الثلاثاء 28 ذو الحجة 1438هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

البيعة ضمن خطاطات القانون المقارن

من المفيد الرجوع إلى دساتير الديمقراطيات العصرية الأكثر تقدما وخاصة منها الأنظمة الملكية أو بعض الأنظمة الشبيهة لها ( كندا ) لإبراز إلى أي حد تندرج البيعة بمعناها الماوردي في الحداثة دون أن يؤدي ذلك إلى أي اضطراب أو فتنة . [1]

إن ما يبرر إدراج هذه المقارنة هنا يعود الى ملاحظة جاءت على لسان ملك متخصص في القانون في لحظة حاسمة من تاريخ المغرب المعاصر، عند ما علق جلالة الملك الحسن الثاني وبكل براعة على مفهوم البيعة والمدلول الذي يحمله في سياق الحكم التحكيمي الخاص بصحرائنا ضمن خطابه الذي أعلن فيه عن المسيرة الخضراء ( بتاريخ 16 اكتوبر 1975 ) حيث قال جلالة الملك :

" أما هنا فقد قالت محكمة العدل : هناك روابط قانونية أولا وروابط بيعة بين المملكة المغربية وبين الصحراء .

وهنا شعبي العزيز “ إذا سمحت لي - سأتوسع في هذه النقطة بحكم تكويني القانوني . سيقول بعض الناس ، إن المحكمة لم تقل ( روابط سيادة ) ، طيب ، أجيب : ماهو الفرق بين السيادة وبين روابط البيعة حتى في القانون الأوروبي نفسه ؟ ولاسيما أننا لا ننسى أن المحكمة ستنظر في قضية ترجع في روحها وحكمها إلى أوائل القرن الذي نعيش فيه ، ذلك القرن الذي لم تكن توجد في أوروبا إلا دولتان جمهوريتان وهما : فرنسا ، وسويسرا ، أما ما تبقى مثل اسبانيا وايطاليا وألمانيا وهنغاريا ويوغوسلافيا وروسيا وبولونيا وهولندا وبلجيكا والنرويج والدانمارك فكانت لا تستعمل إذاك نص السيادة بل تستعمل نص البيعة ، وهنا يمكن أن أقول حتى للأوروبيين أساتذة القانون إنهم باستعمالهم البيعة أدخلوا علي الفرح أكثر من استعمالهم السيادة لأنهم باستعمالهم نص البيعة استعملوا ماهو مناسب للتاريخ الذي استعمرت فيه الصحراء .

النقطة الثانية : سأجيب عنها على أساس القانون الإسلامي :

كما في علمك شعبي العزيز ، القانون الإسلامي الدولي هو أول قانون نظم حياة الأفراد مع الجماعة ، وحياة الجماعة مع الأفراد ، وحياة الحاكمين بالمحكومين ، والعكس بالعكس ، والبيعة في القانون الإسلامي “ وان اكتست دائما عدة أصناف وأشكال - لم تكن دائما بيعة تربط فقط الشخص بالملك أو الشخص بأمير المؤمنين ، بل لما كان لؤلئك الأشخاص من تمثيل وقوة تمثيل كانت تربط أولئك الأشخاص وما يمثلونه من قبائل وعشائر وأقطار وأمصار بينهم وبين أمير المؤمنين ، أو من ولاه الله أمر شؤون المسلمين .

ولكن سأستمر قائلا للسادة أعضاء محكمة العدل - ولست في حاجة لأقول لهم هذا لأنهم يعرفونه ، لا سيما وأنهم وضعوا علينا أسئلة تتعلق بالمذهب المالكي وكيف كان يطبق بالطريقة التي يعرفه بها الناس ، فإذا كان هناك تجاهل من بعضهم فهو تجاهل العارف .

وأؤكد لك ، شعبي العزيز ، أن البيعة في المغرب كان لها طابع خاص ذلك أن البيعة في المغرب كانت دائما مكتوبة .

نحن نعلم أنه في تاريخ الإسلام كان رؤساء القبائل يأتون للسلام على الأمراء والملوك ويضعون أيديهم على أيديهم أو على المصحف ويقولون إننا نبايعك على الكتاب والسنة ، ونبايعك بيعة الرضوان الخ ...

ولكن المغرب هو الدولة الوحيدة التي لم تكتف بالبيعة الشفوية بل ما ثبت في تاريخ المغرب وفي أي دولة مغربية أنه وقعت بيعة شفوية بل كانت دائما بيعة مكتوبة .

وحتى أولئك الذين لم يستطيعوا كتابة هذه البيعة كانوا يبعثونهاعن طريق العدل ، ولكن هذا بحث إن أردتم المزيد من الاطلاع عليه يمكن أن أكلف وزير الدولة المكلف بالشؤون الثقافية ليقوم بإلقاء محاضرة وكتابة سلسلة من المقالات في هذا الموضوع ".

إن هناك مثالان أو بالأحرى حالتان توضحان إلى أي حد تنتمي البيعة بالمعنى القانوني الأول إلى القانون الوضعي المقارن ، علاوة على ما تأخذه كذلك من أبعاد دقيقة بخصوص تسيير الدول في الوقت الذي يتم تناولها في المغرب ضمن القواعد العرفية البسيطة .

1- الحالة الأولى تخص كندا التي تتوفر على قانون ينظم قسم البيعة والذي جاء في منظومة بالضبط ما يلي :

" إن عقد البيعة سواء كان بمبادرة شخصية ، أو إلزاما قانونيا أو واجب تفرضه قاعدة قانونية جاري بها العمل في كندا باستثناء القانون الدستوري لسنة 1867 والقانون الخاص بالمواطنة ـ يتم إبرامه لدى السلطة المختصة طبقا لعبارات النص التالي دون غيرها :[2]

" أنا .... أقسم بأن أكون مخلصا وصادقا في بيعتي لصاحبة الجلالة الملكة إليزابيث الثانية ملكة كندا وورثتها وخلفها . وهكذا ليكون اله في عونه " .

2- وفي حالة انتقال الملك ، فإن الاسم الموجود في قسم البيعة هذا يتم استبداله باسم الملك الجديد " ( S.R.ch.O “ 1 .ort .2 -1974-75-76,ch . 108. art . 3 )

كما أن نفس القانون ينص على :

" .... إن كل شخص يتم تعيينه في وظيفة أو يقوم بوظيفة تتعلق بالسلطة التشريعية للبرلمان عليه :

  • أ ) أداء قسم البيعة حتى ولو لم يكن ذلك إلزاميا بمقتضى قاعدة قانونية أخرى .
  • ب ) أداء القسم المهني بمقتضى الصيغة الواردة في هذه القوانين في جميع الحالات التي

لاينص فيها صراحة على صيغة أخرى بمقتضى قاعدة قانونية أخرى "

فبغض النظر عن الخصوصيات المؤسسية لكندا في علاقتها بالملكية الانجليزية ، فان البيعة كآلية من شأنها أن تشد اهتمام رجل القانون الذي ينتمي للنظام القانوني والسياسي الإسلامي في سياق إلقاء أضواء جديدة على النحو الذي يسمح بإدماج المعايير المؤسسية الكلاسيكية بكيفية فعالة ودائمة وجعلها تتماشى والضرورات التي يفرضها الفكر السياسي المعاصر. ذلك أن من شأن هذه الإضاءات المقارنة أن تفند الكثير من الأفكار المسبقة المتمثلة في تصورات إيديولوجية صرفة .

3- الحالة الثانية ( وهو اختيار عشوائي ) تتعلق "بإشكالية" تحرير قسم البيعة في القانون الأمريكي ضمن " الحفل " الخاص بمنح الجنسية . من المؤكد ان هناك تيارا ضمن رجال القانون الأمريكي الذين يعتبرونها غير دستورية لأسباب عديدة ( حرية المعتقد والعبادة ..)

إن نص البيعة للدولة الأمريكية كما تتم تلاوته من طرف المرشح للحصول على الجنسية بين يد القاضي ، بعد استيفائه لكافة الشروط الإدارية الجاري بها العمل، تبدو لنا هنا مفيدة جدا :

" أصرح بواسطة هذا العقد بالتخلي ورفض كل طاعة أو إخلاص لأي قوة أجنبية أو أمير أو سيد أو دولة أو ملك كنت من رعاياهم أو مواطنيهم ، وبالمقابل فإنني أدعم وأدافع عن دستور وقوانين الولايات المتحدة الأمريكية ضد أي عدو سواء قدم من خارج البلاد أو من داخلها وان أكن لهؤلاء الإيمان والطاعة التامين وان احمل السلاح لفائدة الولايات المتحدة إذا ما اوجب القانون ذلك ، وأن أقوم بالخدمة العسكرية لفائدة الولايات المتحدة إذا اوجب القانون ذلك ، وان أنجز عملا يخدم الصالح العام تحت إشراف سلطة مدنية إذا اوجب القانون ذلك واني آخذ هذا الالتزام على عاتقي بكل حرية ودون أي تحفظ أو إرادة تملص ، وكان الله في عوني ."

إن تحليل من هذا القبيل لايدع أي مجال للشك بخصوص معايير " البيعة " على الطريقة الأمريكية والتي يتبين من خلالها ، في بداية مسلسل منح الجنسية ، واجب الطاعة الذي يتقلد به كل أمريكي ولو كان حديث العهد بذلك .

كما أن العبارة الدينية الواردة في نهاية النص ، شبيهة بما يتضمنه كذلك نص البيعة في كندا والذي نجد له مثيلا في النظام الإسلامي من خلال عبارة : " والله المستعان "

وهكذا فإن آفاقا معمقة وثرية للمقارنة تنفتح أمامنا عندما تتخذ لدينا تدابير انفتاح معياري حيث يكون الملك ( أمير المؤمنين ) معنى مباشرة ( مدونة الجنسية ) أو عندما تغامر بعض أقلام التي تريد استمالة الشعب و المنتمية لبعض المنابر الإعلامية باللجوء إلى تأويلات مغرضة مستهدفة بذلك القذف في مؤسسات عريقة باسم حداثة تم تمثلها بكيفية سيئة .


[1] من المفيد التساؤل عن الصمت الذي عرفته المبايعة في النظام الجمهوري وذلك بتحويله من اعتبار شخصي إلى ضرب من الخيال المتعلق بالدولة والذي تعد فيه جمهورية اليعاقبة " الواحدة والغير قابلة للتقسيم " والتي تمثل أعلى درجات التجمع من خلال صورة " ماريان " السلفة الملحدة ، لازال لفلسفة القانون إذن مكانة ودور هامين .

[2] توضح أحد الاجتهادات الكندية بان تغيير كلمة واحدة أو إضافة كلمة أخرى يعد خرقا من شانه أن يبطل قسم البيعة ( حالة الموظفين السامين ) ان هذه المسالة المركزية للبيعة الإجبارية من لدن السلطات الإدارية في كندا تحيلنا على جوهر نظامنا الدستوري حيث يقوم صاحب الجلالة بتعيين الموظفين السامين المدنيين والعسكريين بمقتضى ظهير أو طقوس تجديد عقد البيعة في مختلف المناسبات .

للاطلاع أيضا

إمارة المؤمنين تجلياتها في التاريخ واشتغالها الحالي

إمارة المؤمنين، القراءة القانونية

البيعة في عرف أهل المغرب، صورتها وخصائصها

البيعة في القانون العام الإسلامي

البيعة في الفكر السياسي والفقه المغربي

البيعة في إطار القانون السياسي المعاصر

خصوصيات عقد البيعة في المغرب

عقد البيعة يكتبه أهل الحل والعقد

بيعة صاحب الجلالة الملك محمد بن الحسن

بيعة أهل المغرب لأئمتهم

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة الجمعة بمسجد "للا أسماء" بالرباط

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube