السبت 20 صفر 1441هـ الموافق لـ 19 أكتوبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف

إذا كان "ابن الزيات التادلي" في كتابه "التشوف إلى معرفة رجال التصوف" قد اهتم بذكر أخبار رجالات التصوف بالجنوب إلى حدود سنة (517هـ/1123م)، فإن عبد الحق البادسي· من بعده قد أرخ لرجالات التصوف في شمال المغرب، في الفترة الممتدة ما بين منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، إلى أوائل الثامن الهجري /الرابع عشر الميلادي. وذلك في كتابه الموسوم بـ"المقصد الشريف، والمنزع اللطيف، في التعريف بصلحاء الريف".

 المؤلف يستدرك ما فات ابن الزيات ذكره من رجال وصلحاء الريف..
أشار المؤلف في المقدمة إلى الغرض الذي من أجله ألف هذا الكتاب فقال: "وبعد، فإن علماءنا المتقدمين -رضي الله عنهم- قد اعتمدوا بما ظهر لسالف هذه الأمة من الكرامات، ومهدوا القواعد التي قامت عليها أصول المقامات، وفسروا ما غمض من إشاراتهم، وكشفوا عن خفي عباراتهم، ونقلوا ما صح من كراماتهم، كالإمام الأوحد أبي القاسم القشيري، والعلامة الأعرف أبي طالب المكي، والحافظ المحافظ أبي نعيم الأصبهاني...؛ وكلهم إنما ذكروا أهل المشرق المشرق، غير معرجين على أهل المغرب المغرب، ثم إن الأديب المحسن المتفنن يوسف بن الزيات، أتى في كتابه الموسوم بـ" التشوف إلى رجال التصوف" بآيات؛ وذكر أن الحامل له على تأليف ذلك الكتاب، ما أهمله من تقدم من المصنفين والكتاب، فذكر فيه جملة من صلحاء المغرب، بأدب بارع وشأن مغرب، وبالغ في ذكر المصامدة، مظهرا لكل شيخ محاسنه ومحامده، ولم يعرج في تلك الأحياء، على ذكر أحد من الأحياء، وجعل المنتهى، فيما إليه انتهى، سنة ست عشرة وستمئة، وغفل فيما آثره من الحسن والإحسان، عن الريف الكائن ما بين مدينتي سبتة وتلمسان؛ ولعل ذلك لبعده من مكانه، وعدم اتصاله بأحد من سكانه، فانطمس عليه معرفة أبنائه، وعز لديه تسوغ أخبائه؛ وقد كان استقر بالريف المذكور، في سائر الأزمنة كل مشهور، لم يقصر في جده عن الأكابر، المشتهرة ولايتهم في الزمن الغابر، فرأيت تتميم صلته، وتنظيم فصيلته، بذكر من كان ببلاد الريف، من ولي يجب به التعريف، حتى يعلم انه كان بريفنا المهمل، من أحسن في الطاعة وأجمل (...) وسميت هذا الكتاب، المرجو من الله به حسن المآب بـ "المقصد الشريف، والمنزع اللطيف، في التعريف بصلحاء الريف"(1)
من هذا النص نستشف أن المقصد الأسمى الذي من أجله ألف البادسي هذا الكتاب هو استدراك ما فات ابن الزيات ذكره من رجال وصلحاء الريف..

 مقدمات ضرورية في التصوف
يضم كتاب "المقصد الشريف" مقدمة وثلاثة أقسام:
*- وقف في المقدمة على الأسباب والبواعث التي من أجلها ألف هذا الكتاب..
*- ثم تحدث في القسم الأول عن المقامات والكرامات، وضمنه أربعة فصول:

  •  في الولاية والولي

تناول في هذا الفصل مفهوم الولاية؛ وذكر أن الولاية في اللغة على وجوه، وأن أصلها الموالاة. كما اختلف في معنى الولي؛ فقيل فيه إنه من تولى الله أمره.. وقيل: هو من تولى عبادة الله وطاعته على التوالي، من غير أن تتخلل طاعته معصية، فشرط الولاية الاستقامة، والاستقامة شرط في التوبة... وذكر أن الولاية على ضربين: ضرب خاص، وضرب عام، الخاص قوله تعالى: (إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)، والعام: ولاية المؤمنين، قال الله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا)، (والله ولي المومنين)...
ثم إن الأولياء على ثلاثة طبقات -كما نقل ذلك عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد المراكشي في كتابه الذي سماه بـ"مناقب الأولياء، وصفة سلوك الأصفياء"-:
- الطبقة الأولى: هم قوم لا يخرجهم الله تعالى عن الخلق، ويكونون بين الناس، لا يعرف ولايتهم إلا الله تعالى...
- الطبقة الثانية منهم، وهم قوم لا يسكنون إلى احد، ولا يهدأون عن الانتقال من بلد إلى بلد، لا يشتغلون بمكسب، أشغلهم المسبب عن السبب...
- أما أهل الطبقة الثالثة فقد قال عنهم علي بن محمد المراكشي: إذا أدخل الله الولي في ولايته حماه من الدنيا وزهده في حلالها؛ لأن حلال الدنيا حساب، وحرامها عقاب، ثم ينظر الله تعالى إليه باللطف الخفي الذي لا يطلع عليه غيره، فيحفظه ويكلؤه، ثم يخرجه عن كل موجود سواه، حتى يخلصه من جميع العلائق ظاهرا وباطنا...
فالطبقة الأولى صفتهم علم اليقين، والطبقة الثانية صفتهم عين اليقين، والطبقة الثالثة صفتهم حق اليقين.. فعلم اليقين كمن سمع بمنزل ثم عمل عليه ليراه ويدخله، وعين اليقين كمن رأى المنزل وعدل عن دخوله، وحق اليقين كمن دخل المنزل ورأى المنزول به،... فعلم اليقين لعامة الأولياء، وعين اليقين لخاصة عامة الأولياء، وحق اليقين لخاصة خاصة الأولياء.(2)

  • في الفقر والفقير

أما الفصل الثاني فتناول فيه مفهوم الفقر والفقير، وذكر أن الفقر: هو الافتقار إلى الله تعالى في كل حال وفي كل نفس، والفقر المحمود هو فقر الاختيار، ومعناه أن يلازم الفقر إيثارا له على الغنى، وتكلم الناس في تفضيل الفقر على الغنى..

  •  في بيان مفهوم التصوف

وفي الفصل الثالث من القسم الأول وقف فيه على مفهوم التصوف ونشأته، واختلاف العلماء في سبب التسمية، وعقب على كل تعريف ثم قال: والكلام في الصوفي والتصوف كثير، وإيراده يقطع دون المراد.

  •  في إثبات كرامات الأولياء

وخص الفصل الرابع من هذا القسم لإثبات كرامات الأولياء، فأورد اختلاف العلماء في إثبات الكرامة للأولياء، وأكد أن أهل السنة أجمعوا على جواز خرق العادة للأولياء على وجه الكرامات.
كما بين الفرق بين الكرامة والمعجزة، فقال: "فإن قيل: ما الفرق بين الكرامة والمعجزة؟ قلنا: لا يفترقان في جواز الفعل إلا بوقوع المعجزة حسب دعوى النبوءة ووقوع الكرامة دون دعوى النبوءة، ودليلنا في إثبات الكرامة ما لا سبيل إلى رده في مواقع السماع.." (3) 
وتفرغ في القسم الثاني للحديث عن حياة الخضر عليه السلام والتعريف ببعض أحواله، فأشار إلى أن المفسرين اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى في قصة موسى في سورة الكهف: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) إلى آخر القصة، أنه هو الخضر.
إلا أنهم اختلفوا في حقيقة اسمه، وسبب تسميته بالخضر. كما اختلفوا في حياة الخضر. والراجح في نظر المؤلف أنه أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه اجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم، وانه عزى فيه أهل بيته بعد موته وهم مجتمعون لغسله...
قال المؤلف: "قد تضافرت الأخبار بحياة الخضر، وحكايات الصوفية في ذلك كثيرة مشهورة، وعندهم أن رؤيته من الولاية، وكل من ذكر منهم أنه رآه على صفة غير الصفة التي يراه عليها غيره؛ وحكى القشيري والمطموعي وأبو طالب المكي وغيرهم رؤية الصالحين له في مواضع كثيرة.
ثم قال: سألت شيخنا الفقيه الورع الزاهد المدرس إسحاق بن مطهر الورياغلي المعروف بالأعرج بمدينة فاس “حرسها الله- عن حياة الخضر، فقال: هو حي، وكل من فيه خصلة من خصاله، مثل الزهد، والورع، واليقين، والصبر، والرضى، يراه: وقد رأيت من رآه في هذه الأيام.(4)

 ترجمة 46 من صلحاء الريف
أما القسم الثالث فيتضمن التعريف بالمشايخ الأجلة من صلحاء الريف، وهو المقصد الأسمى من هذا التأليف، حيث ذكر ترجمة 46 من المشايخ الصلحاء المستقرين بحوز الريف؛ ما بين مدينتي سبتة وتلمسان ، هؤلاء الذين عاشوا ما بين زمانه وزمان أبي مدين، وهو ما أشار إليه بقوله: "ويتلو ذلك ما تيسر من ذكر كل ولي بين زماننا هذا، وزمن الشيخ العارف أبي مدين".
استغرقت مدة تأليف المقصد نحو سنة، إذ فرغ من تأليفه سنة (711هـ/1311م)، حيث ابتدأه في صدرها، وأنجزه في آخرها، وعلى حد تعبيره: " وابتدأته في صدر سنة إحدى عشرة وسبعمائة، ونجز في آخرها، وانتسخت هذه النسخة من مسودته بعد تحررها، وإعادة النظر فيها، برسم خزانة الشيخ الفقيه الرئيس الحسيب المجيد... أبي فارس عبد العزيز ابن الشيخ الحسيب المعظم الأكمل الأفضل، أبي العلاء صاعد ابن أبي الوليد إسماعيل بن صاعد الجهني، أدام الله اعتناءهم بالعلم وأهله.."(5)

 بين منهج أبي نعيم في الحلية، ومنهج ابن الزيات في التشوف
لقد جمع المؤلف في تأليفه هذا الكتاب بين منهج أبي نعيم في الحلية، ومنهج ابن الزيات في التشوف. فمنهجه أن يحلي المترجم بالحلى التي تناسبه، ويذكره بالمقام الذي وصل إليه، ويعقب على ذلك بقوله: وقد قيل إن التصوف كذا وكذا،.يقول المؤلف: " فانحل كل واحد منهم تحلية، كما صنعه الحافظ أبو نعيم في الحلية، وذلك مثل قوله: وقد قيل إن التصوف تحقيق وتدقيق. وجعلت تخطيط كل واحد منهم وتحليته بسجع،(أي بأسلوب مسجوع) حسبما التزمته من الأبيات عقب ذكر كل شيخ منهم رضي الله عنهم".
ثم بعد ذلك يذكر موطن المترجم، والقبيلة أو المنطقة التي ينتمي إليها، كما يشير إلى مختلف المدارس أو الزوايا التي تتلمذ بها، ويعد الشيوخ الذين أخذ عنهم، أو على حد تعبير المؤلف " وربما قد كان لأحدهم شيخ بالمشرق فيذكر من أجله، أو رأى في رحلته إليه كرامة آذنت بأفعام سجله.."(6)
كما يذكر من عرف له من تلاميذ ومريدين. ويروي الكرامات التي شوهدت له أو رويت عنه. ففي ترجمته مثلا للشيخ علي بن محمد المراكشي ذكر فيه بعض الكرامات التي روى في كتابه.. وغالبا ما يتدخل المؤلف في شرحها وإيضاح معناها، والكشف عن دلالاتها. وقد يشير إلى تاريخ مولد المترجم له ووفاته.
وعقب كل ترجمة، يورد أبياتا ضمنها ما للمترجم من مناقب وحلى، صنيع يوسف ابن الزيات، وهو ما عبر عنه بقوله: "قد رسم ابن الزيات في كتابه الذي سقى حسن يانعه وناضره، أبياتا من الشعر لغيره على وجه المثل والمحاضرة، فاقتضبت أبياتا عقب كل شيخ تناسب أحواله كل المناسبة، وتطابق حالته المرضية ومكاسبه؛ وجعلتها لزومية الرومي، جارية على الصراط السوي، موافقة للخبر المحكي المروي.."(7)

 الكتاب يرصد مرحلة تاريخية في غاية الأهمية
يعد كتاب "المقصد الشريف" للبادسي وثيقة تاريخية على غاية من الأهمية، لأنه يغطي حلقة مفقودة من تاريخ التصوف السني بالمغرب، كما أنه يرصد مرحلة مهمة من تاريخ المغرب، إذ تعرض فيه لجانب مهم من تاريخه، سيما ما تعلق منها بأحداث بني وطاس، والعرب المتغلبين على بلاد الريف أواخر العصر الموحدي، والقرصنة التي كانت تمارسها الصليبية في البحر الأبيض المتوسط لهذا العهد، وغير ذلك، مما لا نجده في كتاب سواه.
وهو كذلك يعتبر معجما جغرافيا، لكون المؤلف حدد فيه العديد من قبائل الريف بأسمائها، ومواطنها، تحديدا دقيقا، مما سيجعل القارئ يعيد النظر في كثير من الحقائق التي أوردها ابن خلدون في التاريخ أو المقدمة كما أشار إلى ذلك محقق الكتاب.(8)

الهوامش
· - هو عبد الحق بن إسماعيل بن أحمد بن محمد بن الخضر البادسي الغرناطي، ولد ببادس سنة (650/1252م). أخذ عن جماعة من الشيوخ وسمع منهم، ومن أبرز من أخذ عنهم أبو إبراهيم الأعرج الورياغلي. كان البادسي عالما ومحدثا ومؤرخا نسابة، سمع منه كتابه "المقصد الشريف" جماعة من الشيوخ، منهم عبد المهيمن الحضرمي (الصغير)، وأبو عمر، ويحيى بن أبي طالب اللخمي العزفي، وغيرهم.لا يعرف من آثاره إلا كتابان هما: "طبقات الأولياء" و"المقصد الشريف".

(1) - المقصد الشريف، والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف، عبد الحق بن إسماعيل البادسي، ص 13-14، تحقيق سعيد أحمد أعراب، المطبعة الملكية بالرباط: 1402هـ/1982م.
(2) - المصدر نفسه، من ص 20 إلى ص 28.
(3) - المصدر نفسه، ص 40
(4) - المصدر نفسه، ص 48
(5) - المصدر نفسه، ص 15
(6) - المصدر نفسه، ص 16
(7) - المصدر نفسه، ص 16.
(8) - انظر مقدمة المحقق، ص 8-9

للاطلاع أيضا

المستفاد في مناقب العباد

مؤلفات في التصوف

التشوف إلى رجال التصوف وأخبار

دعامة اليقين في زعامة المتقين

نبذة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني وطريقته

الإعلام بحدود قواعد الإسلام للقاضي عياض

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يلقي خطابا ساميا أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية العاشرة

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube