الخميس 25 ربيع الأول 1439هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

موسيقى المديح والسماع

الأصل في السماع ما يدل على عموم الغناء والموسيقى، وقد استقر مفهومه بالمغرب في العصور المتأخرة على ما يعني القصائد والمولديات والمقطعات الشعرية المديحية التي يتناشدها المسمِّعون بأصواتهم على أساس الأنغام و"الطبوع" المتداولة في الموسيقى الأندلسية وذلك دون مصاحبة آلية.

وترجع بدايات ظهور السماع بالمغرب إلى منتصف القرن السابع للهجرة عندما استحدثت أسرة العزفيين التي كان رجالها من أعلام مدينة سبتة ورؤسائها عادة الاحتفال بالمولد النبوي، وألف كبيرهم يومئذ أبو العباس أحمد بن محمد المتوفى عام 639 هـ على عهد الخليفة الموحدي المرتضى كتاب "الدر المنظم في مولد النبي المعظم" الذي أكمله ابنه الرئيس أبو القاسم المتوفى عام 677 هـ.
ويشير أبو العباس في مقدمة الكتاب إلى الأسباب التي حفزته على الدعوة إلى استحداث الإحتفال بالمولد النبوي، فيصف في حسرة وأسى مشاركة مسلمي سبتة والأندلس للمسحيين في احتفالاتهم بعيد النيروز يوم فاتح يناير، والمهرجان أو العنصرة يوم 24 يونيو، وميلاد المسيح عليه السلام يوم 25 دجنبر.
ومع إقرار المؤلف بأن الاحتفال بمولد رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم سيشكل بدعة لم تكن في عهد السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإنه يجعله من البدع المستحسنة(1).
ولقد كان تبني أعلام سبتة للاحتفال بالمولد النبوي نابعا من طبيعة المغاربة الذين شبّوا على اعتناق المالكية والتعلق بالحضرة النبوية، وكذا رفضهم للآراء المذهبية التي ابتدعها ملوك الموحدين الأوائل. وفي ذلك ما ينسجم مع صنيع القاضي عياض في العهد المرابطي ـ وما العهد ببعيد الذي ألف كتابه "الشفا بتعريف حقوق المصطفى".
وقد تولع المرتضى بهذا الإحتفال، وأصبح "يقوم بليلة المولد خير قيام، ويفيض فيها الخير والإنعام" حتى وقف في حضرته ذات يوم الأديب الأندلسي أحمد بن الصباغ الجذامي منشدا إحدى روائعه بمناسبة المولد النبوي فقال في مطلعها:

تنعم بذكر الهاشـــمـــي محمد *** ففي ذكره العيش المهنأ والأنـــسُ
أيا شاديا يشدو بأمــداح أحمــد *** سماعك طيب ليس يعقبُه نكـْـس
فكررْ رعــاك الله ذكـرَ محمـــد *** فقد لذت الأرواح وارتاحت النفس
وطاب نعيم العيش واتصل المنـى *** وأقبلت الأفـراح وارتفــع اللبــس
له جمـع الله المعانـي بأسـرهـا *** فظاهره نــور وبـاطنه قـــدس
فكل لـــه عـرس بذكــر حبيبــــه *** ونحن بذكر الهاشميِّ لنا عـرس

وما يزال أحد أبيات هذه القصيدة حتى يومنا بمثابة لازمة يتملى بترجيعها المسمعون في حلقاتهم، وهو قوله:(2)

وقوفا على الأقــــدام في حق سيــــد *** تعظمه الأمــلاك والجن والإنــــس

وقد عرف السماع والمديح ازدهارا كبيرا على العهد المريني ثم الوطاسي من بعده، فكان الملوك أنفسهم يرأسون مهرجانات المولد ليلة الثاني عشر من ربيع الأول، كما أصدر السلطان أبو يعقوب يوسف المريني المتوفى سنة 691 هـ أمرا بوجوب إحياء ليلة المولد النبوي واعتبارها عيدا رسميا كعيدي الفطر والأضحى، "وأصبح ملوك الأندلس يحتفلون في الصنيع والدعوة وإنشاد الشعر اقتداء بملوك المغرب" على حد ما قاله ابن خلدون(3). وقد أضاف أبو سعيد المريني الاحتفال باليوم السابع من العيد، وإلى ذلك يشير أبو العباس أحمد بن عبد المنان المتوفى عام 792 هـ في قصيدة يخاطب بها أبا عنان فيقول:(4)

وموسم جــل قدرا باعتنـاك بـه *** راقت لياليه وازدانـــت سوابعه

كما أصبح توقيف العمل يوم المولد النبوي تقليدا متبعا في العهد المريني، وإلى ذلك يشير ملك بن المرحل إذ يقول مستعرضا بعض مراسيم الإحتفال بهذه المناسبة:

فحــــق لنــــا أن نعتنـــي بــولاده *** ونجعل ذلك اليوم خير المواســم
وأن نصــل الأرحام فيــه تقربــا *** ونغدو له من مفطــرين وصائـــم
ونترك فيــه الشغـــل إلا بطاعـة *** ومــا ليس فيـه مـن ملام ولائـم

وسرعان ما انتقل الاحتفال بالمولد النبوي إلى الأوساط الشعبية فكانت الحفلات تقام في الزوايا وحتى في المنازل.
وإلى ذلك يشير ابن الدراج في كتابه الجليل "الإمتاع والانتفاع بمسألة سماع السماع" فيذكر أن أكثر ما يتغنى به أهل فاس بهذه المناسبة تتصل موضوعاته بمدح الرسول وتشويق النفوس إلى زيارة البيت الحرام ومواقعه، وإلى المدينة المنورة ومعالمها، كما يشير إلى ذلك الرحالة أبو علي الحسن الوزان الفاسي في كتابه "وصف إفريقيا" فيذكر أن التلاميذ يقيمون احتفالا بالمولد النبوي، ويأتي المعلم بمنشدين يتغنون بالأمداح النبوية طول الليل.
وهكذا تتجلى الطبيعة الشعبية للاحتفال بالمولد النبوي، ويكتشف معها أنه "جاء متجاوبا مع إرادة مغربية" تعكس حب المغاربة للمقام النبوي العظيم. وليس أدل على ذلك مما ورد في بعض مخطوطات روض القرطاس من "أن العزفيين هم الذين ندبوا يوسف المريني إلى تعميم الاحتفال بالمولد النبوي واتخاذ يوم الثاني عشر ربيع الأول عيدا مغربيا"(7).
وسوف يبلغ فن المديح والسماع قمة اكتماله في عهد الشرفاء السعديين، وذلك عندما اتخذ المنصور السعدي من عيد المولد النبوي أكبر احتفال رسمي للدولة والأمة، فكان يقيم في قصره بمراكش الحفلات الفخيمة، يزينها بالشموع الموقدة، وإنشاد القصائد والمولديات.
وقد أفاض في هذا الموضوع أكثر من مؤرخ. من هؤلاء أبو الحسن التمجرُوتي المتوفى عام 1003 هـ الذي يقول في رحلته المسماة "النفحة المسكية في السفارة التركية" واصفا احتفال المنصور في مراكش عام 998 هـ "وأنشدوا القصائد ومقطعات في مدح النبي المكرم وفضل مولده العظيم، ونظموا في ذلك الدر المنظوم، وبالغوا في ذلك وأطنبوا... وانبسطوا بألسنة فصاح ونغمات ملاح وطرائق حسنة، وفنون من الأوزان المستحسنة، فأصغت الآذان عند ذلك بحسن الاستماع إلى محاسن السماع".
ومن هؤلاء أيضا أحمد بن القاضي المكناسي الذي ينوه في كتابه "المنتقى المقصور على محاسن الخليفة المنصور" بما كان يصنعه بهذه المناسبة.
أما عبد العزيز الفشتالي مؤرخ الدولة السعدية وشاعر بلاط المنصور فقد أتى بما يذهل الألباب في كتابه "مناهل الصفا في أخبار الملوك الشرفا" إذ يقول: "والرسم الذي جرى به العمل... أنه إذا طلعت طلائع ربيع الأول... توجهت العناية الشريفة إلى الاحتفال له بما يربي على الوصف... فيصيّر الرقاع إلى الفقراء أرباب الذكر على رسم الصوفية من المؤذنين النعارين في السحر بالأذان.. حتى إذا كانت ليلة الميلاد الكريم.. تلاحقت الوفود من مشايخ الذكر والإنشاد... وحضرت الآلة الملوكية... فارتفعت أصوات الآلة وقرعت الطبول، وضج الناس بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي الكريم... وتقدم أهل الذكر والإنشاد يقدمهم مشايخهم... واندفع القوم لترجيع الأصوات بمنظومات على أساليب مخصوصة في مدائح النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يخصها اصطلاح العزف بالمولديات نسبة إلى المولد النبوي الكريم، قد لحنوها بألحان تخلب النفوس والأرواح، وترق لها الإطلاع، وتبعث في الصدور الخشوع، وتقشعر لها جلود الذين يخشون ربهم، ويتفننون في ألحانها على حسب تفننها في النظم. فإذا أخذت النفوس حظها من الاستمتاع بالألحان المولديات الكريمات تقدمت أهل الذكر المزمزمون بالرقيق من كلام الشيخ أبي الحسن الششتُري رضي الله عنه وكلام القوم من المتصوفة أهل الرقائق. كل ذلك تتخلله نوبات المنشدين للبيت من نفيس الشعر"(8).
ومع حلول العهد العلوي تهيأ لهذا الفن أن يستكمل خصائصه الأدبية والفنية، وأصبح مما تعنى به ملوك الدولة، وعلية القوم وعامتهم على السواء. ولعل مما يدل على شديد ولع الناس بهذا الفن وعظيم وقعه في نفوسهم ما أورده محمد بن العربي الدلائي في مجموع له إذ يقول: "ولما كانت صحبة النبي الكريم فرضا على الإنسان، والصلاة والسلام عليه من أجل ما تلفظ به اللسان، وأمداحه وذكر أوصافه الجميلة وشمائله الشريفة الجليلة من أفضل ما اعتنى به الإنسان، لأن ذلك ذريعة ووسيلة إلى صحبة الرحيم الرحمن، هاجت أفئدة أقوام جذبتهم أيدي السعادة، وأكرمهم الكريم بالحسنى وزيادة، فاقتطفوا من رياض محاسنه بديع الأزهار، وقلدوا بها جيود الموشحات والأشعار، وحلوها بحلل الألحان والنغمات التي تهيج الأفكار (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)(9).
ولقد أصبح من مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي في العهد العلوي أن يقام على المستوى الرسمي احتفال يرأسه ملك البلاد ويرعاه بنفسه، وتلتئم حول حضرته جموع من خيرة المسمعين الوافدين من مختلف حواضر المملكة. وما زالت هذه السنة دَيْدَنَ ملوك الدولة، دأبوا على إحيائها وتوارثوها خلفا عن سلف تأكيدا لحب المغاربة قاطبة لجدهم صلى الله عليه وسلم وتشبثهم بآل بيتهم الطاهرين.
ولاغرو، فإن أيادي ملوك البلاد البيضاء على فن المديح والسماع والعناية برجاله من المسمعين والمنشدين، ونشر مستعملاته من قصائد مولدية ومدائح نبوية، والتغني بألحانها إشادة بجده المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم وبآل بيته الطيبين الطاهرين لهي من السنن الحميدة التي يضرب بها المثل في العالم الإسلامي ويقصر عن وصفها الواصفون.
أما على المستوى الشعبي فلعل خير ما يمثل به هاهنا احتفال الشرفاء الحسونيين في سلا حيث يستغرق الحفل أسبوعا كاملا تحتل منه الأنشطة والتظاهرات الموسيقية حيزا كبيرا تتجلى في وفرة طوائف المنشدين الذين يسيرون في ركاب موكب الشموع، وما يحتضنه ضريح سيدي عبد الله بن حسون من مشاهد فنية متنوعة يكللها احتفال اليوم السابع حيث تجتمع فرق المسمعين وتصدح أصواتهم بإنشاد بردة وهمزية البوصيري وغيرهما من القصائد والمقطعات المديحية.
ولقد واكب مسيرة التطور الذي عرفه فن السماع منذ ظهوره على يد العزفيين في القرن السادس للهجرة تطور شعر المديح النبوي بدوره، وما فتئ أن بلغ درجة تألقه واكتماله، ولا سيما في مصر على يد أعلام أسسوا لمدرسة جديدة في المديح يحق وصفها بالمغربية، وكان من ألمع هؤلاء أحمد بن عمر المرسي تلميذ علي بن عبد الله الشاذلي الذي تتلمذ على المتصوف المغربي الكبير أبي محمد عبد السلام بن مشيش العلمي دفين جبل العلم، ثم كان من أكثرهم شهرة أحد تلاميذ أبي العباس المرسي المذكور، هو أبو عبد الله شرف الدين محمد بن سعيد البوصيري المتوفى سنة 696 هـ، صاحب قصيدتي "البردة والهمزية" اللتين طبقت شهرتهما الآفاق.
وقد لقيت هاتان القصيدتان عناية فائقة من المغاربة، تجلت من الوجهة الأدبية في الإقدام على شرحها ومعارضتها وتخميسها، مثلما تجلت من الناحية الفنية الموسيقية في اهتمام أرباب السماع بها واتخاذها ركيزة أساسية في إنشاد مستعملاتهم.

وتشكل هذه المستعملات في مغرب اليوم جماع ديوان الإنشادات الغنائية التي يمكن من أجل مقاربتها تقسيمها إلى قسمين هما:
1- المديح: ويراد به مقطعات شعرية مديحية  موزونة منتخبة  يرجعها أهل الذكر بالرقيق من كلام المتصوفة.
2- السماع: ويراد به القصائد المديحية المطولة كبردة البوصيري وهمزيته، وكألفية ابن رشد البغدادي، والمنفرجة لابن النحوي.
ولعناية المغاربة بفن المديح والسماع فقد عمدوا إلى تأليف مجاميع هي عبارة عن دواوين جمعوا فيها القصائد المولديات وغيرها من المقطعات الشعرية الموزونة والملحونة والموشحة مما يتغنى به المسمعون، وراعوا في ترتيب أشعارها وتبويبها طبوع الموسيقى الأندلسية المستعملة في أوساط أرباب السماع.
ومن هذه المجاميع:
- ديوان الأمداح النبوية وذكر الطبوع وبيان تعلقها بالطبائع الأربعة لأبي العباس أحمد بن محمد بن العربي أحضري الذي كان حيا أواخر المائة الثانية عشرة هـ. وقد جمع فيه ما اهتدى إليه من القصائد والمقطعات المولدية، وأكثرها من الشعر الموزون، وجعل كل واحدة منها مع ما يناسبها من الطبوع التي حصرها في ثلاثة عشر طبعا(10)
- فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار للحاج محمد بن العربي الدلائي الرباطي المتوفى سنة 1285 هـ. وفيه جمع ما ينشده المسمعون في مجالس الأمداح النبوية، ورتبها في واحد وعشرين طبعا تخرج ثلاثة منها عما تضمنته شجرة الطبوع عند محمد بن الحسين الحايك(11).
- استنزال الرحمات بإنشاد بردة المديح بالنغمات، لأبي عبد الله محمد العابد بن أحمد ابن سودة الفاسي المتوفى سنة 1359 هـ /1940 م. ويتضمن المجموع قصيدة البردة والقصائد والموشحات والأزجال والهمزية، وكلها مرتبة في ثلاثة عشر طبعا.
ونضيف إلى هذه المجاميع ثلاثا لا تعرف أسماء واضعيها وإن يكن غالب الظن أنهم من رجال القرن الثالث عشر هـ وهذه المجاميع هي:(12).
- البستان البهيج الرائق في أمداح أشرف الخلائق صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- مجموع الأنوار ومنابع الأسرار في مدح النبي المختار صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
- بستان الأنوار ونفحة الأزهار في مدح النبي المختار.
وتدل غزارة المجاميع التي وضعها المغاربة في هذا المجال على عظيم عنايتهم بفن المديح والسماع، وذلك على الرغم من شدة جدل فقهاء المغرب حول السماع وتشدد بعضهم فيه بسبب ذهاب الإمام مالك إلى القول بكراهيته.
وتنطوي هذه المجاميع على أهمية فنية صرفة تتمثل في التعريف بالطبوع التي كان استعمالها متداولا في عهود واضعيها إضافة إلى أهميتها من الوجهة الأدبية البحتة التي تتمثل في احتوائها على عدد وافر من القصائد والموشحات والأزجال والبراول، وهو أمر يحولها إلى مصدر من مصادر التعرف على بعض ما أبدعه غير قليل من شعراء المغرب في غرض المديح النبوي.
وإلى جانب ذلك تُنوِّه بعض المجاميع بما للسماع من أثر بليغ في النفوس، وفي ذلك يورد الدلائي في مقدمة مجموعة هذه المقولة: "اعلم أن للأرواح ارتباطا بالسماع والنغمات من حيث هي، وذلك ـ والله أعلم ـ أن الروح لما أريد دخولها في الجسد عولجت بالطرب والنغم، فبقيت تحن إليها دائما. وقد قيل: إن الأرواح لما خاطبها الحق سبحانه وتعالى في عالم الدر بقوله سبحانه: (ألست بربكم؟ قالوا بلى!) فبقى ذلك الخطاب ساريا فيها، فكلما سمعت صوتا حسنا أو شيئا مستحسنا إلا وتعلقت به ومالت إليه وتذكرت به لذيذ الخطاب، فيحصل لها الوجد والطرب، والله تعالى أعلم".
تعتبر مجاميع الأشعار المديحية والقصائد المولديات بمثابة برامج فنية يسير المادحون والمستمعون على هديها في حلقاتهم. ومن أجل ذلك فقد اتخذوا لهم مراكز معينة مبثوثة في كثير.من مدن المغرب، يتناشدون فيها الأشعار وفق الترتيب الوارد في المجاميع، ويتدرجون في تحليتها بالنغم والطبوع بحسب التسلسل الذي ارتضاهُ واضعوها.
وهكذا نشأت هنا وهناك مراكز فنِّ السماع، وأصبح لكل مركز أتباعه ومريدوه. وقد أشار التادلي في معرض وصفه لذكر بعض مراكز السماع التي كان المنشدون يتجمعون فيها، ومنها بفاس: زاوية الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي في صباح عيد المولد النبوي، وزاوية سيدي ابن عباد داخل باب الفتوح في كل جمعة بعد العصر، ومشهد سيدي علي بوغالب قرب باب الفتوح في صباح كل أربعاء. ومنها بتطوان: الزاوية الريسونية في عصر كل جمعة. وبالرباط: بيت شيخ الجماعة القاضي سيدي صالح الحكماوي، وزاوية مولاي العربي الدرقاوي.
وقد كان أرباب هذه الزاوية يتنافسون في خدمة فن السماع، فيحملون أتباعها على حفظ المستعملات الشعرية واستيعاب نغماتها عن طريق التلقين، بل لقد استطاع بعضهم القيام بإنجازات فنية أسهمت في ترقية الفن الموسيقي بالمغرب. ومن أعظم هذه الإنجازات اقتراح كبير الزاوية الفاسية أبي العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي المتوفى سنة 1164 هـ تخصيص طبع رمل الماية بأشعار المديح النبوي. وقد تبنت زوايا فاس هذا الاقتراح، وحتى إذا حلت سنة 1305 هـ، عمدت لجنة من رجال الفن كان قد أنشاها محمد بن العربي الجامعي وزير السلطان المجاهد الحسن الأول لمراجعة كناش الحايك الذي هو ديوان مستعملات الموسيقى الأندلسية إلى استبدال أشعار نوبة رمل الماية الغزلية والوصفية بأخرى في موضوع المديح النبوي، متبنية بذلك صنيع رجال الزاوية الفاسية في منتصف القرن الثاني عشرالهجري.
وقد تلت هذه المبادرة أخرى لا تقل عنها جرأة بمدينة تطوان على يد أحد نوابغها في الموسيقى هو "السيد" عبد السلام بن علي ريسون الحسني المتوفى عام 1290 هـ الذي أدخل أشعار المولد المديحية في سائر نوبات "الآلة الأندلسية" مستعيضا بها عن أشعار الغزل والخمريات.
من هنا ندرك فضل الزاوية في تخريج مهرة الحفاظ المنشدين، كما ندرك عظم دورها في تطوير فن المديح والسماع والحفاظ على تقاليد أدائه. فلا عجب أن تكون موطن ابتكار "ميزان الدرج" بأشعاره الفصيحة والموشحة والملحونة، وهو ابتكار يكشف عن طاقات خارقة في تأليف الألحان وإبداع أنساق إيقاعية جديدة أضفت على فن المديح والسماع مزيدا من التدفق.
ولقد أفضى ترتيب أشعار المديح والسماع في مجاميع خاصة إلى انبثاق أنساق في الأداء يتحكم في طبيعتها الترتيب التي صنفت فيه الطبوع الموسيقية حتى غدا كل نسق يشكل نهجا مستقلا بنفسه، ومن ثم ظهر النسق الفاسي الذي يعكس طريقة الزاوية الفاسية التقليدية التي تستمد أصولها من كتاب "استنزال الرحمات" لمحمد العابد ابن سودة، كما ظهر النسق الرباطي الذي يعكس طريقة الزاوية الدلائية بهذه المدينة ويستمد قواعده من مجموعي محمد بن العربي أحضري ومحمد بن العربي الدلائي.
ويقوم النسقان على تقسيم قصيدة البردة إلى حصص بعدد الطبوع، فتنشد الحصة الأولى على طبع معين، وينشد بعدها على نفس الطبوع ما يتبعها من "البيتين" والموشحات والأزجال وحصة الهمزية، وهكذا في الحصة الثانية وما بعدها إلى حين استيفاء سائر طبوع حصص البردة وتوابعها.
وفيما تتوالى في الإستعمال الفاسي ثلاث عشرة حصة موزعة بين ثلاث عشر طبعا، تتعاقب في الاستعمال الرباطي عند الدلائي خاصة إحدى وعشرون حصة موزعة بين واحد وعشرين طبعا.
وفيما ترتكز مستعملات النهج الفاسي التقليدي على الطبوع الأساسية لنوبات الموسيقى الأندلسية الإحدى عشرة، ولا تتجاوزها إلا إلى طبعتين هما الصيكة والغريبة المحررة، فإن النهج الدلائي يعتمد سائر الطبوع التي تقام عليها نوبات الموسيقى الأندلسية الأساسية منها والملحقة بها، ولا يستثني غير ستة طبوع هي الزيدان، والحسين، وانقلاب الرمل، والغريبة المحررة، والزوركند، ومجنب الذيل؛ ولكنه في مقابل ذلك المجال للتعامل مع ثلاثة طبوع هي مما لا تحتويه شجرة الطبوع المغربية التقليدية، وهي الصيكة، وانقلاب الصيكة والجركة.
وقد اعترى النهجين المذكورين بعض التغيير، لتستقر عادة المسمعين اليوم على تبني نهج جديد في تركيب الحصص يعتمد على التجول عبر طبوع الموسيقى الأندلسية ـ وعددها أربع وعشرون حسب محمد بن الحسين الحايك ـ بل إنه يتجاوزها إلى استخدام طبوع أخرى كالجاركة، والعجم.
وإلى جانب ما تحفل به مناسبة المولد النبوي من إنشاد للأشعار المديحية على الألحان الموسيقية كما رأينا، فلقد عنوا بقراءة الموالد، وهي قصص منثورة ألفت في مناسبة المولد النبوي، وتتناول ولادة الرسول عليه الصلاة والسلام وما أحاط بهذا الحدث العظيم من كرامات ونبوءات وخوارق وعلامات تمهد لنبوءته.
وقد تعددت نصوص المولد فعد ما ألفه المغاربة دون غيرهم فبلغ عند محمد الباقر الكتاني خمسين مولدا ساق أسماءها جميعا في كتابه "روضات الجنات في مولد خاتم الرسالات"(13). وتتم قراءة الموالد وفق طريقة منغمة، وهي ما يعرف في المشرق العربي باسم "المنقبة النبوية". والعادة أن يكون إنشاد قصة المولد وفق أسلوب يمتزج فيه الإنشاد الفردي بالإنشاد الجماعي.
أما الإنشاد الفردي فيستغرق أغلب أجزاء المولد، ويضطلع به في العادة مقرئ جهير الصوت، قوي النبرات حسن مخارج الحروف، قادر على الارتفاع بصوته إلى النغمات الصادحة، وذلك على لحن موسيقى رتيب، يكرر مع كل فقرة، فيمتد نفسه بامتداد العبارة، ويقصر بقصرها، ولكنه لا يخرج عن الطبع الموسيقي الذي انطلق منه المنشد في البداية. على أن مهرة المنشدين دأبوا على تغيير الطبع الموسيقي كلما انتقلوا إلى فقرة جديدة.
أما الإنشاد الجماعي فيأتي في مواقع معينة من قصة المولد. وهي التالية:
1- ديباجة المولد، ونصها بعد الإفتتاح بالبسملة كالآتي: "عطر اللهم مجالسنا بأعطر صلاة وأطيب تسليم على أكمل مولود وأجل مودود. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله، واجعلنا يا مولانا من أعظم مخصوصين لديه متعلقين بأذياله".ويعتبر هذا الدعاء بمثابة لازمة تعاد تلاوتها من طرف المجموعة في مواقع متعددة من نص المولد. والعادة أن يجنح المنشدون في أدائه نحو البطء قليلا.
2- التصلية، وصيغتها كالآتي: صلى الله على محمد، وعلى آله وسلم، وهي تتوارد في مواقع عدة من سرد المولد، غير أنها في المواقع الثلاثة الأولى تعاد مرتين يفصل بينهما إنشاد جماعي لمقطوعة مديحية من قبيل التي استقبل بها الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم يوم مقدمه إلى المدينة. وأولها:

طـــلــــع البــدر عليــــنــــــا *** مـــــن ثنيـــات الــوداع

3- بيت شعر مفرد مأخوذ من قصيدة مولدية لابن الصباغ الجذامي هو:

وقوفا على الأقدام في حـق سيـد *** تعظمه الأملاك والجن والإنس

وقد تواضع المسمعون على ترجيع هذا البيت عدة مرات إيذانا بالفقرة الختامية للمولد.
وفي هذه الخاتمة ينتقل المسمعون إلى إنشاد جواري يتجاوب فيه القارئ المنفرد مع المجموعة، فيضطلع الأول بقراءة تسليمات تتجدد صيغتها، وتضطلع المجموعة بترجيع تصلية لا تتغير صيغتها "صلى الله عليك وعلى آلك وسلم". ويجرى ذلك الحوار في تساوق وتجانس ثم يعلن المنشد عن ختم قصة المولد بالتسليم التالي: السلام عليك بكل سلام أوجده الله.
ولم يكن رجال المديح يجدون أي حرج في الوجد والغناء عند احتفالهم بالمولد النبوي، فلقد جاء في تحفة الأكابر "أن سيدي عبد القادر الفاسي كان لا يمنع في الفرح بالمولد النبوي والجناب العاطر المصطفوي من الرقص والشطح" غير أن ذلك لم يكن يعدم من يناهضه، ويرى فيه بدعة تخالف الدين، ولعل أشد المناهضين ابن الحاج صاحب "المدخل" فقد ذكر أن عمل المولد بدعة، وإن سلم من الآفات الشرعية، فكيف به معها، بل ذهب أبعد من ذلك حين دعا الناس إلى اتخاذ شهر ربيع الأول مناسبة للتأسي والحزن.
ويأتي فتح الله البناني في كتابه "فتح الله في مولد خير خلق الله" فيعرف بالغناء المباح في المولد. وكأنما يريد أن يكبح جماع المفرطين في مظاهر الإحتفال مما هو محظور شرعا فيقول:(14)

وارفض سماع كــل غــر منشــد *** بوصف حسناء ووصف أمـردِ

واهرب تفزْ من صوت هذا الوغـــد

وكما ذكرنا من قبل فإن فن المديح يعتمد على الطبوع الأندلسية المغربية اعتمادا كليا، غير أن طبع "رمل الماية" يبقى أفضل هذه الطبوع وأكثرها استعمالا. وقد ذهب المرحوم محمد الفاسي في تبرير ذلك بكون نوبة رمل الماية أقدر على استجلاء معاني التعظيم والجلال التي تليق بشخص الرسول الأعظم، وأن "نغماتها أنسب نغمات الموسيقى للتعبير عما يكنه المسلم المخلص من تقدير وإجلال لمقام الرسول عليه السلام"(15). على أن هناك من المنشدين من يجنحون إلى استعمال بعض النغمات المشرقية ذات أرباع النغمات ينتقلون إليها انتقالا ذكيا من إحدى النغمات الأندلسية فيشدون عليها بعض المواويل، ثم يعودون في رفق إلى النغمة الأندلسية.

الهوامش
(1)-عبد الله كنون: النبوغ المغربي، ج 1، ط 2، ص: 123.
(2)-ديوان ابن الصباغ الجذامي، مخ. خ. ع.
(3)-التعريف بابن خلدون، تصح. محمد بن تاويت الطنجي، ص: 8.
(4)- فتح الله البناني: كتاب فتح الله في مولد خير خلق الله، ص: 161.
(5)-ابن الأحمر: نثير الجمان، ص: 324 ـ 326.
(6)-.كتاب الإمتاع والإنتفاع، تحق ـ د. محمد بنشقرون. بتصرف.
(7)- محمد المنوني. مج دعوة الحق، ع 8 ص: 11
(8)-مناهل الصفا، تحق كريم. ص: 236 ـ 238.
(9)-مخطوطة في ملك الأستاذ محمد المنوني.

(10) مخطوط في ملك الأستاذ محمد المنوني.
(11) مخ. خ ع. رقم 3285 د.
(12) محمد المنوني. مج البحث العلمي، ع 14 و15، س 6. يناير “ دجنبر 1969، ص: 167.
(13مط: الأمنية، بالرباط، 1295/1875.
(14)- فتح الله البناني، المرجع السابق، ص: 151.
(15مج تطوان: ع 7، 1962 م، ص: 25.

للاطلاع أيضا

ترتيل القرآن الكريم والترجيع والتغني والترنم

الموسيقى الروحية في المغرب

موسيقى أذكار طرق المتصوفة

الخصائص الفنية للأغنية الصوفية

أسلوب الأغنية الصوفية

الأذان للصلاة

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يدشن بالدار البيضاء المركب الإداري والثقافي التابع لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube