الأربعاء 1 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ 23 غشت 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

البيعة في إطار القانون السياسي المعاصر

تعد مسألة تولية العرش في الحقيقة الفعل الذي تتولد عنه البيعة باعتباره أساس صحة هذه التولية من طرف الملك الجديد . لذا فقد أدخلت عليها بعض التعديلات مقارنة مع الماضي بسبب التطور نحو تبني أشكال القانون السياسي المعاصر.

فمنذ حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956 ، فان تولية العرش تتم من خلال مرحلتين : الأولى يتم فيها التعيين المسبق لولي العهد (أ) والثانية يتم فيها عقد البيعة أو المبايعة (ب) .

أ “ التعيين المسبق لولي العهد:

* بمناسبة الذكرى 28 لميلاد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، قام جلالة الملك محمد الخامس بتعيينه " وليا للعهد "بواسطة ظهير شريف يحمل رقم 1-57-219 حيث ألقي كل من جلالة الملك وسمو الأمير خطابين تاريخيين في المشور السعيد ( بالقصر الملكي ) جديرين بأن يستحضرهما كل مغربي على الدوام .

* وينص دستور 13 اكتوبر 1996 في فصله 20 على ما يلي :

" إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك الحسن الثاني ، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا ، ماعدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا ، فان لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك فالملك ننتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر " .

وهكذا فوراثة الحكم محددة كتابة بمقتضى الدستور ، وعلى هذا الأساس خلف ولي العهد الأمير سيدي محمد الإبن الأكبر أباه جلالة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999.

ب “ عقد البيعــة :

فمنذ حصول المغرب على استقلاله ، تم تحرير عقدين للبيعة بمناسبة تولية كل من جلالة الملك الحسن الثاني وجلالة الملك محمد السادس لدى توليهما الإمامة العظمى بالنظر للإمامة الصغرى التي تقف عند حدود إمامة الصلوات اليومية أو الشعائرية في المساجد.

جـ - تولي الإمامة العظمى من طرف جلالة الملك الحسن الثاني :

- بمجرد وفاة جلالة الملك محمد الخامس بتاريخ 26 فبراير 1961 ( موافق 10 رمضان 1380 ) .

- بادر صاحب السمو الملكي ولي العهد على التو وبصفة مستعجلة الى :

  • · ضمان الأمن والمحافظة على النظام في مجموع ربوع المملكة.
  • · إعلان الخبر للأمة بواسطة المذياع.

- ثم تـم بعد ذلك تحرير عقد للبيعة حالا في مقر إقامة سموه بالسويسي حيث قام بتوقيعها من كان حاضرا من وجهاء الدولة.

إلا أن هذا العقد كان شكليا في الحقيقة لكون مسألة انتقال الحكم كانت قد حسمت منذ 9 يوليوز 1957.

د - تولي الإمامة العظمى من طرف جلالة الملك محمد السادس :

- إن وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني يوم 23 يوليوز 1999 فتحت الباب مباشرة لتطبيق نص الفصل 20 من الدستور الجاري به العمل لأن الملك الجديد منطقيا هو صاحب السمو الملكي ولي العهد سيدي محمد.

- وقد تم أيضا تحرير عقد بيعة وقعه عدد كبير من وجهاء الدولة يتكون من الموظفين السامين المدنيين والعسكريين وممثلي الهيآت المنتخبة باعتبارهم يمثلون " أهل الحل والعقد" . وقد تمت قراءة نص هذه البيعة من لدن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أمام الموقعين، كما بث ذلك مباشرة للشعب المغربي على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة.

- هناك إذن مرحلتان أساسيتان ( هما تلك الممتدة من سنة 1956 الى 1962 ثم من 1962 إلى اليوم )

أ ) تميزت المرحلة الأولى بالتخلي عن نظام السلطنة سنة 1957 والتأسيس التدريجي للملكية الدستورية وتعيين الأمير مولاي الحسن وليا للعهد.

لذلك فان المرحلة الممتدة من سنة 1956 إلى 1957 تعتبر مرحلة التأسيس في إطار تعديل تدريجي لنظام قائم على البيعة.

فمنذ أن أصبح للمغرب دستور مكتوب سنة 1962 على شاكلة الدساتير الأوروبية، ومسألة معرفة الوضع الذي ستحتله البيعة في هذا الدستور يتم تجنبها باعتبارها مسألة اجتهاد شائكة.

فإذا كنا لا نجد لها أثرا في نص أحكام الدستور، فذلك لأنها كانت سابقة منطقيا على الرغم من كونه الأداة المتحكمة في تنظيم السلط ضمن الدولة والمنظمة لسير المجتمع . وفي صلة بالموضوع ، فان البيعة هي أساس شرعية الملك الذي يمتلك حق منح او مراجعة الدستور. فوظيفية البيعة يجب أن " تقرأ " في ثنايا أحكام الدستور سواء بكيفية ضمنية أوصريحة كلما تعلق الأمر على الخصوص بأبعاد سلطات الملك من خلال الصلاحيات الخاصة الممنوحة له ومن خلال ضمانه للحقوق والحريات وكل الأبعاد التي يتطلبها تسيير النظام المعياري في مجمله.

فحسب النظرية الكلسينية Kelsen ( النظرية الخالصة للقانون ) تعد البيعة عقدا بل معيارا بكل ما في الكلمة من معنى تتبوأ قمة تراتبية المعايير.

ليس بإمكاننا تجنب هذا التصور الاجتهادي للدستور المكتوب، بل سيكون من الأدق القول بأن الدستور في المغرب يتضمن مستويين اثنين : الأول يستدعي قواعد العرف ( بالمعنى القوي ) للبيعة كمنشئة لتعاقد مابين الأمة وأمير المؤمنين ( الإمام الأعظم ) . فعقد البيعة إذن في حد ذاته عبارة عن نص دستوري. أما الثاني فهو ما نعنيه بالدستور المكتوب ( وهو حاليا دستور سنة 1996 ) [1] والذي يعد الفصل 19 فيه العنصر الرابط الذي لا محيد عنه ما بين المستويين المذكورين.

وقد أدرك احد المختصين في علم السياسة المعنى الواجب منحه لقداسة الملك المنصوص عليها دستوريا ( الحرمة ) مؤكدا قبل كل شيء على البعد " القانوني “ العقلاني " ( فبر Weber ) [2] والذي يؤثر في الواقع في البناء بكامله وفي توزيع السلط ( التنفيذية والتشريعية والقضائية )التي لا يمكن تمثلها على شاكلة نموذج مونتسكيو بسبب السيادة المسلم بها للإمام الأعظم ( أمير المؤمنين ) .

لذا تتبين لنا المكانة التي يحتلها الفصل 19 في صلب البعد المعياري الذي تسمح به البيعة والمتضمن في الاعتراف للملك بوضع أمير المؤمنين .

" الملك أمير المؤمنين والممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها ، وهو حامي حمى الملة والدين والساهر على احترام الدستور ، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت . وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة "

فعند قراءة هذا الفصل 19 نجده يستعرض وبترتيب مضبوط وظائف الملك / الإمام .

أ ) أمير المؤمنين بصفته الإمام الأعظم كون الإسلام الدين الرسمي للدولة.

ب ) وهو يعد " الممثل الأسمى للأمة " أي أن صفة تمثيله للأمة بأكملها منبثقة من البيعة ، إلى جانب اعتبارها من طرف بعض المختصين في القانون الدستوري ، " انتخابا بالمعنى العصري للكلمة " [3] وهكذا فان هذه الصفة تضع الملك فوق كل السلطات الدستورية الكلاسيكية . فتجديد البيعة إذن تأكيد من جديد لاستمرارية عرف سياسي وديني يستمد شرعيته من عملية الاستفتاء للمصادقة على الدستور [4] .

وهكذا فإن الملك ممثل الأمة في تدبير مصالحها العامة في الداخل والخارج ولكون الدستور ينص على أشكال تمثيلية أخرى ( منها البرلمان على وجه الخصوص ) فهو " الممثل الأسمى للأمة ". وبهذه الصفة، يحق له مراجعة الدستور ووضع دستور جديد على أساس عرضه للمصادقة بواسطة الاستفتاء .

جـ - ويعد الملك رمز الوحدة الترابية للبلاد في كل أشكالها ( موحد المجموعات الاجتماعية والمقاطعات التي يتكون منها التراب الوطني ).

د “ إن الملك هو ضامن دوام الدولة واستمرارها حيث تؤهله سلطاته الدستورية للسهر على ذلك سواء في الظروف العادية او عند اجتياز البلاد لمراحل استثنائية .

هـ - والملك هو حامي حمى الدين الإسلامي والساهر على احترام الدستور ، وهي وظيفة مستمدة من البيعة باعتبارها عقدا يلتزم بمقتضاه المحافظة على النظام الدستوري ( الاستقرار ) واستبعاد كل فتنة، وكذا النظام الديني ( وما يترتب عن ذلك من تدبير للحقل الديني والأحباس ).

و ـ والملك يصون حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيآت بمعنى أنه المحاسب ( بموجب التعاقد الملزم للطرفين في البيعة ) للحريات العامة.

ز ـ والملك هو الضامن لاستقلال للبلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة .

وهو تعبير عن السيادة في بعدها الخارجي ( الوظيفة الملكية بكل معانيها ) لأن البيعة التي عقدت للملك لا يمكن ان يترتب عنها إلا أثر بهذا الشكل . وقد تضمن الخطاب الملكي ليوم 16 اكتوبر 1975 العبارة الأكثر دلالة بهذا الخصوص والتي ما فتئت تتكرر في كل الخطب الملكية اللاحقة بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء كل يوم 6 نونبر.

كما أن الفصل 19 يشكل الشبكة التي تحتوي البناء الدستوري برمته والمحكوم بأسبقية عقد البيعة وقابليته للتجدد على الدوام . فهذا البعد الزمني الذي يشمل الماضي و يمتد في المستقبل، والذي يعد النموذج الأساسي لوراثة الحكم فيه أمرا محلولا من الناحية المعيارية وأحد محاوره الرئيسية، يفسر سير السلطات الذي يتمحور حول السلطة الملكية التحكيمية العليا المشرفة تراتبيا وبصفة إلزامية على كل السلطات الأخرى التي تعد تابعة لها من خلال ما تكلف به من " وظائف "

فالوظيفة التشريعية للبرلمان مشروطة بسلطة التوجيه الملكية المعيارية من خلال الخطب التي يوجهها له الملك ( الفصل 28 )، كما هو الحال بالنسبة للسلطة التنفيذية التي تم تعزيزها في الدستور الحالي ( 1996) والتي تخضع لتوزيع حكيم . فالتحكيم الملكي يلعب دورا حاسما من خلال تعيين الوزير الأول والوزراء المسؤولون أمامه إلى جانب ترأسه مجلس الوزراء .

لقد رأينا في هذا النموذج ّ البرلماني العقلاني " أثرا للدستور الديغولي لسنة 1958 مادام مسلسل تشريع القوانين ينطلق من اقتراحات السلطة التنفيذية ، في حين تبقى المبادرة البرلمانية بهذا الخصوص استثناء ا لأسباب ترتبط بالفعالية .

أما فيما يتعلق بالسلطة القضائية، فان الفصل مابين السلطات يضمن لها الاستقلال الضروري ، إلا أن الذي يضمن لهذه السلطات (البرلمان والحكومة والقضاء) الاستقلال هو الملك من خلال إشرافه عليها ومن خلال الصلاحيات المخولة له بحكم البيعة (يترأس الملك المجلس الأعلى للقضاء كما تصدر أحكام القضاء باسمه).

وفي إطار هذا الفصل بين السلطات الدستورية التي توجد على رأسها سلطة التحكيم الملكية العليا ، يجدر بنا أن نقتبس ما جاء به رجل القانون الفرنسي لافيريير La Ferri¨re عندما ميز مابين أعمال السلطة وأعمال التسييرالتي تقوم بها هيئات تمارسها باسم الحاكم المؤتمن الوحيد عليها من قبل الجماعة .

والمهم في هذا التمييز ليس البعد الإداري الذي يركز عليه لافير يير la Ferri¨re بل ما يسميه العميد جورج فيديل Georges Vedel " بالأسس الدستورية " [5] عندما يتحدث عن القانون الإداري .

فأعمال السلطة هذه سوف تكون موسومة بطابع السيادة الصادرة عن هيآت تمارس جزءا من الحكم حسب الأبعاد الريغالية للدولة ( وزارة العدل والأحباس والشؤون الإسلامية والداخلية والشؤون الخارجية ) وبناء عليه، فهي تبرر اللجوء الى مسطرة أصيلة بل وخصوصية في علاقتها بالملك وبالهياكل الوزارية المختلفة او الهيآت التي تنشئ لغاية محددة ( مختلف المجالس العليا ) والتي تتطلب فعلا " السلطة الرسمية " للملك والمشروطة بصفته أمير المؤمنين المحددة مهامها بدقة والمنصوص عليها بصفة تراتيبية في الفصل 19 .

ان هذا التصور لأعمال السلطة، يستدعي التحكم في التعيينات على كافة المستويات الحاسمة لممارستها ، وهذا ما أوضحه الفصل 30 من الدستور ( الوظائف المدنية والعسكرية العليا ) .

أما فيما يتعلق بأعمال التسيير، فإنها لا تستلزم سوى صلاحية قانونية بسيطة على النحو الذي لا تتطلب فيه سوى تنفيذ مأمور، على الرغم من أن تصورا صحيحا للإمامة ومن خلال نظرية ما يسمى " بالمصالح المسترسلة " تحيلنا افتراضا على صنف من نظرية الخدمة العمومية المتكاملة الى حد بعيد كما طرحها ليون ديغي L©on Duguit في بداية القرن العشرين كجوهر " لحكومة ( هي عبارة عن ) مجموعة من الخدمات العمومية " [6]

من هذا الجانب لم يكن ممكنا تمييز الإدارة في النظام التقليدي المغربي عن ممارسة السلطة ( أومامة محتسب ...)

المهم في مسلسل الإنتاج المعياري ( القانون ) ، أن التفويض الذي تمنحه البيعة للملك تتم استعادته من خلال الدور الدينامي الذي يلعبه الملك فيها ابتداءا من التوجه المعياري والى نشر القوانين وذلك عبر تقدير ما يمنحه من سلطات دستورية من السلطة التشريعية والتنفيذية في إطار قيامه بالتحكيم.

إن هذا يؤكد لنا مدى التوازن الموجود مابين التقليد والحداثة في المنظومة الدستورية المغربية التي تمنح للبيعة دورها المحوري ، ويتأكد الأمر أكثر عند رجوعنا إلى القانون الدستوري المقارن حيث تتضح مدى براعة نظامنا الدستوري وضرورة توضيح ما يتعلق بالتصورات الاعتباطية ومن أين تستمد طروحاتها كأفكار مسبقة وجب محاربتها .


[1] " وهكذا فان الدستور الذي أعددته بنفسي والذي سيعلن على الملأ في كافة ارجاء المملكة ليعرض على موافقتك خلال اجل عشرين يوما ، هذا الدستور قبل كل شيء تجديد لعهد صادق وميثاق مقدس ربط دائما الشعب وملكه " الخطاب الملكي السامي يوم 18 نونبر 1962.
[2] محمد طوزي : " الملك امير المؤمنين " في : تشييد دولة عصرية ص 59 البان – ميشيل 1986 ( بالفرنسية )
[3] مليكة صروخ : القانون الدستوري طبعة 1998 ص 194
[4] المرجع السابق
[5] جورج فيديل: انظر كل طبعات مؤلفه الكلاسيكي " القانون الإداري " باريس ( بالفرنسية )
[6] ليون ديغي : " تحويل القانون " ( بالفرنسية )

للاطلاع أيضا

إمارة المؤمنين تجلياتها في التاريخ واشتغالها الحالي

إمارة المؤمنين، القراءة القانونية

البيعة في عرف أهل المغرب، صورتها وخصائصها

البيعة في القانون العام الإسلامي

البيعة في الفكر السياسي والفقه المغربي

البيعة ضمن خطاطات القانون المقارن

خصوصيات عقد البيعة في المغرب

عقد البيعة يكتبه أهل الحل والعقد

بيعة صاحب الجلالة الملك محمد بن الحسن

بيعة أهل المغرب لأئمتهم

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

 1438-2017 أمير المؤمنين يستقبل أعضاء الوفد الرسمي المتوجه للديار المقدسة لأداء مناسك الحج

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube