المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

قاعدة مراعاة المآل

وهذه من أعظم القواعد المميزة للمذهب المالكي، ومن أعمقها أثرا على المستوى النفسي والاجتماعي! وهي راجعة إلى اعتبار المآلات الْمُتَوَقَّعَةِ عند تنـزيل الأحكام الشرعية على عللها؛ تحقيقا لمناطاتها في ظروف الزمان والمكان وأحوال الإنسان. ومراعاةُ المآل في ذلك هي النظرُ فيما قد يؤول إليه الحكم الشرعي - بعد النطق به، أو بعد تنفيذه - بناءً على التوقعات الراجعة إلى كل تلك الاعتبارات. فهي إذن؛ "نَظَرٌ مستقبلي"، ودرءٌ للمفاسد المتوقَّعَة، وليس الواقعة فحسب! فيتم تكييف الحكم الشرعي بحسب تلك المعطيات المنهجية؛ رغم شهود النصوص الشرعية له بالاعتبار! لِمَا تبين من أدائه إن قيل به - على حسب تلك الظروف المقدَّرَةِ بقواعد الفقه لا بالهوى - إلى ضد ما شُرِعَ ذلك الحكم من أجله، من جلب المصالح أو درء المفاسد!

ونظراً لدقتها المنهجية نورد شرحا لأبي إسحاق الشاطبي رحمه الله، يقول: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه؛ وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها! فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية! وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية؛ ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد! فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية! وهو مجال للمجتهد صعبُ المورد؛ إلا أنه عذبُ المذاق، محمودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة.)([1])

فما أحوجنا إلى هذا النوع من التفكير الفقهي! خاصة في زماننا هذا! وكيف لا؟ وهو أصيل في مذهبنا، ومتجذر في ثقافتنا الدينية والوطنية؛ لِمَا حدث من اندماج بينهما تاريخيا! ولا أضْمَنَ من مثل هذا المنهج؛ لضبط "فقه الموازنات"، وترتيب "فقه الأولويات" في مجال الوعظ والإرشاد! بل في مجال النشاط العمراني البشري جملة! والإمام الفقيه حقا، أو الواعظ، أو المرشد المتخرج على مثل هذا التصور؛ هو الذي تكون له القدرة على الجمع والتأليف في مجال الوعظ والإرشاد، ويكون أقدرَ من غيره على تَمَثُّلِ "النظرية الاندماجية" للشأن الديني حقيقة! وإليكم نصا لأبي إسحاق الشاطبي يصور هذه الحقيقة؛ وكأنما يعيش عصرنا ويَحْـيَى ظروفَنا! قال رحمه الله في وصف العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ الحكيم:

إنه الذي (يَتَحَقَّقُ بالمعاني الشرعيةِ منـزلةً على الخصوصياتِ الفرعيةِ، بحيثُ لا يَصُدُّهُ التَّبَحُّرُ في الاِسْتِبْصَارِ بِطَرَفٍ؛ عَنِ التَّبَحُّرِ في الاِسْتِبْصَارِ بالطَّرَفِ الآخَرِ. فلاَ هو يَجْرِي عَلَى عُمُومٍ وَاحِدٍ منهما دون أنْ يَعْرِضَهُ علَى الآخَرِ. ثم يَلْتَفِتُ معَ ذَلِكَ إلى تَنَـزُّلِ مَا تَلَخَّصَ لَهُ على ما يليقُ في أفعالِ المكلَّفِين. (...) ويُسَمَّى صاحبُ هَذِهِ المرتبةِ: الرَّبَّانِيُّ، والْحَكِيمُ، والرَّاسِخُ في العِلْمِ، والْعَالِمُ، والفَقِيهُ، والعَاقِلُ؛ لأنه يُرَبِّي بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، ويُوَفِّي كُلَّ أحَدٍ حَقَّهُ حسبما يليق به! وقد تَحَقَّقَ بِالْعِلْمِ وصَارَ لَهُ كالْوَصْفِ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ، وفَهِمَ عَنِ اللهِ مُرَادَهُ. ومِنْ خَاصَّتِهِ أمْرَانِ، أحدُهُمَا: أنَّهُ يجيب السَّائِلَ على ما يليق به في حالتِه على الخصوص، إن كان له في المسألة حُكْمٌ خَاصٌّ (...) والثاني: أنه نَاظِرٌ في المآلاَتِ قَبْلَ الجوابِ عن السُّؤَالاَتِ!)([2])

ويزيد في بيان هذا الشرط: (أن لا يَذْكُرَ للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه!

ومما يستدل به على هذا المنهج ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلـت: يا رسول الله، أفلا أبشـر النـاس، قال: لا تبشرهم فيتَّكِلوا"؛ وفي رواية عن أنس قال فيها:"فأخبر بها معاذ عند موته تأثما".

وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية)([3]).

وفي ذلك ما فيه من مراعاة المحيطين الوطني والدولي، عند إنتاج الخطاب الديني، سواء على المستوى الوعظي أو المستوى الإرشادي.

فأي منهج أقدر على المواكبة والاندماج من مثل هذا التأصيل؟ فذلكم هو المذهب المالكي، وتلك هي منهجيته التأليفية التربوية. وبهذه الروح الاندماجية أسهم إلى حد بعيد في صياغة مجتمع مغربي منسجم ومتآلف وقوي.




[1]- الموافقات: 2/110.
[2]- الموافقات: 4-232.
[3]- الموافقات: 4/190-191.

للاطلاع أيضا

عمل أهل المدينة

قاعدة المصالح المرسلة

قاعدة مراعاة الخلاف

قاعدة مراعاة الخلاف

عمل أهل المدينة

دليل الإمام وحفظ الخصوصية المغربية في الشأن الديني

العقيدة الأشعرية

المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية

التصوف تربية على المحبة

إمارة المؤمنين دعامة للأمن الروحي

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط
facebook twitter youtube