السبت 27 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 16 ديسمبر 2017

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

دليل العالم المؤطر في ميثاق العلماء

أدلة سنية السدل في الصلاة

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه

 
إدريس خليفة: اللامذهبية في الفقه
 
الفقـه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية المستمدة من الأدلة التفصيلية، وهو علم قائم على الكتاب والسنة والاجتهاد؛ وقد نشأ الفقه كعلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نزل عليه قرآن كريم، فيه أحكام شرعية تتعلق بالعبادات والمعاملات، كالصلاة والصوم والزكاة والحج وأحكام الأسرة والميراث والبيع والشراء والهبات وغيرها.
 
وَقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يبين للناس أحكام الدين كما قـال تعالـى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)، فصدع صلى الله عليه وسلم بالأمر، وبَيَّن بسنته الحلال والحرام وتفاصيل الأحكام، وكان صلى الله عليه وسلم مرجع الأحكام الشرعية على عهده، وأفتى مجيبا عن الوقائع التي حدثت إلى وفاته، واجتهد في بعض ما كان يقع، تعليما للأمة وإرشادا لها إلى طرق الاستنباط.
 
وهذا معنى قوله تعالى: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولـي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وقوله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمـن: "يا معاذ بم تقض؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله، قال: أقضي بما قضى به نبي الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يَقْضِ به نبيه؟ قال: أقضي بما قضى به
 
الصالحـون، قال: فإن جاءك أمر ليس في كتاب الله ولم يفض به نبيه، ولا قضى به الصالحون؟ قال: أَجتهد رأيي ولا آلـو"؛ وفي رواية: أَؤُم الحق جهدي، وفي رواية: لم يات ذكر الصالحين، وهو مروي عن عمر بن الحارث عن جماعة من أصحاب معاذ بحمص،
 
واستمر الأمر على هذا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، فكان أصحابه يحكمون بالكتاب والسنة والاجتهاد، وكان بعضهم أميل للنص وبعضهم أميل للرأي، إذا لم يكن نص أو كان النص يحتمل أكثر من معنى، أو كان هناك قصد للشارع باعتبار المصلحة، يراعيها صاحب الرأي، وقد اختلفت لذلك بعض أحكامهم الاجتهادية لنفس الأسباب التي كانت وراء الخلاف المذهبي فيما بعد، وهو راجع لأمرين كما يذكره ابن خلدون في مقدمته:
 
 الأول: "أن السنة مختلفة الطرق في الثبوت، وتتعارض في الأكثر أحكامها فتحتاج إلى الترجيح".
الثاني: "أن الأدلة من غير النصوص مختلَف فيها"؛
 
ويمكن إضافة أمر آخر يرتبط بدلالة النص القرآني، لأن النص القرآني قطعي الثبوت، أما المعنى فمنه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني، والظني يتطرق إليه الاحتمال، فيقع الاختلاف، ولم يكن الصحابة رضي الله عنهم جميعا أهلُ فقه وفتيا، وإنما كانت مختصةًً بالحاملين للقرآن، العارفين بالناسخ والمنسوخ والمحْكَم والمتشابه، وهم الذين عُرِفوا في وسطهم باسم القراء، وفي مقدمة من أفتى منهم الخلفاء الأربعة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة أم المؤمنين، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم، وسار التابعون على نهجهم، وكان من الصحابة من بلغ درجة الاجتهاد، ومنهم من كان يقلد المجتهد منهم، بدليل قول الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) وأكثر الصحابة حظا من الاجتهاد والإفتاء ثلاثة: ابن مسعود، وزيد بن ثابت،  وعبد الله بن عباس (الفكر السامي 1: 287).
 
وسار التابعون على نهجهم وكذلك تابعوهم، واختلفوا كذلك في عدد من الأحكام، ومن هؤلاء سعيد بن المسيب المخزومي القرشي، وعروة بن الزبير،  والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وسالم بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، وعكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وغيرهم؛ وفي هذه الفترة ظهرت الفرق الإسلامية من خوارج ومرجئة ومعتزلة وشيعة، وخاض الناس في الجدَل العقدي إلى جانب اشتغالهم بالفتوى والأحكام، واختلق المبتدعة أحاديثَ وضعوها ونسبوها للرسول عليه الصلاة والسلام، وامتُحِنت الأمة امتحانا عظيما، لم يخرجها منه إلا انتظامها تحت لواء المذاهب الفقهية السنية التي أسسها أعلام وجهابذة الفقه، وفي طليعتهم الأئمة الأربعة: مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد ابن حنبل، وظهرت إلى جانبها مذاهب أخرى؛ سنية وشيعية. ومن هذه المذاهب السنية مذاهب الأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والمذهب الظاهري، ومذهب الطبري، وقد اندثرت ولم يبق بها عمل، ويتمثل الاتجاه الشيعي في الزيدية والإمامية والإسماعيلية، والزيدية قريبة من المذاهب السنية.
 
وفي عصر الأئمة الأربعة نما الفقه وازدهر، وأجاب عن القضايا والنوازل، بعلل للأحكام، بالرجوع للأصول كتابا وسنة واجماعا وقياسا وغيرها من مصادر الفقه، ووضعت للفقه ضوابط وقواعد، ووضح الأيمة سبل الاجتهاد، وطرق التعامل مع الحديث، ووضع علماء الحديث المصطلح للتمييز بين الصحيح والحسن والضعيف، ونظروا في الرجال وما يقدح في عدالتهم، وضبطوا أحوال الرواة والرواية، وهكذا ظهرت المذهبية الفقهية، إذ صار الفقه صناعة لها قواعدها وضوابطها، وبلغ كبار علماء الفقه درجة الاجتهاد المطلق، وهو ما تجلى في استيعاب هذه المذاهب أبواب الفقه واستيفائها مصادره، ووضع الأحكام انطلاقا من الحديث والسنة والاجتماع والاجتهاد بالاقسية وغيرها.
 
ولارتباط هذا الفقه ارتباطا وثيقا بالحديث سميت مذاهب سنية، إذ كان كل إمام من الأئمة الأربعة المشهود لهم بالفضل يقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فالمذهبية السنية مؤسسة على السنة النبوية والحديث الصحيح، ولا يعدل عنها أحدهم إلا لمعارض قادح، إما في الرواية بأن لم تصح، أو تعارُضٍ في المعنى بين الأحاديث، أو بين القرآن والحديث، أو غير هذا مما يجعل الأخذ بالحديث أمرا لا يحسن، فيرجح الإمام ما يرى ترجيحه على ما ورد به الحديث، ومن هذا أن يكون العمل بخلاف الحديث، كما كان ذهب إليه الإمام مالك في موطئه، فإن المدينة كانت مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها مسجده وبها دفن، وسكنها الصحابة والتابعون وتابعوهم، وقد رسخت فيها السنة النبوية العملية، فكان يقدمها على القول إذا كان على خلافها، وكانت لا تخفى عليه السنة القولية، لأنه كان بحرا في رواية الحديث، وحفظ منه عشرات الآلاف، لكنه كان يقدم العمل الثابت، لأنه أدل على السنة وأرجح للمروي منها، والأخذ به أصح وأقرب للحق وأهدى سبيلا، وكان مالك مشهورا بتوقير السنة وتوقير الرسول صلى الله عليه وسلم، واقتفاءِ آثار التابعين والصالحين، لذلك قيل: لا يفتى ومالك بالمدينة، وقد تمذهب الناس منذ عصر الأئمة الأربعة، فالمذهبية لهذا هي الأصل.  

مزايا المذهبية

وللمذهبية مزايا عديدة، منهـا:
 
أولا: اعتمادها على اجتهاد إمام وضع أسس المذهب، وأجاب عن الأسئلة المرتبطة بأكثرِ أبواب الفقه، وكان الفقه سجية له، بل كان يجيب عن طبع وذوق وفهم لما يلقى إليه، ومعرفة بالواقع، وحسن تنزيل للنصوص ومعرفة بالمعمول به منها، ومعرفة للناسخ والمنسوخ، وبصر بالحديث صحيحه وضعيفه، ومعرفة بالروايات الشاذة، وقُدرة على الترجيح عند تعارض الروايات؛ ومن بين طرق ترجيح الرواية فقاهة الراوي، وأئمة المذهب أعلم الناس بهذا، خاصة الإمام مالك، الذي كان له القدح المعَلَّى في علم الحديث وسائر علوم الشريعة، بإجماع علماء المذاهـب.
 
ثانيا: اعتمادها على أصول وقواعد فقهية، فلكل مجتهد أصوله وقواعده، وهي تتلاقى في الأكثر، وينفرد بها البعض، ولكنها في جملتها تميز كل مذهب، وتجعل منه بناء متماسكا، له خصائصه ومظاهره وهندستـه.
 
ثالثا:أنهـا معززة بفقهاء منضوين تحت راية المذهب، يُعْرَفون بالأصحاب، يُثْرون المذهب بأقوالهم وتجاربهم الفقهية، معروفون بالعلم والالتزام بالأصول والاطلاع على الفروع، وقياس الفروع على الأصول وعلى أقوال إمام المذهب، منهم فقهاء بلغوا درجة الاجتهاد المذهبي، يدلون بالرأي المنسجم مع المذهب، ويسدون الثغرات، حيث يحتاج المذهب إلى شرح أو تفصيل أو توضيح أو نقـاش.
 
رابعا: انسجام القضاء والفتوى داخل الدائرة الترابية لنفوذ المذهب، فإن الأيمة اختلفوا، واختلافهم رحمة؛ وهناك أسباب للاختلاف، لكنهم لم يخرجوا عن دائرة الشريعة، وأسباب ذلك معروفة، صنف فيها العلماء، وتجنبا لعدم الانسجام صار الناس إلى المذهبيـة، حيث اختارت الأمصار الإسلامية المذهب الذي يوافقها أن تأخذ بـه. (انظر كتاب «الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين في آرائهم» لابن السيـد البطليوسي، وكتاب: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لابن تيميـة).
 
خامسا: وجود مؤلفات علمية حسب كل مذهب، مرتبة على أبواب الفقه، تلخص زبدته، وتظهر أدلته وأقواله، وتنوعها من حيث الطول والاختصار، فالتطويل وضع للعالم المتبحر المتفرغ للعلم، والتوسط لمن هو دونه، والاختصار لمن يريد معرفة القول المشهور الراجح في المذهب، مع ضبط الحكم، من حيث الوجوب والحِرمة والندب والكراهة والإباحة، وقد تشتمل المختصرات كمختصر خليل على عزو الأقوال لأصحابها، كما ذكر ذلك في مقدمة مختصره.
 
سادسا: وضع مؤلفات تُعْرف بفقهاء كل مذهب وتترجم لهم، وتظهر فضائلهم، وتُعَرِّف بكل تاريخ المذهب وتفاعلاته بقضايا المجتمع، وترصُد تدخل الفتوى في حياة الناس وآثارها العلمية والاجتماعيـة.
 
سابعا: أنها تشغل عن إضاعة الوقت في الاطلاع على كل المذاهب، وآثار رجالها، ومؤلفاتهم المبسوطة والمتوسطة والمختصرة، وما كان بينهم من جدل، فإن الباحث عن الحكم الشرعي يكفيه الرجوع إلى مذهبه ومؤلفات علمائه، ليجد قيد جواب ما يبحث عنه، ولا يستغرق الوقتَ في الخلاف وأسبابه والترجيحِ وغيـره.
 
ثامنا: أن المذهبية توافق طريق التربية في التعليم، إذ مما يحسن من طرقه أن يتلقى المتعلم وجهة نظر واحدة دون تطويل، فإذا حصلت له الملكة أمكن أن يطلع على ما هو أكثرُ من ذلك، ولهذا كان طريق الفقه وتعلمه أن يحصل المتعلم على الأحكام الأساسية من المختصرات، ثم ينتقل إلى المطولات، ولا مانع في نهاية المطاف بعد تحصيل العلوم الضرورية، من كتاب وسنة وعلوم الآلة نحوا وبلاغة ومصطلحا، أن ينظر في خلاف المذاهب وأدلتها وأقوال علمائها وغير ذلك.
 
تاسعا: أن المذهبية وجدت من بلاد العالم الإسلامي شعوبا ودولا ركونا إليها، واطمئنانا لأحكامها، وقبولا لأقوال علمائها، وظهر أثر ذلك في القضاء والإفتاء، وصلحت عليه أحوال الناس، عكس اللامذهبية التي لم يحصل عليها إجماع، ولم تفرد بالاتباع، وظهور اللامذهبية بشكلها العنيف ووجهها الكالح المقطب المخيف دون انضباط بالقواعد والأصول وسط مذهبية هادئة بصيرة حكيمة، إنما هو فتنة للعوام، وشطط للطغام، وعبث بالمقرَّر من نافذ الأحكـام. 
 
وأما اللامذهبية فهي لا شيء، إلا أن يقال فيها: "سرَابٌ بقِيعَة يحسِبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب" ومع أنها لا شيء في النظر، فإنه لا بد مع دعوى أصحابها أنها شيء أن نحاول معرفتها والاطلاع على حججها،   إن كان يصح أن يقال عما يبرزه القائلون بها إنها حجج لهم، ومناقشتَها رغم أنهم لم يعرفوها ولم يجعلوها مذهبا.
 
وحيث إن اللامذهبية غير ثابتة ولا موجودةٍ في مذهب، بل هي اسم أو وصف مناقض للمذهب، وحيث إن الأشياء قد تُعرف بأضدادها، فإني أرجع هنا للضد الذي هو المذهبية لتحديد معنى اللامذهبية، فأقول وبالله التوفيـق: 

ما المذهب؟

كلمة مذهب مصدر ميمي، وهي بفتح الميم، وهـو في اللغة الطريق ومكـان الذهاب، قال الشيخ العدوي في حاشيته على شرح الخرشي على المختصر: إنه مصدر ميمي أُريد منه المفعول، وهي الأحكام التي ذهب إليها إمام من الأيمة، ولا يصح حمله على المكان إلا بتعسف، لأن الأحكام مذهوب إليها، لا فيها. ووجه صحة الحمل مع التعسف أن المكان هنا ليس حقيقيا، وإنما هو مجازي، فكأنه لما ينتقل من حكم إلى حكم ذاهب في الأحكام الاجتهادية، أي المنسوبة إلى الاجتهاد،  وهو بذل الوسع في استخراج الأحكام الشرعية. وهو عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما يذهب إليه إمام من أيمة الفقه اجتهادا واستنباطا، وأطلقه فقهاء العصور المتأخرة على ما به الفتوى، وهذا الاستعمال لم يكن معروفا في الصدر الأول، والمذهب الذي انبثق إنشاء عن أحد أيمة الفقه، يتضمن اجتهاد فقهاء المذهب من أتباعه المنسوبين إليه وإلى مذهبه، وهو اجتهاد يثري المذهب ويزيده قوة وتفاعلا مع الواقع، وعلاجا لأصناف الحوادث والوقائع، ما عرف الإمام منها وما لم يعرف، وذلك حسب تطور الفتوى زمانا ومكانا.
 
يقول الشيخ العدوي: "يطلق المذهب عند المتأخرين من أيمة المذهب على ما به الفتوى من إطلاق الشئ على جزئه الأهم، كالحج عرفة، لأن ذلك هو الأهم عند الفقيه المقلد، والمراد بمذهبه ما قاله هو وأصحابه على طريقته، ونسب إليه مذهبا، لكونه يجري على قواعده وأصله الذي بني عليه مذهبه".  ونَقَل الحطاب في «مواهب الجليل» أن ابن عرفة سئل: هل يقال في أقوال الأصحاب: إنها من مذهب الإمام؟ فقال: إذا كان المستخرِج لها عارفا بقواعد إمامه وأَحسَن مراعاتها، صح نسبتها للإمام وجعلها من مذهبه، وإلا نسِبت لقائلها".
 
وهكذا يكون المذهب ما ذهب إليه الإمام، وما به الفتوى وما يجْري على طريقة الإمام في الاجتهاد وأصوله، ويستوعب المذهب لهذا كلَّ أقوال فقهائه، وخلافهم، ما دام يجري على أصوله على ترتيب في تقديم الأقوال بعضها على بعض، ما بين مشهور وراجح ومرجوح وضعيف. واتِّباع الأئمة على هذا النحو هو الذي يعرف بالتقليد، لكنه على درجات، فقد يكون تقليدا مع معرفة الدليل، وقد يكون تقليد ركونا إلى الثقة بالفقيه، وأنه عن اجتهاد ودليل، وقد يكون مجرد نقل، وهذا أدنى درجاته، والتقليد هكذا من عارف من الفقهاء جائز في الشرع مطلوب، لقول القرآن الكريـم: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقد صار الناس إلى التقليد على هذا النحو منذ القرن الرابع لهذه الأسباب التي يذكر ابن خلدون في المقدمة إذ يقـول: "وقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم، وسد الناس باب الخلاف وطرقه لَمَّا كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق من الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولِمَا خُشي من إسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والإعواز، ورَدوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل بمن اختص به من المقلدين، وحظروا أن يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبقَ إلا نقل مذاهبهم، وعمِلَ كلُّ مقلِد بمذهب من قلده منهم، بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه غير هذا، ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور تقليده؛ وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأيمة الأربعـة".
 
وأَرجع إلى اللامذهبية فأقول: إنه ليس لها تعريف معروف، لَكن أصحابها الذين يخبطون خبط عشواء في الليلة الظلماء ينكرون المذاهب الفقهية والتقليد، زاعمين أن التقليد لا يجوز في الدين، وأن على طالب الحكم الشرعي أن يتلقى الفتوى من الحديث ونصوصه، ويستعظمون أمر التقليد، ويُجَرِّحُون أئمة المذاهب وفقهاءها، وينعتونها بنعوت في غاية القبح والشناعة، ومن خلال هذا يمكن معرفة حقيقة اللامذهبية ومناقشة أقوالها، وهو ما سأتناوله بالكلام بعد محاولة تقديم صورة عن تاريخ اللامذهبية حسب ظواهرها كما يأتـي: 

عن تاريخ اللامذهبية

بعد استقرار المذهبية، وسطوع شمسها، واجتماع المسلمين عليها، وحصرها في المذاهب السنية الأربعة المقلَّدة في العالم الإسلامي، بدأت محاولات الخروج عنها والفتوى بما يخالفها من بعض من زعم لنفسه القدرة على الاجتهاد والتوفيق فيه، فلم تفلح هذه المحاولات؛ ولم يُصَدِّق الناس هذا الادعاء، وخافوا على دينهم، وصَرَّحُوا بعدم جواز الاجتهاد وسريانه – كما سبق عن ابن خلدون – لأنه مُنِعَ لِمَا عاق عنه، وهو عدم بلوغ درجة الاجتهاد من المدعين، ومنع من إسناد هذا الأمر لغير أهله ومن لا يوثق برأيه ودينه، وفي هذا المنع محافظة على الدين من إضلال الضالين وتأويل الجاهلين وإفساد المفسدين.
 
وإلى جانب هؤلاء ظهرت مطامح أتباع مذهب الظاهر، وهو مذهب عده الفقهاء من ضمن المذاهب الداثرة، إذ لم يجد قبولا رغم أنه قائم على الحديث، لأنه أخذ بظاهر النص، وأنكر القياس، ورَدَّ القياس الجلي، والعلة المنصوصة إلى النص، لأن النص على العلة نص على الحكم. والمذهب منسوب لداود بن على الظاهري وابنه وأصحابهما.
 
وقد حاول ابن حزم في الأندلس إحياءه، وسلك مسلك الجدل والخصام والقدح في حق المذاهب الفقهية، وخاصة مذهب مالك، فرماه الفقهاء عن قوس واحدة، وسفهوا أقواله، وأبطلوا مذهبه، وكان زعيم المالكية الذي ناظره، وفل حده وخضد شوكته هو الفقيه القاضي أبو الوليد الباجي، وهو فقيه محدث أصولي  جدلي متمكن، أَخَذَ ببلده ورحل إلى الشرق، وأخذ علوما كثيرة، ولما رجع إلى بلده وجد نِحلة ابن حـزم وبِدعته قد انتشرت، فتصدى له وأبطل سحرها، فلم تقم لها بعد ذلك قائمة.
 
ولا يقال: إن الدولة الموحدية بالمغرب أخذت بالمذهب الظاهري، فهي لم تكن ظاهرية، رغم إحراق بعض ملوكها كتب الفروع، وإنما كانت دولةَ حديث، وعندما انقرضت الدولة الموحدية تنفس الناس الصعداء ورجعوا لفقه مالك، واستفاد الفقهاء المالكية من هذه المحنة، لأنهم بذلوا جهدا محمودا لربط الفقه بالأصلين: القرآن والحديث استدلالا واستنباطا، وجدد الفقه شبابه، ولم يغرق المغاربة في اللامذهبية على عهدهم، إذ أن الفقه ظل مالكيا، وظل الفقهاء على مذهب إمامهم، وكان الزعيم المبرز الذي حمل هذه الراية هو زعيم سبتة وقاضيها، العلامة المفسر المحدث الأصولي النظار، أبو الفضل عياض السبتي، وآخرون، ولهذا لم ينهزم الفقه المالكي في هذا العهد.
 
يقول الأستاذ عبد الله كنون في كتاب «النبوغ المغربي» 123:1: "المذهب المالكي لم ينهزم مطلقا أمام الدعوة إلى الاجتهاد، التي كان الموحدون يتزعمونها، ولا أمام المذهب الظاهري الذي نشط نشاطا كبيرا في هذا العصر. وذلك برغم الحملة المنظمة من رجال الدولة للقضاء عليه، فها أنت ترى كتب الأمهات يعاد كَتِبها بفور إحراقها، وسترى في تآليف فقهاء العصر ما وضع حول هذه الكتب من دراسات وما عمل لها من شروح، وإنا لنعد من فقهاء المذهب المالكي الذين نبغوا في هذا العصر العشرات قبل أن نعد ظاهريا واحدا، أو فقيها متحررا ممن يميل إلى الاجتهاد. ناهيك بابن محمد يشكر الجراوي. .. فإنه من فقهاء العصر وممن كتب على المدونة، وأبي محمد صالح الفاسي الذي بقي مثلا مضروبا عند فقهاء المذهب للعدل المبرز، وأبي القاسم الجزيري صاحب «المقصد المحمود في تلخيص العقود»، وهو الكتاب الذي اعتمده الناس في كتابة الوثائق، ولم يقدموا عليه غيره، وأبي الحسن المتيوي الفقيه الحافظ، صاحب الشرح العظيم على الرسالة بالنقل لأقوال الأيمة الذين تدور عليهم الفتوى، إلى غير هؤلاء ممن يطول الأمر بتعدادهم، بل إنا لنسجل ما قام به أحد الفقهاء المالكية، من رد فعل على حركة انتشار المذهب الظاهري ممثل في التهجم على ابن حزم إمام الظاهرية بالأندلس والمغرب، مما أدى إلى عقد مجلس علمي بمراكش للنظر في القضية، وهذا الفقيه هو أبو زكريا الزواوي أحد أفراد هذا العصر علما وصلاحـا...".
 
ومن خلالِ هذا نرى أن الدولة رغم أنها دعمت الحديث، وأحرقت كتب الفروع المالكية، ظلت في الصميم مالكية، وواصل فقهاء المذهب الفتوى على مذهبهم، ولم يتح للامذهبية الظهور والظفر، وحركة ابن حــزم رغم أنها كانت حسب أصولها وجدل زعيمها تدعو للبراءة من المذاهب، هي نفسها حركة مذهبية، أحصى الفقهاء عليها أخطاءها، وتطرفها وعُنِف جدلها وقاموسَ الشتائم التي كالتها للفقهاء أعلام المذاهب الفقهية. وأنصارُهَا الذين لازالوا أو لم يزالوا إلى عهد قريب متأثرين بها مدعين للاجتهاد واللامذهبية هم من الواقعين في شركها، وممن يقتاتون من مائدة المذاهب الفقهية، وخاصة مذهب الإمام مالك، والبقية الباقية من القائلين باللامذهبية من أتباع نحلته ومن غيرهم في هذا العصر أقـوام: 
 
1- سلفيون متشددون، وصوفية متسلفة، مشتغلون بالحديث، يدَّعون أن المذهب بدعة، وأنه لا يصار لقول فقيه مقلد، ولا يؤخذ الفقه ولا الفتوى مما هو مدون في كتب تلك المذاهب، والخصومة بين الفقهاء والمحَدِّثين قديمة، ذكرها أبو سليمان الخطابي في كتابه «معالم السنن»، قال: "رأََيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين، وانقسموا فريقين: أصحاب حديث وأثر، وأهل فقه ونظر...، ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى البعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه، إخوانا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التعاون والتناصر غير متظاهرين..." انظر النص كما أورده ولي الله الدهلوي في كتاب «الإنصاف في بيان أسباب الخلاف» (ص: 64 – 65).
 
2- قوم يقول عنهم القاضي يوسف النبهاني في كتابه «شواهد الحق في الاستغاثة بين الخلق» – ص 26 –: "علماء صالحون، ولكنهم مغفلون، يعرفون شيئا من الحديث والعربية وبعض العلوم المتداولة معرفة متوسطة، تُجَوِز في مثل هذا العصر... إطلاق لفظ العالم على أحدهم، وهم مع ذلك بينهم وبين درجة الاجتهاد في أحكـام الدين ما بين الشرطة والسلاطين، إن لم نقل كما بين الملائكة والشياطيـن...، قد قرؤوا في بعض الكتب ذمَّ الرأي، والتحريضَ على اتباعِ الكتاب والسنة...، وما علموا من غفلتهم أن الرأي المذموم هو الرأي مع وجود النص، من القرآن أو الحديث في تلك المسألة بعينها، وهذا لا يقول به أحد من المجتهدين وتابعيهـم، كيف وقد رُوي عن كل واحـد منهم قولُه: "إذا صـح الحديث فهو مذهبـي...". 
 
3- طلبـة حمقَى جعلهم الشيطـان ملعبة لهم، ظهروا في هذا الزمان – يقول النبهاني – حملهم الشيطان على دعِوى الاجتهاد وفهمِ الكتاب والسنة وأخذ الأحكام منهما بدون حاجة إلى تقليدِ أحد من أئمة الدين، وصارُوا يقولون: هم رجال ونحن رجال، وبعضهم إلى الآن لا يحسن الاستنجاءَ، فضلا عما هو فوق ذلك من أوصاف العلماء - ص: 28 – قال: ومن هؤلاء قسم يمتاز بالرقاعة والسماجة وفساد الذوق وقلة العقل والدين... يلهجون بحسن أحوال هذا العصر...، يعترضون على أيمة الأمة وعلمائها ومحدثيها وفقهائها وصوفيتها وصلحائهـا.
 
4- قوم معروفون بالانتساب لإديولوجيا غربية...، يريدون التخلص من أحكام الدين التي لا توافق هواهم...، وخاصة مذهب مالك، فتراهم يطالبون بتجاوزه وإبعاده للوصول إلى أغراضهـم ومقاصدهـم.
 
5- متطرفون غالون... يؤولون النصوص حسبما يوافق نزعة الغلو والتطرف عندهم، يصِل بهم الأمر درجة تكفير مَن عداهم، وهم منغلقون على أنفسهم، ولا يعيرون أهمية لما يقول العلماء، لأن من لا يتبعهم كافر في نظرهم، وهذا حال جماعة التكفير والهجرة. وهذه اللامذهبية في جميع أحوالها تتحول مذهبية خاصة، تعوض النقص الناتج عن المذهبية العالمة البصيرة المتسامحة والمتساكنة، المحترمة لحقوق الخلق والمعترفة بالتعايش السلمي وحق الحياة واحترام الإنسـان.
 

حجج دعاة اللامذهبية

أمـا الحجج التي يسوقها الداعون إلى اللامذهبية، فإن عَرْضَها يحتاج إلى جهد، لارتباطها بجهات متعددة، لكني أقدم أهم ما وقفت عليه من خلال بعض المؤلفات من الأقوال باختصار كما يأتـي:
 
1-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة: ما أنا عليه وأصحابي" رواه الترمذي.
ومعنى هذا أن الفرقة الناجية هي الفرقة التي تأخذ بالحديث، وتتمسك بأقوال الصحابة ومنهجهم، ولا يكون هذا إلا بنبذ التقليد –؛ انظر كتاب «ما أنا عليه وأصحابي» لمؤلفه أحمد سـلام -.
 
2- "أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ذما التقليد، وحكَمَا على المقلد بالضلال، فإما أن يكون كلامُ الله تعالى ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم حقا، والمقلدُ ضالا، كائنا من كان، وإما أن يكون المقلد على هدى، وكلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم باطلا، وبالضرورة ندري بطلان الثاني، فيجب أن يكون الواقع هو الأول، فالله تعالى يقول: (ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله)، والمقلدة متبعون أهواءهم في التقليد من غير هدى من الله، ولا دليلٍ من كتابه ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهم ضُلّال، بل ولا أضل منهم بنص القرآن، والله تعالى جعل اتباع الهوى ضلالا وكفرا أيضا فقال: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله، لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحسـاب) ونسيان يوم الحساب كفر، والله تعالى يقول: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء)، والمقلدة فرقوا دينهم وجعلوه مالكيا وشافعيا وحنبليا وزيديا وإماميا وأشعريا وماتريديا، وغير ذلك من المذاهب، فإما أن يكونوا على حق، وكلام الله تعالى باطلا، وإما أن يكون العكس وهو أن كلام الله حق، والمقلدة ليسوا على شيء، وهو الواقع قطعـا".
 
3- أن الله تعالى يقول: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تومنون)، أي فإن لم تردوا ما تنازعتم فيه إلى الله ورسوله فلستم بمومنين، والرد إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى كتاب الله والسنة بالإجماع، والمقلـدة إن تنازعوا لا يردون تنازعهم والفصل فيـه إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
 
4- أن الله تعالى يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) والمقلدة يقولون: لا نقول بتقليدهم إلا لنترك طاعته وننبذ سنته ونقدم عليها رأي غيـره".
 
5- أنهم "يقولون: نتبع الأولياء الذين هم الأيمة، ولا نتبع ما أنزل إلينا كما أمر الله تعالى، لأن اتباعه مباشرة يوقع في الضلال، مع أن الله تعالى يكذبهم إذ يقول: (وإن تطيعوه تهتدوا) ويقول تعالى: (فإما ياتينكم مني هدى فمن اتّبع هُدَايَ فلا يَضلّ ولا يشقى)... ينقلون عن أيمتهم كذبا وزورا أنهم قالوا: الحديث مضلة إلا للفقهاء، بل يزيد اللقاني – عنادا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتقديما للضلال على الهدى: "نحن خليليون، إن ضل ضللنا، وإن اهتدى اهتدينا...".
 
6- النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لقد تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها سواء، لا يزيغ عنها إلا هالك"؛ والمقلدة يقولون بملء أفواههم: كلا، لقد تركنا في ليلٍ بهيم، وظُلْمَة حالكة، ولا يتبعها إلا ضـال. 
 
7- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، والطائفة تشمل الواحد والاثنين كما ذكره أهل الله ...، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"... والله تعالى يقول: (إلا الذين آمنوا وعملـوا الصالحات وقليـل ما هــم) ويقول: (ولكن أكثر الناس لا يومنون). فهذا إخبار من الله تعالى بأن الصالح في الناس قليل، فمن ظَن خلاف هذا فهو كافر مكذب لله تعالى، وهذا القليل هو الطائفة العاملة بالدليل، الظاهرةُ على الحق التي لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، والكثير هم المقلدة الجاهلون بأمر الله ودينـه –؛ أُنظر كتاب «ذر الغمام الرقيق برسائل الشيخ السيد أحمد بن الصديق» من جمع عبد الله التليدي، ص: 30 – 41.
 
8-أن اعتناق المذاهب بدعة لم تكن معروفة في الصدر الأول – انظر كتاب «اللامذهبية» للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ص: 74.
 
تلـك هي أقوال وحجج اللامذهبية، وهي عند النظر خيوط عنكبوت واهية كما يقول القرآن الكريم: (وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون).
 

في دحض حجج اللامذهبية

ذلك أن القول بأن الذي يلزم اتباعُه هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا غير، حجة صحيحة من حيث ذاتها، ولكنها لا تقع موقعها الصحيح لدى التطبيق أو الانطباق على المذاهب السنية الأربعة، لأنها مبنية أساسا على الكتاب والسنة وفتاوى الصحابة والتابعين، على سبيل الاختيار من أقوالهم كما هو معلوم، وقد أحلت القارئ على كتاب «الفكر السامي» للحجوي الذي ذكر أنهم اجتهدوا واتفقوا واختلفوا، (وقد فصل القول في هذا الإمامُ الغزالي في كتاب المستصفَى)، فجاز لدى الاختلاف الاختيار من أقوالهم، وجاز الاجتهاد لدى الاختلاف، وهو ما فعله الأيمة الأربعة، بمراعاة القياس وأحوالِ الزمان والعرف وغيرها من الوسائل التي راعاها الأيمة والمفتون بعدهم على مذاهبهم، وقد رأينا من قبل أن الفقه المالكي اشتد عُوده وتألقت أحكامه زمن الموحدين بمراجعة الأدلة التي أظهرت صوابه واعتماده على أدلة الشرع، كتابا وسنة وأقوال صحابة وفتاوى لتابعين.
 
أما الآيات والأحاديث التي وقع فيها ذم التقليد، وأنه من الهوى والضلال، فهي آيات تتحدث عن التقليد المذموم، وهو تقليد الكفار في زمن الجاهلية آباءهم على الكفر، وعدم انقيادهم للإيمان، رغم براهينِ النبوة ومعجزات الرسالة وعلمهم صِدْقَ نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، ولا علاقة لها بالتقليد في فروع الفقه الذي حدث بعد حوالي أربعمائة سنة من وفاة نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، وقد نزلت في الكفار، ولهذا هُدِّدُوا بعذاب النار، وبيس القرار، فهؤلاء هم الكفار حقيقة، قطعا ويقينا، لا الفقهاء المقلدة قطعا ويقينا، إذ لم يكفروا، وحاشاهم أن يكفروا بالله ورسوله، ولا يستحقون أن يوصفوا بالأوصاف الجارحة القادحة، مثل الفجرة والفسقة من المقلدة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "سبـاب المسلم فسوق وقتالـه كفـر"، واتباعهم لإمام من أئمة المسلمين ليس كفرا بل هو تقليد ممدوح، وهو مما يندرج في الآية الكريمة: (فاسألوا  أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقولِه تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدين وليُنْذِروا قومَهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، وهُو من قبِيلِ التعلم الذي يؤجر صاحبه عليه، وهذا التقليد لهذا ولغيره ليس اتباعا للهوى، بل هو اتباع للقرآن واتباع للسنة؛ سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين وجميع الصحابة الذين كانوا يقلدون الأعلم والأَورعَ من بينهم، وكانت الفتوى في كبارهم كما سلف ذكره، والآية التي جاء فيها قوله تعالى: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله...) حذف منها المستدل أولها، ليجعلها تتناسق مع ما يريد الاستدلال عليه، وهو اتباع الفقهاء المقلدة أهواءهم كما قال، في حين أن الآية في غير هذا المراد، ولغير هذا الموضوع، يدل على هذا أولها، وهو قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبعِ الهوى...) فالآية عن النبي داود، وحكم داود النبي من بني إسرائيل وعن قومه، وليست في المقلدة من الفقهاء، ولا في فروع الفقه التي لم يحكم فيها بالاجتهـاد.
 
وقـد عمم اللامذهبيون القول في مسألة التقليد، مع أن التقليد أنواع، إذ منه تقليد عن علم واجتهاد، وأخذٍ بالدليل من الكتاب والسنة، وهو للقادر عليه، وقد خرجت المذاهب عددا من مجتهدي المذهب العالمين بالأدلة، وممن لهم أقوال في مذاهبهم، ولكنهم حسب أقوال اللامذهبيين مقلدة، ما دام الهدف هو إبطالَ المذاهب حتى يخلو الميدان لهم، يركضون فيه ويمرحون، وهذا الخلْطُ في تصور التقليد عن قصد، يخفي الحقائق، ويجعل من كل من يُنسَبُ إلى التقليد شخصا غبيا بالغ الغباء، جاهلا غمرا، والأمر غيرُ هذا، فالعالم بالأدلة، من حقه الاجتهاد، ومن حقه الترك، لأنه مطمئن إلى أن القول المقلد صحيح، فلا حاجة للاجتهاد فيه بعد ثبوت صحته، وأفعال العقلاء تصان عن العبث، أما من كان عاجزا عن الاجتهاد لقصوره وعدم توفر أدواته لديه، فهذا معذور إن اتبع غيره بنص الكتاب، واللامذهبيون يعرفون هذا ويعذرونه.
 
ومن هذا نعلم أن قولهم بوجوب الاجتهاد على العالم بالأدلة لا يصح، إذ هو حق له، وليس واجبا عليه، إذ هو عالم بالقول الصحيح والدليل على الصحة، فتركه الاجتهاد حق له، كما سلف، ولا لوم عليه إن ترك، وليس التقليد بأصنافه بدعة، فقد كان في عهد الصحابة والتابعين وعصر الأيمة المجتهدين، ولم يوصف بالبدعة المخالفة للسنة، وإنما البدعة أن يتكلم الإنسان بما لا يعلم، والبدعة المراء والجدال بالباطل، وبطْر الحق. وكلام اللقاني سابقا يحتمل التأويل بأن المراد بالضلال الخطأ، بمعنى إن أخطأ خليل أخطأنا، وإن أصاب أصبنا، لأن خليلا كان مُعَوَّل الفقهاء في زمانه، وكانوا يأخذون منه الفتوى، وليس كلامه دالا على عناد الله ورسوله كما ادعى من نبزه بذلك ونسبه إلى الضلال. وما قال في حقه هو نموذج تتبع اللامذهبِيِّين بعضَ الألفاظ الموهمة، والتركيز عليها للتشنيع على الخصوم، ونعتهم بأقبح النعوت، وتجاوزِ ذلك إلى الطعن في الفقه كله، والمذهبية جملة، والحط من شأنها، وشأن أعلامها، وهو النهج الذي يأخذ به اللامذهبيون في الجدال والخصام.
 
يقول إسماعيل النبهاني في «شواهد الحق» (ص:36): "جعلوا ديدنهم تتبع عثرات العلماء يستخرجونها من كتبهم، ويقولون: فلان الفقيه مثلا قال في كتابه كذا، ويعترضون عليه، ويسوقون الاعتراض على جميع الفقهاء من جميع المذاهب، ليس على ذلك الفقيه فقط، ويرون عبارة مستهجنة لمحدث مثلا، فينقلونها ويعترضون عليها وعلى سائر المحدثين، ويرون عبارة غامضة لصوفي، فيشنِعون عليه وعلى سائر الصوفية معه، ويرون في أحد التفاسير حديثا موضوعا أو قصة إسرائيلية، فيشنعون على ذلك المفسر وسائر المفسرين، وهكذا عملهم في جميع طوائف علماء الدين، ومن العجب أنه يوجد منهم جماعة في كثير من البلاد الإسلامية، كأن الشيطان نفث في قلوبهم هذه الضلالات والترهات في آنٍ واحد، وصارت أخبار بعضهم تتصل ببعض، بحيث إنهم ينتصر بعضهم لبعض على البعد، كأنهم أهل مذهب واحد، ولا مذهب في الحقيقة".
 
ومن هذا القبيل الاعتراضُ على من قال: "الحديث مضلة إلا للفقهاء، حيث شنع المعترض عليه، زاعما أن ما نسبه لأيمته كذب وزور، والحق أن الأيمة كانوا يرون الأمر كذلك، وهذا كان شأن الإمام مالك، فإنه كان يتوخى أن يكون من يأخذ عنه العلم في أوان الطلب عالما بالكتاب والسنة والفقه، ولا يروِي عمن يعرف السنة وحدها، لقلة بضاعته العلمية.
 
فقد روى ابن أبي أويس عنه قوله: "لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأساطين – وأشار إلى المسجد – فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن".
 
وروى ابن وهـب عنه قال: "أدركت بهذه البلدة أقواماً لو استسقي بهم القطر لسقوا، قد سمعوا العلم والحديث كثيرا، ما حدثت عن أحد منهم شيئا، لأنهم كانوا ألزموا أنفسهم خوف الله والزهد، وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تقوى وورع وصيانة وإتـقــان وعلم وفهـم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدا، فأما رجل بلا إِتقان ولا معرفــة فــلا".
 
فيظهر أن مالكا - رحمه الله – كان يرجح الحديث بفقه الراوي وعلمه، وهو ترجيح أخذ به غيره من أعلام فقهاء المذاهب، كما يذكره اللكنوي الهندي في «الأجوبة الفاضلة» ( انظر الصفحات من الكتاب: 210 – 219). وقال القرافي في شرح التنقيح: "من ليس بمجتهد فلا يجوز له العمل بمقتضى حديث وإن صح عنده سنده، لاحتمال نسخه وتقييده وتخصيصه وغير ذلك من عوارضه التي لا يضبطها إلا المجتهدون". ( انتهى نقلا بواسطة كتاب «إرشاد المقلدين» لباب الشنقطيي، ص: 95 – 96). 

نتائج اللاتمذهب

 أما النتائج التي يسفر عنها اللاتمذهب عامة فهي كما يأتـي: 
 
1-الانفلات من أحكام الفقه بالترخص والتشدد معا حسب الطلب، أي حسب الأهواء، وتلبية للأبهة والأنانية وحب الظهـور. 
 
2- إصدار فتاوى جهلية متشددة دون علم، وهذا حـال « المفتين» من الأقراص الإلكترونية وغيرهـم، يقدمونها للعامة بطرق شفوية في المساجد والشوارع والمجالس الخاصـة.
 
3- تكفير الدولة والحكام والعلماءِ والأمة، وتضليل العلماء، أي نسبتهم للضلال ونسبتهم للتقليد، وهو ضلال في نظرهم لا يقل خطورة عن ضلال الكفرة يهودا ونصارى وغيرهـم.
 
4-  زعـم بعضهم أنهم وحدهم المومنون، وأن المومنين في كل مجتمع قلة، لقوله تعالى: (ومـا أكـثـرُ النـاس ولو حرصـتَ بـمومنيـن)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق..."، يزعمون أنهم هذه الطائفة القليلة في مواجهة الأمة الكثيرة العدد الكافرة، التي هي في نظر هؤلاء الغلاة لا شيء، فإنما هم غثاء كغثاء السيـل.
 
5- محاولة إحلال بعض أحكام الفقه، واتجاهاتِ الفكر الحنبلي، ومذهب الظاهرية الحزمية بطرق ملتوية، وأساليب متحايلة محل الفقه المذهبي لباقي المذاهب، مستعملين قاموسا من السباب الساقط، والقدح والقذف والتشهير واستغلال بعض السقطات اللفظية وتضخيمها لتجعل من الحبة قبة، ومن النملة فيلاً، وإرعابِ العلماء وإرهابهم بذلك حتى لا يدخلوا حلَبة الصراع معهم، ولا يعترضوا سبيلهـم.
 
6- إلقاء أقوالهم إلى عامة الناس وعامة الطلبة، لإِثارة مشاعرهم وتجييشهم لقبول نزعتهم، وإيهامهم أَن ما يقولون هو السنة وما عداه هو البدعة، والفئة المستهدفة هي في الغالب خالية البال، غير متمكنة من العلم، لا تأخذه إلا تقليدا، وهي لهذه البراءة والسذاجة تقلدهم، وتحفظ كلامهم، وتنشر تطرفهم وغلوهم وغمزهم ولمزهم وهمزهـم.
 
7- محاولة السيطرة على المجتمع بطرق متعددة، من بينها التدخل في العادات بادعاء بدعتيها، ولو كانت عادات داخلة في نطاق المباح الذي لم يحرمه الله على العباد، غير عابئين بقوله صلى الله عليه وسلم: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة". 
 
ويبقـى القول بعدها بأن العمل بالمذاهب الفقهية وتقليدها مشروع في الدين، وأن الفقه يتطور، وعليه أن يتطور بربط أحكامه بالأصلين: الكتاب والسنة تعليما وتفقيها واستدلالا وإظهارا لحقائق الأحكام وعللها، وأن حاجة الأمة إليه في هذا العصر شديدة، لمعالجة المستجدات ورد التيارات الغازية، ودحْض ما يثار من شبه حول الدين وأحكامه، وأن المذهبية المالكية جزء من الهوية المغربية، كالوحدة الوطنية الترابية والبشرية والبيعة والعلَم الوطني، وأنه مظهر من مظاهر سيادة الأمـة، ومظهر من مظاهر التشريع في هذا البلد، سَرَى ويسري على مختلف المناطق المغربية من الصحراء جنوبا إلى جهة طنجة تطوان شمالا، ومن المحيط إلى الشرق غربا وشرقا.
 
ومن خلال هذا يتقرر ارتباط المذهب بالهوية الدينية والوطنية للأمة، بطريق الإجماع عليه، وأمرِ من ولاه الله أمر البلاد والعباد بلزومه، وضرورةٍ التزامه في الإفتاء والقضاء، والاهتداء بضرب من الاجتهاد المذهبي الرشيد، والنظر الراجح السديد، والله على ما نقول وكيل

للاطلاع أيضا

توفيق‭ ‬الغلبزوري‬‬‬‬: الشورى والديمقراطية

‬الزبير‭ ‬دحان :الخلافة الراشدة، الوهم والحكم‬‬

ادريس بن الضاوية: الخوارج سماتهم وجامع أفكارهم

محمد بوطربوش: السلفية بين الغلوّ والاعتدال

سعيد بيهي: فتنة التكفير

فريد الانصاري: مفهوم الولاء والبراء في الإسلام

الحاكمية وظاهرة الغلو في الدين

عبد الرزاق الوزكيتي: الجاهلية مفهومها وسماتها وحكم من يصف المجتمع المسلم بها

رضوان بنشقرون: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اليزيد الراضي: الإرهاب ودعوى الجهاد

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يدشن بالدار البيضاء المركب الإداري والثقافي التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
facebook twitter youtube