الجمعة 13 شعبان 1440هـ الموافق لـ 19 أبريل 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

المستفاد في مناقب العباد

صدر عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، سنة 2002، كتاب "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد" لأبي عبد الله محمد التميمي الفاسي ، بتحقيق ودراسة الدكتور محمد الشريف. ويندرج هذا النص التراثي المغربي ضمن "أدب المناقب" الذي يحظى باهتمام متزايد من لدن الباحثين؛ نظرا لما يقدمه هذا النوع من الأدب من معطيات تاريخية وفكرية ثمينة ونادرة تهم الباحثين في مختلف المجالات العلمية.

كما أن هذه المادة التاريخية قد تغري المؤرخين خاصة؛ لما تتضمنه من معطيات حول مختلف العلاقات الاجتماعية والواقع الديني ومجريات الحياة اليومية لمجتمعات الغرب الإسلامي عموما.

المستفاد أقدم نص مناقبي مغربي
إن كتاب "المستفاد" يؤرخ لمتصوفة وأولياء فاس "وما والاها من البلاد" ما بين القرن الرابع إلى نهاية القرن السادس الهجريين، وتمثل هذه الفترة الزمنية فترة حاسمة ما بين انبثاق حركة التصوف والولاية، ومرحلة تنظيمها في زوايا وطوائف في الفترة المرينية اللاحقة.
جاء في مقدمة التحقيق أن كتاب "المستفاد" يعد إحدى الدعامات الأساسية لدراسة التصوف المغربي والوقوف على رجاله، إلى جانب كل من كتاب "التشوف إلى رجال التصوف" لابن الزيات التادلي، و"دعامة اليقين في زعامة المتقين" لأبي العباس أحمد العزفي، و"السر المصون" لطاهر الصدفي، و"المقصد الشريف" لعبد الحق البادسي...
ويعتبر كتاب "المستفاد" أقدم نص مناقبي مغربي وصلنا؛ فهو مصدر من المصادر الدفينة لتاريخ المغرب في العصر الوسيط، ووثيقة تضم بين دفتيها معطيات مهمة عن الجوانب الاجتماعية والثقافية والنفسية للمجتمع المغربي في القرن السادس الهجري خاصة. كما أن مادة الكتاب تسهم في اكتشاف جوانب غامضة من التاريخ الثقافي والاجتماعي للمدن والأرياف المغربية.
وقد وضع المحقق هذه الجوانب وغيرها في القسم المخصص لدراسة النص وتحليل محتوياته، وجاء في خمسة مباحث. أما النص المحقق فيضم مائة وخمس عشرة ترجمة لأولياء ومتصوفة فاس ونواحيها، تعقبها فهارس متنوعة، القصد من ورائها تمكين القارئ من ولوج النص والاستفادة من معطياته. والجدير بالذكر أن أصل الكتاب بقسميه عبارة عن أطروحة تقدم بها المحقق د. محمد الشريف لنيل دكتوراه الدولة في شعبة التاريخ.
ومن أهم محاور هذه الدراسة:

المؤلف وبيئته العائلية والمحلية
هو أبو عبد الله محمد بن قاسم بن عبد الرحمان بن عبد الكريم التميمي الفاسي (1). ينتمي إلى قبيلة تميم التي دخلت بلاد المغرب والأندلس في وقت مبكر. وتتفق المصادر على أن التميمي فاسي المولد والنشأة، لكنها لا تثبت تاريخ ولادته، ومن المؤكد أنها كانت قبيل منتصف القرن السادس الهجري/الثاني عشر للميلاد، وقد حصرها محقق الكتاب ما بين سنة (535هـ و540هـ/ 1140-1145م)، لمجموعة من القرائن تكونت لديه من خلال تتبعه لبعض أطوار طفولته بفاس.
ومن شيوخ التميمي في المرحلة الأولى من مراحل تعليمه، والذي سيكون له تأثير كبير على متصوفة الغرب والمشرق الإسلاميين نجد الشيخ أبا مدين. إلا أن التميمي سيرتبط ارتباطا خاصا بشيخ الشيوخ أبي يعزى وذلك منذ نعومة أظافره.
توجه التميمي بعد أخذه العلم عن أبرز علماء مدينته فاس إلى سبتة، حيث أخذ العلم عن اثنين من كبار محدثيها وهما: أبو عبد الله محمد بن حسن بن عطية بن غازي الأنصاري السبتي، وأبو محمد بن عبيد الله الحجري. ثم تاقت نفسه إلى الاستزادة من المعارف خارج مسقط رأسه ووطنه، وربما دخل الأندلس للأخذ عن علمائها حسبما ذكرته بعض المصادر. ثم رحل إلى المشرق رغبة في طلب العلم. وهناك اكتملت شخصيته، وبدأت معالم ميله للتصوف تتوطد أكثر خلال هذه الرحلة المشرقية.
وبعد رحلته الطويلة في طلب العلم رجع إلى فاس، وأخذ في نشر العلم والانكباب على التأليف، إلى أن وافته المنية أواخر سنة (603هـ/ 1207م)، أو في أول سنة (604هـ/ 1208م). بل إنه كان قد "حدث بالمشرق" وقعد للتدريس بالإسكندرية في رحلة عودته إلى المغرب، وأشهر من أخذ عنه بهذه المدينة أبو مروان عبد الملك بن أبي القاسم التوزري ابن الكردبوس، مؤلف كتاب "الاكتفاء في أخبار الخلفاء". كما حدّث بتونس، وربما حدّث بالأندلس قبل أن يستقر به المقام في مسقط رأسه. وأشهر من أخذ عنه بفاس الصوفي الكبير محيي الدين بن العربي الحاتمي....
تصف المصادر التي ترجمت للتميمي بأنه المحدث الحافظ الذاكر للحديث ورجاله وتواريخهم وطبقاتهم. وتضيف تلك المصادر بأنه كان فقيها متفننا محصلا راوية رحالا مستوسعا في السماع..
تنسب للتميمي آثار عدة، أوصلها ابن عبد الملك المراكشي إلى أربعة عشر عنوانا من بينها: كتاب "المستفاد"، و"أدب المريد السالك"، و"الطريق إلى الواحد المالك"، و"رسالة البرهان في ذكر حنين النفوس إلى الأحبة والأوطان"، و"الإنابة في ذكر طريق الاستجابة" في جزءين، و"الإيضاح عن طريق أهل الصلاح"...

بعض الإشكاليات التي يطرحها كتاب المستفاد
طرح المحقق في هذا الجزء من الدراسة أكثر من إشكالية تتعلق بكتاب المستفاد، منها على سبيل المثال اختلاف الباحثين القدامى والمحدثين حول مؤلف كتاب "المستفاد"، فمنهم من نسبه إلى محمد التميمي ومنهم من نسبه إلى محمد بن علي بن عبد الكريم الفندلاوي ....
كما أن ضبط عنوان الكتاب، يطرح أكثر من صعوبة لدى المحققين، وذلك بسبب ضياع مقدمته، فباستثناء كلمة "المستفاد" التي يبتدئ بها العنوان، فإن الاختلاف قد طال بقية العنوان. بل إن من المؤلفين الأندلسيين من أغفل حتى كلمة "المستفاد" واكتفى بتسميته بـ "تاريخ فاس"...
ورجح محقق كتاب المستفاد صيغة ابن عبد الملك المراكشي، وهي: "المستفاد في مناقب العباد بمدينة فاس وما يليها من البلاد"، نظرا لما عرف عنه من ضبط وتحر فيما يخص عناوين كتب مترجميه من جهة، ولأنه الوحيد الذي اهتم بإنتاج التميمي الثقافي وعدد مؤلفاته من جهة أخرى.

التزام الواقعية في المنهج والأسلوب
تفيد القطعة الوحيدة الموجودة في المكتبات أن أصل كتاب المستفاد عبارة على ثلاثة أجزاء، ولا يوجد -حسب المحقق- أي تحول أو تغير أو قطيعة في نهج المؤلف حينما ينتقل من الجزء الثاني إلى الجزء الثالث، فهو يسترسل في إيراد تراجمه دونما ضابط معين.
ثم إن خاتمة الكتاب جاءت مقتضبة جدا لا تتعدى عبارة "تم الكتاب بحمد الله تعالى وعونه وصلى الله على سيدنا محمد وآله"، وهي عبارة تدل -دائما حسب المحقق- على أن الكتاب لم يصل إلى نهايته المنطقية. الأمر الذي يفسح المجال لطرح عدة احتمالات، كأن يفترض أن النسخة التي وصلتنا من "المستفاد" ليست النسخة النهائية كما كان يريدها التميمي.
ويتميز كتاب المستفاد بخصائص منهجية لا تخرج في مجملها عن مختلف المؤلفات التي ألفت في أدب المناقب. ومن هذه المميزات:

الإيجاز والاختصار
التزم التميمي في كتابه أسلوب "الإيجاز" و"الاختصار"، فقد ختم مثلا ترجمة الشيخ ابن معلى قائلا: "وأخبار هذا الشيخ كثيرة ولولا ما شرطت من الإيجاز والاختصار لأوعبت القول منه"(2). وبعد كلامه عن أبي مدين يقول": "وشهرة الشيخ وكراماته معروفة، فلهذا لم أشبع القول في ذلك، ولشرطنا المقدم في الاختصار"(3). ويختم ترجمة أبي العباس الخشاب بالقول: "وفيما ذكرنا كفاية لشرطنا أن لا نتجاوزه"(4).
إلا أن التميمي -كما لاحظ ذلك محقق الكتاب- لم يلتزم وعده هذا. فقد أطلق العنان لقلمه في تراجم بعض الشيوخ، كما هو الحال بالنسبة لترجمة الشيخ أبي يعزى أو ترجمة الشيخ أبي الحسن علي بن حرزهم التي "أطال فيها".

منهج المقارنة والتشبيه
إن إحدى الخصائص الجوهرية في منهجية "المستفاد" تتمثل في كثرة استعمال التميمي لمنهج المقارنة والتشبيه؛ فالمقارنة تأتي في سياق تشبيه سلوك المترجم لهم ببعض الأحوال والمقامات التي شاهدها أو عاشها أو سمعها عن بعض المتصوفة، خاصة المشارقة منهم، أو احتفظت ذاكرته بها. فهو كثيرا ما ينبهنا على أن هذا السلوك أو ذاك لهذا المترجم به يذكره بما جاء من "أمثال العباد" أو أقوال "الحكماء" أو الحديث النبوي أو بالسلف وبالتابعين أو بسيرة المتصوفة. وربما يكون التميمي قد لجأ إلى أسلوب المقارنة لتأكيد البعد السني في هوية المترجمين.

الاستشهاد بالقرآن والحديث والشعر
إذا كان التميمي لم يكثر من الاستشهاد بالآيات القرآنية، فإن استشهاده بالحديث النبوي أو بمعانيه بادية للعيان، وغالبا ما يأتي استشهاده بالحديث في سياق التأكيد على سنية سلوك عباده في كل أشكاله ومواصفاته، وأن مواقفهم لا تزيغ عن النهج النبوي ولا تنحرف عنه.
لذا نستطيع القول بأن التميمي - مثله مثل معاصريه من أمثال ابن الزيات والبادسي- قد نهج في مستفاده نهجا يتسم بالواقعية ويصطبغ بالصبغة العلمية؛ فهو لم يعتمد على الأدلة النظرية المجردة، ولم يلجأ إلى الاغتراف من النظريات الصوفية، وإنما استند على الأمثلة الحية والأفكار الواضحة والمعروضة بسهولة.
وحتى عندما كان يتعلق الموضوع بالتدليل على سلوك والبرهنة على موقف، فإن التميمي لم يكن يتجاوز إطار هذا النهج الواقعي، كأن يذكر الآية التي تشهد له، أو بالحديث النبوي الذي يدعمه أو بأقوال العباد أو الصحابة أو بأعمالهم، أو يسوق المقطوعة الشعرية التي تجسد ذلك الموقف أو تعبر عنه؛ أي أنه دعم خطابه بدعائم مستمدة من القرآن والحديث والشعر والحكم والأمثال والآثار، نظرا لما تلعبه هذه المقومات من دور محوري في الخطاب الصوفي.(5)

مادة كتاب "المستفاد" أصل لا مصدر له سوى التميمي
قدم صاحب "المستفاد" مائتين وخمسة وسبعين خبرا عن الأولياء في القطعة التي بين أيدينا، وهي أخبار لا مصدر لها سوى المؤلف نفسه ورواته. فقد استقى التميمي أخبار الأولياء الذين ترجم لهم مما يزيد عن ستين من الرواة، منهم أفراد من عائلته وكثير من شيوخه.
ومن خلال الوقوف على أنواع المصادر المعتمدة في جمع الأخبار ونقلها، يلاحظ أن التميمي قد استقى معلوماته من مصادر متنوعة يمكن تصنيفها في خانتين: المشاهدة المباشرة والرواية الشفوية:
- فالمشاهدة والمعاينة المباشرة تمثل هذا المصدر أكثر من نصف الأخبار التي تضمنتها تراجم الكتاب، مما يعطيه بامتياز خاصية "الأصل الذي لا مصدر له" سوى شهادة مؤلفه. فقد اعتمد التميمي على صلته المباشرة في نقل أخبار المترجم لهم، وغالبا ما يورد أخبارهم مسبوقة بضمير المتكلم وبأشكال متعددة من نوع: "أخبرني" و"قال لي" و"رأيته" و"اجتمعت به"...إلخ.
- أما الرواية الشفوية: فقد جمعت بين أربعة أنواع من الروايات وهي: الرواية ذات السند المباشر: وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان، قال". والرواية ذات السند القريب: وهي التي استمد التميمي أخباره بشأنها من شيوخه الذين سمعوها من طبقة أخرى من الرواة، وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان عن فلان قال"... والرواية ذات السند البعيد، وتكون مسبوقة بقوله: "أخبرني فلان عن فلان عن أشياخ البلد"، وهي قليلة، وربما يكون التميمي قد استعملها فيما يخص أخبار الشيوخ الذين لم يعاصرهم، لا هو ولا الجيل الثاني من مخبريه. ثم أخبار دون مصدر محدد، ونسبتها محدودة كذلك، ووردت بصيغة المبني للمجهول مثل قوله: "أُخبرتُ عنه" (التي وردت في ثلاثة مواضع فقط). أو ذُكِر عنه أنه"، أو يبدأها بصيغ من قبيل: "أخبرني بعض الإخوان" أو "أخبرني بذلك بعض من حضره وشاهده"...
هكذا حاول التميمي إثبات صحة معلوماته بإسناد أخباره إلى أصحابها وتحديد ملابسات الرواية؛ كأن يشير مثلا إلى مكان تلقي الخبر وتاريخه، أو يذكر بعض الصفات الخاصة للمخبرين بما يثبت بعض مميزاتهم الدينية والعلمية كالنزاهة والموضوعية والتجرد، أو يصف المروي عنه بالفقه أو العلم، أو ببعض المميزات الأخلاقية كالصلاح والخير، وقد يذكر علاقته بالشيخ المترجم له وموقعه في الطائفة؛ كأن يقول:" كان من أصحاب الشيخ"، أو "من خواص أصحابه".
وإذا كانت مادة كتاب "المستفاد" أصلا لا مصدر له سوى التميمي، فمن الطبيعي ألا نعثر فيه على ذكر للمصادر المدونة التي قد يكون اعتمدها مؤلفه، إلا أن التميمي –مع ذلك- قد اعتمد على بعض المصادر الكتابية بطريقة ضمنية دون الإفصاح عن عناوينها أو عن مؤلفيها، وذلك في سياق المقارنات التي أجراها بين الكرامات والمواقف الإنسانية والأحوال النفسية والروحية لأوليائه...
أما المجالات الجغرافية التي استقى منها المؤلف أمثلته الخاصة بسيرة العباد والصلحاء فهي مرتبطة أساسا بفضاء تحرك عباده، مثل الأندلس وإفريقية والمشرق الإسلامي، مع غلبة واضحة للمشرق ورجالاته في عدد التشبيهات التي أوردها.

محتوى الترجمات وبنيتها
إن التراجم التي ترجم لها التميمي متباينة سواء بطولها أو بمحتواها، ففي بعض الأحيان قد يعطي للترجمة حقها بأسلوب مركز ودقيق، وأحيانا يقتضب المعلومات اقتضابا، وكأنه لا يستطيع إغفال صاحب الترجمة ولو على الأقل بالإشارة إلى خصلة واحدة من خصاله.
والملاحظ أنه كلما كان للمؤلف معرفة مباشرة بالمترجم به إلا وكانت ترجمته أكثر حيوية ومطردة، بسرد أحواله وخصاله ولكراماته المختلفة ونبذ من كلامه (نموذج محمد المهدوي، أبي الحسن بن حرزهم وأبي يعزى). كما يلاحظ أن التميمي لم يترجم لأية امرأة فيما وصلنا من "المستفاد".
تتكون ترجمات "المستفاد" من ثلاثة عناصر أساسية وهي: اسم المترجم له ولقبه وأصله في بعض الأحيان، ثم صفاته ومزاياه، ثم أخباره وكراماته. وهي بذلك لا تستجيب إلا جزئيا لثوابت الترجمة المناقبية النموذجية كما أوضحتها البحوث الحديثة.(6) 
ثم إن طريقة عرض التميمي للعباد والصالحين الذين أوردهم في مصنفه لا تخضع لضابط زمني أو مجالي محدد. كما أنه لا يشير دائما إلى هوية العباد والأولياء، لذلك كان من الصعب معرفة أصولهم الجغرافية أو الإثنية انطلاقا من معطيات ترجماتهم. فقد اقتصر التميمي في غالب الأحيان على ذكر اسم المترجم له وأوصافه دون الإفصاح على أصله الجغرافي أو انتسابه القبلي. ربما لأن هم المؤلف الأساس هو إبراز الجانب الروحي التعبدي للشيوخ المترجم لهم أكثر من محتدهم العائلي أو الجغرافي، وهو الجانب الذي اهتمت به كتب التراجم بامتياز.
واستنادا إلى حرفية عنوان الكتاب نفسه نجد أن مدينة فاس تقع في مركز اهتمام التميمي، فأغلب المترجم لهم من سكانها أو من أحوازها، ثم الأندلسيون، ثم أفريقية والمغرب الأوسط.
وأولى عناصر الترجمة عند التميمي تتمثل في مجموعة من النعوت التي تسبق اسم المترجم به. والنعت الأكثر استعمالا هو "الشيخ" أو "الشيخ الفقيه". في حين أورد ثلاثين ترجمة مجردة من أي نعت، وإن كان نعت "الشيخ" يرد في ثنايا الترجمة. وقد حلى التميمي بعض المترجمين ب"الشيخ الحاج" أو: "الشيخ الخطيب" ...
والملاحظ أن التميمي لم يستعمل بتاتا نعت "الصوفي" بالنسبة للعباد في مدينة فاس. والمرة الوحيدة الذي استعمله فيها نجده متعلق بأحد متصوفة المشرق(7). كما انه لم يستعمل بتاتا بعض الألقاب التي نجدها في مؤلفات مناقبية أخرى مثل "الولي" أو "العارف" أو "المحقق" أو "الإمام"أو "القدوة"...
إن الأوصاف الدقيقة التي استعملها التميمي في تقديم شخصياته سمحت له بالتعبير بشكل عميق عن الخصائص الأكثر تعبيرا عن مترجميه الروحية وعن مميزاتهم وفضائلهم، أو المعارف التي وصلوا إليها ودرجاتها. وهذا الأمر ربما يدل على اهتمامات المؤلف السنية وإلحاحه على أن المترجم لهم هم بخصال السلف الصالح يقتدون.(8)
أما الكرامات فقد وردت في بعض التراجم، ولم ترد في أكثر من نصف عدد المترجم لهم. فقد نص التميمي صراحة في أربع وعشرين ترجمة على أن أصحابها ظهرت لهم "كرامات" أو كانت لهم "مكاشفات" أو "براهين" ...

فإلى أي نمط ينتمي كتاب المستفاد؟
إن المعلومات التي يقدمها التميمي تسمح عموما برسم الصورة الروحية للشخص المترجم له، وفي بعض الأحيان تسمح بتتبع مسار حياته الروحية والصوفية. إلا أن التميمي لم يقتصر على ذكر "العباد" كما ورد في عنوان كتابه، وإنما ترجم فيه كذلك لمن اتسم بالخير والفضل سواء كان من المنقطعين إلى العبادة والخلوة، أو من العلماء المدرسين، أو من الفقهاء أو القضاة. .. وعلى الرغم من هذا التنوع البين في أصول المترجمين، فإن قاسمهم المشترك هو علاقتهم بمدينة فاس أو نواحيها؛ ولادة أو نشأة أو دراسة أو عبورا أو مدفنا..
وإن كان بعض المؤلفين القدامى قد صنفوا كتاب التميمي ضمن المؤلفات التاريخية، فمن المؤكد أنه ينتمي إلى صنف "الترجمة الإخبارية العامة" التي تقصد إلى "رصد ما يتعلق بالشخصيات التي لها وجود بارز في بيئتها، إما علما أو أدبا، وإما سياسة ووجاهة، وإما صلاحا وبركة".(9)

"المستفاد" وثيقة اجتماعية تعكس زوايا المجتمع الفاسي
يعتبر كتاب المستفاد" وثيقة اجتماعية على درجة عالية من الأهمية تعكس زوايا المجتمع الفاسي (أو المغربي)، وتلقي الأضواء على ملامح قلما نعثر على مثيلها في المصادر الأخرى. ويبدو أن الدور الديني لرجال التصوف والأولياء كان من أهم الأدوار التي لعبوها داخل مجتمعاتهم. فأغلب الكرامات التي يوردها التميمي –وغيره من مؤلفي كتب المناقب- تؤكد حرصهم الشديد على القيام بالفرائض الدينية، وعدم التساهل في تطبيقها وإعطائها مدلولها الصحيح...
وتبقى الصورة التي يقدمها لنا التميمي في مستفاده حول عالم أولياء فاس ومتصوفتها لا تختلف كثيرا عن الصورة التكرارية والنمطية التي كونت نسيج الحركة الصوفية بالمغرب في العصر الوسيط، والتي نجد صداها في مختلف كتب المناقب المغربية والأندلسية الأخرى. فباستثناء بعض الخصوصيات المتعلقة بمستوى تكوينهم الثقافي ووضعهم الاجتماعي، فهناك نقط تلاق عديدة بين مكونات عالم أولياء التميمي وعالم غيره من مؤلفي المناقب، سواء تعلق الأمر بالمنشأ الاجتماعي للمتصوفة وبمسلكهم الشخصي والحياتي، أو بدورهم داخل المجتمع.
إن مؤلف المستفاد قد عاصر نشأة الخلافة الموحدية حسبما يدل على ذلك مصاحبته للولي أبي يعزى بمراكش على عهد المؤمن بن علي. لذلك يمكن القول إن الفترة التي عاصرها التميمي هي فترة يطبعها استقرار سياسي وازدهار حضاري أشادت به جل الكتابات القديمة والحديثة على حد سواء.

خاتمة
إن كتاب "المستفاد" باعتباره أقدم نص مناقبي مغربي وصلنا يدشن لمرحلة انطلاقة التأليف في مناقب الأولياء التي ستعرف طريقها بعده بقليل، والتي جاء بعضها كخطاب مضاد لخطابه كما نلمس ذلك عند التادلي بصفة خاصة.
إن الظرفية التي تحكمت بإنتاج "المستفاد" جعلته لا يفصح مباشرة عن استفحال ظاهرة التصوف الإصلاحي ذي النزعة الاعتراضية سياسيا. ففي تغييبه للصراع بين السلطة الموحدية والمتصوفة لصالح إبراز المواجهة بين هؤلاء والفقهاء، وإعطائه الأولوية للبعد الديني الأخلاقي في ممارسات الأولياء ما يدل على نجاح سياسة الاحتواء التي سنتها السلطات الموحدية تجاه المتصوفة ورموزها. من جهة أخرى، نجد أن معارضة نصوص "المستفاد" وكرامات الأولياء بشهادات غيره، وخاصة شهادة التادلي، تبرز ميل التميمي إلى إخفاء أوجه المعارضة المحتملة والمواجهة بين المتصوفة والسلطة.
وإذا كان إغفال التادلي لذكر كتاب "المستفاد" "قد يفهم في ضوء ما وصف به صاحبه من قلة الضبط"(10)، فإنه يفهم كذلك وبطريقة أوضح في ضوء موقف الرجلين من الجهاز الموحدي، والذي يبدو انه كان على طرفي نقيض؛ إذ بدا لنا التميمي غير معارض إن لم نقل إنه بدا مساندا للسلطة الموحدية.

الهوامش
(1) - ابن الأبار، التكملة لكتاب الصلة، ج1/ص 374-375. ابن عبد الملك المراكشي، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، السفر 8، تحقيق د. محمد بنشريفة، الرباط، ص 352.
(2) - المستفاد ترجمة 18
(3) - المصدر نفسه، ترجمة 3
(4) - المصدر نفسه، ترجمة 6
(5) - انظر كلام المحقق
(6) - انظر كلام محقق الكتاب
(7) - ترجمة 62
(8) - انظر كلام المحقق
(9) - انظر كلام المحقق
(10) - التشوف، 18 من مقدمة التحقيق

للاطلاع أيضا

مؤلفات في التصوف

التشوف إلى رجال التصوف وأخبار

دعامة اليقين في زعامة المتقين

نبذة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني وطريقته

الإعلام بحدود قواعد الإسلام للقاضي عياض

المقصد الشريف والمنزع اللطيف في التعريف بصلحاء الريف

للمزيد من المقالات

facebook twitter youtube