أحكام بيع السلعة بالسلعة سلما: كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي

الإثنين 28 يناير 2019

ahkam bayaa assilaa bi assilaa salamane 

درس أحكام بيع السلعة بالسلعة سلما، كتاب الفقه من مختصر الشيخ خليل بشرح الدردير وحاشية الدسوقي، مادة الفقه للسنة الثانية من التعليم الثانوي العتيق (الدرس 13)

أهداف الدرس:

  1. تعرُّفُ بعض صور اختلاف المنفعة واتفاقها.
  2. تبيينُ بعض شروط السلم.
  3. إدراك بعض صور فساد السلم وعلته.

تمهيد:

مضى في الدرس السابق أن من شروط السلم أن لا يكون رأس المال والمسلم فيه طعامين، ولا نقدين إلا إذا اختلفت المنفعة في أفراد الجنس الواحد، وسبقت بعض الأمثلة لذلك، وهنا نتابع الحديث عن بعض الأمثلة الأخرى لاختلاف المنفعة مع اتحاد الجنس، ونعرّج على الشرط الثالث من شروط بيع السلم، ثم نأتي على بعض صور فساد السلم.
فما هذه الأمثلة؟ وما الشرط الثالث من شروط السلم؟ وبماذا يفسد السلم في بعض الصور؟

المتن:

قال الشيخ خليل رحمه الله:" وَكَجِذْعٍ طَوِيلٍ غَلِيظٍ فِي غَيْرِهِ، وَكَسَيْفٍ قَاطِعٍ فِي سَيْفَيْنِ دُونَهُ، وَكَجِنْسَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ: كَرَقِيقِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ لَا جَمَلٍ فِي جَمَلَيْنِ مِثْلِهِ عُجِّلَ أَحَدُهُمَا وَكَطَيْرٍ عُلِّمَ، لَا بِالْبَيْضِ وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ ...، وَغَزْلٍ وَطَبْخٍ إنْ لَمْ يَبْلُغِ النِّهَايَةَ، وَحِسَابٍ، وَكِتَابَةٍ. وَالشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ: قَرْضٌ وَأَنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ: كَالنَّيْرُوزِ، وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ. وَاعْتُبِرَ مِيقَاتُ مُعْظَمِهِ،إلَّا أَنْ يُقْبَضَ بِبَلَدٍ: كَيَوْمَيْنِ، وَإِنْ خَرَجَ حِينَئِذٍ بِبَرٍّ أَوْ بِغَيْرِ رِيحٍ. وَالْأَشْهُرُ بِالْأَهِلَّةِ، وَتُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ الرَّابِعِ، وَإِلَى رَبِيعٍ حَلَّ بِأَوَّلِهِ وَفَسَدَ فِيهِ عَلَى الْمَقُولِ، لَا فِي الْيَوْمِ".

الفهــم:

الشـرح:

النيروز: أول يوم من السنة القبطية والسريانية والعجمية والفارسية.
الدراس: درس الحب يدرسه: داسه، ودُرس الحب يدرس دراسا إذا ديس. والدراس بكسر أوله وفتحه: الدياس، ودرسوا الحنطة دراسا أي داسوها.
الشهر المنكسر: هو الذي مضى منه ليلة أو أكثر.

استخلاص المضامين:

  1. أستخرجُ من المتن بعض صور اختلاف المنفعة واتحادها.
  2. أستخرجُ من المتن بعض شروط السلم.

التحليـل:

يشتمل هذا الدرس على محورين:

أولاً: بعض صور اختلاف المنفعة أو اتحادها

صور اختلاف المنفعة

قال المصنف:" وَكَجِذْعٍ طَوِيلٍ غَلِيظٍ فِي غَيْرِهِ، وَكَسَيْفٍ قَاطِعٍ فِي سَيْفَيْنِ دُونَهُ، وَكَجِنْسَيْنِ وَلَوْ تَقَارَبَتْ الْمَنْفَعَةُ: كَرَقِيقِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ لَا جَمَلٍ فِي جَمَلَيْنِ مِثْلِهِ عُجِّلَ أَحَدُهُمَا وَكَطَيْرٍ عُلِّمَ" سبق أنه لا يجوز السلم في جنس واحد إلا إذا اختلفت منفعته، ولاختلاف المنفعة صور منها:

  • أن يُسلَم جذع غليظ في جذع أو جذوع غيره من جنسه قِصار رِقاق فيجوز.
  • أن يسلم سيف قاطع جيّد الجوهرية في سيفيْن دونَه في القطع والجوهرية معاً، وإنما جاز لتباعد ما بينهما حينئذ.
  • يجوز سلَم الجنسين في أحدهما إن تباعدت المنفعة اتفاقاً، بل ولو تقاربت المنفعة بينهما يجوز سلم أحدهما في الآخر؛ كأن تسلم رقيق ثيابِ القطن ورقيق ثيابِ الكتان فأولى غليظهما أو غليظ أحدهما في رقيق الآخر.
  • يجوز سلم طيرٍ عُلِّم صنعة مشروعة؛ كالاصطياد، وتوصيل الكتاب من بلد لآخر في واحدٍ غير معَلَّم أو في أكثرَ، فيعتبر اختلاف الطير بالتعلم لا بالبيض فلا يجوز سلم دجاجة بيوض في دجاجتين دونها فيه، لعدم الاختلاف في المنفعة، وأما في واحدة غير بيوض فجائز لأنه قرض. ويلحق بهذه الأمثلة غيرها مما في معناها فيعطى حكمها في بيع الجنس بجنسه سلما؛ لتنزيل اختلاف المنفعة منزلة اختلاف الجنس.

بعض صور اتحاد المنفعة

قال المصنف:" لَا بِالْبَيْضِ وَالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ ...، وَغَزْلٍ وَطَبْخٍ إنْ لَمْ يَبْلُغْ النِّهَايَةَ، وَحِسَابٍ، وَكِتَابَةٍ. وَالشَّيْءُ فِي مِثْلِهِ قَرْضٌ" لا تختلف المنفعة في الحيوان مطلقا سواء أكان طيرا أم غيره بالذكورة والأنوثة فلا تسلم دجاجة في دِيكيْن ولا عكسه؛ لأن هذا سلف جرّ نفعاً، ولا الدجاجة في الديك؛ لأنه سلم الأجود في الأردأ وهو من ربا الفضل، وأما إسلام الأنثى في الأنثى من الحيوان فهو جائز؛ لأن إسلام الشيء في مثله صفةً وقَدراً قرض، والقرض مشروع سواء أكان بلفظ البيع، أم السلف، أم غيرهما في العرض والحيوان، وحينئذ إذا قصد نفع المقترض جاز، فإن قصد نفع المقرض أو نفعهما معا فلا يجوز، وأما الطعام والنقد فلا يكونان قرضا إلا إذا وقعا بلفظ القرض، فإن وقعا بلفظ البيع؛ كأبيعك هذا الدينار بدينار لشهر، أو بلفظ السلم؛ كأسلمك هذا القنطار من القمح في قنطار مثله لشهر، أو أطلق؛ كخذ هذا الدينار في دينار آخذه منك بعد شهر، أو خذ هذا القنطار من القمح وآخذ منك بعد شهر قنطارا فإنه يمتنع.

ثانيا: أحكام الشرط الثالث (تأجيل المسلم فيه)

تأجيل تسلم المسلم فيه بأجل معلوم

قال المصنف:" وَأَنْ يُؤَجَّلَ بِمَعْلُومٍ زَائِدٍ عَلَى نِصْفِ شَهْرٍ: كَالنَّيْرُوزِ، وَالْحَصَادِ وَالدِّرَاسِ وَقُدُومِ الْحَاجِّ. وَاعْتُبِرَ مِيقَاتُ مُعْظَمِهِ، إلَّا أَنْ يُقْبَضَ بِبَلَدٍ: كَيَوْمَيْنِ، وَإِنْ خَرَجَ حِينَئِذٍ بِبَرٍّ أَوْ بِغَيْرِ رِيحٍ. وَالْأَشْهُرُ بِالْأَهِلَّةِ، وَتُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ مِنْ الرَّابِعِ، وَإِلَى رَبِيعٍ حَلَّ بِأَوَّلِهِ " من شروط صحة السلم تأجيل تسلم المسلم فيه بأجل معلوم للمتعاقدين؛ ليَسلم من بيع ما ليس عند الإنسان المنهي عنه بقول النبي صلى الله عليه وسلم:" لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ ". [ سنن الترمذى، كتاب البيوع، باب: ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك ].
فالغالب فيما ضرب فيه الأجل تحصيلُ المسلم فيه في ذلك الأجل، فلم يكن من بيع ما ليس عنده؛ إذ كأنه إنما بيع ما هو عنده عند الأجل. سواء أكان الأجل معلوما حقيقة، أو حُكما؛ كمن لهم عادة بوقت القبض فلا يحتاج لضرب الأجل؛ لأن العادة كالشرط، وذلك كأرباب المزارع، وأرباب الألبان، وأرباب الثمار؛ فإن عادة الأُوَل القبض عند حصاد الزرع ، وعادة مَن بعدهم الوفاء بدفع ما عليهم زمن الربيع وزمن جذ الثمار. وإن لم يكن الأجل معلوما لا حقيقة ولا حكما فسد السلم.
وَأَقَل الأجل المعلوم نصف شهر؛ لاختلاف الأسواق فيه غالبا. والتأجيلُ المعلوم جائز بحساب العجم إن علمه العاقدان كالنَّيْروز وهو أول يوم من السَّنة القبطية؛ لأن الأيام المعلومة كالمنصوصة، فالمعلومة: كخذ هذا الدينار سلَما على قنطار قمح إلى النيروز، أو إلى عاشوراء، أو لعيد الفطر، أو لعيد الأضحى، أو لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، والحال أنهما يعلمان أن النيروز أول يوم من شهر أُوتْ، وأن عاشوراء عاشر يوم من شهر المحرم، وأن مولد النبي صلى الله عليه وسلم ثاني عشر ربيع الأول وهكذا. والمنصوصة: كخذ هذا الدينار سلما في قنطار قمح إلى أول شهر رجب، أو آخذه منك بعد عشرين يوما.
ويجوز التأجيل بفعل له وقت معلوم؛ كالحصاد للزرع، والدِّراس، وقدوم الحاج، والصيف والشتاء، فالتأجيل بالفعل الذي يفعل في الأيام المعتادة كالتأجيل بها. ويعتبر في الحصاد والدراس وقدوم الحاج معظم الوقت الذي يحصل فيه غالب ما ذكر، وهو وسط الوقت المعدّ لذلك، سواء أَوُجِدت الأفعال أي الحصاد، والدراس في بلد عقد السلم، أو لم توجد فيها.
والتأجيل بالخمسة عشر يوما مشروط بما إذا كان قبض المسلم فيه ببلد عقده؛ لأنها مظنة اختلاف الأسواق في البلد الواحد، وأما إذا كان قبضه في غير بلد عقده فالمشترط أن يكون أقل المسافة الكائنة بين البلدين يومين؛ لأنها مظنة اختلاف الأسواق في البلدين، وإن لم تختلف بالفعل. ثم إن الاكتفاء بمسافة كيومين مقيد بقيود أربعة:

  1. قبض رأس المال بمجلس العقد أو قربه.
  2. اشتراط خروجهما حال العقد، وهذا لا يُفهَم من كلام المصنِّف.
  3. خروج المسلم والمسلم إليه من بلد العقد بالفعل بنفسهما، أو بوكيلهما، أو أحدهما بنفسه، والآخر بوكيله، أو لهما وكيلان ببلد قبضه فرارا من جهالة زمن قبضه.
  4. كون مسافة اليومين ببَرٍّ أو ببَحر يسافر فيه بغير رِيح؛ بأن كان بانحدار مع جري الماء أو بمجاديف أو يجر بحبل من أشخاص ماشين ببَرٍّ، احترازاً من البحر الذي يسافر فيه بالرّيح فلا يجوز لعدم انضباطه إذ قد يصل في أقلّ من يوم فيصير سلَما حالًّا.

والشهر والشهران والأشهر إذا ضربت أجلا للسلم تحسب بِظهور الأهلة سواء أكان بعد ثلاثين يوما أو بعد تسعة وعشرين يوما، إن عقد السلم في أول ليلة من الشهر، فإن عقد في غيرها وأجل بثلاثة أشهر مثلا حسب الثاني، والثالث بالهلال وتُمِّم الشهر الأول الذي مضى منه ليلة أو أكثر قبل عقد السلم ثلاثين يوما، وإن كان بالهلال تسعة وعشرين يوما فيُتمَّم من الشهر الرابع لا ممّا يليه؛ لأنه خلاف النقل، ولتأديته لانكسار جميع الأشهر.
وما علل به تأجيل تسلم المسلم فيه بخمسة عشر يوما كأجل أدنى من كون ذلك مظنة لاختلاف الأسواق لم يعد مواكبا لزماننا؛ حيث أصبحت الأسواق تتغير في ساعات بل في لحظات ولذلك قبل بعض المالكية تأجيل السلم بأقل من ذلك بكثير.

تأجيل تسلم المسلم فيه بأجل مجهول

قال المصنف:" وَفَسَدَ فِيهِ عَلَى الْمَقُولِ، لَا فِي الْيَوْمِ" من صور السلم المختلف في فساده تأجيل التسلم بأجل فيه احتمال؛ بأن يقول المسلم إليه: أقضيك سلعتك في شهر ربيع مثلا، أو في العام الفلاني؛ للجهالة باحتمال أوله ووسطه وآخره، على قول المازري رحمه الله. والمعتمد قول مالك، وابن القاسم: لا يفسد ويقضيه وسطه. وأما لو قال: أقضيك في اليوم الفلاني فلا فساد، ولا يضر الجهل؛ لاحتمال أوله ووسطه وآخره لخفة الأمر فيه.
مما سبق يتجلى أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على نفع غيره لوجه الله تعالى وابتغاء مرضاته لا لمقصد آخر، وأن كل معاملة فيها شبهة أو أنها قد تفضي إلى المحرم ينبغي تركها بمقتضى الإيمان الذي من آثاره الابتعاد عن الحرام وإضرار الغير. كما تتجلى أهمية الوقت في في صحة العقود المالية وفسادها.

التقويم

  1. أُبيّنُ حُكم السلم في الجنس الواحد إذا اختلفت المنفعة.
  2. أَذكرُ بعض شروط السلم.
  3. أُوضّحُ بعض صور فساد السلم مع الاستشهاد بالمتن.

الاستثمار:

قال ابن القاسم:" وَالْخَشَبُ لَا يُسْلَمُ مِنْهَا جِذْعٌ فِي جِذْعَيْنِ مِثْلِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ اخْتِلَافُهُمَا كَجِذْعِ نَخْلٍ طَوِيلٍ كَبِيرٍ غِلَظُهُ وَطُولُهُ كَذَا فِي جُذُوعٍ صِغَارٍ لَا تُقَارِبُهُ، فَيَجُوزُ لِأَنَّ هَذَيْنِ نَوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ" . [ الجامع لمسائل المدونة، لابن يونس الصقلي 11 /119].
وقال ابن عرفة:" لا خير في سلَم حِنطة في حنطة مثلها أو طعام في طعام مثله، ولا يجوز سلم الدنانير والدراهم في الفلوس. ولا يجوز سلم شيء في أكثر منه ولا أقل منه ولا أدنى في أجودَ ولا عكسه؛ لأنه سلف جرّ نفعاً، وضمان بجُعل". [ المختصر الفقهي لابن عرفة 6 /237 ].
أتأمل هذين النصين وأجيب عن الآتي:

  1. متى يُسلَم الشيء في جنسه ومتى لا يسلم؟
  2. ما هي علة منع سلم الشيء في أكثر أو أردأ منه؟
  3. أبين حكم الصورة الآتية مع التعليل: رجل أسلم دارا في طور البناء في دار جاهزة.

الإعداد القبلي

أقرأُ متن الدرس القادم وأقوم بالآتي:

  1. أستخرجُ شرطين من شروط صحة السلم.
  2. أوضحُ بعض صور فساد السلم وعلة ذلك.
  3. أشرحُ ما يلي: نقي - غلث - المحمولة - السمراء.