في ذلك أن مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده مع غير المسلمين كانت أوسع من أن تحصر في المقاتلة، فقد كان من تصرفاته عليه السلام الصبر على غير المسلمين، ودعوتهم إلى الله والتحالف معهم فقال عليه السلام: "أيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"(16) (رواه مسلم).
 
وكان من تصرفاته عليه السلام مواثقة غير المسلمين على نحو ما فعل مع يهود يثرب، ومن تصرفاته التعاون معهم، وطلب الإعانة منهم، كما فعل مع أهل الحبشة.
 
وقد وادع المسلون غيرهم، كما فعلوا مع  أهل الـنـوبة، ووادع معاوية بن أبي سفيان أهل أرمينية.
 
ومن وحي تلك التصرفات، تشكل لدى المسلمين علم قائم الذات هو «علم السير» الذي أصل طرق التعامل مع الشعوب الأخرى قبل أن يهتم بها القانون الدولي.
 
هذه أبرز الأفكار التي شكلت مكونات مركزية لثقافة الإرهاب.
 

فكر التكفير أمام النقد، والنقد الذاتي

 
حين ظهر التيار التكفيري، بكل عنفوانه، كان حدثا مفاجئا وغريبا عن مجتمع لم يألف التعامل مع أفراده بلغة التكفير المسوغ للقتل العشوائي، فكان رفض المراجع والشخصيات العلمية لهذا الفكر رفضا قويا وصارما، تمثل في نقد علمي تناول كل القضايا التي انبنى عليها ذلك الفكر.
وقد كان متوقعا أن يدخل هذا الفكر مرحلة تراجع وانحسار في مواطن نشوئه، شأنه في ذلك شأن التيارات المتشددة التي شغلت مرحلة من التاريخ، من مثل تجربة الخوارج الذين انحسر امتدادهم وتقلص حجمهم، لأنهم كانوا لمسارعتهم إلى التكفير أقدر على القذف بالناس خارج الدائرة الإسلامية من قدرتهم على استقطاب آخرين إليهم.
 
وقد كانت بداية هذا الانحسار في الفترة الحديثة، حينما فتح منظرو التكفير عيونهم على هول ما خلفه فكرهم من كوارث اجتماعية، ومن آثار وخيمة على مسار الدعوة الإسلامية، وعلى رؤية الناس للإسلام وعلى علاقتهم به.
 
وقد كان من نتائج التأمل في آثار الفكر التكفيري ومخلفاته أن توالت الكتابات النقدية التي أنجزها من سبق لهم أن اعتنقوا الفكر التكفيري، وكان من آثارها بروز لون جديد من الكتابة، هو لون تصحيحي ونقدي يعرف بالمراجعات، وهو يمتاز عن الكتابات التأسيسية لثقافة التكفير بأنه أخذ لنفسه حظا كافيا من الزمن للتعمق في الدرس والمتابعة المتأنية للنصوص ولأقوال أهل العلم، فكان أكثر نضجا، وأبعد عن التسرع، وعن الانسياق وراء الفكرة الجاهزة المرصودة سلفا.
 
وأعتقد أن تعميم هذه المراجعات يمكن أن يكون إجراء وقائيا، يجنب المجتمعات الإسلامية من أن تمر بنفس التجربة، وتنتهي إلى نفس النهاية. وأرى من المفيد توجيه المهتمين إلى جملة من تلك الكتابات والمراجعات مما تمكنت من الوقوف عليه والاطلاع على مضمونه، ويتعلق الأمر بالعناوين التالية:
  • . ذكرياتي مع جماعة المسلمين – التكفير والهجرة – عبد الرحمن أبو الخير، دار البحوث العلمية بيروت 1980 وهو قراءة نقدية مبكرة لفكر هذه الجماعة.
  • . نهر الذكريات – وهو خلاصة نقاش دام عشرة أشهر ما بين أعضاء الجماعات المؤسسة لتيار العنف، وقد حرره ثمانية من قياداتهم، وقد اعتبر إعلان المراجعة بمثابة الحجر الذي ألقي في الماء الراكد فأعلن بقوة عن خطأ التوجهات السابقة.
  • . تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من الأخطاء – لأسامة إبراهيم حافظ- وعاصم عبد الماجد وإقرار أبرز قيادات المراجعات وهم كرم زهدي، وناجح إبراهيم – ط.العبيكان الرياض، 2004.
  • . حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين – لأسامة إبراهيم حافظ وحاتم عبد الماجد وإقرار أبرز قيادات المراجعات، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004.
  • . النصح والتبيين وتصحيح المحتسبين - لأسامة إبراهيم حافظ وعاصم عبد الماجد وإقرار أبرز رجال المراجعات. مكتبة العبيكان، الرياض، 2004.
  • . مبادرة وقف العنف: رؤية واقعية، ناجح إبراهيم وإقرار أبرز رجال المراجعات، مكتبة العبيكان، الرياض، 2004.
  • . الحاكمية نظرة شرعية ورؤية واقعية - ناجح إبراهيم وإقرار جماعة المراجعات، مكتبة العبيكان 2004.
  • . تطبيق الأحكام من اختصاص الحكام - ناجح إبراهيم وأبرز رجال المراجعات – مكتبة العبيكان، الرياض، 2004.
  • . استراتيجية وتفجيرات القاعدة- الأخطاء والأخطار - تأليف جماعة المراجعات كرم زهدي ناجح إبراهيم وغيرهما، مكتبة التراث الإسلامي، 2004.
  • . دعوة للتصالح مع المجتمع - ناجح إبراهيم وأبرز رجال المراجعات، مكتبة العبيكان، 2005.
  • إن الملاحظة الأهم على هذه المراجعات، أنها بتطورها واستيعابها لكل مقولات التكفير قد انتهت إلى نقض كل أجزاء المنظومة الثقافية التكفيرية، وأبانت عن عجزها عن الصمود أمام التمحيص العلمي والنقاش الجاد، خصوصا وأن الذين نظروا لذلك الفكر لم يكونوا من أهل العلم، وكان الذين يقفون في الطرف المناقض لهم هم علماء الأمة، وأهل التخصص الشرعي.
وحيث إن المراد من هذه المداخلة هو أن تصل إلى تقديم قراءة شرعية لمستندات ثقافة التكفير، فإن بالإمكان التطرق إلى الجوانب التالية:
  • التكفير بدعوى انخرام ركن من أركان الإيمان.
  • التكفير بسبب اقتراف الكبائر.
  • التكفير تبعا لحكم الدار.

