الأحد 28 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 17 ديسمبر 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

الأذان للصلاة

التعريفتعني كلمة الأذان في اللغة الإعلام كما في قوله تعالى: "وأذان من الله ورسوله إلى الناس". أما في الاصطلاح فهو النداء إلى الصلاة، وكذا الإقامة، وقد سمي بذلك لأنه إعلام بدخول وقت الصلاة.
نص الأذان : وعلى الرغم من ارتباط الأذان بالصلاة التي هي عماد الدين وأحد أركانه الخمس، فإنه لم يرد في القرآن ولا في السنة ما يحدد نصه أو طريقة أدائه، وإنما كان المسلمون “وهم قلة في بدء الدعوة- يدعون إلى الصلاة بالنداء المسموع من قريب. ولعل أول نص للآذان هو ما جاء في طبقات ابن سعد من أن المسلمين كانوا إذا حان وقت الصلاة نادي فيهم بلال بقوله: الصلاة جامعة. وعلة ذلك فيما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما إذ قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس ينادى لها، فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى. وقال بعضهم: بل بوقا مثل قرن اليهود. فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادى بالصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فناد بالصلاة" (1) 
وهكذا رفض المسلمون استعمال الناقوس والبوق، ولم يكن هذا الرفض نابعا عن استنكاف من تقليد النصارى واليهود فحسب، ولكنه أيضا كان نابعا من اطمئنانهم إلى استعمال الصوت البشري كوسيلة لتبليغ الأذان إلى الناس، وهو اختيار يؤكد اعتماد الديانة الإسلامية على الوسائل الفطرية في بث تعاليمها ونشر عقائدها، كما يؤكد مدى ارتياح العرب إلى الصوت البشري كأداة موسيقية ولمكانته من بين آلات العزف والنقر باعتباره ألصق بالإنسان وأقدر على نقل المشاعر الدينية الصادقة. ولعل ذلك ما أثار دهشة يهود المدينة الذين ذكر المفسرون أنهم قالوا عندما سمعوا الأذان: لقد أبدعت يا محمد شيئا لم يكن فيما مضى.
وقد تسربت إلى الصوامع تقاليد دخيلة شرقية وأندلسية وأخرى أملتها ظروف سياسية طارئة. فمن هذه الأخيرة ما أحدثه المهدي بن تومرت من الأمر بالنداء للصلاة باللسان البربري بعد النداء لها باللسان العربي، ولاسيما في بعض مناطق المغرب. وقد ذهب صاحب الحلل الموشية في تبرير صنيع ابن تومرت بأنه يدخل في نطاق تعبئته للجماهير الشعبية ضد المرابطين إذ كان "ينقل به إليهم المواعظ والأمثال، ويضرب لهم المقاصد، فجذب نفوسهم واستجلب قلوبهم، وسهل عليهم التعليم بنفسه وبأعيان أصحابه (2). وقد تولى المأمون الموحدي إلغاء هذه العادة بعد أن خفت وطأة المهدوية بالمغرب.
كما أحدث المهدي النداء في الفجر بعبارة "أصبح ولله الحمد". وقد عرف العهد الوطاسي عادة إنشاد الأشعار وتلاوة الأذكار فوق الصوامع قبل أذان الفجر وفي ليالي رمضان، وهي زيادات غنائية أنكرها القاضي أحمد الونشريسي في المعيار فقال: "ومنها إنشاد الشعر أو غيره في الصوامع، فإنه من البدع التابعة لبدع، لأن الأصل الأذان وحده، ثم اتبع الأذكار لقصد الإيقاظ، ثم اتبع الغناء والسماع. وهذا كله من الإحداث والبدع". ولم يقف الأمر عند حد إنشاد الأهازيج والأذكار على الصوامع بالمغرب، بل تسرب إليها منذ العهد المريني تقليد جديد، وهو النفخ في النفير والبوق.
ويبدو أن أهل الأندلس كانوا أسبق إلى استعمال البوق والنفير في هذه الأغراض، على حين كان المغاربة “حسب الوزاني في نوازله الكبرى- يعلنون عن أوقات الصلوات الخمس برفع العلم نهارا والفنار ليلا فوق الصوامع(3)، فلما استقبلوا مهاجري الأندلس أخذوا عنهم استعمالها بالمساجد. وإلى هذا أشار الونشريسي بقوله: "وهذا البوق صار علما في بلاد الأندلس في رمضان على غروب الشمس ودخول وقت الإفطار، ثم جعل علما أيضا بالمغرب الأوسط والأقصى على وقت السحور ابتداء وانتهاء"(4).
وقد انتهى الجدل في شأن البوقات إلى حل وسط يوفق بين المنع والإجازة، وهو إحداث أبراج خاصة في جوار المساجد يعتليها النفارون والبواقون ليعلنوا عن ظهور هلال رمضان وهلال العيد وينبهوا الصائمين في هجيع الليل(5).
تلحين الأذان : أجمع أئمة الإسلام على الاحتراس من الإخلال بنطق الكلمات ومخارج الحروف في الأذان، ولكنهم اختلفوا في جواز تلحينه وترجيعه. على أن إسناد الأذان إلى ذوي الأصوات الحسنة كان مطمح المسلمين منذ عهد مبكر. فقد جاء في كتاب "الإقناع" عند ذكر آداب الأذان أنه "يسن أن يكون المؤذن صيتا أي رفيع الصوت لأنه أبلغ في الإعلام"، حسن الصوت لأنه أرق لسامعه، مرتلا لألفاظ الأذان"(6) 
وما فتئ البحث عن ذوي الأصوات الرفيعة الحسنة ديدن الناس، في كل عصر. يقول المراكشي في المعجب: إنه إذا استقام الخطيب فوق المنبر أذن ثلاثة من المؤذنين مفترقين، أصواتهم في نهاية الحسن، قد انتخبوا لذلك من البلدان(7)
طرائق الأذان: عرفت طرائق الأذان تدرجا من الأداء البسيط نحو الإلقاء الغنائي الذي يغلب عليه الترنم والتطريب، حتى أصبحت للأذان في مختلف أنحاء البلاد طرائق متنوعة يشكل كل منها قالبا غنائيا له طابعه وخاصياته. وما من شك في أن هذه الطرائق كانت “على اختلاف نماذجها- تستمد مميزاتها من طبيعة الأصناف الموسيقية السائدة في البلاد. وفي مقدمتها الموسيقى الأندلسية.
أسلوب الأذان بالمغرب : وعلى الرغم من تعدد طرائق الأذان فقد ظل بصفة عامة موسوما بالبساطة وخاصة في الأوساط القروية حيث نلاحظ ميل المؤذنين إلى الأسلوب الإلقائي في الأذان Récitatif وهو أسلوب يكاد ينعدم فيه كل أثر للتلحين والتنغيم. ويرجع سبب هذه السمة إلى تشبع المغاربة بالمذهب المالكي المتشدد. وفيما يلي أهم الخصائص الفنية التي تميز الأذان المغربي التقليدي:
- فهو يعتمد في الغالب على لحن بسيط التركيب، تنعدم فيه الزخارف والانعراجات إلا ما كان نادرا، وهو يسير في خط مستقيم وعلى نسق أفقي يقل فيه الانتقال من درجة إلى أخرى ولو كانت مجاورة.
ويلاحظ أن نغمة البداية التي تتكئ على الهمزة من اسم الجلالة تنطلق من نغمة منخفضة، ومنها يقفز الصوت إلى درجة أعلى يغلب أن لا يتجاوز بعدها الموسيقى مسافة الرابعة. وتتوالى فقرات الأذان عبر لحن موسيقي بسيط لا تتجاوز نغماته نطاق بعد ثلاثي يصعب أحيانا تحديد مقامه.
وقد جرت العادة في إقامة الجمع أن يعلن الأذان ثلاثة مؤذنين بالتتالي، ولطالما أتاح ذلك للمستمع فرص الاطلاع على أنماط متباينة للأذان المغربي، فتتعاقب على سمعه ألحان تنتمي إلى مناطق مختلفة من البلاد، كما كان ذلك مدعاة إلى تنافس المؤذنين في تحسين أذانهم. وعلى حين ينفرد المغرب من بين دول العالم الإسلامي “أو يكاد- بظاهرة التناوب في أذان صلاة الجمعة يضطلع بالأذان في سائر البلاد الإسلامية مؤذن واحد يؤديه منفردا، ولا يشذ عن ذلك إلا "الأذان السلطاني" الذي عرفته بعض بلاد الشرق العربي، وهو أذان يؤديه جماعة من المؤذنين في وقت واحد(8).
ولقد كان من عادة المؤذنين، وخاصة في الحواضر حيث تتعدد الصوامع أن يتصدر من بينهم مؤذن معين يسند إليه النداء في المسجد الرئيسي للمدينة كمسجد القرويين بفاس، والكتبية بمراكش، والمسجد الأعظم بمكناس. ويكون له فضل السبق بالأذان الأول، ثم يتلوه مؤذنو الصوامع الباقية. ولقد سجل هذه الظاهرة علي الجزنائي الذي عاش في القرن الثامن على عهد أبي عنان المريني، فذكر أن سائر المؤذنين بصوامع مدينة فاس كانوا يقلدون مؤذن صومعة القرويين على العادة المنتقلة من قديم الزمان(9)، ثم عاد ليؤكد ذلك مرة أخرى عند حديثه عن مؤذن صومعة مسجد الأندلس، فقال: إن المؤذنين في هذه الصومعة يقتدون في أذانهم بأذان جامع القرويين على العادة المتداولة إلى الآن(10).
وإذا جاز لنا أن نتصرف قليلا في تأويل كلام الجزنائي هذا فلعلنا نستنتج أن المؤذنين كانوا يقتدون بمؤذن القرويين في الأسلوب الغنائي للأذان أيضا ويؤدونه على النحو الذي انتشر بالمغرب من قديم الزمان وحتى عهد المؤرخ.
وفيما كان المغرب “حتى أوائل القرن العشرين- ما يزال متشبثا بالطريقة الساذجة في الأذان تحت تأثير تمسكه بمذهب المالكية، وفيما كان يحافظ على أصالة طريقة أدائه، مستفيدا من طبيعة الموسيقى المغربية بجميع أصنافها، تعرض الأذان في أقطار المغرب العربي الأخرى لموجات من تأثير الموسيقى التركية التي دخلتها مع الحكم العثماني، فأشاعت فيه طرائق غنائية يغلب عليها التلحين والترنم، وتسرب إلى ألحانه ربع النغمة وثلاثة أرباعها، وبذلك أصبح يشكل مزيجا من الأسلوبين المغربي والمشرقي.
على أن المغرب ما فتئ بدوره أن وقع تحت التأثير الشرقي منذ العشرينات من القرن السابق لنفس الأسباب التي أدت إلى شيوع أسلوب التجويد المشرقي، فأصبحنا نسمع “وخاصة في الأوساط المتحضرة- أصواتا ترتفع بالأذان الغنائي المتموج الألحان على مقدمات عربية شرقية كمقام الحجاز، وهي أصوات لها حظ من الخبرة الفنية والثروة اللحنية والعذرية الأخاذة.

عبد العزيز بن عبد الجليل

 

الهوامش
(1)
 - الزبيدي: التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، ج1، ص: 74.
(2) - الحلل الموشية: نشر علوش/ 1936، ص: 90
(3) - عن النوازل الجديدة الكبرى للمهدي الوزاني، المجلد 12، الملزمة 15، ص: 116
(4) - نفس المرجع، ص: 116.
(5) - نفس المرجع، ص: 119.
(6) -محمد جمال الدين القاسمي، كتاب إصلاح المساجد من البدع والعوائد، ص: 130.
(7) - المعجب، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ص: 343.
(8) - شفيق غربال: الموسوعة العربية الميسرة، ص: 106.
(9) - جني زهرة الآس في بناء مدينة فاس، المطبعة الملكية 1387 هـ/ 1967م، ص: 50.
(10) - نفس المصدر، ص: 94.

للاطلاع أيضا

ترتيل القرآن الكريم والترجيع والتغني والترنم

موسيقى المديح والسماع

الموسيقى الروحية في المغرب

موسيقى أذكار طرق المتصوفة

الخصائص الفنية للأغنية الصوفية

أسلوب الأغنية الصوفية

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يدشن بالدار البيضاء المركب الإداري والثقافي التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube