الثلاثاء 1 ذو القعدة 1438هـ الموافق لـ 25 يوليو 2017
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc
Print Email

البيعة في الفكر السياسي والفقه المغربي

لقد كانت طبيعة البيعة في صلب اهتمامات الفقهاء المغاربة، إلا أن الروابط الأكثر اعتبارا من اللازم وضعها في السياق الخاص الذي يتم فيه تولى الحكم والظروف الخاصة للخلافة . أما الحجج التي ترد لدى أكثرهم شهرة فيمكن إجمالها في الشروط التي تجعل مؤسسة البيعة ذات طابع إلزامي أولي .

من الواضح بأن الصفة القانونية للبيعة ليست سوى مسألة شكلية مادام من غير الممكن فصلها عن المواقف الفلسفية " حول جوهر الحكم و " السياسة " وممارستهما حسب الديانة الإسلامية ،وبخاصة الشروط الواجب توفرها في الشخص الذي سيحمل على عاتقه هذه المهمة والزعامة التي يتقلدها طبقا لذلك .

ولعل الجدال الذي يمكن الأخذ به هنا كمثال والذي كان يعود باستمرار في الفكر القانوني المغربي هو ذاك الذي دار بين فقيهين في عهد السعديين وهما يحيى الحاحيوأبو مهدي عيسى السكتاني[1] بخصوص عقد البيعة للسلطان السعدي مولاي زيدان . فمن الممكن ان يكون هذا الاختيار اعتباطيا لكنه يبقى ذو دلالة كبيرة من وجهة نظرنا .

فالأول كان يدافع عن " البيعة المشروطة " ( أي تلك التي تتم وفق عقد ملزم للطرفين برضاهما ويتضمن أحكاما محددة تقضي بالنسبة لهما الأخذ والعطاء المتبادل ). أما الثاني فهو يرفض هذا الرأي ويبرر لامشروطية الاتفاق باعتبارات يمكن أن ندخلها اليوم فيما يسمى " بالنظام العام " على اعتبار أن السكتاني يرفض بتاتا الفوضى ويشدد على تجنب الفتنة "، كما يؤكد في هذا المستوى بأن وظيفة العلماء هي تقديم النصح للحكام [2] فهذا الفقيه عاش في ظروف اتسمت باضطرابات ينكب هو نفسه على تحليلها بشكل عميق [3] مستندا في ذلك إلى أشهر الأئمة في الموضوع موليا الأولوية للمحافظة على النظام العام بالنسبة للجماعة بدل التشرذم الذي تنجم عنه عواقب وخيمة ....

وفي الجانب الثاني ، فإن البيعة بالنسبة للسكتاني عبارة عن التزام لارجعة فيه ولا يمكن حلها شرعيا لكونها لم تخضع لأي شرط في البداية ، فهي إذن ذات صفة مطلقة . والجدير بالذكر هنا أن هذا الطرح يستند إلى خلفية تتمثل في نموذج البيعة التي تمت للنبي سيدنا محمد .

إلا أن الموضوع الذي يعنينا هنا هو معرفة الآثار الناجمة عن عقد البيعة بالنسبة للقانون بكل أبعاده .

إن أي قراءة قانونية سوف تبقى سجينة للطابع الخاص الذي اتسمت به ظروف ممارسة مهام الإمامة العظمى في كل مرحلة تاريخية . أما كون البلدان الإسلامية لم تعرف تطورا للإصلاح في اتجاه دساتير مكتوبة قبل المرحلة الاستعمارية ، فذلك أمر يرجع تفسيره إلى أن كل بيعة حاكم جديد كانت تشكل في حد ذاتها قطيعة وتجديدا دستوريا . فنحن هنا نتموضع ضمن التطور التاريخي الدوري " الخلدوني " بدل التطور الخطي الأوروبي للدولة التي انبثقت في العصر الوسيط .

وهكذا ، فالنتيجة أن ليس لنا إلا الكشف عن ثنايا المنظومة الفكرية للماوردي وبعض الفقهاء الذين قاموا بتحليل كل فترة على حدة ثم تصحيح ذلك في ضوء الفكر التاريخي ( الإفراني، الزياني، الناصري، ابن زيدان الخ ..) للإحاطة بشرعية السلطة وحيثيات ممارستها في ارتباط بحقبتها الزمنية الخاصة “ فهل يتعلق الأمربالنموذج الدستوري العرفي الانجليزي أم النموذج المكتوب والجامد وفق التقليد الاتيني ؟

أ “ ماهي خصائص تاريخ المغرب وماهي الخصوصيات المغربية ؟

بداية، هناك بعض المسلمات التاريخية التي لا محيد عنها لفهم الحاضر . فتاريخ المغرب ( كما يؤكد ذلك جل المؤرخين ) خضع وبشكل جلي لاستمرارية متواصلة . فهو نتاج تأثيرات وتمازجات عديدة تراكمت منذ التاريخ القديم الى اليوم ، ومن ضمنها تاريخ السلالات الحاكمة بشكل خاص ، حيث تستمد منه الدولة المغربية أسسها. وهذا ما يعطي لمؤسسة البيعة بعدها الأساسي في العلاقة التي تربط مابين السلطة السياسية الدينية والأمة .

فمنذ عهد الأدارسة ( القرن 8 م ) والى قيام الدولة العلوية ( التي تنتمي إليها الأسرة الملكية الحالية ) ورغم التقلبات التي شهدها عهد كل سلالة حاكمة ، فان الاستمرارية المشار إليها من قبل تنعكس في ثلاث مكونات رئيسية شكلت على الدوام أساس الدولة المغربية :

1- استمرارية دينية متمثلة في الإسلام السني المالكي الذي تحول إلى لحمة توحد الجماعة التي كان يهيمن عليها طيلة قرون عديدة الانتماء العرقي. وبالتالي فقد تبوأ الإسلام صفة دين الدولة منذ القرن 8 م .

2- استمرارية نمط الحكم لكون السلالات الحاكمة اختارت جميعها النظام الملكي لإدارة البلاد كيفما كانت الفترة التاريخية وتحت غطاء تسميات مختلفة (أكليد ، سلطان ، ملك ...) .

فهذه المؤسسة التي ترجع ولاشك لعهود قديمة ( ماقبل الإسلام ) هي الوحيدة التي عرفها المغاربة تاريخيا كنظام حكم مركزي وحدهم بصفة تدريجية .إلا أن هذا النظام السياسي ينسجم تماما والإسلام لاعتماده قاعدة البيعة التي تقوم على الرضاء المتبادل باعتباره عقد ملزم للطرفين ( انظر ما يلي ) .

3- وتتمثل الاستمرارية الثالثة في الفكرة التي كونها سكان هذه الرقعة من العالم عن مجالهم الترابي ووعيهم بالانتماء إلى نفس الجماعة ( الدينية واللغوية والثقافية ) فهذا الوعي بالانتماء المشترك لنفس الوطن هو الذي سمح مبكرا بقيام الدولة الوطنية ( المغرب الأقصى : البلد الموجود في أقصى الغرب ) ويمكن الاطلاع بهذا الخصوص على كرونولوجيا تعاقب مختلف الدول الحاكمة منذ القرن 8 م وتلك الخاصة بالأحداث أيضا .

هذا ما يفسر كون هذه المكونات الثلاثة شكلت الأساس بشعار المغرب الوارد في الدستور وهو الله ، الوطن ، الملك باعتبارها صياغة تركيبية للمرجعية الدينية وسيادة الدولة الوطنية العصرية انطلاقا من مكونها الترابي .

وهكذا فنحن إزاء مرجعية ثلاثية في النهاية : الإسلام ( الديانة التوحيدية ) والوطن الذي يوحد الأمة أي الوطن ، وأخيرا الملك باعتباره المشخص للنظام الملكي ، والذي يستمد شرعيته من وضعه كأمير للمؤمنين ومن البيعة التي تسبغ بدورها الشرعية على كون الملكية الضامن الرمزي والحقيقي لاستمرارية الدولة ووحدتها .

ب / فماهي البيعة أو المبايعة ؟ إنها عقد الولاء [4]

جاء في الفصل التاسع والعشرين ( ص : 209 ، طبعة دار البيان ) من مقدمة ابن خلدون عن البيعة ما يلي : " اعلم أن البيعة هي العهد على الطباعة كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين لا ينازعه في شيء من ذلك وبطبيعة فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره ..." .

" فافهم معنى البيعة في العرف فإنه أكبر على الإنسان معرفته لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه "

كما أن الماوردي في مؤلفه " الأحكام السلطانية " خصص للبيعة فصلا بكامله يتضمن طرحا نظريا متكاملا لهذا المفهوم .

وقد تبنى المغاربة قاعدة البيعة في تولية ملوكهم عملا بالنموذج الذي أسسه صحابة الرسول سيدنا محمد عند مبايعتهم لابوبكر في سقيفة بني ساعدة ليصبح خليفة عليهم غداة وفاة الرسول .

فالمغاربة لم يحيدوا عن هذه القاعدة من أجل تبني أي قواعد عرفية أو مكتوبة مهما اكتست من شهرة لدى الشعوب الأخرى منذ مبايعة إدريس بن عبد الله الكامل المنحدر من ذرية فاطمة الزهراء بنت الرسول وعلى ابن عمه ) سنة 172 هـ (751 م ) إلى أن اعتلى العرش صاحب الجلالة الملك محمد السادس بتاريخ 23 يوليوز 1999 عند تلاوة نص البيعة من طرف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية آنذاك والتي قامت بتوقيعها الطبقة السياسية باعتبارها هيئة تمثل " الناخبين الكبار " لتولية الملك الجديد على رأس الدولة .

وهكذا فان عقد البيعة تاريخيا في المغرب يأتي غداة وفاة أو خلع أو تنازل ملك لعدم قدرته على الوفاء بالتزاماته ، فيقوم على اثر ذلك أهل الحل والعقد وكبار رجالات الدولة واعيان الأمة بعقد اجتماع للمشورة بهدف اختيار من هو أهل لتولي الملك حسب معايير محددة في الفقه الإسلامي .

وعندما يقع اختيارهم على الشخص الذي يحصل عليه الإجماع فإنهم يعقدون له البيعة .

أما عندما يكون المرشح لخلافة الملك كمعهود له بالأمر أي معينا مسبقا والملك لازال على قيد الحياة ، فإن عقد البيعة في هذه الحالة يأتي فقط ليكرس واقعا قائما ويعزز استمرارية واستقرار الدولة . ( انظر تعيين صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن وليا للعهد من لدن صاحب الجلالة الملك محمد الخامس سنة 1957 والذي أصبح فيما بعد الملك الحسن الثاني ، وانظر أيضا الفصل الذي يحدد في دستور 1956 قواعد تولية العرش والتي يصبح بها صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير سيدي محمد ملكا بعد وفاة صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999 ) .


[1] انظر محمد ضريف : تاريخ الفكر السياسي بالمغرب ص 167 وما بعدها ، افريقيا “ الشرق ، 1989 ، الدار البيضاء .
[2] " الحمد لله الذي جعل الصدع بالحق وظيفة الأنبياء وأورثه من بعدهم من خلقه فريق العلماء ".
[3] إذ غائلة الجور وإن تفاحشى ، أقل بكثير من غائلة الخروج الذي يترتب عليه فسادا المهج والأموال والأغراض والأديان وهتك الحرم "
[4] بيعة : واجب الإخلاص والطاعة للحاكم وللوطن .( قاموس روبير ) وهو تعريف يجب وضعه في السياق التاريخي للمغرب ، ذلك أنه بالرغم من اختلافه الكبير عن المعنى الذي اتخذته البيعة في النظام الملكي الأوروبي لكون هذا الأخير يندرج ضمن البنية الهرمية للمجتمع الفيودالي الخاضع أيضا لتاثير الكنيسة ، فإنه يبقى مع ذلك من حيث غايته العملية قريبا من القانون السياسي .

للاطلاع أيضا

إمارة المؤمنين تجلياتها في التاريخ واشتغالها الحالي

إمارة المؤمنين، القراءة القانونية

البيعة في عرف أهل المغرب، صورتها وخصائصها

البيعة في القانون العام الإسلامي

البيعة ضمن خطاطات القانون المقارن

البيعة في إطار القانون السياسي المعاصر

خصوصيات عقد البيعة في المغرب

عقد البيعة يكتبه أهل الحل والعقد

بيعة صاحب الجلالة الملك محمد بن الحسن

بيعة أهل المغرب لأئمتهم

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يؤدي صلاة عيد الفطر بالمسجد المحمدي بالدار البيضاء ويتقبل التهاني بهذه المناسبة السعيدة

المذهب المالكي

العقيدة الأشعرية

التصوف

facebook twitter youtube