التكفير بدعوى انخرام ركن من أركان الإيمان

 
من الشعارات التي رفعها الاتجاه التكفيري قوله بأنه لا إيمان بلا عمل(17)، وهو الشعار الذي رفعه الفكر الخارجي، واعتبره خلاصة بحثه في مفهوم الإيمان(18)، فكان لهذا الموقف من الآثار السيئة على علاقة الخوارج بالمسلمين ما تجلى في استحلال دمائهم وأموالهم ابتداء من علي بن أبي طالب، ومرورا بتاريخ وجودهم كله.
 
ونظرا لإحياء جماعات التكفير لهذا الشعار وصدورها عنه، فإن الرغبة في استجلاء الحقيقة تقتضي بحث تفاصيل الموقف الذي تبناه أهل السنة والجماعة.
 

علاقة العمل بمفهوم الإيمان

 
قد يكون من الخطأ الاستهانة بإعادة طرح السؤال عن علاقة العمل بالإيمان، وهل هو من مشمولاته أم لا؟
فإذا ذهب الظن بالبعض إلى أن هذا بحث عقدي تاريخي متجاوز، موضعه كتب العقيدة والمناظرات الكلامية، فإن الواقع لا يسند هذا الظن ويفيد خلافه، لأن هذه القضية قد كانت عبر التاريخ الفكري للمسلمين، وهي الآن أهم فكرة مركزية وجهت المسار الفكري والسياسي للأمة، وهي إلى الآن ما زالت مسؤولة عن نشوء بعض الفرق واصطفافها في خانات متباينة، وقد أصبح سوء فهمها  مبعث توتر كبير يعيشه المجتمع الإسلامي حاليا.
 
وجوهر الموضوع يتمثل في أننا قد نواجه نصوصا عديدة يفضي سوء فهمها إلى نتائج سلبية، من أبرزها إقصاء فئات كثيرة من المسلمين عن دائرة الإسلام، بعد الحكم عليها بعدم توفر كل مقومات الإيمان لديها.
 
ويكفي في هذا المجال إيراد قول مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحاق بن راهويه والبخاري وسائر أهل الحديث وأهل المدينة وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين في تعريف الإيمان بأنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.(19)
 
وهذه مقالة لا يكف الوعاظ والخطباء والمرشدون عن ترديدها في معرض إشادتهم بأهمية الأعمال في الإسلام، ولكن بمنتهى الإطلاقية ودون أدنى تفسير أو تعليق على مضمونها.
 
ووجه الإشكال يتمثل في نوعية التوجيه الذي يجب أن يوجه عليه القول السابق، فإذا فهم منه أن الإيمان تكونه ثلاثة عناصر على درجة متساوية، هي: الاعتقاد القلبي، والنطق اللساني، والعمل البدني، فإن مؤدى ذلك حتما أن يقال: إن تارك العمل هو تارك لركن من أركان الإيمان، ولمكون من مكوناته، فيكون ذلك سبيلا إلى تكفيره. وهذا هو الاستنتاج الذي انتهى إليه الفكر الخارجي، فكان بالضرورة فكرا صداميا يستحل دماء المسلمين باعتبارهم كفارا تاركين للعمل.
 
إن قضية علاقة العمل بالإيمان قضية شائكة أشكلت على المتعجلين، فأضر سوءُ فهمها بوحدة الأمة، فلذلك تصدى لها علماء الإسلام بالإيضاح والبيان فكان خلاصةَ بحثهم وجودُ مذاهب فكرية في الموضوع.
 
الاتجاه الأول
 
يمثله موقف السلف، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وهم يرون أن الإيمان هو اعتقاد وإقرار وعمل، لكنهم يرون أن الاعتقاد هو أصل الإيمان وأن الإقرار هو تعبير عنه، وعلامة عليه، يتمكن بها المجتمع من إجراء أحكام الإيمان على المتلفظ به، وأن العمل هو شرط كماله، فإذا انتفى العمل انتفى كماله دون أصله.
 
يقول ابن حجر في إيضاح هذه الحقيقة: فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله.(20)
 
وقد دافع كثير من العلماء عن تميز الإيمان في حقيقته عن العمل، وعدم توقف صحته عليه بأدلة كثيرة :
  • منها أن الإيمان في دلالته الأصلية هو التصديق، وهو في دلالته الشرعية مقترن بالإذعان. والأعمال خارجة عن مدلوله وإن كانت مكملة له. ولذلك لا يكفر تارك العمل بذنبه.
  • ومنها ورود الأوامر والنواهي بعد إثبات الإيمان للمخاطب كما في قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا) (المائدة 87)
  • ومنها عطف العمل على الإيمان، والعطف يقتضي المغايرة، وذلك كما في قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) ( الكهف 107 )
  • ومنها أن الشارع جمع بين الإيمان والذنوب، كما في قوله تعالى: (وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا) (الحجرات 9 )
  • ومنها أن جبريل لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان أجاب بأنه التصديق، ولو كان العمل ركنا فيه ما سكت.
  • ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابة، وعلماء الأمة، حكموا بإيمان المصدق(21).
  • ومنها أن الإيمان موصول بالقلب على أنه محله، كما في قوله تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) ( المجادلة 22 ).
  • وقوله تعالى: (ولما يدخل الايمان في قلوبكم) ( الحجرات 14). 
  • وقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم يامقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك"(22).
 
الاتجاه الثاني
 
وهو يرى أن الإيمان هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان، يقول أبو حنيفة في «الفقه الأكبر»: "الإيمان هو الإقرار والتصديق، وقال شارحه الملا علي القاري: هو الإقرار أي بلسان التحقيق والتصديق أي بالجنان وفق التوفيق"(23).
 
وكان أبو منصور الماتريدي يرى أن الإقرار ركن زائد ليس بأصلي(24)، وأن الإيمان هو الاعتقاد)(25).
 
وقد قال النسفي: "إن هذا هو قول  الأشعري في أصح الروايتين عنه"(26). 
 
وقد كان الأشعري يصر على أن المدلول الشرعي للإيمان لا يختلف عن مدلوله اللغوي(27).
 
لكن قول الأشعري لا ينتهي به إلى الوقوع في الإرجاء الذي لا يرى للأعمال أهميتها، فينادي بأنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة.
وكتب الأشعري شاهدة على اهتمامه بالعمل، فجعل تارك العمل فاسقا، وإن كان لا يسميه كافرا، ويقول في هذا الصدد: "فحدثونا عن الفاسق من أهل القبلة أمؤمن هو؟ قيل له نعم، مؤمن بإيمانه، فاسق بفسقه وكبيرته"(28).
 
وما قاله الأشعري هو خلاصة ما قاله السلف في الموضوع.
 
وبهذا يتبين أن لهذا الاتجاه خلافا في كون العمل مجرد شرط في الإيمان، أو هو ركن فيه.
 
الاتجاه الثالث
 
وهو للكرامية، وهم طائفة من غلاة الشيعة(29) قالت: بأن الإيمان هو مجرد الإقرار(30)، وإن لم يكن ذلك عن اعتقاد، وقولهم هذا لا يبقي فرقا بين المؤمن الحق، وبين المنافق.
 
وقد احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنع من الناس بالشهادتين ولا يستفسر عن علم الإنسان أو عمله.
وقد رد الإيجي هذا بأن الإجماع على أن المنافق كافر، وأنه يترتب عليه أحكام الإيمان ظاهرا، والنـزاع في إيمانه بينه وبين الله. (31)
 
الاتجاه الرابع
 
وهو يرى أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، والغريب أن هذا الاتجاه يلتقي فيه ظاهريا أهل السنة والجماعة من جهة، والمعتزلة والخوارج من جهة أخرى.غير أن أهل السنة والجماعة يعتبرون العمل شرط كمال في الإيمان، بينما يراه المعتزلة والخوارج ركنا فيه، ولهذا ينهدم الإيمان بترك العمل.
وحجج من أدرج العمل في مفهوم الإيمان نصوص منها قول الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم) (البقرة 143) جوابا لمن سأل من المسلمين عن حكم الصلاة التي سبق أن صلوها إلى بيت المقدس، ومن أدلتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء من الإيمان"(32).
 
وقول النبي صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"(33).
 
وقد رد العلماء على استدلا لات المعتزلة والخوارج بردود كثيرة يمكن الرجوع إليها في مصادرها(34).
 
وبعد اتفاق المعتزلة والخوارج على إدراج العمل في مفهوم الإيمان، رأت المعتزلة أن تاركه لا يستحق وصف الإيمان لإخلاله بالركن، كما أنه لا يسمى كافرا لأن الأمة عاملته ببعض ما يستحقه المؤمن، فصلت عليه ودفنته في مدافن المسلمين، وزوجته المرأة المسلمة، فلذلك رأت أنه في منزلة بين المنزلتين(35).
 
وللمعتزلة تفصيلات عديدة في أنواع الأعمال التي يعتبر تركها ناقضا للإيمان.
وقد أوصل الأشعري أقوال المعتزلة في ترك العمل إلى ستة أقوال(36).
 

التكفير بارتكاب الذنوب الكبائر

 
قد يشكل على من لم يتمرس بالخطاب الشرعي وجود نصوص يفضي العجز عن فهمها إلى أخطاء فكرية وعقدية، من أشنعها الوقوع في تكفير المسلمين، بسبب فهم ظاهري لتلك النصوص.
 
وقد يقع هذا للبعض حين يقرأ النصوص التالية:
  • قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفاراً ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض"(37).  
  • وقوله عليه السلام: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"(38).
  • وقوله: "أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما"(39).
  • وقوله: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر..."(40).
 
فظاهر هذه النصوص يجعل اقتتال المسلمين كفرا. وقول الرجل لأخيه يا كافر، مدعاة لعودة الكلمة عليه. كما أن الحديث  يجعل التبرؤ من النسب كفرا.
 
لكننا إذا عرضنا هذه النصوص على نصوص أخرى يتبين أن الظاهر المتبادر غير مراد.
 
فإذا كان اقتتال المسلمين كفرا كما نص عليه الحديث، فإن القرآن لا ينفي عن المتقاتلين الإيمان، فيقول الله تعالــى:(وإن طائفتان من المومنين اقتتـلوا فأصلحوا بينهما ..... إلى أن يقول: إنما المومنــون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) ( الحجرات 9) فهم مؤمنون بالنص القرآني رغم الاقتتال.
وأما قوله عليه السلام: "إذا قال المؤمن لأخيه يا كافر"، فيكفي التعبير فيه بلفظ الأخوة لإفادة استمرار علاقة أخوة الإيمان.
 
لهذا كله، كان من دأب العلماء التحذير من الوقوع في خطأ تكفير المؤمنين بسبب الذنب. وقد أراد البخاري التنبيه إلى هذا، فوضع ضمن صحيحه عدة أبواب لتحقيق هذه الغاية فقال: باب كفران العشير. وكفر دون كفر. وباب المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر صاحبها بتركها إلا بالشرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية. وباب وإن طائفتان من المؤمنين .. فسماهم المؤمنين. وباب ظلم دون ظلم(41).
 
وقد تبين من صنيع البخاري وغيره أن للكفر إطلاقين: إطلاقا حقيقيا، وآخر مجازيا، فالحقيقي هو: المقترن بالإشراك بالله، وبإنكار معلوم من الدين بالضرورة، والمجازي هو ما عبر عنه قوله: كفر دون كفر.
 
وقد عزز البخاري موقفه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية"، أي خصلة من خصالها، وهو لا يقصد أن يكون أبو ذر رجلا جاهليا، وكذلك يقال عن الفعل إنه كفر من غير أن يراد أن المتلبس به كافر.
 
لقد حل علماء الإسلام هذا الإشكال لما بينوا أن للكفر خصالا وشعبا عديدة، كما أن للإيمان خصالا وشعبا عديدة، منها الحياء وإماطة الأذى عن الطريق، وحب الأنصار وغيرها.
 
وكما أن وجود الشعبة الواحدة لا يجعل الإيمان متحققا إذا كان أصله الذي هو الاعتقاد غير متحقق، فكذلك وجود الشعبة الواحدة من الكفر والخصلة من خصاله، لا يجعل صاحبها كافرا إذا لم يتحقق أصله الذي هو الجحود والإنكار.
يقول عبد الرحمن الإيجي: "إن المراد شعب الإيمان قطعا لا نفس الإيمان، فإن إماطة الأذى عن الطريق ليس داخلا في أصل الإيمان حتى يكون فاقده غير مؤمن بالإجماع". (42)
 
وبهذا الإيضاح يتبين أن التعبير عن معصية غير عقدية بأنها كفر، ليس له إلا دلالة واحدة هي كون تلك المعصية شعبة من شعب الكفر، وخصلة من خصاله.
 
وتأسيسا  على هذا التوجه في فهم النصوص التي يوحي ظاهرها بكفر مرتكبي الكبيرة فقد تظافرت أقوال علماء السنة من أجل التحذير من تكفير المسلم بسبب ارتكاب الذنب. وفي كتب العقيدة نصوص عديدة تؤكد هذا المعنى ومنها:
 
يقول أبو حنيفة: 
"لا نكفر مسلما بذنب من الذنوب وإن كانت كبيرة إذا لم يستحلها، ولا نزيل عنه اسم الإيمان، ونسميه مؤمنا حقيقة، ويجوز أن يكون المؤمن فاسقا غير كافر"(43).
 
يقول الإمام أحمد:
 "من مات من أهل القبلة موحدا يصلى عليه ويستغفر له، ولا تترك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيرا كان أو كبيرا، وأمره إلى الله عز وجل".
(44)
 
يقول الإمام البخاري: 
"لم يكونوا يكفرون أحدا من أهل القبلة بالذنب لقوله : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)" ( النساء 116) 
 
يقول أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان:
"لا نكفر أهل الملة بذنوبهم، ونكل أمرهم إلى الله عز وجل".
(45)
 
يقول أبو الحسن الأشعري :
"فإن قال قائل فحدثونا عن الفاسق من أهل القبلة أمومن هو؟ قيل له نعم. مؤمن بإيمانه، فاسق بفسقه وكبيرته"
(46)
 
ويقول الإيجي:
"إن مرتكب الكبيرة من أهل الصلاة مؤمن"
(47)
 
ويقول عمر النسفي:
"الكبيرة لا تخرج العبد المومن من الإيمان، ولا تدخله في الكفر
(48)
 
وقال أبو عبد الله بن بطة الحنبلي:
"قد أجمعت العلماء لا خلاف بينهم أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء"
(49)
 
وقال الطحاوي:
"ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله"
(50)
 
هذه نماذج من نصوص العلماء، كلها مجمع على حرمة تكفير المسلم المقترف للذنوب الكبائر، ما دام لا يستحلها.
وعلى الرغم من إجماع أهل السنة على هذا، فإن الفكر التكفيري قد اختار موقفا مخالفا انتهى به إلى التكفير بالذنب، فكانت تداعيات هذا الاختيار وخيمة على  أرواح الناس وأمنهم وسلامتهم.
 
لقد تبنت جماعات التكفير، بسبب عدم تعمقها في مباحث العقيدة، ما انتهى إليه المذهب الخارجي فحكموا بتكفير تاركي الأعمال. وهم حينما اشترطوا العمل في صحة الإيمان قد أدرجوا ضمن مفهومه مفهوما خاصا بهم هو الانخراط في جماعتهم، والالتزام بمنهجهم. يقول سالم البهنساوي: "ومن أصولهم أيضا قاعدة: «لا إيمان بلا عمل» فيرون أن الإيمان قول وعمل، والعمل ليس هو الصلاة وسائر العبادات، بل هو الانخراط في الجماعة والدعوة إلى الحاكمية فيكفر من لم يفعل ذلك، أما من اتبع هذا المفهوم ثم ترك الصلاة أو الزكاة أو الحج أو ارتكب معصية فلا يخرج من الإيمان"
(51)
 
ولقد كشفت القراءات النقدية التي تناولت هذا الفكر انحرافه وبعده عن تمثيل موقف أهل السنة والجماعة من قضية الإيمان، ويمكن الاستئناس في هذا بما كتبه أسامة إبراهيم وعاصم عبد الماجد في كتابه «حِرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين» خصوصا في المبحث الذي أسمياه «الرد على من يكفر عصاة المسلمين»
(52)

التكفير تبعا لحكم الدار

من بين كل الأسباب والدواعي التي استند إليها الفكر التكفيري في سحب وصف الإسلام عن الناس، يمكن اعتبار التكفير بسبب الإقامة في دار توصف بأنها دار حرب، أخطر أنواع التكفير، لأنه حكم جماعي كاسح يعم كل المقيمين في بلد معين، بصرف النظر عن درجات تدينهم ونفورهم من الكفر، وتحفظهم من الوقوع في دواعيه.
 
لقد استند الفكر التكفيري إلى قراءات خاطئة ومجتزأة لما تحدث عنه الفقه الإسلامي، وهو يتناول موضوع دار الإسلام ودار الحرب، في معرض حديثه عن المجالات الترابية لسيادة الدولة الإسلامية.
لقد ركز كتاب «الفريضة الغائبة» الذي اعتبر الكتاب المؤسس لمنحى التكفير، على اعتبار الإقامة في دار ليست دار إسلام. وقد طرح مؤلفه محمد عبد السلام فرج سؤالا في الموضوع ضمن مبحث عنونه «بالدار التي نعيش فيها»، خلص فيه إلى أن الدار التي يعيش فيها المسلمون ليست دار إسلام.
 
وقبل التعرض للموضوع، فإنه لا بد من إبداء ملحظين ضرورين يساعدان على استخلاص موقف من قضية حكم الدار.
أول الملحظين: يتمثل في أن تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام، هو تقسيم لم يقصد به الفقه إلى استثناء بعض الناس من أن يكونوا معدودين في أفراد الأمة الإسلامية، بسبب وجودهم في دار يقال إنها ليست دار إسلام، لأن المراد منه هو مثل المراد من التقسيم الدولي المعاصر للعائلة الدولية إلى فريقين، هما فريق المحاربين وهم المشتبكون بالحرب، وفريق غير المحاربين وهم باقي الدول المحايدة.  
 
وقد اختيرت التسمية بدار الحرب اعتبارا للآثار التي تكون قد ترتبت عن الحرب، بما فيها من أحكام التعاملات المالية والمعاهدات وحماية الأفراد والأموال وغيرها من الأحكام.
 
ومما يؤكد أن تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام، لم يكن يستهدف إقصاء بعض المسلمين واستبعادهم عن مجموع الأمة الإسلامية، كما يوظفه التكفيريون، أن ابن قيم الجوزية ساق في كتابه «أحكام أهل الذمة» نصوصا لفقهاء ذهب فيها إلى أن اللقيط إذا وجد في قرى الإسلام فهو مسلم،  وإن وجد في قرى الشرك فهو كافر. لكن أشهب قال إن التقطه مسلم فهو مسلم. ولو وجده في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين فهو مشرك، ولا يتعرض له إلا إن التقطه مسلم فيجعله على دينه. وقال أشهب: "حكمه في هذه أيضا الإسلام التقطه ذمي أو مسلم، لاحتمال أن يكون لمن  فيها من المسلمين، كما أجعله حرا وإن كنت لا أعلم أحر هو أم عبد لاحتمال الحرية لأن الشرع رجح جانبها".
 
ورأى بعض الشافعية أن اللقيط إذا وجد في أرض تغلَّب عليها الكفر فإنه مسلم، لاحتمال أن يكون لمسلم يكتم إيمانه(53).
 
إن الملاحظ على هذه الأحكام أنها تتمسك بكل الاحتمالات ولو كانت ضعيفة، من أجل ضم الطفل إلى الأمة الإسلامية، وهذا نقيض ما يقوم به من يحرص على وسم جماهير المسلمين  بالكفر، لمجرد وجودهم في أوطان هم حكموا عليها بأنها ليست دار إسلام.
 
أما ثاني الملحظين فهو ينصب على قصور التصنيف وعدم استيعابه، حينما جعل العالم دار إسلام ودار كفر وأغفل بقية الفروع، مما لا يسمح بتكوين صورة كاملة وصحيحة عن الموضوع.
 
إن الفقه الإسلامي يقسم العالم إلى عدة مناطق، هي دار الإسلام، ودار الحرب، ويتفرع عن دار الإسلام دار أخرى هي دار البغي. وهي جزء من دار الإسلام استبد بها مجموعة من المسلمين لهم شوكة فانفصلوا عن الجسم الأصل، وهي تشمل كل بلاد الإسلام التي استولى عليها انفصاليون بسبب قوتهم الذاتية، أو بسبب استقوائهم على بلادهم بقوى أجنبية. وإلى جانب هذه الأنواع الثلاثة دار أخرى هي دار العهد، وتسمى دار الموادعة ودار الصلح، وهي كل بلاد صالح المسلمون أهلها على نحو معين من التعامل قد يكون خراجا، ولكنه بكل تأكيد ليس جزية، وقد يكون مجرد تبادل تجاري أو تعاون اقتصادي. فقد عقد عبد الله بن سعد صلحا مع أهل النوبة على قيام تبادل تجاري بينهما، وكتب معاوية بن أبي سفيان لأهل أرمينية عهدا أمنهم فيه على استقلالهم الداخلي.
 
وتعتبر دار العهد نوعا ثالثا، إذ ليست دار إسلام ولا دار حرب(54). ولعل هذا النوع من البلاد المرتبطة بمعاهدات دولية وإقليمية وثنائية هو الذي أصبح العالم المعاصر يتجه إليه، منذ نهاية الحربين العالميتين وميلاد عصبة الأمم، وهيئة الأمم المتحدة، وما عقدته المجموعة الدولية من معاهدات تتناول حالات السلم والحرب.
 

الموقف الفقهي من حكم دار الإقامة

حينما اعتمد اتجاه التكفير القول بتبعية الإيمان أو الكفر لحكم الدار، استند إلى قول واحد وغيب بقية الأقوال، فأوهم بفعله  ذلك أنه هو القول الوحيد والنهائي في الموضوع. ومن أجل الوصول إلى الحقيقة الفقهية كما هي، يتعين استعراض الاتجاهات الفقهية في الموضوع.
 
الاتجاه الأول
 
وهو اتجاه يجعل معيار القول بحكم الدار هو وجود الحاكم المسلم الممثل للسلطة الحاكمة(55). فإذا كان الحاكم كافرا اعتبر البلد بلد كفر، وإن كان مسلما اعتبر البلد بلد إسلام. يقول ابن حزم: "إنما تنسب للغالب عليها والحاكم فيها والمالك لها".
يبدو أن ربط حكم الدار بشخص الحاكم وبدينه لا ينضبط حاليا  مع واقع الحكم في العالم، ومع انتشار مفهوم تداول السلطة الذي لا يستبعد أن يلي حكم بلد حاكم غير مسلم، ثم يعقبه حاكم مسلم، أو يكون الحاكم غير مسلم، وتكون غالبية المحكومين مسلمين كما وقع ذلك مرارا في القارة الإفريقية.
 
ويمكن نقل هذا المفهوم وتركيزه على النظم السياسية، والقوانين المطبقة، والدساتير المعتمدة، إن كانت تساعد على ممارسة التدين أم لا.
 
الاتجاه الثاني
 
وهو يجعل معيار القول بإسلامية الدار أن تظهر فيها أحكام الإسلام، ويأمن الناس على دينهم، ذميين كانوا أو مسلمين، ودار الإسلام على ما يرى أبو حنيفة لا تصير دار كفر إلا بثلاثة شروط هي: 
أن تكون أحكام الكفر ظاهرة فيها، وأن تكون متاخمة لبلاد الكفر متصلة بها لا يفصلها عنها دار إسلام أخرى، وأن لا يأمن فيها مسلم ولا ذمي على دينه.
(56)
 
وبناء على هذا، فإن دار الإسلام يمكن أن تكون بلدا كل سكانه أو أغلبهم مسلمون، أو بلدا غالبية أهله غير مسلمين أو بلدا يحكمه غير المسلمين، ما دام المسلمون والذميون فيه قادرين على إظهار أحكام دينهم(57).
 
وقد أزال الكاساني الكثير من الإشكال عن القضية حين قال: إن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الكفر والإسلام، وإنما المقصود هو الأمن والخوف... والأحكام مبنية على الأمان والخوف لا على الإسلام والكفر (58).
 
وقد حذر الكاساني من الحكم بتحويل دار الإسلام إلى دار كفر لمجرد الشبهة والظن، وقال: فلا تصير دار إسلام بيقين، دار كفر بالشك (59)
 
الاتجاه الثالث
 
وهو اتجاه يجعل معيار إسلامية الدار ظهور أحكام الإسلام، وقال ابن قيم الجوزية: هو "رأي جميع العلماء"(60). وعبر عن هذا أبو يوسف لما قال: "إن دار الإسلام هي التي تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، وإن كان جل أهلها كفارا". وقال الكاساني: "لا خلاف بين أصحابنا في أن دار الكفر تصير دار إسلام بظهور أحكام الإسلام فيها".(61)
 
والمراد بظهور أحكام الإسلام، أن يتمكن المسلمون من ممارستها بلا خوف ولا استتار، وأن تكون تلك الأحكام مما يعلن به عن انتماء المجتمع إلى الإسلام، يقول ابن يحيى المرتضى: "دار الإسلام ما ظهرت فيها الشهادتان والصلاة ولم تظهر فيها خصلة كفرية ولو تأويلا، إلا بجوار أو بالذمة أو بالأمان من المسلمين" (62)
 
واقتصار التعريف على ظهور الشهادتين والصلاة وجعل ذلك من علامات إسلام المجتمع يجد سنده الشرعي في الفعل النبوي، إذ كان عليه السلام يأمر قواد سراياه في حالة الجهاد بالكف عن البلدة التي يسمعون فيها الأذان باعتبارها بلد إسلام.
 
أخرج الترمذي وغيره في كتاب السير من «جامعه» أن رسول الله صلى لله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا أو سرية يقول لهم، إذا رأيتم مسجدا وسمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا.
 
في أعقاب هذه المناقشة، يجب التنبيه إلى ضرورة تحديد المفاهيم المتعلقة بحكم الدار، كما يجب استحضار مفهوم دار المعاهدة والموادعة، لأن الحكم عليها بأنها دار حرب، قد أضر بموقف المسلمين وبسلوكيات بعض المقيمين في ديار المهجر، الذين توهموا أن الدار التي يعيشون فيها هي دار حرب، يحل لهم أخذ أموال أهلها على أنها غنائم مباحة. وهذا محض تغليط لأن تسمية دار الحرب إنما هي في الواقع نتيجة من نتائج الحرب وأثر من آثارها، وهؤلاء المسلمون المهاجرون لم يدخلوا البلاد في أعقاب حرب شنوها، وانهزم فيها أهلها، وإنما دخلوها بعهود ومواثيق، واثقوا عليها أهل البلاد المستقبلة، والتزموا باحترام نظامها وبالحفاظ على أمنها، كما أن الغنائم في حالة الجهاد أمرها إلى الإمام، يوزعها بعد التخميس، فمن أخذ منها قبل ذلك كان غالا.
 

ثقافة الإرهاب في ضوء فقه المآلات

وبعد، 
فهذه خلاصة مناقشة مركزة للمستندات التي أسس عليها دعاة العنف مشروعهم، وهي تبين أنها مستندات لا تثبت أمام البحث المتأني غير الموجه، وأمام الاستعراض المستوعب لمذاهب الفقهاء.
 
وإضافة إلى كل ما سبق، تجب الإشارة إلى أن التشريع الإسلامي يربط أحكام المنع والجواز بمآلات التصرفات وعواقبها، ولا يقر منها إلا ما انسجم مع أصله المقاصدي المتمثل في درء المفاسد وجلب المصالح.
 
وبناء عليه، وإعمالا لهذا الأصل، فإنه يتعين على من اعتنقوا تيار العنف في مواجهة المجتمع أن يعرضوا اختياراتهم على مقياس اعتبار المآلات الذي لا ينكر أحد أصالته ضمن أدلة الشرع، فيسألوا عن النتائج التي حققها العنف سؤال صدق وتجرد، نصحا للأمة ليكتشفوا أن الخسائر كانت فادحة.
 
فقد كان من نتائج التفجيرات تقوية المد العدائي ضد الإسلام، بتوفير أدلة مادية وظفها مشروع التخويف من الإسلام أوسع توظيف، واستخدمها دعاة الثقافات الأخرى، فيقول أحد المستغلين لهذا الوضع: "إن الله في الإسلام يطالبك بإرسال ابنك ليموت من أجله، أما في المسيحية فإن الرب يرسل ابنه ليقتل من أجلك".
 
وقد حرضت شعارات الإرهاب ووعيده المتكرر كثيرا من الشعوب ضد الإسلام والمسلمين،  بعدما سمعت تلك الشعوب أن الهدف المستقبلي هو بلادها، وأن فتح إيطاليا، واسترجاع الأندلس عن طريق الجهاد هو ضمن أجندة المسلمين، ونحن إن كنا نأمل أن يتحول العالم كله إلى الإسلام، فإننا نرجو أن يتم ذلك بالحوار، بتفعيل قوة المنطق ونصاعة الحجة والبرهان، لا باستعمال قوة السلاح الذي نعلم وضعنا من امتلاكه والتحكم فيه.
وقد ساعدت العمليات الإرهابية على رص صفوف غير المسلمين، وعلى تكتلهم وتذويب خلافاتهم، وهم يخططون لمواجهة الإرهاب.
وقد استفادت إسرائيل بكيفية أخص من الوضع، حين قدمت نفسها للعالم على أنها مستهدفة بالإرهاب، مع أنها مغتصبة للأرض، ولذلك أصبح العدوان ضد الشعب الفلسطيني لا يثير التعاطف والاهتمام المنتظر.
 
وكان من الآثار المباشرة للإرهاب تنشيط المد العنصري، وتقوية الاتجاهات اليمينية في الغرب، وأصبحت الرغبة في التخلص من الوجود الإسلامي والسعي إلى التمايز الثقافي جزءا من وعود الطبقة السياسية،  وانعكس كل هذا سلبا على الأقليات الإسلامية، كما تضررت منه الجاليات المقيمة في ديار الغرب، فأصبح التآكل في حريات الممارسة الدينية ظاهرة ماثلة.
 
إن الخلاصة من كل ما سبق عن ظروف ونشأة الفكر التكفيري وعن أسسه ومستنداته وتراجعاته، أن الأمر يتعلق بفكر نشأ عن قراءة غير سليمة للنصوص الشرعية، فأفرز تيارا يحتكم إلى قوة السلاح، فخرج عن سياق التعامل الذي عرفته الأمة الإسلامية التي وفرت الأمن لأفرادها رغم ما قد يكون بينهم من اختلافات في تفاصيل الآراء العقدية والسياسية.
 
وسـمة هذا الفكر أنه يتقوى ويتمدد في كل الفراغات والفجوات التي يخلفها في ذهنية المجتمع حينما يتخلى جزئيا أو كليا عن الاضطلاع بمسؤولياته ووظائفه الدينية، على مستويات نشر المعرفة وتحصين الذات معرفيا واجتماعيا.
والمطلوب راهناً، أن يتنبه المجتمع بكل مؤسساته العلمية، وبجميع مصادر التوجيه فيه ، إلى وجوب العودة إلى المواقع التي يتشكل فيها الوعي، وتصنع فيها الممانعة من أجل تفعيل رسالتها.
 
ولا يتأتى ذلك إلا باعتماد برامج التعليم بكل تخصصاته، وداخل جميع مؤسساته، لمواد العقيدة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، والخروج بها عن أن تظل مجرد اهتمام تخصصي محدود ما دام خطاب العنف مفتوحا على كل شرائح المجتمع.
والمتعين، أيضاً، أن تفسح وسائل الإعلام، بكل أصنافها وبما لها من قدرة على التواصل، المجال واسعا للتعريف بالثقافة الإسلامية الرصينة، في أفق إنجاز مشروع بناء الذهنية الإسلامية القادرة على النقد والتمحيص، وعلى أمل تقوية الرصيد المعرفي للمواطن الذي يجب التعويل على وعيه وإسهامه في هذا المجال.
 
ويظل للأسرة دورها في غرس معاني التدين الصحيح، كما أن للمسجد وما يلقى فيه من دروس العلم والخطب والمواعظ رسالته الكبيرة في تحقيق هذا الهدف.

الهوامش

1 الموافقات، الشاطبي 1/181.
2 تاج العروس لمرتضى الزبيدي باب العين فصل الباء 11/8 دار الفكر العربي بيوت 1994.- لسان العرب لابن منظور ترتيب موسى خياط بدع 175، دار لسان العرب، بيروت.
3 قواعد الأحكام في مصالح الأنام عز الدين بن عبد السلام 2/ 173 دار الكتب العلمية بيروت – الفروق للقرافي 4/ 217 دار المعرفة ، بيروت.
4 الاعتصام لأبي إسحاق الشاطبي1/37.
5 الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر تحقيق أمين قلعجي 5/58 مؤسسة الرسالة، 1992.
6 البيان والتحصيل لأبي الوليد ابن رشد تحقيق محمد حجي 1/243، دار الغرب الإسلامي، 1984.
7 النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني تحقيق عبد الفتاح الحلو 1/467، دار الغرب اٌسمي، 1999.
8 أحسن الكلام في ما يتعلق من السنة والبدعة والأحكام، محمد بخيت المطيعي ص: 32، مؤسسة الكتب الثقافية، 1988.
9 الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر تحقيق أمين قلعجي 5/49، مؤسسة الرسالة، 1992.  
10 المدونة الكبرى، كتاب الصلاة 1/229، دار الكتب العلمية.
11 الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر تحقيق أمين قلعجي 5/49، مؤسسة الرسالة، 1992.
12 الاستذكار لمذاهب علماء الأمصار لابن عبد البر تحقيق أمين قلعجي 5/52، مؤسسة الرسالة، 1992.
13 الموسوعة الميسرة الأديان والمذاهب 1/ 338. / الحكم وقضية تكفير المسلم. سالم البهنساوي ص 12، دار البحوث العلمية، الكويت، ط 3، 1985.
14 الحركات الإسلامية في مصر حسن حنفي ص: 133 الهدى المؤسسة الإسلامية للنشر 1985.
15 الفريضة الغائبة محمد عبد السلام فرح، ص15.
16 صحيح مسلم كتاب الفضائل. باب مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم.
17 الحكم وقضية تكفير المسلم – سالم البهنساوي ص 39.
18 تاريخ المذاهب الإسلامية محمد أبو زهرة 1/71دار الفكر العربي، بيروت
19 شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة هبة الله بن الحسن اللالكائي. تحقيق: أحمد حمدان 1/151 – دار طيبة الرياض 1985. – شرح العقيدة الطحاوية 373 المكتب الإسلامي، بيروت 7.شرح العقائد النسفية  للتفتازاني. تحقيق حجازي السقا ص: 71مكتبة الكليات الأزهرية، 1988.
20 فتح الباري لابن حجر العسقلاني 1/65، دار الكتب العلمية بيروت ط. 4، 2003.
21 القول الفصل شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة لمحيي الدين محمد بن بهاء الدين. تحقيق :د. رفيق العجم ص 39، دار المنتخب العربي، بيروت ط: 2. 1998
22 المواقف في علم الكلام عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ص 385 عالم الكتب، بيروت. مسند الإمام أحمد ج:4. ص: 182. دار الكتب العلمية بيروت ط/ 2، 1978.
23 شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة لملا علي القاري ص 180 دار النفائس، بيروت، 1997.
24 شرح العقيدة الطحاوية 373.
25 الماتريدية دراسة وتقويما .د. أحمد بن عوض الحربي ص. 452 دار الصميعي، الرياض، ط.3 .2000.
26 عمدة القاري شرح صحيح البخاري لبدر الدين العيني 1/ 1030 دار الفكر.
27 كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري. تحقيق عبد العزيز السيروان ص:  154 دار لبنان للطباعة والنشر 1987. 
28 اللمع لأبي الحسن الأشعري ص: 154.
29 الفرق بين الفرق عبد القاهر البغدادي 161 دار الكتب العلمية، بيروت، 1985.
30 الفرق بين الفرق عبد القاهر البغدادي 168.
31 المواقف في علم الكلام عبد الرحمن بن أحمد ص 386.
32 صحيح البخاري كتاب الإيمان، باب الإيمان، وقول النبي صلى الله عليه وسلم بني الإسلام على خمس.
33 كتاب الأساس لعقائد الأكياس القاسم بن محمد بن علي المعتزلي. تحقيق: د. البير نصري ص103 دار الطليعة بيروت 1980- وينظر المواقف للإيجي. ص: 386. – صحيح البخاري ،كتاب المظالم والغصب ، باب النهبى بغير إذن صاحبه.
34 تأويلات أهل السنة لأبي منصور الماتريدي. تحقيق: د. مجدي با سلوم 1/588. دار الكتب العلمية، بيروت ط.1 .2005 عون المريد شرح جوهرة التوحيد عبد الكريم تتان 1/ 349.- الغنية في أصول الدين عبد الرحمن النيسابوري المتولي الشافعي، تحقيق عماد الدين حيدر ص: 174 مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت 1987.
35 شرح العقائد النسفية ص: 73
36 مقالات الإسلاميين للأشعري 303 تحقيق محيي الدين عبد الحميد دار الفكر.
37 صحيح البخاري،كتاب الأضاحي. باب من قال الأضحى يوم النحر.
38 صحيح البخاري، كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
39 صحيح البخاري،كتاب الأدب باب من كفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.
40 صحيح البخاري، كتاب المناقب باب نزل القرآن بلسان قريش.
41 صحيح البخاري، كتاب الإيمان
42 المواقف 387
43 شرح الفقه الأكبر لأبي حنيفة لملا علي القاري. تحقيق مروان الشعار 155 دار النفائس، بيروت، 1997.
44 أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة اللالكائي. 1 ز164
45 شرح اعتقاد أهل السنة 1. 177.
46 كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري تحقيق عبد العزيز البدران 154. دار لبنان للطباعة والنشر 1978.
47 المواقف للإيجي 389.
48 شرح العقائد النسفية لسعد الدين التفتازاني تحقيق أحمد حجازي السقا ص. 71 مكتبة الكليات الأزهرية 1988.
49 شرح الإبانة على أصول السنة والديانة لابن بطة العكبري تحقيق: د. رمضان نعسان معطي 292 مكتبة العلوم المدينة المنورة 2002.
50 شرح العقيدة الطحاوية لأبي العز الدمشقي تحقيق :د. عبد الله بن عبد المحسن التركي 2.432 مؤسسة الرسالة 1987. 
51 حكم وقضية تكفير المسلم سالم البهنساوي ص:39
52 حرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين. أسامة إبراهيم وعاصم عبد المجيد ص: 102.
53 أحكام أهل الذمة لابن قيم الجوزية تحقيق صبحي الصالح 2. 518. دار العلم للملايين بيروت 1983
54 آثار الحرب في الفقه الإسلامي د. وهبة الزحيلي ص 175 دار الفكر ط3 1981.
55 الكليات لأبي البقاء الكفوي 451 مؤسسة الرسالة 1982.
56 بدائع الصنائع في ترتيب الشراع للكاساني 9 __51  تحقيق علي المعوض دار لكتب العلمية بيروت. 1997._المبسوط للسرخسي 10. 114. دار المعرف بيروت 1989. وآثار الحرب في الفقه الإسلامي د. وهبة الزحيلي 172.
57 التشريع النائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي عبد القادر عودة 1. 275 دار الكتاب العربي بيروت.
58 بدائع الصنائع 9. 519.
59 بدائع الصنائع 9. 519.
60 أحكام أهل لذمة لابن قيم الجوزية 1. 366
61 بدائع الصنائع 9. 519.
62 معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية د. محمود عبد المنعم 2/ 72 دار الفضيلة القاهرة.
63 الجامع الصحيح للترمذي كتاب ا لسير  باب ما جاء في الدعوة قبل القتال. سنن أبي داود كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين.
 
من كتاب الندوة العلمية "حكم الشرع في دعاوى الإرهاب" المنعقدة بالدار البيضاء بتاريخ 2 جمادى الأولى 1428 الموافق لـ 19 ماي 2007
 

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube