السبت 7 ربيع الآخر 1440هـ الموافق لـ 15 ديسمبر 2018
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

جواب الهيئة العلمية للإفتاء حول موضوع المصلحة المرسلة

الكلمة التي ألقاها بين يدي أمير المومنين محمد السادس السيد محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، يوم الجمعة 17 رمضان 1426 الموافق لـ 21 اكتوبر 2005 بمناسبة تقديم الهيئة العلمية للإفتاء جوابها عن استفتاء جلالته في موضوع المصلحة المرسلة، وعلاقتها بقضايا تدبير الشأن العام .

نص السؤال الشريف

"... وفي هذا السياق قررنا أن تكون فاتحة أعمال المجلس العلمي الأعلى تكليفه، طبقا لما يراه من رأي فقهي متنور، بتوعية الناس بأصول المذهب المالكي، ولاسيما في تميزه بالعمل بقاعدة المصالح المرسلة التي اعتمدتها المملكة المغربية على الدوام لمواكبة المتغيرات في مختلف مناحي الحياة العامة والخاصة، من خلال الاجتهادات المتنورة لأسلافنا الميامين ولعلمائنا المتقدمين، وهو الأصل الذي تقوم عليه سائر الأحكام الشرعية والقانونية المنسجمة والمتكاملة، التي تسنها الدولة بقيادتنا، كملك وأمير للمومنين، في تجاوب مع مستجدات العصر، والتزام بمراعاة المصالح، ودرء المفاسد، وصيانة الحقوق وأداء الواجبات". من الخطاب المولوي الكريم بالقصر الملكي بفاس بمناسبة افتتاح الدورة الأولى لأشغال المجلس العلمي الأعلى، بتاريخ فاتح جمادى الثانية 1426هـ موافق 08 يوليوز 2005م".

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين؛ مولاي أمير المومنين، سبط النبي الأمين، وحامي حمى الملة والدين: أعز الله أمركم، وخلد في صحائف المجد ذكركم ، وجعل اليمن والسعد رفيق ركابكم، والنصر والظفر معقودا براياتكم،

مولاي أمير المؤمنين

بعد تقديم كل ما يليق بمقام الإمامة العظمى من واجب التبجيل والإجلال ، يتشرف العلماء أعضاء المجلس العلمي الأعلى والهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، بالمثول بين يدي جلالتكم الشريفة، للإعراب لسيدنا المؤيد بالله عما يغمرهم من فيض السعادة والاعتزاز، بما أثاره في نفوسهم، استفتاء جلالتكم حول: أصل المصلحة المرسلة، في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام، وملاءمته مع هدي الشريعة المطهرة.

إنها - يا مولاي - مبادرة حضارية عميقة الأبعاد والدلالات، أعادت إلى الأذهان سلوكا راقيا، عاشته أمتنا في فترات مجدها السياسي، وتألقها الحضاري، يوم أن كان الخلفاء والملوك يوجهون نظر علماء الأمة إلى قضايا ذات أبعاد اجتماعية هي غاية في الأهمية.

ومن امتدادات هذا السلوك في المغرب، أن ملوكه على مسار التاريخ، كان لهم الحظ الأوفى في التواصل مع العلماء، وفي توجيه خطى المعرفة ودعمها.

أما والدكم العظيم مولانا الحسن الثاني“ قدس الله سره“ فقد ضرب أروع الأمثلة في هذا التواصل بما كان له من المشاركات العلمية والتنبيهات المذهبية.

مولاي أمير المومنين

إن علماء مملكتكم قد التقطوا كل الإشارات المولوية، ووعوا جميع التصريحات الجليلة التي ما فتئت جلالتكم توجهونها إلى مؤسستهم، وهي إشارات تعبر عن أكيد الرغبة السامية في أن تتبوأ مؤسسة العلماء موقعها الذي يتيح لها الإسهام الجاد في صياغة مغرب الأصالة والمعاصرة، المغرب المعتز بهويته الإسلامية، الناهض بكل الواجبات التي تفرضها ضرورة الانخراط في سياق العصر.

مولاي أمير المومنين

إن خطاب جلالتكم الموجه إلى العلماء في افتتاح الدورة الأولى للمجلس العلمي الأعلى بفاس، يوم الجمعة فاتح جمادى الثانية 1426هـ موافق 08 يوليوز 2005م، جاء على نهج أرباب البلاغة والبيان، فصيحا وجيزا في لفظـه، مفعما بمعاني جوهرية ذات قيمة عالية متصلة بشخصية الدولة في الإسلام، وبتلازم الديني والسياسي فيها، ولا يخفى أن حماية الدين وظيفة أساسية من وظائف الدولة في الإسلام.

ومهمة العلماء في الدولة، هي أن يمثلوا جهة الخبرة القادرة على الدلالة على مراد الشرع فقط.

فالدولة الإسلامية دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، ومن ثم قال الإمام الباقلاني:" إن المسلمين لا يحكمهم معصوم، ولا عالم بالغيب".

مولاي أمير المومنين

لقد اختارت الدولة المغربية منذ تأسيسها، صيغة السلوك التديني الذي تتبناه من بين جميع الاختيارات التي جعل الله للناس فيها سعة للاختيار.

وسرتم “ أمير المومنين “ في ذلك على نهج أسلافكم، فما فتئتم تؤكدون في كل خطاب ديني أو سياسي موجه إلى الأمة على التمسك بتلك الاختيارات، حفاظا للمغاربة على هويتهم الدينية، وتثبيتا لوحدتهم الوطنية، لما تتسم به هذه الاختيارات من مرونة ووسطية واعتدال، مما يجعل التشريع الفقهي في ظلها مسايرا للتطور، قابلا للاجتهاد في كل القضايا المستجدة على ضوء تلك الأصول، ولا سيما منها أصل المصلحة المرسلة، حيث لا يكون في المسألة نص قطعي من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وهو مسلك أخذت به الدولة المغربية في كل المجالات: من العبادات، والمعاملات، والفتيا، والقضاء.

ومن ثم فإن الجواب الذي يتشرف العلماء بوضعه بين يديكم الكريمتين، قد بنى على الأدلة الصحيحة نظرا فقهيا، مؤداه أن تدخل الإمام في التشريع يمتد إلى مجالات ثلاثة على الأقل، هي:

  • 1 - مجال ما لا نص قطعيا فيه؛
  • 2 - مجال ما كان موضع خلاف فقهي؛
  • 3 - ومجال ما كان فيه تحقيق مصلحة حقيقية.

وقد ضبط الشرع المصلحة وحددها بحدود واضحة، وميز صحيحها من فاسدها قبل أن يأذن باستعمالها.

ولئن كان تحقيق المصلحة أمرا تتشوف إليه الشريعة، فإن الإمام الأعظم بما له من إلزامية القرار، ومن قدرة على توجيه النظر الاجتهادي، يظل هو المؤهل لتقنين ما يحقق المصالح الحقيقية، ويدرأ المفاسد التي قد تتراءى في صورة مصالح.

وللفقه الإسلامي ترتيب موضوعي للاستحقاقات والأولويات حسب أهميتها، فيما يراه الإمام ويجتهد فيه، فيقدم منها ما كان ضروريا، ويتلوه ما كان حاجيا، ثم ما كان تحسينيا.

في ظل هذا النهج، يمكن بمزيد من الاجتهاد والتنقيب الجاد في البحث الفقهي، أن يتبوأ المغرب موقع الريادة والسبق إلى تقنين ما يكفل حقوق الإنسان عموما، وحقوق المرأة، والطفل، وحقوق ذوي الحاجات بوجه خاص.

أعز الله مولانا أمير المومنين، وأدامه حصنا حصينا، وملاذا أمينا للوطن والدين، وحفظه في سره وعلانيته، وظعنه وإقامته، وفي تقلبه ومثواه، وأقر عينه وأعين شعبه بولي عهده الجليل سمو الأمير مولاي الحسن، وشد أزره بشقيقه السعيد سمو الأمير المولى الرشيد، وبسائر آل بيته الطيبين، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير.

والسـلام على أميـر المومنـين ورحمة الله تعالى وبركاته.

للاطلاع أيضا

لماذا اختار المغاربة المذهب المالكي؟

تاريخ المذهب المالكي

نظرات في تاريخ المذهب المالكي

التزام المغاربة بالمذهب المالكي

الموطــــأ ومذهـــب مالـــــــك

الموطأ ومذهب مالك

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمسجد حسان بالرباط حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube