الاثنين 6 رمضان 1442هـ الموافق لـ 19 أبريل 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة

وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مساء يوم السبت 21 ربيع الأول 1442 الموافق لـ 07 نوفمبر 2020، خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للمسيرة الخضراء المظفرة.

وفي ما يلي نص الخطاب الملكي السامي ..

"الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

شعبي العزيز،

شكلت المسيرة الخضراء، التي نخلد اليوم، ذكراها الخامسة والأربعين، نموذجا فريدا في التعبئة الجماعية، والالتزام والانضباط، والتشبث بالحق.

فقد استجاب المغاربة، بكل تلقائية، وبروح الوطنية الصادقة، لنداء مبدعها، والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه.

فأثبتوا للعالم قدرة الشعب المغربي على رفع التحديات، ودخول التاريخ، بمسيرة سلمية، تكللت باسترجاع أقاليمنا الجنوبية.

فالمسيرة الخضراء ليست مجرد حدث وطني بارز، في مسار استكمال وحدتنا الترابية. إنها مسيرة متجددة ومتواصلة، بالعمل على ترسيخ مغربية الصحراء، على الصعيد الدولي، وجعلها قاطرة للتنمية، على المستوى الإقليمي والقاري.

وقد عرفت السنوات الأخيرة تطورات ملموسة، على عدة مستويات :

فعلى مستوى الأمم المتحدة : أقبرت القرارات الأخيرة لمجلس الأمن، المقاربات والأطروحات المتجاوزة وغير الواقعية.

كما أكدت على المشاركة الفعلية للأطراف المعنية الحقيقية، في هذا النزاع الإقليمي؛ ورسخت بشكل لا رجعة فيه، الحل السياسي، الذي يقوم على الواقعية والتوافق.

وهو ما ينسجم مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي تحظى بدعم مجلس الأمن، والقوى الكبرى، باعتبارها الخيار الطبيعي الوحيد لتسوية هذا النزاع.

أما على مستوى الاتحاد الإفريقي : فقد تخلصت هذه المنظمة، بفضل رجوع المغرب إلى بيته الإفريقي، من المناورات التي كانت ضحيتها لعدة سنوات.

وأصبحت تعتمد على مقاربة بناءة، تقوم على تقديم الدعم الكامل، للجهود التي تبذلها الأمم المتحدة، بشكل حصري، من خلال أمينها العام ومجلس الأمن.

وعلى المستوى القانوني والدبلوماسي : فتحت عدة دول شقيقة، قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة؛ في اعتراف واضح وصريح بمغربية الصحراء،

وتعبيرا عن ثقتها في الأمن والاستقرار والرخاء، الذي تنعم به أقاليمنا الجنوبية.

وبالموازاة مع ذلك، ترفض الأغلبية الساحقة من المجتمع الدولي، الانسياق وراء نزوعات الأطراف الأخرى. فقد بلغ عدد الدول، التي لا تعترف بالكيان الوهمي 163 دولة، أي 85% من الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة.

وقد تعزز هذا التوجه باعتماد القوى الدولية الكبرى لمواقف بناءة، ومنها إبرام شراكات استراتيجية واقتصادية، تشمل دون تحفظ أو استثناء، الأقاليم الجنوبية للمملكة، كجزء لايتجزأ من التراب المغربي.

واستنادا إلى هذه المكتسبات، يؤكد المغرب التزامه الصادق، بالتعاون مع معالي الأمين العام للأمم المتحدة، في إطار احترام قرارات مجلس الأمن، من أجل التوصل إلى حل نهائي، على أساس مبادرة الحكم الذاتي.

كما سيظل المغرب ثابتا في مواقفه. ولن تؤثر عليه الاستفزازات العقيمة، والمناورات اليائسة، التي تقوم بها الأطراف الأخرى، والتي تعد مجرد هروب إلى الأمام، بعد سقوط أطروحاتها المتجاوزة.

وهنا نؤكد رفضنا القاطع، للممارسات المرفوضة، لمحاولة عرقلة حركة السير الطبيعي، بين المغرب وموريتانيا، أو لتغيير الوضع القانوني والتاريخي شرق الجدار الأمني، أو أي استغلال غير مشروع لثروات المنطقة.

وسيبقى المغرب،إن شاء الله، كما كان دائما، متشبثا بالمنطق والحكمة؛ بقدر ما سيتصدى، بكل قوة وحزم، للتجاوزات التي تحاول المس بسلامة واستقرار أقاليمه الجنوبية. وإننا واثقون بأن الأمم المتحدة والمينورسو، سيواصلون القيام بواجبهم، في حماية وقف إطلاق النار بالمنطقة.

شعبي العزيز،

إن التزامنا بترسيخ مغربية الصحراء، على الصعيد الدولي، لايعادله إلا عملنا المتواصل، على جعلها قاطرة للتنمية، على المستوى الإقليمي والقاري.

واستكمالا للمشاريع الكبرى، التي تشهدها أقاليمنا الجنوبية، فقد حان الوقت، لاستثمار المؤهلات الكثيرة، التي يزخر بها مجالها البحري.

وفي هذا الإطار، أكمل المغرب خلال هذه السنة، ترسيم مجالاته البحرية، بجمعها في إطار منظومة القانون المغربي، في التزام بمبادئ القانون الدولي.

وسيظل المغرب ملتزما بالحوار مع جارتنا إسبانيا، بخصوص أماكن التداخل بين المياه الإقليمية للبلدين الصديقين، في إطار قانون البحار، واحترام الشراكة التي تجمعهما، وبعيدا عن فرض الأمر الواقع من جانب واحد.

فتوضيح نطاق وحدود المجالات البحرية، الواقعة تحت سيادة المملكة، سيدعم المخطط، الرامي إلى تعزيز الدينامية الاقتصادية والاجتماعية.

وانطلاقا من هذه الرؤية، ستكون الواجهة الأطلسية، بجنوب المملكة، قبالة الصحراء المغربية، واجهة بحرية للتكامل الاقتصادي، والإشعاع القاري والدولي.

فإضافة إلى ميناء طنجة -المتوسط، الذي يحتل مركز الصدارة، بين موانئ إفريقيا، سيساهم ميناء الداخلة الأطلسي، في تعزيز هذا التوجه.

وسنواصل العمل على تطوير اقتصاد بحري حقيقي، بهذه الأقاليم العزيزة علينا؛ لما تتوفر عليه، في برها وبحرها، من موارد وإمكانات، كفيلة بجعلها جسرا وصلة وصل بين المغرب وعمقه الإفريقي.

وفي هذا الإطار، يتعين الاستثمار في المجالات البحرية، سواء تعلق الأمر بتحلية ماء البحر، أو بالطاقات المتجددة، عبر استغلال مولدات الطاقة الريحية، وطاقة التيارات البحرية.

وبموازاة ذلك، يجب مواصلة النهوض بقطاع الصيد البحري، لدوره في النهوض باقتصاد المنطقة، وإعطاء دفعة جديدة، للمخطط الأزرق، تجعل منه دعامة استراتيجية، لتنشيط القطاع السياحي بها، وتحويلها إلى وجهة حقيقية للسياحة الشاطئية.

شعبي العزيز،

إن الوفاء لروح المسيرة الخضراء، ولقسمها الخالد، يتطلب من جميع المغاربة، مواصلة التعبئة واليقظة، والعمل الجاد والمسؤول، لرفع التحديات الداخلية والخارجية.

فعلينا جميعا استحضار هذه الروح، وهذه القيم، لمواصلة إنجاز المشاريع، التنموية والاجتماعية، والدفاع عن مصالحنا وقضايانا العادلة، وتعزيز مكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي.

وهي مناسبة أيضا للترحم على الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وتوجيه تحية تقدير لكل مكونات القوات المسلحة الملكية، والقوات الأمنية، لتجندها الدائم، تحت قيادتنا، لصيانة وحدة الوطن، والحفاظ على أمنه واستقراره.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

صاحب الجلالة يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الـ67 لثورة الملك والشعب

 صاحب الجلالة يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى الـ67 لثورة الملك والشعب

بمناسبة الذكرى السابعة والستين لثورة الملك والشعب، وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مساء يوم الخميس 20 اغسطس 2020، خطابا ساميا إلى الأمة.

وفي ما يلي نص الخطاب الملكي السامي :

” الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

شعبي العزيز،

في مثل هذا اليوم من سنة 1953، اجتمعت إرادة جدنا ، جلالة الملك محمد الخامس ، ورفيقه في الكفاح، والدنا جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراهما، مع إرادة الشعب المغربي، في ثورة تاريخية، على رفض مخططات الاستعمار.

و قد تميزت هذه الثورة المجيدة، بروح الوطنية الصادقة، وبقيم التضحية والتضامن والوفاء، من أجل حرية المغرب و استقلاله.

وتاريخ المغرب حافل بهذه المواقف و الأحداث الخالدة، التي تشهد على التلاحم القوي بين العرش و الشعب، في مواجهة الصعاب.

وهي نفس القيم و المبادئ، و نفس الالتزام و التعبئة الجماعية، التي أبان عنها المغاربة اليوم، خاصة في المرحلة الأولى من مواجهة وباء كوفيد 19.

فقد تمكنا خلال هذه الفترة، بفضل تضافر جهود الجميع، من الحد من الانعكاسات الصحية لهذه الأزمة، و من تخفيف آثارها الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذا الإطار، قامت الدولة بتقديم الدعم لفئات واسعة من المواطنين، وأطلقنا خطة طموحة و غير مسبوقة لإنعاش الاقتصاد، ومشروعا كبيرا لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة.

وإننا نؤكد على ضرورة تنزيل هذه المشاريع، على الوجه المطلوب، وفي الآجال المحددة.
شعبي العزيز،

إننا لم نكسب بعد، المعركة ضد هذا الوباء، رغم الجهود المبذولة. إنها فترة صعبة و غير مسبوقة بالنسبة للجميع.

صحيح أنه كان يضرب بنا المثل، في احترام التدابير الوقائية التي اتخذناها، وفي النتائج الحسنة التي حققناها، خلال فترة الحجر الصحي.

وهو ما جعلنا نعتز بما قمنا به، و خاصة من حيث انخفاض عدد الوفيات، و قلة نسبة المصابين، مقارنة بالعديد من الدول.

ولكن مع الأسف، لاحظنا مع رفع الحجر الصحي، أن عدد المصابين تضاعف بشكل غير منطقي، لأسباب عديدة.

فهناك من يدعي بأن هذا الوباء غير موجود؛ و هناك من يعتقد بأن رفع الحجر الصحي يعني انتهاء المرض؛ وهناك عدد من الناس يتعاملون مع الوضع، بنوع من التهاون والتراخي غير المقبول.

وهنا يجب التأكيد على أن هذا المرض موجود؛ و من يقول عكس ذلك، فهو لا يضر بنفسه فقط، و إنما يضر أيضا بعائلته وبالآخرين.

و يجب التنبيه أيضا، إلى أن بعض المرضى لا تظهر عليهم الأعراض، إلا بعد 10 أيام أو أكثر، إضافة إلى أن العديد من المصابين هم بدون أعراض. وهو ما يضاعف من خطر انتشار العدوى، و يتطلب الاحتياط أكثر.

فهذا المرض لا يفرق بين سكان المدن والقرى، و لا بين الأطفال و الشباب و المسنين.

والواقع أن نسبة كبيرة من الناس لا يحترمون التدابير الصحية الوقائية، التي اتخذتها السلطات العمومية: كاستعمال الكمامات، و احترام التباعد الاجتماعي، و استعمال وسائل النظافة و التعقيم.

فلو كانت وسائل الوقاية غير موجودة في الأسواق، أو غالية الثمن، قد يمكن تفهم هذه التصرفات. و لكن الدولة حرصت على توفير هذه المواد بكثرة، و بأثمان جد معقولة.

كما أن الدولة قامت بدعم ثمن الكمامات، و شجعت تصنيعها بالمغرب، لتكون في متناول الجميع.

بل إن الأمر هنا، يتعلق بسلوك غير وطني و لاتضامني. لأن الوطنية تقتضي أولا، الحرص على صحة وسلامة الآخرين؛ ولأن التضامن لا يعني الدعم المادي فقط، وإنما هو قبل كل شيء، الالتزام بعدم نشر العدوى بين الناس.

كما أن هذا السلوك يسير ضد جهود الدولة، التي تمكنت و الحمد لله، من دعم العديد من الأسر التي فقدت مصدر رزقها.

إلا أن هذا الدعم لا يمكن أن يدوم إلى ما لانهاية، لأن الدولة أعطت أكثر مما لديها من وسائل و إمكانات.
شعبي العزيز،

بموازاة مع تخفيف الحجر الصحي، تم اتخاذ مجموعة من التدابير الوقائية، قصد الحفاظ على سلامة المواطنين، والحد من انتشار الوباء. إلا أننا تفاجأنا بتزايد عدد الإصابات.

فتدهور الوضع الصحي، الذي وصلنا إليه اليوم مؤسف، و لا يبعث على التفاؤل. ومن يقول لك، شعبي العزيز، غير هذه الحقيقة، فهو كاذب.

فبعد رفع الحجر الصحي، تضاعف أكثر من ثلاث مرات، عدد الإصابات المؤكدة، والحالات الخطيرة، و عدد الوفيات، في وقت وجيز، مقارنة بفترة الحجر.

كما أن معدل الإصابات ضمن العاملين في القطاع الطبي، ارتفع من إصابة واحدة كل يوم، خلال فترة الحجر الصحي، ليصل مؤخرا، إلى عشر إصابات.

و إذا استمرت هذه الأعداد في الارتفاع، فإن اللجنة العلمية المختصة بوباء كوفيد 19، قد توصي بإعادة الحجر الصحي، بل وزيادة تشديده.

و إذا دعت الضرورة لاتخاذ هذا القرار الصعب، لاقدر الله، فإن انعكاساته ستكون قاسية على حياة المواطنين، وعلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وبدون الالتزام الصارم و المسؤول بالتدابير الصحية، سيرتفع عدد المصابين و الوفيات، و ستصبح المستشفيات غير قادرة على تحمل هذا الوباء، مهما كانت جهود السلطات العمومية، وقطاع الصحة.

وبموازاة مع الإجراءات المتخذة من طرف السلطات العمومية، أدعو كل القوى الوطنية، للتعبئة و اليقظة، و الانخراط في المجهود الوطني، في مجال التوعية و التحسيس وتأطير المجتمع، للتصدي لهذا الوباء.

و هنا، أود التنبيه إلى أنه بدون سلوك وطني مثالي و مسؤول، من طرف الجميع، لا يمكن الخروج من هذا الوضع، و لا رفع تحدي محاربة هذا الوباء.
شعبي العزيز،

إن خطابي لك اليوم، لا يعني المؤاخذة أو العتاب؛ و إنما هي طريقة مباشرة، للتعبير لك عن تخوفي، من استمرار ارتفاع عدد الإصابات والوفيات، لا قدر الله، و الرجوع إلى الحجر الصحي الشامل، بآثاره النفسية و الاجتماعية و الاقتصادية.

و إننا اليوم، و نحن نخلد ذكرى ثورة الملك و الشعب، أكثر حاجة لاستحضار قيم التضحية و التضامن و الوفاء، التي ميزتها، لتجاوز هذا الظرف الصعب.

و إني واثق بأن المغاربة، يستطيعون رفع هذا التحدي، و السير على نهج أجدادهم، في الالتزام بروح الوطنية الحقة، وبواجبات المواطنة الإيجابية، لما فيه خير شعبنا وبلادنا.

و السلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته”.

خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش المجيد

بمناسبة الذكرى الثانية لجلوس صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على عرش أسلافه المنعمين التي حلت يوم الثلاثاء 30 يوليو 2002، وجه جلالته خطاب العرش إلى الأمة من طنجة فيما يلي نصه :

الحمد الله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

شعبي العزيز،

إذا كان خطاب العرش يكتسي كل سنة أهمية بالغة لكونه يرصد أحوال الأمة ويرسم معالم العمل المستقبلي فإن خطاب العرش لهذا العام يتميز بكونه يحل قبل أسابيع معدودة، من انتخاب مجلس جديد للنواب.

كما أنه يعتبر مطلعا لسنة حافلة بالاستحقاقات الانتخابية فلن يحل مثل هذا اليوم الأغر من السنة المقبلة، بحول الله، إلا وقد تم تجديد انتخاب سائر المؤسسات التمثيلية. فهل سيتم التعامل مع هذه السنة الانتخابية بمنطق سياسوي ضيق، يجعل من الانتخاب غاية في حد ذاته..

كلا، لقد آلينا على نفسنا توخيا للمصالح العليا للأمة اعتماد منظور استراتيجي يجعل منها سنة التعبئة الشاملة، وفرصة لمصالحة المواطنين مع مجالس منتخبة ذات مصداقية لتشكل سندا قويا للأجهزة التنفيذية ورافعة فعالة للتنمية الشاملة. وقبل هذا وذاك حرصنا على أن نشاطرك شعبي العزيز استخلاص ما تحفل به هذه الاستحقاقات من دروس وعبر، وما تحمله من وعود، وتفتحه من آفاق.

لقد أبدى سائر الفاعلين المعنيين، في أول ولاية تشريعية، عاشها المغرب في ظل التناوب، من الحكمة والتبصر وحسن الإرادة، ما كان كفيلا ببلوغ الأهداف التي توخاها رائد التوجه الديمقراطي والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، رحمه الله والتي أخذنا على عاتقنا رعايتها، حتى تتوفر أسباب النجاح كاملة لهذه المحطة الحاسمة، من مسار بلادنا السياسي.

وهذا ما جعل من التناوب خطوة هامة، على درب ترسيخ الديمقراطية، اكتسبت فيها المعارضة السابقة ثقافة الحكم، فيما مارست الأغلبية السالفة دور المعارضة البناءة.

وإن المملكة المغربية المتحصنة بإطارها المؤسساتي والدستوري المتماسك،والمعززة بأصالتها العريقة، وتقاليدها الراسخة، والمدعمة بقيمها الروحية والاجتماعية والثقافية المتوازنة، قد أظهرت بكل جلاء ومصداقية، قدرتها على التحرك والتطور، في انسجام تام بين ما رسمته جلالتنا من توجهات طموحة، وبين العمل الذي أنجزته الحكومة والبرلمان. وهذا الواقع الذي ما فتئ يتعزز باستمرار، يعد ثمرة الخيارات التي سلكها المغرب، والإصلاحات التي حققها، طوال العقود الأخيرة من تاريخه.

وإذا كنا في غنى عن استعراض تفاصيل هذه الحقبة، فإنه يجدر بنا أن نؤكد أن هذه المكتسبات التي تحققت بمساهمة جميع المغاربة، تستمد قوتها ومشروعيتها واستمراريتها من المقومات الهيكلية والتوافقية، التي تستند إليها، والتي عملنا دوما على ترسيخها.

ولا يخفى عليك شعبي العزيز، أن هذه الإنجازات تكتسي دلالة خاصة، إذا ما استحضرنا ما يحيط بنا من أوضاع إقليمية ودولية، أفرزتها السنوات والأشهر الأخيرة التي عشناها، والتي تميزت بتواتر حالات القطيعة والتنافر، وتراجع عوامل التوافق والاستقرار والاطمئنان. وقد عملنا على أن يظل المغرب سالكا سبيله بعزم وثبات، في خضم هذه التفاعلات متمكنا من متابعة إنجاز برامجه وفق مخططاته، مع الحفاظ على مدة إنجازها، رغم الظرفية العصيبة وما نتج عنها من اضطراب ومخاوف.

لذا وبصرف النظر عن صخب النقاش السياسي والانتخابي الجاري، فإن علينا أن نقدر ما شيدناه جميعا لصالح مجتمعنا. كما يتعين علينا أن نقف على ما يجب إنجازه أو تحسينه أو تداركه أو الإسراع به.

ونقصد بذلك أداءنا الاقتصادي، المرتبط دوما وحتما بالمرتكز السياسي، الذي نوهنا بفضائله ونتائجه. وإذا كنا قد كسبنا معركة ترسيخ توجهاتنا الديمقراطية، لجعلها خيارات لا رجعة فيها. فهل معنى هذا أن الكل يدرك ما تطلب ذلك من جهود وتضحيات وأن ديمقراطيتنا محصنة من كل المخاطر والتجاوزات... إننا مطالبون باليقظة الدائمة والتعبئة المستمرة للحيلولة دون استغلال الديمقراطية،واتخاذها مطية لأغراض منحرفة، من طرف من يحلمون بالعيش الرغيد، في تقاعس وإشاعة للإحباط واليأس، وكأن المغرب قد ولى ظهره لتاريخه، وتنكر لمستقبل أبنائه وآمالهم. هذه الآمال، النابعة من التطلع لمستقبل أفضل، كفيل بالاستجابة لطموحات الأجيال الصاعدة، إلى المزيد من الكرامة والأمن والتقدم، من خلال تمكين المواطن من العيش الكريم، وتحقيق التنمية القروية، وتوفير أسباب التشغيل للشباب،وذلك بخلق المزيد من الثروات في بلادنا، وبالعمل على توزيعها توزيعا أكثر عدالة وإنصافا.

فعلى كل منا أن يدرك ما يتعين القيام به مستقبلا، حتى تكون الحرية والتعددية والتنوع، التي تميز مشروعنا المجتمعي، عوامل للتقدم والحداثة في الحياة السياسية ببلادنا، جاعلين من هذه السنة منطلقا جديدا للتأهيل الشامل، السياسي والاقتصادي، والاجتماعي والثقافي لبلادنا.

شعبي العزيز،

إن التأهيل السياسي للمغرب يقتضي التعامل النبيل مع الانتخابات، باعتبارها استثمارا سياسيا كفيلا، بما يضفيه من مصداقية وفعالية على المؤسسات بأن يعود بالنفع على جلب الاستثمار الاقتصادي وحفزه، وإيجاد ثروات جديدة، لرفع تحدي التنمية الشاملة. ومن ثم حرصنا على توفير كل الشروط والضمانات اللازمة، لتكون الديمقراطية هي الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات. وإننا لننتظر من الأحزاب السياسية أن تتنافس في طرح برامج حكومية واقعية وقابلة للإنجاز، محددة في وسائل تمويلها ومدة تحقيقها،وتتضمن حلولا للقضايا الأساسية للأمة، وللانشغالات اليومية للمواطن. وهي برامج طالما خاطبتكم بشأنها، وكرست كل جهودي لتجسيدها على أرض الواقع.

وإذا كانت المنافسة الديمقراطية ضرورية فإن لها حدا هو المصلحة العليا للبلاد. لذلك عملنا على مواكبة توسيع فضاء الحريات العامة، وحقوق الإنسان، بتوفير الأجهزة المكلفة بحمايتها، وتحديد شروط ممارستها، بما يلزم من وسائل وضمانات. وفي هذا الصدد، سنقوم، في الأسابيع المقبلة، بحول االله، بتنصيب كل من المجلس الاستشاري الجديد لحقوق الإنسان وديوان المظالم. كما أننا عازمون على تعميق روح الطمأنينة لدى المواطن، بتدعيم سلطة مؤسسات الدولة، حول ثوابت الأمة، في إطار دولة قوية، تسهر على الاحترام الصارم للقانون، وسيادته، ومساواة الجميع أمامه.

ويعد إصلاح القضاء من الركائز الأساسية في هذا الشأن، فضلا عن توفيره لمناخ الثقة، التي تعد خير محفز على الاستثمار. وحتى يأخذ تسريع النهج الإصلاحي القضائي وتيرته القصوى، فإنه ينبغي تعزيز الموارد المالية والبشرية المرصودة لقطاع القضاء،بشكل يمكن من مواصلة إعادة الاعتبار للعدالة وتحديثها وتأهيلها لكي تنهض على الوجه المطلوب، بالمهام النبيلة الجسيمة والمتزايدة، المنوطة بها.

كما أولينا اهتماما خاصا لقضية النهوض بأوضاع المرأة في مختلف مجالات تدبير الشأن العام، محددين أجلا لا يتعدى نهاية هذه السنة، للجنة المكلفة لاقتراح مشروع مدونة جديدة للأحوال الشخصية، يراعي مقاصد شريعتنا السمحة، والتزاماتنا الدولية في هذا الشأن.

وما كان للمغرب، الذي يعرف تطورا متواصلا على درب الحداثة والديمقراطية،أن يكون مشهده السمعي البصري غير مواكب لهذا التطور، بما يستجيب لحاجة المواطن، لمشهد إعلامي، يجمع بين المعاصرة والجاذبية، واحترام ثوابت الأمة. ونهوضا بالتزامنا الدستوري بصيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، عملنا على إعداد ظهير شريف، يقضي بإحداث هيئة عليا للاتصال السمعي البصري، كمؤسسة مستقلة متوفرة على الوسائل الضرورية للنهوض بمهامها بكل تجرد. وقد توخينا من ذلك ضمان الحق في الإعلام، من خلال تكريس حرية إحداث صحافة ووسائل سمعية بصرية مستقلة وإنهاء احتكار الدولة لهذا النوع من الإعلام، مع توفير مرفق عام للإذاعة والتلفزة جدير بضمان التعبير عن مختلف الاتجاهات. وذلك في نطاق احترام قيمنا الدينية ومقومات هويتنا الوطنية، وقوانين المملكة.

شعبي العزيز،

إن ديمقراطيتنا ستظل هشة ما لم يتم تعزيزها بتنمية اقتصادية وتضامن اجتماعي. وإذا كنا قد حققنا عدة مكاسب سياسية، فإننا نعاني معضلة عدم الإنتاج وخلق الثروات، وسوء توزيعها اجتماعيا. وهذا ما يحتم علينا خوض معركة الإنتاج وحفز الاستثمار، بهدف تأهيل اقتصادنا الوطني وتقوية إنتاجيته ومردوديته. كما يفرض علينا تأهيل مواردنا البشرية، التي هي ثرواتنا الأساسية ضمن منظور يحرر طاقاتها الخلاقة، لخوض أوراش الإنتاج بتنافسية واقتدار. ولن يتأتى لنا ذلك إلا إذا اعتبرنا أن اقتصاد السوق ليس شرا، والربح ليس عيبا، والعولمة ليست خطرا. بل إن حسن تعاملنا معها من شأنه أن يجعل من هذه العوامل كلها مصدرا للثروة ومدخلا للعدالة الاجتماعية. وهذا ما يقتضي نهج سياسة اقتصادية ومالية متناسقة، ذات منظور واضح وأسبقيات محددة في برامج تعاقدية بين السلطات العمومية والقطاع الخاص، مع مواصلة نهوض صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدور الرافعة القوية في هذا المجال. ومن شأن الإسراع بتأهيل اقتصادنا وتحويله من اقتصاد ريعي انتظاري إلى اقتصاد السوق، أن يجعلنا نكسب رهان اتفاقيات التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي،والولايات المتحدة الأمريكية ودول جنوب المتوسط، الموقعة على إعلان أكادير،وندعم دور المغرب كقطب محوري لمبادلات القارات الثلاث.

وفي هذا الصدد، فإن تفعيل المراكز الجهوية للاستثمار وتنفيذ مختلف التوجيهات الواردة في رسالتنا لوزيرنا الأول، بشأن التدبير اللامتمركز للاستثمار، وما ينبغي أن يواكبه من إصلاحات قضائية وإدارية وتشريعية ومالية واجتماعية، أن يجعل من السنة المقبلة، إن شاء االله، سنة التأهيل الاقتصادي بامتياز.

وإذا كنا قد سجلنا إيجابية بعض المؤشرات الاقتصادية، فإن الواقع العنيد يظل يسائلنا بإلحاح.. لماذا تجد بلادنا صعوبة في تحويل هذه المؤشرات إلى حركية اقتصادية. إننا معنيون جميعا بهذا الواقع. ويتعين علينا أن نكسر أغلال الشك المحبط،والتخوف غير المبرر، ونستبعد الانتظارية، التي طالما أضعفت اقتصادنا وعرقلت تطوره. إن الإيمان بما لدينا من طاقات، وبما يحركنا من حوافز، للمضي قدما على درب التقدم والرخاء، لا يتجسد بمجرد خطاب أو قرار سياسي، وإنما هو رهين بمدى الإرادة الذاتية والمبادرة المقدامة. وذلك ما نفتقر إليه. لذا، يجب أن ننطلق من تقييم واقعي متبصر لأوضاعنا الاقتصادية، ومن تصور واضح وتحديد دقيق للأهداف، التي يجب علينا تحقيقها بجد وحزم، للإسراع بوتيرة النمو الاقتصادي لبلادنا وتوسيع دائرته.

لقد آن الأوان لوضع تقييم محكم، وتخطيط عقلاني لما يلزم القيام به في المستقبل،حتى يتحقق التطابق المأمول والانسجام المنشود، وحتى نتمكن من حسن استثمار ما تحقق من تقدم، في المجالين السياسي والاقتصادي، مع الالتزام بالفعالية والمردودية،وترتيب الأولويات وفق جدول زمني محدد. وكل ذلك في نطاق التقيد بسياسة حسن تدبير الشأن العام، التي اعتمدتها المملكة من أجل تحقيق التحديث الاقتصادي والتنمية المستدامة.

شعبي العزيز،

عملا على تأهيل مواردنا البشرية فإننا قد قطعنا خطوات هامة في مجال إصلاح المنظومة التربوية. بيد أن هنالك خطوات كبرى مازالت تنتظرنا في نهج سياسة تعليمية متناسقة. كما أن متابعة وتقييم وإغناء تفعيل إصلاح التعليم تتطلب تعزيز المهام التي تنهض بها، بكل موضوعية ونزاهة، اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين ، وذلك في أفق إيجاد جهاز قار يتولى مهام التقييم المتجرد والشمولي للمنظومة التربوية، في تعاون مثمر وتنسيق تام مع القطاعات المختصة، ومع جميع الفاعلين في هذا المشروع المصيري. وقد قمنا بإعطاء دفعة قوية لهذا الإصلاح بتنصيب مؤسسة محمد السادس للنهوض بالاوضاع الاجتماعية لأطر التربية والتكوين، وبتحسين وضعيتهم ، داعين الأسرة التعليمية للانخراط بحزم وعزم ، وغيرة وطنية، في هذا المشروع الكبير .

ولأن توسيع ثقافة المواطنة رهين بالقضاء على الأمية، فإننا عازمون على إعادة النظر في الآجال المتوقعة لاستئصال آفتها. وتجسيدا لالتزامنا بتأكيد الاعتبار لكل مكونات هويتنا الثقافية، في ظل الوحدة الوطنية، كان تنصيبنا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وسنظل حريصين على سيادة روح التسامح والانفتاح، بين الثقافات والحضارات محلية أو عالمية، وعلى التحصين من كل أنواع الغلو والتشدد، في اعتزاز بالجوانب المشرقة في أصالتنا، مع اعتماد الحداثة والعقلانية. وسيظل تأهيل مواردنا البشرية رهينا بترسيخ ثقافة التضامن، وجعلها عماد السياسات العمومية والتحول بها من الفعل العفوي إلى العمل المؤسسي.

ونجدد التأكيد في هذا الشأن على الأهمية الخاصة التي نوليها للأشخاص المعاقين باعتماد برامج مندمجة، تؤهلهم للانخراط التام في الحياة العامة، من خلال تكوين ملائم يوفر لهم أسباب العيش الكريم. ولا يفوتنا أن نعرب عن ابتهاجنا واعتزازنا، بارتباط رعايانا الأوفياء المقيمين في الخارج بوطنهم وتعلقهم بأواصر البيعة الخالدة، والهوية الحضارية الأصيلة، وحرصهم على القرابة العائلية وصلة الرحم، مجددين الإعراب عن بالغ تقديرنا، لمساهمتهم الفاعلة في مجهود التنمية الاقتصادية، والإشعاع الدولي للمغرب، وعن عزمنا الأكيد على أن يكون لهم ما هم جديرون به من حضور وازن ومشاركة فاعلة في كل مجالات الحياة الوطنية كما نود أن نؤكد لهم موصول عنايتنا الفائقة بأحوالهم خارج الوطن وداخله،وحرصنا على أن تستجيب الأجهزة المعنية لما يعربون عنه من تطلعات، في إطار من التناسق المحكم والتكامل المثمر.

شعبي العزيز،

في خضم حرصنا الأكيد على معاينة أحوالك، كانت زياراتنا لعدد من أقاليم المملكة وجهاتها، في الجنوب والوسط والشمال، مناسبة لتجديد روابط الوفاء والإخلاص الجامعة بيننا، ولإعطاء الانطلاقة لعدة مشاريع تنموية. وإذا كانت هنالك من جهات تحظى ببالغ اهتمامنا، وتجسد خيارنا الاستراتيجي لجعل الجهة فضاء محفزا على الاستثمار، فهي أقاليمنا الشمالية والجنوبية التي نعمل على أن تكون نموذجا للتنمية الجهوية المندمجة.

وفي هذا الإطار، وبموازاة مع جعل مدينة طنجة ومينائها الحالي من أكبر الموانئ والمراكز الترفيهية بالبحر الأبيض المتوسط، فقد أعطينا تعليماتنا قصد دراسة وإنجاز مركب ضخم، مينائي وتجاري وصناعي، على ضفاف البوغاز، شرق طنجة. وإن من شأن مستواه الدولي، وارتباطه بمناطق حرة، تمكين الأقاليم الشمالية من تحقيق إرادتنا في فك عزلتها وتنميتها الشاملة، ومن انخراط المغرب كفاعل وشريك في المبادلات الاقتصادية الدولية.

ونظرا لضخامة الاستثمارات والرهانات الإستراتيجية، وضرورة التنسيق المحكم بين جميع مكونات المشروع، وبين الهيئات العمومية، بما فيها وكالة تنمية الأقاليم الشمالية، والفاعلين الاقتصاديين الخواص ، والأشقاء منهم والأصدقاء، قررنا إحداث هيأة للقانون الخاص ، لها صلاحيات السلطة العمومية، وكل الامتيازات الكفيلة بجعلها تنهض،على الوجه الأكمل، بجميع العمليات المرتبطة بإنجاز هذا المشروع الكبير.

وعملا على الإسراع بتحقيق هذا المشروع، الذي نتبناه بكل رعاية واهتمام، فإننا نصدر تعليماتنا لحكومة جلالتنا، قصد اتخذ التدابير القانونية الاستعجالية، لإحداث هذه الهيئة .

وبنفس الحزم والعزم ، فإننا نوجه حكومتنا إلى اعتماد مسطرة تشريعية استعجالية،بالنسبة لإحداث وكالة تنمية أقاليمنا الجنوبية الأثيرة لدينا، التي سبق لنا الإعلان عنها بمناسبة زيارتنا الميمونة لمدينة العيون. وإننا لعازمون على أن تكون هذه الوكالة خير مجسد لتعبئتنا الوطنية ولعملنا الدؤوب على تفعيل منظورنا التنموي المندمج لهذه الأقاليم في نطاق وحدتنا الوطنية والترابية والتطور الديمقراطي الجهوي. ذلكم المنظور الذي على قاعدته قبلنا بمشروع الاتفاق- الإطار الأممي كأساس لإيجاد حل سياسي ونهائي للنزاع المفتعل حول مغربية صحرائنا.

وبقدر ما جاء هذا التوجه الوطني منسجما مع الدعم المتزايد الذي يحظى به الخيار العادل والسلمي الأممي على الصعيد الدولي زادت المواقف المعادية لخصوم وحدتنا الترابية معاكسة مكشوفة لهذا التوجه الأممي. وقد بلغ الأمر حد تبني طرح تقسيمي،أسقط كل التبريرات الواهية التي كان يتم تضليل الرأي العام العالمي بها تحت ذريعة الدفاع المزعوم عن مبدأ تقرير المصير.

وكما أكدنا ذلك للعالم أجمع أثناء زيارتنا المباركة لمدينة العيون، فإننا نجدد الإعلان عن عزمنا الراسخ على صيانة وحدتنا الترابية وعدم التفريط في أي شبر منها. كما أننا نشدد على الرفض المطلق لكل طرح تجزيئي يستهدف النيل من سيادتنا ووحدتنا الترابية المقدسة لما ينطوي عليه من تهديدات ومخاطر بلقنة منطقة المغرب العربي ومجموع القارة الإفريقية. ومع ذلك فإن المغرب بحكم ميراثه الحضاري ومشروعية حقه وثبات مواقفه والتزامه بقيم الاعتدال والحكمة والاتزان والثقة في المستقبل قد آثر عدم سلوك نهج القطيعة التامة مفضلا عليها استئناف تفعيل أنشطة مؤسسات اتحاد المغرب العربي.

وقد كنا نأمل أن يؤدي بناء الاتحاد المغاربي إلى الالتزام بمنطوق وروح معاهدة مراكش وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية والوحدة الترابية لأعضائه وذلك بعدم السماح بأي نشاط يهدد أمن أي كيان أو حرمة أي نظام ويتنافى مع صيانة المصالح العليا لدولنا بمقوماتها الوطنية وما تقتضيه من سمو على كل الحسابات والاعتبارات. غير أن الواقع المر يدلنا على أن موقف اللبس قد انكشف على حقيقته في الاتجاه السلبي المتبني جهارا لتمزيق الوحدة الترابية للمملكة المغربية في الجنوب وتأييد الاعتداء على التراب الوطني في ثغوره الشمالية. فهل كان بإمكان أي دولة من أعضاء الاتحاد أن تسلك غير ما سلكه المغرب فيما لو وقع المس بوحدتها الترابية واحتجاز طائفة من أبنائها كأسرى ضد المواثيق الدولية والمثل الإنسانية والقيم الإسلامية.

إننا لن نسمح لنفسنا بأن يسجل التاريخ كوننا لم نعمل إلا على تضليل شعوبنا وإيهامها بأننا نحقق تطلعاتها للوحدة، في حين أن مواقف البعض لا تزيد تلك الوحدة إلا تمزيقا وتشويها. إن تفعيل الاتحاد المغاربي لن يتأتى إلا بتجاوز الاختلافات والمواقف المتعارضة ونبذ التآمر والتجزئة والخذلان وتحقيق الانسجام في الرؤى والوضوح في الأهداف واحترام الثوابت وسيادة روح الإخاء والثقة والتضامن والتشبع بروح الوحدة والحكمة والتوافق وانتهاج التدرج والعقلانية في توظيف الطاقات المشتركة لتحقيق تطلعات أجيالنا الحالية والمستقبلية إلى قيام مجموعة متكاملة من شأنها أن ترفع تحديات التنمية والتكتلات الدولية وتكسب الرهانات الإستراتيجية للنظام العالمي لما بعد 11 شتنبر . 2001 وعلى هذه الأسس سيظل المغرب مستعدا للحوار البناء والعمل الجدي مع كل أشقائه من أجل بناء الاتحاد المغاربي الذي نعتبره خيارا استراتيجيا لا محيد عنه.

شعبي العزيز،

لقد عرف العالم بعد أحداث سبتمبر المؤسفة تغييرات جوهرية في بنية النظام العالمي والعلاقات الدولية لما كان لها من تداعيات وتأثيرات عميقة على الاستقرار والأمن الدوليين. وقد كنا في طليعة من أدانوا بشدة تلك الأعمال الإرهابية التي استهدفت الولايات المتحدة الأمريكية الصديقة انطلاقا من كون المغرب البلد المتشبع بقيم الحرية والديمقراطية والسلام والتسامح والتعايش قبل وقوع تلك الأحداث الآثمة وسقوط جدار برلين وانهيار دكتاتورية الحزب الوحيد.

ومن ثم كان انخراط المغرب التلقائي والقوي في محاربة الإرهاب حيثما كان. وإننا لنشيد بيقظة وتعبئة أجهزتنا الأمنية وقواتنا العتيدة وأفراد الدرك الملكي والأمن الوطني وحنكة أطر وزارة الداخلية التي تمكنت من إحباط مؤامرة إرهابية موجهة من الخارج ضد أهداف داخل التراب الوطني وخارجه. وبقدر حرصنا على انفتاح المغرب واستمراره ملتقى لتفاعل الحضارات فإننا سنتصدى بقوة القانون لكل محاولة للمس باستقرار بلدنا الآمن.

كما سنوطد بالمزيد من ترسيخ الديمقراطية وانجاز التنمية سلامة النسيج الاجتماعي والسياسي الوطني الذي نعتز بمناعته ضد كل أشكال التطرف أو العنف أو الإرهاب. ولأن الإرهاب لا دين له ولا وطن فإن عملنا الدؤوب من أجل تحصين بلادنا من دواعيه ومخاطره قد اقترن بإسهامنا الدولي الفاعل في استئصال جذوره ضمن مقاربة شمولية. وبصفتنا أميرا للمؤمنين فقد أكدنا في افتتاحنا للمؤتمرات الجهوية والدولية الكبرى التي شهدتها بلادنا على أن الإسلام يناهض الإرهاب لأنه دين التسامح والاعتدال والتساكن والسلام وتكريس كرامة الإنسان وضمان حقه في العيش الآمن . كما شكل انعقاد المنتدى المتوسطي في أكادير مناسبة سانحة لبلدان البحر الأبيض المتوسط للتفكير في وضع تصور إقليمي لمحاربة الإرهاب وترسيخ السلم والأمن في العالم أجمع ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. وفي هذا السياق واصلنا انشغالنا الكبير بالأوضاع المتفجرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقمنا بزيارة مجموعة من الدول الشقيقة بالمنطقة وبادرنا بعقد اجتماع خاص للجنة القدس.

وقد عملنا على بذل كل المساعي والجهود، لدى مختلف الأطراف المؤثرة، من أجل إحياء عملية السلام، والعودة إلى مائدة التفاوض دون قيد أو شرط، وتدشين مرحلة جديدة من التعاون والاستقرار في هذه المنطقة، التي عانت،على مدى عقود طويلة من مواجهات أليمة ومآس مريرة . كما تمكنا بمعية أشقائنا، خلال قمة بيروت من دعم خيار السلام، وذلك بتبني مبادرة شقيقنا الأعز صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ولي عهد المملكة العربية السعودية. تلك المبادرة التي أكدت أسس الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن ، والحق المشروع للشعب الفلسطيني الشقيق في إقامة دولة وطنية مستقلة،تتمتع بكل مقومات الاستمرار، وتكون عاصمتها القدس الشر والتزاما منا بانتمائنا الإفريقي المتجذر، عملنا على توسيع قنوات الحوار، موجهين حكومة جلالتنا لتفعيل آليات التعاون والتواصل، مع البلدان الإفريقية الشقيقة، للمساهمة الفعالة في تحقيق التنمية والاستقرار للقارة الإفريقية، التي سعدنا باستقبال عدد من قادتها بالمغرب، ومن بينهم رؤساء دول نهر مانو، التي نقوم بمساع لتحقيق التصالح فيما بينها.

وإلى جانب الحضور الفاعل لبلدنا في تحقيق الأمن والاستقرار في العالم، أولينا،من خلال زيارتنا أو استقبالنا لعدد من رؤساء الدول الشقيقة والصديقة، كل الاهتمام لإعطاء علاقاتنا السياسية الممتازة معها، البعد الاقتصادي الذي يستثمر إشعاع بلدنا الديمقراطي، ويجلب المزيد من الاستثمارات، في إطار دبلوماسية اقتصادية نشيطة. وقد تمكنا مع صديقنا فخامة الرئيس جورج وولكر بوش ، أثناء زيارتنا الموفقة للولايات المتحدة الأمريكية، من توسيع مستوى شراكتنا الإستراتيجية مع هذا البلد الصديق. كما أن زيارتنا الميمونة لجمهورية الصين الشعبية قد أعطت دفعة قوية لتطوير علاقات تعاوننا المثمر مع هذا البلد الأسيوي العريق.

وفي نفس السياق، أعطينا توجيهاتنا قصد بلورة مشروع اتفاقية التبادل الحر ما بين أربع دول عربية متوسطية، ترتبط باتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي، واتفاقيات ثنائية، بشأن إقامة مثل هذه المناطق فيما بينها، مجسدين بذلك ( إعلان أكادير) الذي يعتبر خطوة عملية مفتوحة أمام جميع الدول العربية المتوسطية، للدفع بمسلسل الاندماج الجهوي، والتأسيس لحوار مثمر ومتوازن، على الصعيد الأورو متوسطي.

وتنفيذا لالتزاماتنا، في إطار التعاون المتعدد الأطراف، احتضنت بلادنا وشاركت في عدد من المؤتمرات الدولية المعنية بالتنمية الاقتصادية المستدامة وحقوق الإنسان. وإذا كان الهدف الأسمى لدبلوماسيتنا هو جعل المغرب بلدا مستكملا لوحدته الترابية، وعضوا فاعلا في محيطه الجهوي والدولي، مجسدا لفضائل السلم والتعاون وحسن الجوار، في إطار الاحترام المتبادل، فان له كسائر الدول، حقوقا ثابتة، ومصالح حيوية، لا يمكنه التفريط فيها أو التساهل بشأنها مهما كلفه ذلك من تضحيات وفي مقدمتها الحفاظ على سيادة الوطن وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة وفي إطار احترام الشرعية الدولية. لذلك رفضنا ما قامت به الحكومة الإسبانية من اعتداء عسكري على جزيرة تورة التي تؤكد الحقائق التاريخية والجغرافية والمستندات القانونية أنها ظلت دوما جزءا من التراب الوطني تابعا لسيادة المملكة المغربية.

وبقدر تشبثنا برجوع الوضع في هذه الجزيرة المغربية إلى ما كان عليه ورفضنا للتصعيد وفرض الأمر الواقع بالقوة فإننا حريصون على ضمان السلم والاستقرار وحسن الجوار في منطقة جبل طارق الإستراتيجية. لذلك ننتظر من إسبانيا توضيح نوع العلاقة التي تريد إقامتها مع المغرب بما يستلزمه التطور الذي يعرفه بلدانا وتقتضيه متطلبات الرهانات الحيوية الحالية والمستقبلية لعلاقاتهما. وفي هذا السياق فإن المغرب لم يفتأ منذ استقلاله يطالب إسبانيا بإنهاء احتلالها لسبتة ومليلية والجزر المجاورة المغتصبة في شمال المملكة سالكا في ذلك سبيل التبصر والنهج السلمي الحضاري الذي يجسده الاقتراح الحكيم لوالدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه بإنشاء خلية مشتركة مغربية إسبانية للتفكير والتأمل لإيجاد حل لمشكل هذه المناطق المحتلة. غير أننا للأسف الشديد لم نجد حتى الآن آذانا صاغية من لدن الطرف الإسباني لتسوية وضع هذه الثغور المغتصبة التي تحولت إلى مراكز لاستنزاف اقتصادنا الوطني وقواعد للهجرة السرية ولكل الممارسات غير المشروعة. أما القضايا الخلافية الأخرى مما هو معتاد بين الجيران فإن المغرب مستعد لتدارسها في إطار نظرة مستقبلية وحوار صريح بين البلدين تحدوهما في ذلك إرادة بناءة وإيمان بضرورة إقامة مشاريع تنموية ثنائية في وفاء صادق لميراثنا الحضاري المشترك والتزام تام بمعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار التي تمليها علينا حتمية التاريخ والجغرافيا وقيم العصر ومتطلباته.

شعبي العزيز ..

إن احتفالك بعيد العرش المجيد مناسبة لتجديد العهد الصادق الذي التزمت به مع خديمك الأول في التحام وثيق وتشبث متين بالعرش العلوي المجيد وإعراب دائم عن خالص وفائك وصادق ولائك في تعبئة شاملة وراء خديمك الأول الذي جند نفسه لحماية الوطن والدين وللسير بك نحو مراقي التقدم والازدهار.

وإننا لنغتنم فرصة هذه الذكرى العطرة لننوه بجميع العاملين بحزم وعزم على إدراك هذا المبتغى مشيدين بالساهرين على ما يتطلبه من أمن وطمأنينة واستقرار من قواتنا المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والوقاية المدنية مع اعتبار خاص لقواتنا المرابطة في أقاليمنا الجنوبية المدافعة عن وحدة التراب والمساهمة في حفظ الأمن والسلام في جهات من العالم. وما أحوجنا في غمرة هذه الأحاسيس إلى استحضار التاريخ القريب والبعيد وما بذله آباؤنا وأجدادنا الأماجد من تضحيات جسام بها حافظ المغرب على وحدته وحريته وشيد حضارته وثقافته وبها رفع كل التحديات التي كانت تواجهه على مر العهود.

وبهذا الاستذكار المليء بالاعتزاز المفعم بالآمال نتوجه إلى الله تعالى أن ينعم عليهم بأحسن الجزاء وأوفاه ويتغمد الشهداء منهم بواسع رحمته وجزيل مغفرته ويسكن في جنات الخلد بطل التحرير جدنا المقدس جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه وباني المغرب الحديث والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني أكرم الله مثواه.

. كما ندعوه عز وجل أن يديم الآصرة الوطيدة التي تجمع بيننا متينة قوية، وأن يعيننا ويسدد خطانا وينجح مسعانا حتى ندرك ما نصبو إليه جميعا من تقدم وإصلاح.

"ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه" صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

الخطاب الملكي السامي في الذكرى الأولى لاعتلاء جلالة الملك محمد السادس نصره الله عرش أسلافه المنعمين

نص الخطاب الملكي السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله الى الأمة يوم الأحد 30 يوليو 2000 بمناسبة عيد العرش المجيد والذكرى الأولى لإعتلاء جلالته عرش أسلافه المنعمين:

شعبي العزيز...

يغمرنا شعور مفعم بالغبطة والتأثر ونحن نخاطبك في هذا اليوم الذي نحتفي فيهجميعا بالذكرى الأولى لاعتلائنا عرش أسلافنا الميامين مستخلفين لأداء الرسالة وحملالأمانة سائرين على نهجهم القويم في قيادتك وإعلاء شانك والارتقاء بك.

وإنها لخير مناسبة لتأكيد الوفاء الصادق الذي تبادلناه وتجديد العهد المقدس الذي يلحمبيننا بأواصر البيعة الشرعية التي تطوق عنقك وعنقنا متجدرة عبر ثلاثة عشر قرنا منتاريخنا الحافل المجيد مشدودة إلى العصر الحديث برباط دستوري ديمقراطي متجدد.

إن احتفائك الخاص بعيد العرش يعود لخاصيته المتمثلة في تجسيده لتلاحم مقدساتالمغرب الثلاث.. الإسلام والملكية والوطن حيث أرسى العرش بفضل الإسلام والملكيةمكونات الوطن التعددية الحضارية والثقافية والجغرافية وجعلها مصدرا مستمرا لوحدته.

كما شكل هذا الالتحام بينك وبين العرش حصنا حصينا اكسب المغرب قوة ومناعةبهما تمكن من الصمود أمام اخطر الصعاب والأزمات وتخطى أعتى العراقيلوالعثرات ورفع مختلف العوائق والتحديات واجتياز الامتحانات الحاسمة ومنعرجاتالتاريخ الصعبة وهو أكثر ما يكون ثباتا وشجاعة وأقوى تضامنا وأوفى عهدا.

ذلك ما لمسناه وما شهد به التاريخ المعاصر عندما اختار الله لجواره والدنا المنعم مولاناالملك الحسن الثاني طيب الله ثراه وأكرم مثواه حيث كان التحامك بوارث سرهللنهوض بأمانة استخلافه في خدمتك خير وفاء لذكراه العطرة. فبهذا الوفاء المتبادلوتجديد العهد الصادق تغلبنا على محنة فراقه متآزرين. وإننا بهذه المعاني الساميةوالمغازي العالية لنستحضر روحه الطاهرة الزكية و هي تهيمن علينا حاثة على التذكير بعهده الزاهر المتسم بالتوحيد والتشديد وبناء الدولة الحديثة القائمة على دعائم الملكية الدستورية الديمقراطية الاجتماعية. كما نسترجع ذكرى بطل التحرير جدنا المقدس مولانا محمد الخامس تغمده الله بواسع رحمته وجزيل مغفرته إذ كان المبادر إلى اتخاذ بوم تربعه على العرش عيدا لالتقاء الشعب الآبي بعاهله الممثل لسيادته ورمزا للكفاح من أجل استعادة استقلاله وحريته. فلهما من الله الجزاء الأوفى على ما قدمنا من تضحيات جسيمة وما أنجزا من أعمال عظيمة وما أرسيا من قواعد متينة وأسس مكينة آخذنا العهد على نفسنا كي نسلك سبيلها النيرة الواضحة بخطى ثابتة وإيمان عميق.

هكذا انطلقنا في لقاء مباشر معك ومعاينة ميدانية لأحوال كل فئاتك وجهاتك خاصة المحرومة منها في بناء مجتمع حداثي قوامه ترسيخ دولة الحق والقانون وتجديد وعقلنة وتحديث أساليب إدارتها وإعادة الاعتبار للتضامن الاجتماعي والمجالي وتفعيل دور المجتمع المدني وإنعاش النمو الاقتصادي وحفز الاستثمار العام و الخاص وانطلاق تنمية شمولية وإقلاع اقتصادي يضع في صلب أولوياته تشغيل الشباب و النهوض بالعالم القروي والشرائح الاجتماعية والمناطق المعوزة وتأهيل الموارد البشرية والذود عن وحدة التراب واستثمار الرصيد الثمين للإشعاع الدولي للمغرب بنفس واليات جديدة.

وإنه ليطيب لنا في غمرة هذه الذكرى العطرة أن نعرب لك شعبي العزيز عن جزيل شكرنا وكبير اعتزازنا بالمشاعر التي ما فتئت تعبر بها عن صادق وفائك وخالص ولائك ملتفا بعفوية وتلقائية حول شخص جلالتنا متشبثا بأهداب عرشنا ومومنا بالأهداف التي رسمناها داعين لمضاعفة الجهود في تجديد للرؤى والمناهج وتمديد للآفاق بما يؤهلك لولوج الألفية الثالثة التي نحن مشرفون عليها وأنت أكثر ما تكون تمسكا بالمقدسات وتعلقا بالثوابت والتزاما بالعهود أقوى ما تكون استعدادا للانخراط الفعال في مسيرة العصر والمساهمة الإيجابية فيها تحفزا من المكانة اللائقة بمجدك التالد وحاضرك الطموح ومستقبلك المشرق الواعد ضمن أصالة راسخة متجددة وحداثة أصيلة.

شعبي العزيز ..

سيرا على هذا النهج القويم وبعون من الله وتوفيقه كان منطلقنا مولين كبير اهتمامنا لترسيخ دولة الحق والقانون فأعطينا مفهوما جديدا للسلطة يجعلها ترعى المصالح العمومية وتدبر الشؤون المحلية وتحفظ الأمن والاستقرار وتسهر على الحريات الفردية والجماعية وتنفتح على المواطنين في احتكاك مباشر بهم ومعالجة ميدانية لمشاكلهم وإشراكهم في هذه المعالجة. وهو مفهوم يتسم بالشمول والتكامل وكل لا يتجزأ وبنيان مرصوص يشذ بعضه بعضا. فلا حرية بدون أمن واستقرار ولا تنمية بدون احتكاك يومي بالمواطن وإشراكه في معالجتها. كما أننا نشد على أن هذا المفهوم لا ينحصر في الإدارة الترابية بل ينطبق على كل من أوكلت إليه سلطة معينة اعتبارا لغايته النبيلة العامة المتمثلة في مصالحة المواطن مع السلطة والجهاز الإداري وحفظ الكرامة وحفز الاستثمار.

وقد حرصنا على تفعيل هذا المفهوم بإجراء حركة تغيير واسعة في مختلف الأجهزة الإدارية خاصة منها الإدارة الترابية والمركزية ورجال السلطة الجهوية والإقليمية وكذا قطاع الإعلام والاتصال بغية توفير الموارد البشرية المتجددة والتي ننتظر منها التشبع الكامل بفلسفته السامية. كما تم إطلاق عملية واسعة للمراقبة والتدقيق والتفتيش والزجر في ظل سيادة القانون والشرعية على مستوى الجماعات المحلية والمؤسسات العمومية.

وبموازاة مع ذلك فقد سهرنا على وضع مجموعة جديدة من النصوص المبلورة له حيث تم تهيئ مشاريع متقدمة أعدنا من خلالها النظر جذريا في كل ميثاق الجماعات المحلية والإقليمية والجهوية ومدونة الانتخابات .وسنبشرك شعبي العزيز في مناسبة قريبة بالخطوط العريضة لهذه النقلة الديمقراطية الكبرى التي توخينا منها الإسراع بترسيخ اللامركزية واللاتمركز في اتجاه إفراز مجالس محلية وإقليمية وجهوية تجمع بين ديمقراطية التكوين وعقلانية التقطيع ونجاعة وشفافية وسلامة التدبير وتتوفر على أوسع درجات الحكم الذاتي الإداري والمالي الذي من شأنه جعلها تنهض بعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ليس بالتبعية للدولة ولكن بالشراكة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني من قبل نخبة ذات مصداقية وكفاءة ونزاهة يفرزها نظام ومسلسل انتخابي ديمقراطي محاط بجميع الضمانات القانونية الكفيلة بضمان حريته وتعدديته ونجاعته.

كما أننا ننتظر من حكومتنا ترسيخ دولة القانون بإعطاء دفعة قوية للإصلاح الإداري والقضائي المستمر على تخليق الحياة العامة وثقافة المرفق العام. وسنتعهد برعايتنا السامية الموصولة هذا المفهوم الذي قطعنا الخطوات الأولى لتفعيله والذي ينتظرنا بذل مجهودات متواصلة ومتأنية حتى يصبح تشريعات عصرية وثقافة متجدرة وسلوكا يوميا وفعلا تلقائيا.

وفي هذا السياق الرامي إلى تركيز دولة الحق والقانون أولينا عناية خاصة لحقوق الإنسان وأحدثنا هيئة مستقلة للتحكيم بجانب المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان لتعويض الضحايا حرصا على أن تعمل بكامل العدل والإنصاف والسعي للاستجابة لكل المطالب والطلبات المشروعة والانفتاح على مختلف الحساسيات. كما أصدرنا تعليماتنا السامية بأن تبذل كل أشكال التأهيل الطبي والإنساني وإعادة الاعتبار والإدماج الاجتماعي لذوي الحقوق علما من جلالتنا بما للتعويض المعنوي والإنساني من أهمية خاصة في الطي النهائي لهذا الملف غايتنا المثلى تضميد الجراح وفتح صفحة جديدة تكرس فيها كل الطاقات لبناء مستقبل مغرب ديمقراطي وعصري وقوي لمواجهة المشاكل الحقيقية والملموسة لأجياله الصاعدة.

وسيرا على اعتماد الدمقرطة والعقلنة في مسلسل التحديث الشامل لمؤسساتنا فقد قررنا إعادة النظر في الظهير الشريف المنظم للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان. كما أصدرنا توجيهاتنا السامية بخصوص ما ننتظره من هذا المجلس من مهام جليلة متجددة في العقد الأول للقرن الحادي والعشرين مثلما نهض بوظائفه كاملة في العقد الذي نودعه. وسنسهر لهذه الغاية على تجديد تركيبته وكذا اختصاصاته وطريقة عمله خاصة وأن المؤسسات الدولية المختصة بحقوق الإنسان تتطلع لجعل تجربته نموذجا متميزا في هذا المجال.

ولأن حرصنا على توطيد الحريات لشعبنا الأبي لاحد له.. فإننا ندعو حكومتنا إلى الإسراع بوضع مشاريع قوانين لمراجعة مدونة الحريات العامة في اتجاه يوفق بين مقتضيات مبدأ الحرية ومتطلبات الحفاظ على النظام العام الذي يعد ركنا أساسيا لضمان ممارسة الحرية الفردية. كما أن عزمنا منكب على تأسيس جهاز خاص يسهر على التطبيق السليم لقانون وأخلاقيات المهنة النبيلة للإعلام والاتصال في حرص تام على حريتهما وتعدديتهما.

إن مسلسل التحديث يتطلب تشخيص واقع مؤسساتنا والانكباب عليه لعقلنته. فكما أن لكل زمن رجاله ونسائه فإنه كذلك لكل زمن مؤسساته. والعقلنة تقتضي إحداث مؤسسات جديدة بدل تلك التي أدت وظائفها وأن وقت تجديدها واستبدالها بأخرى تستجيب لمتطلبات التحولات المستجدة.

ومواصلة منا لتحديث دولة المؤسسات وعقلنتها وتفعيل مؤسسات و ثقافة التشاور والحوار اللازمة للديمقراطية فقد قررنا تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي المنصوص عليه في الباب التاسع من دستور المملكة ليكون مؤسسة دستورية للتفكير والتشاور في جميع القضايا الاقتصادية والاجتماعية من قبل صفوة ذات رأي راجح مكملة للمؤسسات المنتخبة منيطين به الإدلاء برأيه في أي مشروع او مخطط يتعلق بالاتجاهات العامة للاقتصاد الوطني المالية منها و الاجتماعية و التربوية و التكوينية بما فيها مشكلات الشباب ومتابعة الحوار الاجتماعي وإصلاح نظام التعليم داعين حكومة جلالتنا إلى أن تسرع بوضع مشروع قانون تنظيمي يحدد تركيبته و تنظيمه وصلاحياته و طريقة تسييره. كما قررنا بموازاة مع تنصيب المجلس الاقتصادي والاجتماعي حل المجلس الوطني للشباب والمستقبل ومجلس متابعة الحوار الاجتماعي والمجلس الاعلى للتعليم الذي يعود ظهير تأسيسه لسنة 1970 حيث ستؤول صلاحياتها جميعا للمؤسسة التي سيتم تنصيبها.

وإننا نود بهذه المناسبة ان نشيد بالدور الذي قامت به هذه الهيآت وان ننوه بما كان لها من منجزات هامة. كما نود تأكيد حرصنا على زيادة تمتين الصرح الديمقراطي الذي شيده والدنا المنعم و العمل على اختصار الوقت الذي قطعته شعوب أخرى لاستكماله مجددين التشديد على التزامنا بالسهر على تمرس رعايانا الأوفياء على إدارة الشأن العام و تعلم فضائل المشاركة فيه محليا و وطنيا و جهويا ذلكم الالتزام الشديد الذي لا يوازيه إلا حرصنا الدائم على التصدي لكل أشكال الإضرار به أو الاستحواذ على ثمراته.

وفي سياق كل المؤسسات المنصوص عليها في الدستور فقد أصدرنا تعليماتنا السامية لحكومة جلالتنا قصد الإسراع بوضع مشروع القانون التنظيمي للمحكمة العليا المنصوص عليها في الباب الثامن من دستور المملكة.

وبالرؤية نفسها نظرنا الى الشأن الديني فاتخذنا بصدده تدابير جديدة وأصدرنا تعليماتنا السديدة كي يأخذ مجراه الذي تستوجبه وظائف الإمامة العظمى والتزامات أمير المؤمنين الراعي الأمين لجميع متطلبات هذا الشأن في نطاق وسطية الإسلام واعتداله وتسامحه وكونه دين العلم والحياة الداعي باستمرار إلى التجديد والتحديث بما يتلائم مع روحه العالية ومبادئه السامية ومقتضيات التطور الوقتية.

وتحقيقا لهذه الغاية أمرنا بإعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى و المجالس العلمية الجهوية مما يجعلها قادرة على أداء رسالتها بإشراف و توجيه مباشر من جلالتنا. كما أمرنا باتخاذ الترتيبات اللازمة قصد إعادة المكانة لرسالة المسجد باعتباره مقرا للعبادة والتربية والتكوين والوعظ والإرشاد وباعتباره أيضا مركزا ينهض فيه العلماء والعالمات بتأطير المواطنين والمواطنات وصهرهم في مجتمع طاهر سليم واع و متماسك.

شعبي العزيز..

على هذا النسق من التفكير والتدبير المتجددين وجهنا عنايتنا لمختلف قضايانا المحلية والجهوية و الوطنية وفق مشروع سياسي يستوعب حقيقة مجتمعنا في سياقه التاريخي و يعمل على تغييره نحو الأرقى والأفضل بواقعية بعيدة عن الشعارات الجوفاء والمقولات الجاهزة وقادرة على التفاعل مع متغيرات العصر تحفزا من الثوابت الراسخة المتمثلة في قيمنا الإسلامية و مقومات هويتنا الحضارية و الثقافية و قادرة كذلك على تفعيل التضامن والتكافل في مدلولهما الإسلامي لمحاربة الفقر ومظاهر الإقصاء والإرتقاء بالفئات المحرومة مما يعني إقامة عدالة اجتماعية تعتمد المساواة في الفرص والإمكانات في نطاق إصلاح يتعهد المكتسبات المؤسسية بالتجديد و الإغناء و يسعى إلى اقتصاد الوسائل و تقنين الممارسات البناءة وتجدير الثقافة الديمقراطية عبر منظور المواطنة الفاعلة والعمل المبدع الخلاق من خلال المبادرات الذاتية والأشغال التطوعية و تشجيع الشراكة والتعاون.

ولقد كان الجفاف الذي عرفته بلادنا هذا العام محكا دفع إلى تقوية التضامن مع العالم القروي في محنته التي حرصنا شخصيا على معاينتها و الوقوف على آثارها وقيادة الحملة الوطنية لتخفيفها و تجاوز أضرارها.

وإننا لنشيد بالدور الفاعل للمجتمع المدني الذي أبان عن انخراطه الفاعل في محاربة الفقر والتلوث والأمية مما يجعلنا ندعو السلطات العمومية والجماعات المحلية وسائر المؤسسات العامة والخاصة إلى أن تعقد معه كل أنواع الشراكة وتمده بجميع أشكال المساعدة .وإننا لجد معتزين بتعاطي نخبة المجتمع المدني للشأن العام والعمل الجمعوي والاهتمام بمجالات كانت إلى حد كبير ملقاة على عاتق الدولة لوحدها مما يعد مؤشرا على نضج الشعب وقواه الحية.و بقدر ما نومن بتكامل المجتمعين المدني والسياسي بدل تعارضهما المزعوم الذي يريد البعض أن يجعله مطية للاستحواذ غير المجدي على فضاءات العمل الوطني فإننا نعتبر أن دينامية المجتمع المدني الفاعل في مجالات التنمية المحلية ومحاربة الفقر والتلوث والأمية و كذا النهوض بمهام القوة الاقتراحية والتأطيرية و التربوية من قبل عناصره النشيطة التي لم تجد نفسها في بنيات المجتمع السياسي تعد مدعاة لهذا الأخير لتأهيل أدواته و تجديد هياكله وتغيير أساليب عمله وإيلاء العناية القصوى للقضايا اليومية المعيشية للمواطنين بدل الخوض في التنابز بالألقاب وجري البعض وراء مصالح أنانية فردية أو أشكال من الشعبوية المضرة بكل مكونات هذا المجتمع السياسي الذي ننتظر منه النهوض الكامل بوظيفته الدستورية المتمثلة في تربية وتأطير المواطنين.

وإذا كان حرصنا الشديد على التوزيع العادل للثروات لا يوازيه إلا حرصنا على التوزيع المتكافئ للإمكانات والفرص فإننا نحث رعايانا الأوفياء على نبذ روح الإتكالية جاهدين على تحسيسهم بما يختزنون من قدرات خلاقة على تغيير واقعهم و محيطهم معتمدين قيم التضامن و العدالة و تكافؤ الفرص وروح الإيثار والإبتكار وداعين حكومة جلالتنا لضرورة القيام باستثمارات اجتماعية من خلال بلورة سياسات عمومية ناجعة في مجالات السكن الاجتماعي والتجهيزات الأساسية والصحة والتأهيل والتربية والتكوين.

شعبي العزيز..

إن حرصنا على التوجه المجتمعي نابع من إيماننا بأن الكرامة تفتقد مع الجهل أكثر مما تفتقد مع الفقر.و من ثمة كان توجهنا للإستثمار في الموارد البشرية باعتبار رأس المال البشري رافعة للتقدم و خلق الثروات و نظرا لدوره في تحويل و تدبير باقي الثروات وإدماج هذا الإستثمار في مسيرة التنمية. وهذا ما جعلنا نسهر غداة اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين على وضع و المصادقة على الميثاق الوطني للتربية و التكوين و المجموعة الأولى من القوانين المبلورة له والمبرزة لخصائصه وتوجهاته الرامية إلى تكوين نشئ منتج نافع مؤهل للإبداع والمبادرة وقادرة على رفع تحديات مجتمع المعرفة والتواصل والتكنولوجيا المتطورة باستمرار في اعتزاز بكيانه و تمسك بثوابته و مقدساته وتشبث بعقيدته و قيمها الهادفة إلى بث روح الصلاح و الإستقامة والإعتدال والتسامح وما إليها من الأنماط السلوكية الحميدة التي يجمعها مصطلح "التربية" المتأصل في ثقافتنا والذائع على ألسنة العامة والخاصة باسم"الترابي" والذي كان وراء إطلاق جلالتنا لإسم ميثاق التربية بدل ميثاق التعليم على الوثيقة المرجعية لهذا الإصلاح.

وإننا مع سابغ رعايتنا للميثاق الوطني للتربية و التكوين نحث حكومة جلالتنا على تفعيله و تسريع عملية تنفيذه وتخصيص الاعتمادات اللازمة لذلك كما نشدد على وجوب انخراط جميع المعنيين كل من موقعه في جو من التعبئة الشاملة والتجند الكامل حول أهداف الميثاق بعيدا عن المزايدات والحساسيات قصد تفعيله مجددين التأكيد على قرارنا السامي بإعلان العشرية القادمة عشرية خاصة بالتربية والتكوين وثاني أولوية وطنية بعد الوحدة الترابية بحيث لا يحل موعد 2010 إلا وقد تقلص بطريقة ملموسة ببلادنا أثر الأمية و التعليم غير النافع.

وانطلاقا من العطف الذي نخص به أسرة التعليم واعتبارا لدورها الأساسي في تحقيق الإصلاح المؤمل فقد قررنا إنشاء مؤسسة للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم.و سيتسنى لهذه المؤسسة التي أطلقنا عليها إسم جنابنا الشريف لتحمل إسم "مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لأسرة التعليم" أن تحتضن ربع مليون من أفراد هذه الأسرة العزيزة على جلالتنا مع عائلاتهم وأن توفر ما يلزمهم من خدمات اجتماعية في مجال السكن والتطبيب والترفيه والتأمين ضد الآفات والتقاعد التكميلي.

شعبي العزيز

إنه لا مكان لتنمية اجتماعية بدون تنمية اقتصادية مما يستوجب بناء اقتصاد جديد قادر على مواكبة العولمة ورفع تحديات ها. وإذا كنا نعتمد اقتصاد السوق فهذا لا يعني السعي لإقامة مجتمع السوق بل يعني اقتصادا اجتماعيا تمتزج فيه الفعالية الإقتصادية بالتضامن الإجتماعي.

وهذا ما جعلنا ننشئ صندوق الحسن الثاني للتنمية والتجهيز ونرصد مردود الخط الثاني للهاتف المحمول لإنجاز مشاريع توفر مناصب شغل وعائدات مستمرة في مجال النهوض بالعالم القروي وإيجاد السكن اللائق ومحاربة مدن الصفيح واستكمال سقي مليون هكتار وبناء الطرق السيارة وتشييد مواقع سياحية ومراكز ثقافية ورياضية ودعم مؤسسات إعلامية.

ومع السهر على تنفيذ هذه المشاريع في عين المكان و تشكيل لجنة خاصة للإشراف على ذلك تحت مسؤوليتنا فقد حرصنا على استمرارية هذا الصندوق وذلك من خلال تخويله استثمار حصة من عائدات الخوصصة في الإنتاج حتى لا تستهلك في ميزانية التسيير. ولتذليل الصعاب و منح فرص الإستثمار للقطاع الخاص الوطني والأجنبي ولاسيما المقاولات الصغرى والمتوسطة قررنا إحداث لجنة تعمل برئاستنا لتشخيص مواقع الخلل و اقتراح السائل الكفيلة بتبسيط الإجراءات الازمة وإشاعة مناخ الثقة أمام المستثمرين.

وإننا لننتظر من حكومتنا المضي قدما في الجهد التأهيلي للإطار المؤسساتي لاقتصادنا والحرص على رفع مستوى أدائه العام مؤكدين بصفة خاصة على تشجيع نسيج المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتبر قاطرة الإستثمار الوطني الحقيقي المنتج والمدر لفرص الشغل القارة وذلك بمنحها نظاما تفضيليا سواء في مرحلة التأسيس والانطلاق أو الحصول على التمويلات المناسبة لوضعيتها وجميع التسهيلات التشريعية والتنظيمية.

وعلى الإدارة بجميع أنواعها و مستوياتها أن تعتبر نفسها في خدمة هذه الرافعة القوية للتنمية و أن تنسق جهودها لبذل كل أشكال الدعم لهذه المقاولات في نطاق جهاز مختص في إنعاشها وتنميتها.

كما أننا نجدد دعوتنا للحكومة الواردة في رسالتنا الملكية التوجيهية لمخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية والمتمثلة في اعتماد منظور تنمية مندمجة لسد العجز والتفاوت الاجتماعي والمجالي وإدماج الشباب في مسلسل الإنتاج وتشجيع روح الإبتكار لديه وإشراك المرأة في التنمية ومحاربة الفقر والإقصاء والبؤس والتهميش وإشاعة روح التضامن والتآزر وحفظ الكرامة واعتماد مخططات جهوية للتنمية و تفعيل دور الجهة في المجال التنموي.

واعتبارا للخصاص الذي تعانيه الأقاليم الشمالية والشرقية في مجال التجهيزات الأساسية والخدمات الاجتماعية مقارنة مع الجهات الوسطى والجنوبية التي نالت نصيبا لا يستهان به في هذا المجال ونظرا لما نخص به هذه الجهات العزيزة على جلالتنا من عناية خاصة فإننا ندعو حكومتنا والوكالة المكلفة بتنمية هذه الأقاليم إلى اعتماد مخطط خاص وطموح لانبعاث الأقاليم الشمالية والشرقية لتمكينها من النهوض بالدور الذي نريده لها كبوابة لجلب الاستثمارات و واجهة مشعة ومزدهرة للمملكة ملحين على تضافر جهود كل من السلطات العمومية والقطاع الخاص الوطني والأجنبي واستكشاف كل مجالات التعاون الدولي مع الهيئات الوطنية والدولية الحكومية وغير الحكومية لرفع معدل نمو هذه الأقاليم إلى المستوى الذي نرضاه لها.

وإننا في مجال التنمية لنولي أهمية خاصة للتنمية القروية باعتبارها أساس التنمية الشاملة.

ذلكم أن تحويل المغرب من بلد قروي إلى بلد فلاحي رهين باستراتيجية تنموية قروية تستهدف التعامل مع الجفاف كظاهرة بنيوية لا تقتصر على معالجة آثاره الظرفية بل تسعى إلى تقوية النسيج الإنتاجي في البادية وتنويع مصادر دخل الفلاح وإقامة أنشطة سياحية مع إتاحة ظروف مناسبة في القرى للخدمات والصناعة التقليدية وتحديث الأشغال الفلاحية وسد العجز المسجل في ميدان التجهيزات الأساسية بغية رفع العزلة عن العالم القروي والحرس على حفظ الثروات الطبيعية ضمن تنمية مستديمة.

بيد أن إشكالية ندرة الموارد المائية تظل أولوية الأولويات في ميدان التنمية القروية والفلاحية. وإننا إذ نستحضر بكل إجلال و إكبار الرؤية الثاقبة و العمل الجبار الذي ميز عهد والدنا المنعم رضوان الله عليه حيث أولى عناية خاصة لبناء السدود ولسقي مليون هكتار مما جعل بلدنا يمتص آثار الجفاف فإننا عازمون على مواصلة سياسته الرشيدة في هذا المجال برؤية متجددة تعتمد التدبير العقلاني للموارد المائية و إعادة النظر في نوع الزراعات المستهلكة للماء أو المتضررة من الجفاف و تشجيع التقنيات و الزراعات المقتصدة للماء و توسيع المساحات المسقية وتكثيف برامج الري حتى تشمل الأراضي الفلاحية الممكن ريها.

كما يتعين وضع تصور متطور لسياسة السدود وتعبئة موارد جديدة في هذا المجال والتطبيق الصارم لمقتضيات القانون الخاص بالماء و ترسيخ أسس ثقافية مائية جديدة لدى كل رعايانا الأوفياء قوامها التعامل مع الماء كمادة حيوية نادرة سواء جاد علينا الله سبحانه بغيثه و مائه الذي علينا خزنه كما أوصانا به جل وعلا في الذكر الحكيم أواقتضت إرادته مرورنا لا قدر الله بسنة عجفاء.

و تقديرا منا لفئة الفلاحين العزيزة علينا - والتي نكبر فيها تضامنها وما أبانت عنه من تحل مثالي بالكرامة وتحمل لشدة الجفاف ونعتز بتشبثها بأرضها المعطاء-فقد قررنا تمديد فترة الإعفاء من الضريبة المباشرة على الفلاحين إلى سنة 2010 بدل 2000 آملين أن يمكن هذا التدبير الذي نأمر بإدراجه في مشروع القانون المالي المقبل القطاع الفلاحي من التأهيل الشامل لخوض غمار التحديات الداخلية و الخارجية التي تلوح في أفق العشرية القادمة.

وفي نفس السياق ننتظر من حكومتنا التفكير في إصلاح جبائي خاص بهذا القطاع الحيوي.. إصلاح يجمع بين ضرورة دعمه لجعله قادرا على رفع تحديات تحقيق الأمن الغذائي للبلاد والتنافسية الدولية وبين مقتضيات العدالة الجبائية التي يتساوى في نطاقها جميع المواطنين.

شعبي العزيز..

إن تحقيق الكثير مما نتطلع إليه جميعا في سياق التنمية يستلزم تحفيز المبادرة والإبداع لدى كل الفاعلين الاقتصاديين في غير تداخل مع الدور الذي على الدولة أن تقوم به وهو دور الضبط والتنظيم لمجتمع تضامني و إيجاد مناخ ميسر للاستثمار و محفز عليه وخاصة عن طريق الجبايات والإنفاق العام و تحرير المبادرات و تهيئ الدوافع العصرية المتيحة للتشغيل و المتمثلة في خفض معدل الفائدة على القروض و تقليص تكلفة الضرائب والعمل وإخراج مدونة شغل عصرية. كما أن دور الدولة يفرض القيام باستثمارات اجتماعية في مجالات التربية و التكوين لإعداد المواطن الاقتصادي وتأهيله للابتكار والتنافس في جو من الثقة والأمن والاستقرار وفي ظل إدارة شفافة وقضاء نزيه مع الانضباط الحذر والصارم في شأن السياسة المالية و النقدية مما يجعل الدولة في نطاق قوة وسيادة القانون تحفز المجتمع وتوجه تطوره وترعاه ضمن تحكيم رشيد بين مختلف الفئات.

ومع ذلك فإن المقومة لا ينبغي أن تعيش على التسهيلات المتعددة التي تيسرها لها الدولة ولا أن تعتمد الانتظارية كاستراتيجية اقتصادية ولا أن تضحى بالتضامن كغاية مثلى للحياة المجتمعية.

إن المغرب لتنتظره استحقاقات حاسمة وعليه أن يرفع تحديات مصيرية داخلية وخارجية وهو في حاجة إلى بذل كل الجهود وحشد كل الطاقات ضمن نكران نادى به جدنا المنعم جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه بالجهاد الأكبر حتى لا يخلف موعده في القرن المقبل مع مغرب متقدم اقتصاديا ومتضامن اجتماعيا ومجاليا .

و إنه لمجهود ضخم ينتظرنا جميعا فيما نسميه بمعركة الجهاد الأكبر الاقتصادي لخلق الثروات و فرص الشغل والجهاد الاجتماعي لتحقيق التنمية البشرية. و ينبغي على جميع أرباب المقاولات الإسهام فيه بفعالية و حماس .فلا يجدر ببعض المقاولات المغربية أن تستمر في الاعتماد على اقتصاد الريع والامتيازات والمكاسب السهلة ولا أن تضع نفسها على هامش حركة التعبئة العامة التي أطلقناها من أجل مغرب الاقتصاد الاجتماعي. و بدل أن تكون المقاولة هي المنتظرة فإننا الذي ننتظر من كل رجالاتها و نسائها المجاهدين في سبيل التقدم الاقتصادي والاجتماعي للبلاد أن روح الوطنية والمقاومة والمغامرة و الإبداع والابتكار وأن يدعموا الجهود التي توليها إياهم السلطات العمومية بمبادرات موازية من ذات الأهمية.

فليس من المعقول في شيء أن يستمر الانتظار إلى أن تتم كل الإصلاحات و تمنح كل الامتيازات للانخراط في طريق التعبئة المؤدية إلى الازدهار الاقتصادي و التضامن الاجتماعي اعتبارا لأن هذا الطريق لا نهاية له وإنه بناء متواصل يجب أن يسهم فيه الجميع جاعلا من عوائق السير فيه محفزا لمضايقة الجهد بدل أن تكون ذريعة لبث روح السلبية والانتظارية وتشويه الواقع أو تعتيم الأفق المشرق المفتوح أمام وطننا العزيز.

وإننا مع الدعوة إلى تشجيع المقاولة المواطنة الاجتماعية نحث مقاولينا ومقاولاتنا أن يحرصوا على التشبث بتقاليدنا الإيجابية التي كان فيها رب العمل يعيش في مجال اجتماعي مشترك مع باقي الفئات عوض العيش في يأس وتخذل أو عزلة عن الواقع .وندعوهم كذلك إلى التشبع بروح المقاولة و ما تقتضي من مغامرة واعية وحسن التدبير ومن شفافية وأخلاقيات المعاملات. وإذا ما تسنى ذلك أمكن إقامة شراكة المقاولات الكبرى مع الصغرى بتفويضها بعض الأنشطة وكذا شراكة المقاولات الكبرى الوطنية مع مقاولات أجنبية لجلب الاستثمارات والتقنيات باعتماد معيار فرص الشغل كأساس لذلك .فقطاع السياحة على سبيل المثال يزخر بالكثير من هذه الفرص لإمكان مضاعفة عدد السواح الذين يرغبون في زيارة بلدنا.

كما أنه بإمكان التطور السريع لكل التكنولوجيات الحديثة خاصة منها تكنولوجيات الاتصال أن يفتح المجال لإبراز قدرات شبابنا الخلاقة إضافة إلى قطاعات أخرى حيوية كالسكن والفلاحة والنسيج و الصيد البحري والصناعات الغذائية التي نتوفر فيها على قدرة تنافسية مما يمثل أوراشا شاسعة للعمل والإنجاز .لذا و على الرغم من النتائج الإيجابية المحصل عليها في هذه الميادين وغيرها فإن الدرب ما يزال طويلا و شاقا مما يقتضي مضاعفة الجهود لتحقيق إقلاع اقتصادي صحيح.

شعبي العزيز..

إيمانا من جلالتنا بما توفره السياسة الخارجية من فرص التبادل و التعاون والشراكة الكفيلة بجلب موارد إضافية لنجاح استراتيجيتنا التنموية فقد حرصنا في عالم يعرف تحولات متسارعة على التأهيل الشامل لمفاهيم ديبلوماسيتنا وأشكال تنظيمها وأنماط تدبيرها يقينا من جلالتنا بأن المغرب بتاريخه الديبلوماسي العريق و موقعه الإستراتيجي المرموق ومكاسبه الديمقراطية و الرصيد الثمين للإشعاع الدولي المعاصر الذي تركه لنا والدنا المنعم قدس الله روحه يتوفر على كل المؤهلات الكفيلة بتعزيز مركزه الدولي كشريك محترم و مسموع في السياسة الدولية متميز بدفاعه عن الشرعية الدولية و نضاله من أجل استتباب السلم والأمن في العالم ناهيك عن كونه متن أكبر دعاة وبناة الوئام والتعاون المثمر بين الشعوب.

وتأسيسا على هذه التوجهات فإننا نطمح إلى أن نجعل مملكتنا تتمتع بكامل وحدتها الترابية و تتعامل مع محيط جهوي مستقر و متضامن في ظل الوفاء الصادق لانتماءاتنا والتزاماتنا الجهوية و الدولية.

وباعتبارنا أميرا للمؤمنين فقد أولينا عناية خاصة لنصرة قضايا الإسلام والمسلمين وتصحيح صورة الإسلام لدى الآخر وبيان حقيقته السمحة المعتدلة والسلمية.

وبتنسيق مع أخينا الرئيس ياسر عرفات و بصفتنا رئيسا للجنة القدس الشريف فقد ألححنا لدى كل رؤساء الدول والحكومات الذين قابلناهم على ضرورة وقف تهويد هذه المدينة الشهيدة والحفاظ لها على دورها التاريخي كفضاء مقدس لتسامح الديانات السماوية الثلاث. كما سهرنا على الحفاظ لها على طابعها الإسلامي مترئسين في هذا الشأن الاجتماع الأول للمجلس الإداري لوكالة بيت مال القدس الشريف التي لم نفتأ نمدها بكل أشكال الدعم المادي و المعنوي من أجل تمكينها من النهوض بدورها كاملا في هذا المجال.

واستمرارا لعمل والدنا المنعم طيب الله ثراه طوال أزيد من ربع قرن على قيام مصالحة بين أبناء سيدنا إبراهيم عليه السلام والسعي الحثيث لتحويل منطقة مهد الأنبياء لفضاء للتعاون والتنمية والسلام بدل أن تكون مرتعا للتوتر وطغيان الإحتلال فقد حرصنا اتخاذ عدة مبادرات بناءة وتشجيع كل الجهود من أجل إحلال سلام عادل وشامل ودائم في منطقة الشرق الأوسط يضمن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة و عاصمتها القدس الشريف وجلاء القوات الإسرائيلية عن كافة الأراضي العربية المحتلة على أساس الشرعية الدولية و الإلتزامات المتبادلة بين الأطراف المعنية تلكم الشرعية والإلتزامات التي نعتبر أن أي تنكر لها من شأنه الزج بالمنطقة و بشعوبها في التوتر و استمرار المعاناة وتأخير استتباب السلم فيها.

ولأجل الإستجابة لمتطلبات الأمن الإستراتيجي في عالمنا العربي و رفع تحديات عالم بداية القرن الحادي و العشرين فإننا ندعو أشقائنا العرب إلى تجاوز مخلفات الماضي الأليم و اعتماد استراتيجية جماعية عقلانية و تمتين أواصر التضامن بين بلداننا الشقيقة.

و تجسيدا لإيماننا والتزامنا بروابط الأخوة والتضامن المغاربي والعربي والإسلامي فقد سعدنا بمقابلة أشقائنا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو ملوك ورؤساء المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة و المملكة الأردنية الهاشمية ودولة البحرين وسلطنة بروناي ومصر وتونس وموريتانيا حيث أتيح لنا العمل سويا معهم على تمتين روابط الأخوة المتينة والتقدير المتبادل.

وتعزيزا منا لأواصر التضامن مع القارة الإفريقية التي تربطنا بها علاقات تاريخية وروحية عميقة فقد حرصنا على دعم علاقات الصداقة التقليدية والتعاون المثمر والتضامن الفاعل والتقدير المتبادل مع قادتها و شعوبها سواء خلال الزيارات الرسمية التي قام بها لبلادها إخواننا رؤساء دول موريتانيا والسينغال ومالي وغينيا الإستوائية أو خلال المقابلات المكثفة التي أجريناها مع عدة رؤساء دول إفريقية شقيقة وصديقة خلال زيارات العمل أو الزيارات الخاصة التي قاموا بها لبلادنا كالغابون وغامبيا و الكونغو وغينيا أو خلال قمة القاهرة الإفريقية الأوربية الأولى.

وقد بادرنا خلال هذه القمة التي انعقدت في ظل الإحترام الكامل للشرعية وفي جو من التفاهم المتبادل إلى الإعلان عن إلغاء ديون كل الدول الإفريقية الأقل تقدما تجاه المغرب وفتح أسواقنا دون شرط أمام المنتوجات الأساسية لهذه البلدان الشقيقة تفعيلا من جلالتنا لقيم التضامن مع إفريقيا خاصة ومع محور جنوب - جنوب عامة وتجسيدا ملموسا لنوعية العلاقة الإستراتيجية التي ينبغي على أوربا أن تحرص فيها على التنمية المستديمة لقارتنا وعلى استتباب الأمن والإستقرار و التخفيف من آثار الكوارث الطبيعية والآفات الإجتماعية ذلكم الحرص الذي جسدناه بإرسال مساعدات إنسانية للموزنبيق و بوتسوانا والاستجابة للنداء الأممي بمساهمة قواتنا المسلحة الملكية الباسلة في توطيد السلم بجمهورية الكونغو الديمقراطية الشقيقة.

وبنفس السعادة والحبور سعدنا باستقبال فخامة رئيس جمهورية الصين الشعبية تفعيلا لما يربط المغرب بهذا البلد الآسيوي العظيم من علاقات صداقة و تعاون خاصة. وبنفس الحرص على توطيد علاقاتنا بكل دول أسيا وأمريكا اللاتينية في جميع المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية أوفدنا وزيرنا الأول على رأس وفود هامة إلى الدول الصديقة..الهند والتيلاند والشيلي و كولومبيا والأرجنتين.

وبموازاة مع الحرص على زيادة تمتين أواصر الأخوة والصداقة والتعاون والتضامن مع الدول المغاربية والعربية الإسلامية والإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية لديبلوماسيتنا فقد حرصنا على توطيد تفعيل شراكتنا الإستراتيجية مع دول الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية. فقد أمكننا خلال الزيارة الرسمية التي قمنا بها للولايات المتحدة الأمريكية بدعوة من صديقنا فخامة الرئيس بيل كلينتون أن نقف على ما تحظى به توجهاتنا نحو ترسيخ دولة الحق والقانون وإرساء التقدم الاقتصادي والاجتماعي بمملكتنا من تقدير كبير. كما أتاحت لنا أن نعرض بكل وضوح مواقفنا من استكمال الوحدة الترابية لبلادنا وإقامة سلام دائم وعادل وشامل بالشرق الأوسط والتشديد على إرادتنا في رفع علاقاتنا السياسية المتميزة إلى مستوى شراكة متميزة قائمة على القيم المثلى المشتركة للديمقراطية و السلم و الأمن و التعاون ضمن إطار متجدد و متطور. فقد شددنا على هذه الإرادة بقوة لدى الإتحاد الأوربي شريكنا الأول في عدة ميادين والتي تربطنا به علاقات جيو استراتيجية و تاريخية و ثقافية عريقة.

وبدخول علاقة المغرب بالإتحاد الأوربي مرحلة حاسمة بفعل الشروع في تنفيذ إتفاقية شراكة المملكة معه ابتداء من فاتح مارس 2000 فإن بلدنا ينتظر من الإتحاد الأوربي أن ينجز تلكم القفزة النوعية التي من شأنها "في إطار نظام شراكة متقدمة" أن تعيد توجيه شراكتنا صوب محور استراتيجي متجدد تحكمه ضوابط متفق عليها و مسؤولية وتنمية مشتركة في جميع المجالات ذات الإهتمام المشترك.وإننا لنأمل تجسيد الإلتزامات الأوربية بتدفق الإستثمارات المباشرة من أجل خلق أكثر ما يمكن من فرص الشغل الكفيلة بالإدماج الإجتماعي لشبابنا في وطنهم الأم والقمينة بتوطيد السلم والنماء والتقدم في منطقة شمال غرب إفريقيا.

ونود أن نشير بصفة خاصة للزيارات الرسمية التي قمنا بها لفرنسا وايطاليا وإلى لقاءاتنا مع صديقينا الكبيرين صاحب الجلالة الملك خوان كارلوس الأول وفخامة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي تفضل بدعوتي لأول زيارة دولة خارج الوطن وفخامة الرئيسين البرتغالي و والإيطالي وقداسة البابا يوحنا بولس الثاني تلكم اللقاءات التي مكنتنا من تجديد التأكيد على إرادتنا في بناء علاقات شراكة إستراتيجية مع دول الإتحاد الأوربي عامة ومع الدول الأوربية المتوسطية في إطار متجدد لمسلسل برشلونة وحوار أديان مثمر ..شراكة حقيقية مبنية على تخويل المغرب مكانة متقدمة في هذا الفضاء الإندماجي والتكاملي لاقتصادياتنا الليبرالية ومجتمعاتنا الديمقراطية.

وقد حرصنا خلال لقائنا بقداسة البابا يوحنا بولس الثاني على تأكيد إرادتنا الراسخة كأمير للمؤمنين في العمل سويا مع قداسته من أجل تعايش الديانات السماوية والحوار المثمر بين الإسلام و والمسيحية ضمن كلمة سواء لا نعبد فيها إلا الله وننتصر فيها لقيمها النبيلة القائمة على الحرية و السلام و العدل و الفضيلة.

كما أن اهتمامنا منصب في مجالات علاقتنا بدول الإتحاد الأوربي على حفظ كرامة رعايانا الأوفياء العاملين بدوله المختلفة وعلى الدفاع على مصالحهم المادية و المعنوية.

وقد أصدرنا تعليماتنا لسفرائنا وقناصلنا في بلاد المهجر كي يكونوا في خدمة رعايانا الأوفياء وأكثر قربا منهم و استجابة لحاجياتهم خاصة منهم الجيلين الثاني والثالث الذين نحرص على ارتباطهم بهويتهم الأصيلة وقيمها المقدسة منوهين بإسهامات هذه الفئة العزيزة على جلالتنا في تنمية وطنها المغرب بما حباها الله به من كفاءات علمية وقدرات مادية.

وسواء مع أشقائنا العرب والمسلمين والأفارقة وأصدقائنا في دول الجنوب عامة أو مع شركائنا الإستراتيجيين في دول الإتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية فقد ألححنا على ما لبناء اتحاد مغرب عربي يسوده التضامن والسلام والتكافل والوئام من دور فاعل في بناء تكتل اقتصادي جهوي قوي كفيل بتأهيل بلداننا لرفع تحديات الشراكة مع مجموعات قوية و تحقيق التنمية المستديمة لشعوبنا الشقيقة المرتبطة بأواصر الدين والتاريخ واللغة والمصير المشترك والمتعلقة بقيم الوحدة والتضامن بدل التفرقة وتمزيق كيانات بعضها البعض أو تبديد طاقاتها في معارك مفتعلة.

وفي خضم هذه الإنشغالات الوطنية والجهوية والدولية فقد ظلت قضية الطي النهائي لملف استكمال وحدتنا الترابية في طليعة ما نهضت به جلالتنا من مهام الإمامة العظمى اعتبارا للإجماع الوطني حول قدسية وحدتنا الترابية لعلاقة أبناء أقاليمنا الجنوبية بالعرش العلوي المجيد إذ كانوا في مقدمة المبايعين لجلالتنا وفي صلب الإلتحام بين العرش و الشعب.

وهكذا فقد حرصنا على الصعيد الداخلي غداة اعتلائنا عرش أسلافنا الميامين على اعتماد مقاربة جديدة للسلطة في هذه الأقاليم العزيزة علينا مبنية على إشراك رعايانا الأعزاء في الصحراء المغربية في التدبير الديمقراطي لشؤون تنمية الأقاليم الجنوبية وتسريع عودة إخوانهم و أخواتهم المحتجزين في تندوف في إطار الكرامة و السكينة وعفو وغفران الوطن. و شكلنا لهذه الغاية لجنة ملكية خاصة بمتابعة شؤون الأقاليم الجنوبية للمملكة والسهر على تنصيب مجلس إستشاري خاص بها إلى جانب جلالتنا.

كما أصدرنا تعليماتنا السامية لأعضاء حكومتنا قصد الانكباب في عين المكان على قضايا سكانها وإيجاد الحلول المناسبة والفورية لها ورصدنا ميزانية مخصصة لمعالجة مشاكل البطالة وأولينا أهمية كبرى للسكن واتخذنا إجراءات عملية لإنعاش الحياة الاقتصادية والتجارية والاجتماعية في نطاق ترسيخ قوي لمفهوم الجهوية.

أما على الصعيد الدولي فان موقف المغرب الرائد في الدعوة الى تسوية سلمية للنزاع المفتعل حول وحدته الترابية على أساس استفتاء تأكيدي موضوعي وغير منحاز يستمد نزاهته وشرعيته الديمقراطية من استفتاء كل أبناء الصحراء المستجيبين للمعايير الأممية دون تمييز أو إقصاء ولو لواحد منهم مكن تأكيد مغربيته.. هذا الموقف المستند على الشرعية الدولية قوبل بافتعال عدة عراقيل في مرحلة تفعيله الحاسمة من قبل خصوم وحدتنا الترابية الذين لم يعمل توالي عزلتهم الدولية بعودة رعايانا الأوفياء المحتجزين في تندوف الى وطنهم الغفور الرحيم وبسحب مجموعة مهمة للدول الصديقة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية واسيا لاعترافهم "بالجمهورية الوهمية "إلا على تصعيد تعنتهم المناهض لنص وروح التسوية الأممية وتأجيج تخوفهم من تأكيد استفتاء جميع أبناء الصحراء لمغربيتهم وتجديدهم لبيعتهم وولائهم لعرشهم العلوي المجيد.

وعلى الرغم من تعثر الاستفتاء التأكيدي لمغربية الصحراء لأسباب يشهد العالم أجمع أن المغرب لا يتحمل أية مسؤولية فيها فإننا نبذل قصارى جهودنا مع الممثل الخاص للأمين العام للأمــم المتحدة من أجل استكشاف السبل الكفيلة بإزالة كل الصعوبات والعوائق التي تقف في وجه تحديد الهيئة الناخبة بطريقة عادلة وعودة كل اللاجئين إلى وطنهم الأم بين ذويهم وذلك ضمن استعدادنا الدائم لبحث كل المساعي التي من شأنها إنهاء هذا المشكل المفتعل المعرقل لمسيرة بناء اتحاد مغربنا العربي عل أساس الثقة والتفاهم المتبادلين.

ومن منطلق انتمائنا التاريخي والدستوري على حوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة وكيفما كانت المساعي الحميدة من أجل تجاوز تعثر مسلسل التسوية الأممي فإننا نود أن نؤكد لك شعبي العزيز أنه في جميع الحالات فإن أية تسوية للنزاع المفتعل حول قضية مسألة وحدتنا الترابية المصيرية ستكون في إطار الثالوث المقدس للإجماع والسيادة والشرعية بحيث أن أي قرار لن يكون إلا بإجماع كل المغاربة والمغربيات اعتبارا لأن السيادة - دستوريا وفي ظل دولة الحق والقانون المغربية - ملك للأمة جمعاء ولأن المغاربة سواسية في الوطنية. كما أن تسوية لن تكون ألا في إطار السيادة الوطنية التي يكفلها إجماعك المقدس والشرعية الدولية المضمونة بالقانون الدولي.

هكذا تمكنا من إغناء الرصيد الديبلوماسي الثمين الذي تركه والنا المنعم قدس الله روحه بتوطيد الدعم الديبلوماسي لقضية وحدتنا الترابية المقدسة وترسيخ وتوسيع علاقات الأخوة والصداقة والتعاون والتفاهم والتقدير والشراكة الاستراتيجية التي تربطنا بالدول الشقيقة والصديقة وإيلاء أهمية كبرى للديبلوماسية الاقتصادية والجمعوية والإعلامية والثقافية والبرلمانية.

وسنولي تكثيف جهودنا ليظل المغرب في توجهه الديبلوماسي وفيا لثوابت سياسته الخارجية التي يمليها عليه تاريخه العريق وموقعه الجيوستراتيجي الذي يتوسط العالم وينفتح عليه ودوره كقطب للاعتدال والتعايش والحوار والسلم وحسن الجوار في إطار من الواقعية واحترام الشرعية وغيرها من القيم والمبادئ التي يعتمدها بلدنا للدفاع عن مصالحه في عالم متغير وللاندماج في نظام دولي نتطلع إلى أن يكون متعدد الأقطاب وأكثر إنصافا وشفافية.

شعبي العزيز..

إنك تدرك مدى أهمية الإصلاحات الجذرية التي حققناها والتي أكسبت بلادنا مصداقية أكبر ومكنتها من ترسيخ مشروع مجتمعي يستند إلى ديمقراطية اجتماعية متزنة وتنمية اقتصادية مستديمة.

وإننا لنؤكد العزم على متابعة المسير لتحقيق كل مطامحك وتطلعاتك وبلوغ جميع أهدافك وغاياتك مما يقتضي تقوية الإيمان باالله وتعميق الثقة بالذات وإذكاء شعلة الوطنية في النفوس وإشاعة روح المواطنة الحق وتمتين التمسك بالثوابت والمقدسات وسائر مقومات الكيان والمثابرة على مضاعفة الجهود وتضافرها والتعاهد على بذلها بحب وتفان وصدق وإخلاص.

وان تحقيق هذه المقتضيات هو الذي سيمكن المغرب من توفير أسباب العزة والمناعة وسيؤهله لرفع تحديات المستقبل ومواجهة الاكراهات التي يفرضها عالم متحول. وهي إكراهات متعددة ومعقدة وحاسمة إذ تستوجب تطوير توظيف كل المعطيات الوطنية اقتصادية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو سلوكية وتستلزم التوفيق بين تلبية متطلباتنا والتكيف مع متطلبات العولمة التي أبانت عن شراستها الاقتصادية بما تحمل في طياتها من آثار جانبية وبما تنطوي عليه من مخاطر نمطية ثقافية. وهي سلبيات لا سبيل أمامك لتجنبها شعبي العزيز لا بالحفاظ على هويتك والالتحام حول قيادتك والحرص على مؤسسات تقي بلدك المغامرات والتدبر الدائم لدروس تاريخك الحافل الذي كتبه أجدادك الاباء بمداد دمائهم الزكية مضحين بكل غال ونفيس وبأرواحهم فداء للمغرب العزيز.

وأننا لننتهز هذه المناسبة العطرة للترحم على أرواحهم وجميع شهداء الوطن ولاستذكار المواقف الصامدة لقواتنا الملكية المسلحة وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة ورجال الوقاية المدنية وتحيتها وتجديد التنويه بها والاعتزاز بما تركه في نفسنا تفقدنا لمختلف وحداتها خاصة منها المرابطة في الجنوب من أثر حميد والتقدير الدولي الكبير الذي يحظى به العمل الإنساني والنبيل لجيشنا المظفر بالبوسنة والهرسك والكوسوفو من أجل حفظ هويتهما الوطنية الإسلامية من همجية قوى الشر والإبادة البشرية.

فالله نسأل أن يلقى عليك شعبي العزيز أردية الرضا والسكينة والسلامة وأن يبقى عليك نعمة التضامن والفضيلة والكرامة وأن يديمك على جادة العمل والإخلاص والاستقامة وأن يعينني على حمل أمانة قيادتك ويوفقني لإعلاء شأنك ولم شملك وجمع كلمتك ويهديني لما يؤدي إلى خيرك وعزك وسعادتك.

"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته."

صاحب الجلالة یوجه خطابا للأمة بمناسبة عید العرش

بمناسبة عيد العرش المجيد وذكرى تربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم الإثنين 30 يوليو 2001 خطابا ملكيا ساميا إلى الأمة، وفيما يلي نص الخطاب الملكي السامي:

"الحمد لله وحده والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

شعبي العزیز،

إن احتفالك الیوم بھذا العید الوطني المجید، لھو أكثر من تخلید لذكرى تربع عاھل على العرش ; لأنھ بالأحرى تجدید للعھد المقدس الخالد للبیعة، وللمیثاق الدستوري المتجدد، اللذین یطوقان ملكك أمیر المؤمنین، حامي حمى الملة والدین، بأمانة ضمان سیادتك، ووحدتك الوطنیة والترابیة، واستمرار دولتك ودوامھا، وینیطان بھ مسؤولیة قیادتك ووضع الاختیارات الكبرى للأمة، في إطار ملكیة دستوریة دیمقراطیة واجتماعیة.

لقد كان عرش المغرب على الدوام أكثر من رمز للسیادة، لأنھ ظل ولا یزال قیادة وطنیة مسؤولة واعیة لأمانتھا العظمى، ضمن ملكیة شعبیة، العرش فیھا بالشعب، والشعب بالعرش. لذلك فإن الاحتفاء بھ لیعد وقفة سنویة للتأمل والتدبر، لا للتساؤل عمن نحن ؟

وماذا نرید ؟ فالمغرب دولة عریقة في حضارتھا، متشبثة بھویتھا ومقدساتھا، دائمة الانفتاح على مستجدات عصرھا، موحدة وراء عاھلھا، رفیقة للتاریخ، تعرف من أین أتت، وإلى أین تسیر.

ونحن البلد الذي قاوم فیھ العرش الاستعمار، والإغراء الجارف للحزب الوحید، والإقتصاد الموجھ واستنساخ النماذج الأجنبیة، لتمكین المغرب من مشروع مجتمعي دیمقراطي أصیل، جعل منھ البلد المتمیز بتحقیق المزاوجة الخلاقة بین الوفاء لتقالیده العریقة وبناء

الدولة العصریة بقیادة الملك أمیر المؤمنین، وبمؤسسات دیمقراطیة في إطار منظم ومعقلن، یرسم لكل فاعل حقوقھ وحدود مسؤولیاتھ، ضمن منظور یعتبر أن الدیمقراطیة الحقیقیة ترتكز على بعد تتنموي قائم على حریة المبادرة الخاصة، المتشبعة بروح التكافل الاجتماعي.

وإذا كان من حقنا أن نفخر بالریادة في التوفر على ھذا المشروع المجتمعي الدیمقراطي الواضح المعالم، الذي تحققت للمغرب بفضلھا عدة مكتسبات ; فإن ذلك لا یعني أننا لم تعترضنا عوائق، أو تعتري مسیرتنا أوجھ قصور وتعثرات، ولا یعفینا من التساؤل : ألم یكن بإمكاننا السیر بسرعة أكبر ؟ أو یكن أداؤنا أحسن وأجود ؟.

فلنجعل من المكاشفة والحوار بیننا جمیعا، في ھذا العید، مناسبة لدعوة كل مغربي ومغربیة للاعتزاز بالجوانب المشرقة في ھذا المشروع المجتمعي، مستحضرین مؤھلاتنا لتقویتھا، ومستشعرین محدودیة إمكاناتنا وما اعترى مسیرتنا من سلبیات، لا لزرع روح السلبیة وتعتیم الأفق، بل لشحذ العزائم، ورص الصفوف، واستكشاف الحلول والموارد، لاستكمال بناء ھذا المشروع المجتمعي الدیمقراطي، الذي عاھدناك، منذ اعتلائنا عرش أسلافنا المیامین، على التفاني من أجل ترسیخھ، والعمل الدؤوب على تجسیده الأمثل في جمیع المجالات

شعبي العزیز،

لقد بادرنا خلال السنة الماضیة إلى ترسیخ ما تحقق لبلادنا من مكتسبات في مجال الدیمقراطیة السیاسیة معتزمین مواصلة ھذا النھج في تعزیز الحریات العامة وحقوق الانسان وفصل السلط واستقلالھا وتوازنھا،وكذا توطید المؤسسات التمثیلیة، واللامركزیة والجھویة.

وفي سیاق انتھاء انتداب المؤسسات المنتخبة، الوطنیة والمحلیة ; فإننا نؤكد أن من متطلبات توطید ما تنعم بھ بلادنا من استقرار سیاسي واستمراریة مؤسسیة، والارتقاء بمستوى النضج الذي بلغھ بناء الصرح الدیمقراطي الوطني، إجراء الانتخابات في أوانھا الدستوري والقانوني العادي. وعندما نقول بإجاراء الانتخابات في أوانھا العادي، فإننا لا نعني بذلك عملیة التصویت فقط ; بل نعني كل مراحل المسلسل الانتخابي التي یجب أن تتم في إبانھا، وفي مقدمتھا الحملة الانتخابیة التي یتعین أن تنطلق في مواعدھا القانونیة.

وبصفتنا ضامنا للمصالح العلیا للوطن والمواطنین، فإننا ننبھ إلى ضرورة عدم الزج بالبلاد في حملة انتخابویة ضیقة. كما نؤكد وجوب عدم الخلط بین الحملة الانتخابیة التي لھا موعدھا القانوني المحدد، والحملة الانتخابویة السیاسویة، التي تشیع البلبلة وتسمم الأجواء السیاسیة، وتصرف الناس عن المشاكل الحقیقیة للبلاد، شاغلة إیاھم بمزایدات ومشاكل جانبیة ; بحیث أن جزءا كبیرا من مشاكل المغرب الحالیة إنما نجم عن ھذه الفتنة الانتخابیة.

وإننا لنھیب بالطبقة السیاسیة أن تجعل من الفترة التي تفصلنا عن الانتخابات لحظات تعبئة وطنیة قویة، وتنافس شریف في إعداد برامج ملموسة، واقعیة قابلة للإنجاز ومرتكزة حول نواة صلبة للأسبقیات الأولى بدل جعل كل شيء أولویا، برامج تركز بالأساس على كیفیة خلق الثروة وإیجاد الموارد الكفیلة بتجسید مشروعنا المجتمعي، بدل الطروحات المغلوطة الداعیة إلى توزیع تلك الثروة قبل إیجادھا مشددین على وجوب مضاعفة الجھود من أجل تفعیل الاصلاحات الھیكلیة العمیقة التي تتسامى على المنظور السیاسوي الظرفي الضیق.

وبنفس الحرص ننبھ إلى أن الانتخابات وأنماط الإقتراع لیست غایة في حد ذاتھا; وإنما ھي وسلیة دیمقراطیة لإفراز نخبة من رجالات الدولة، وأغلبیة منسجمة، نابعة من انتخابات تنافسیة نزیھة، معبرة بكل صدق وشفافیة عن خیارات الناخبین والرأي العام، وملائمة لواقع مشھدنا السیاسي والحزبي.

وإننا لننبھ كذلك إلى أنھ إذا كان یجب على الحكومة والسلطات العمومیة تحمل مسؤولیتھا الكاملة في اقتراح واتخاذ كل التدابیر التشریعیة والتنظیمیة الكفیلة بإلزام الجھاز الإداري باحترام قدسیة الاقتراع، تحت المراقبة الیقظة والفعالة والمستقلة للقضاء بمختلف أصنافھا ودرجاتھا ; فإنھ یتعین على الفاعلین في المسلسل الانتخابي، من أفراد وھیئات حزبیة أو نقابیة أو مھنیة، التحلي بفضائل السلوك المواطن ; لأنھ لا تنقصنا التشریعات الدیمقراطیة بقدر ما ینقصنا التشبع بالدیمقراطیة والالتزام بھا ثقافة وسلوكا.

وإیمانا من جلالتنا بفضائل الدیمقراطیة المحلیة; فقد سھرنا على تمتین دمقرطة مدونة الجماعات المحلیة وعصرنتھا وعقلنتھا;

لتتحول جماعاتنا المحلیة إلى رافعة قویة للتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة، مولین عنایة قصوى في ھذا المجال للجھة والجھویة، التي نعتبرھا خیارا استراتیجیا، ولیس مجرد بناء إداري، وننظر إلیھا على أنھا صرح دیمقراطي أساسي لتحقیق التنمیة الاقتصادیة

والاجتماعیة، وانبثاق إدارة لا ممركزة للقرب مسیرة من قبل نخب جھویة، وكذا تفتق الخصوصیات الثقافیة، التي یشكل تنوعھا

مصدر غنى للأمة المغربیة.

وإیمانا من جلالتنا بأن الدیمقراطیة لیست مجرد تجسید للمساواة في ظل دولة الحق والقانون الوطنیة الموحدة، وإنما لا بد لھا أیضا من عمق ثقافي یتمثل في احترام تنوع الخصوصیات الثقافیة الجھویة، وإعطائھا الفضاء الملائم للاستمرار والإبداع والتنوع الذي

ینسج الوحدة الوطنیة المتناسقة ; فإننا نعتبر عید العرش المجید، الذي یجسد وحدة شعبنا، وصلة ماضینا بحاضرنا، والذي یحثنا على التفكیر في غد أفضل لأمتنا خیر مناسبة لمكاشفتك، شعبي العزیز، بمسألة حیویة تھمنا جمیعا، ألا وھي قضیة الھویة الوطنیة،

المتمیزة بالتنوع والتعددیة، مثلما ھي متمیزة بالالتحام والوحدة والتفرد عبر التاریخ.

أما التعددیة، فلإنھا بنیت على روافد متنوعة، أمازیغیة و عربیة، وصحراویة إفریقیة وأندلسیة، ساھمت كلھا وبانفتاح وتفاعل مع ثقافات وحضارات متنوعة في صقل ھویتنا وإغنائھا. وأما الالتحام، فقد تحقق لھا بفضل الأخوة في العقیدة الاسلامیة التي شكلت العروة الوثقى لأمتنا. وقد تمكنت ھویتنا من تجسید الوحدة والاندماج والتمازج ضمن أمة موحدة، لم تعرف أغلبیة أو أقلیة لأن مواطنیھا یتقاسمون جمیعا التشبث بثوابتھا، وذلك بفضل دیمومة نظامنا الملكي منذ ثلاثة عشر قرنا، الذي أولى ھویتنا، في وحدتھا وتنوعھا، رعایة مستمرة ; جعلتھا تنفرد، عبر تطور تاریخنا الوطني بخصوصیات لا نظیر لھا.

ولقد حرص والدنا المنعم جلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواه، على أن یتقاسم معك، شعبي العزیز، في خطابھ الموجھ للأمة یوم 20 غشت 1994 بمناسبة تخلید ذكرى ثورة الملك والشعب، نظرتھ الثاقبة لمسألة اللغة والھویة المغربیة حیث قال رضوان الله علیه: "...فتاریخنا تاریخ صنعناه بأنفسنا لأننا شعب تاریخي. فتاریخنا لم یكن أساسھ ركن واحد بل أركان متعددة. وتلك الأركان كانت وطیدة وسلیمة لأنھا كانت متنوعة وصاحبة عبقریة وأصالة..."; مشددا قدس الله روحھ، على أنه " ... یجب ونحن نفكر في التعلیم وبرامج التعلیم أن ندخل تعلیم اللھجات علما منا أن تلك اللھجات قد شاركت اللغة الأم ألا و ھي لغة الضاد ولغة كتاب الله سبحانھ وتعالى ولغة القرآن الكریم في فعل تاریخنا وأمجادنا...".

ومنذ ذلك الحین، بذلت جھود وطنیة ھامة، وتعاقبت لجان للإصلاح توجت بمصادقتنا على المیثاق الوطني للتربیة والتكوین، الذي أجمعت علیھ مكونات الأمة، من سیاسیة ونقابیة واقتصادیة وعلمیة وجمعویة، في إطار اللجنة الخاصة بالتربیة والتكوین.

ولقد رسم ھذا المیثاق الإطار العام لسیاسة لغویة واضحة تقوم على جعل اللغة العربیة، باعتبارھا اللغة الرسمیة لبلادنا ولغة القرآن الكریم، اللغة الأساس للتدریس في جمیع الأسلاك التعلیمیة، وعلى الرفع من القدرة على التحكم الجید في استعمال اللغات الأجنبیة، وعلى إدراج الأمازیغیة لأول مرة بالنسبة لتاریخ بلادنا في المنظومة التربویة الوطنیة

وفي الوقت الذي نقوم فیھ بإصلاحات حاسمة في عدة میادین حیویة كبرى، مسلحین في ذلك بإرادة صلبة، واثقین في حكمة وشجاعة شعبنا، مشمولین بالعنایة الربانیة التي تبارك كل المقاصد النبیلة المستلھمة من الفضیلة ; وحرصا منا على تقویة دعائم ھویتنا العریقة ; واعتبارا منا لضرورة إعطاء دفعة جدیدة لثقافتنا الأمازیغیة، التي تشكل ثروة وطنیة، لتمكینھا من وسائل المحافظة علیھا والنھوض بھا وتنمیتھا ; فقد قررنا أن نحدث، بجانب جلالتنا الشریفة، وفي ظل رعایتنا السامیة، معھدا ملكیا للثقافة الأمازیغیة، نضع على عاتقھ، علاوة على النھوض بالثقافة الأمازیغیة، الاضطلاع بجانب القطاعات الوزاریة المعنیة بمھام صیاغة وإعداد ومتابعة عملیة إدماج الأمازیغیة في نظام التعلیم.

كما أننا سنعھد لھذه المؤسسة، التي سنسھر على إعداد الظھیر الشریف المحدث لھا وتنصیبھا قریبا، بالقیام بمھام اقتراح السیاسات الملائمة التي من شأنھا تعزیز مكانة الأمازیغیة في الفضاء الاجتماعي والثقافي والاعلامي الوطني، وفي الشأن المحلي والجھوي ;

مجسدین بذلك البعد الثقافي للمفھوم الجدید للسلطة، الذي نحرص على إرسائھ وتفعیلھ باستمرار، حتى تتمكن كل جھات المملكة من تدبیر شؤونھا في إطار الدیمقراطیة المحلیة التي نحن على ترسیخھا عاملون ; وفي نطاق وحدة الأمة التي نحن علیھا مؤتمنون.

شعبي العزیز،

لقد سبق لنا أن أكدنا، بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانیة الأخیرة على إعادة الاعتبار للعمل السیاسي والحزبي النبیل، وتعزیز دور الأحزاب السیاسیة باعتبارھا المدرسة الحقیقیة للدیمقراطیة. وبوصف ھذه الأحزاب ھیئات أناط بھا الدستور تأطیر وتمثیل المواطنین; فإننا، على غرار توفر الجماعات المحلیة والغرف المھنیة والنقابات على تشریعات خاصة بھا تضبط ممارستھا لھذه المھمة الدستوریة، أصدرنا توجیھاتنا السامیة لحكومتنا لوضع تشریع خاص بالأحزاب السیاسیة یمیزھا عن الجمعیات، الھدف منھ العقلنة والدمقرطة وإضفاء الشفافیة على تشكیلھا وتسییرھا وتمویلھا، وتفادي تحول منع الدستور للحزب الوحید إلى وجود أحزاب وحیدة في الواقع، أو الوقوع في خطأ قیاس المجتمع الدیمقراطي بعدد أحزابھ المتفرقة الضعیفة، المعبرة عن مطامح ضیقة فئویة شخصیة ; بدل أن یقاس بالنوعیة الجیدة لأحزابھ، وبمدى قدرتھا الوطنیة على التأطیر المیداني للمواطنین، والتعبیر عن تطلعاتھم.

أما حقوق الإنسان، فقد حرصنا على توسیع فضاءاتھا، باتخاذ عدد من المبادرات والتدابیر، نذكر منھا، على وجھ الخصوص، مشروع مراجعة مدونة الحریات العامة، التي ندعو الحكومة والبرلمان إلى الإسراع بإقرارھا، والانكباب على إحداث جھاز خاص یسھر على التطیق السلیم لقانون وأخلاقیات المھنة النبیلة للاعلام والاتصال، في حرص تام على حریاتھما وتعددیتھما، وعلى التوازن بین الحریات الفردیة والجماعیة، وبینھا وبین الحفاظ على النظام العام الذي یعد خیر ضمان لممارسة ھذه الحریات.

وإن عملنا الدؤوب من أجل توسیع فضاء الحریات وضمان ممارستھا بإحداث أو بتجدید المؤسسات التي ننیط بھا ھذه المھمة، مثل المجلس الاستشاري لحقوق الانسان والجھاز المكلف بتنمیة التواصل بین الإدارة والمواطن، اللذین سنتولى تنصیبھما قریبا، والمراجعة المتقدمة لقانون المسطرة الجنائیة ; لا یوازیھ إلا تشدیدنا على أن یكون استكمال بناء الدولة الدیمقراطیة العصریة، قائمة على الحریات العامة وحقوق الانسان، مستھدفا بناء الدولة القویة، القادرة على فرض احترام القانون من قبل الجمیع، ومنع الاستفراد بالرأي باسم الممارسة الدیمقراطیة. 

وتكریسا لمساواة المغاربة أمام القانون، فقد سھرنا على وضع مشروع القانون التنظیمي للمحكمة العلیا، وإعداد مشروع قانون خاص بتفعیل مسطرة رفع الحصانة البرلمانیة، فضلا عن تسریع إصلاح القضاء الذي یظل شرطا ضروریا لسیادة القانون ومحفزا قویا على الاستثمار، بما یشیعھ ترسیخ نزاھتھ من ثقة واستقرار.

ولأن ممارسة الشأن العام لا تقتصر على المنتخبین، بل تشمل الجھاز الإداري الذي یجب أن یكون في خدمة المواطن والتنمیة; فإننا نلح على ضرورة إجراء إصلاح إداري عمیق، وفق منھجیة متدرجة، متأنیة ومتواصلة، تتوخى تبسیط المساطر، وجعلھا شفافة، سریعة، مجدیة، ومحفزة على الاستثمار.

وسعیا وراء الحفاظ على ثقافة المرفق العام وأخلاقیاتھ، من قبل نخبة إداریة متشبعة بقیم الكفایة والنزاھة والاستحقاق والتفاني في خدمة الشأن العام وفي مأمن من كل أشكال الضغوطات وشبكات المحسوبیة والمنسوبیة، والارتشاء واستغلال النفوذ ; فلن نقبل استغلال أي مركز سیاسي أو موقع إداري من أجل الحصول على مصلحة شخصیة أو فئویة ; منتظرین من السلطات العمومیة أن تكون صارمة في ھذا المجال، وأن تلجأ علاوة على ما تتوفر علیھ من وسائل للمراقبة الإداریة والقضائیة إلى اعتماد أدواة وأجھزة جدیدة لتقویم السیاسات العمومیة، فضلا عن إشراك القطاع الخاص والمجتمع المدني والمنتخبین في إعداد المشاریع وتنفیذھا.

تلك، شعبي العزیز، أمانة عرشك ومسؤولیة الجالس علیھ، كقائد راع لمشروعك الحداثي الدیمقراطي، وفي لھویتك، ضامن لما یتطلبھا العصر من وجود حكم قوي یضمن استمرار الدولة، ویصون الحقوق والحریات، ویبلور تطلعاتك، واختیاراتك الكبرى. وكذلك ھو صرحك المؤسساتي، عتید في أركانھ، كامل في روحھ، قابل للتحسین والتجدید في ھندستھ، على ضوء النتائج المستخلصة من سیر مؤسساتھ، والحاجة لعصرنة ھیاكلھ وعقلنتھا، وفي أفق الحل النھائي لقضیتنا الوطنیة.

ومن منطلق إئتماننا على سیادة المملكة ووحدة ترابھا، فقد بادرنا إلى الاستجابة لقرارات مجلس الأمن ومساعي ومقتراحات الأمین العام للأمم المتحدة وممثلھ الشخصي، ومباشرة حوار جاد معھما لإیجاد حل سیاسي للنزاع المفتعل حول مغربیة صحرائنا، في نطاق أرحب معاني الجھویة والدیمقراطیة وأمتن ثوابت الإجماع والسیادة والوحدة الوطنیة والترابیة للمغرب موءمنین بعدالة قضیتنا جاعلین تنمیة الأقالیم الجنوبیة في مقدمة اھتماماتنا مصدرین تعلیماتنا السامیة لحكومتنا قصد اتخاذ كل التدابیر الكفیلة بتأمین العیش الكریم لجمیع رعایانا الأوفیاء في أقالیمنا الجنوبیة سواء منھم المرابطون بھا أو العائدون إلى حضن الوطن الغفور الرحیم.

وبنفس الحزم والعزم نھضنا بالأمانة الملقاة على عاتقنا بوصفنا أمیرا للموءمنین، وحامیا لحمى الملة والدین، فجددنا لبیوت الله أداء وظیفتھا في محاربة الأمیة الدینیة والفكریة، كما أعدنا ھیكلة المجلس الأعلى والمجالس الجھویة للعلماء للنھوض بدورھا كاملا في مجال العبادات والمعاملات ، بعیدا عن أي تحجر أو تطرف ; حریصین على أن نجعل من المقاصد العلیا لشریعتنا الاسلامیة السمحة، ومن قیامھا على الاجتھاد والانصاف ومن الانسجام مع الاتفاقیات الدولیة المصادق علیھا من قبل المملكة، أساس النھوض بوضعیة المرأة من خلال تنصیبنا للجنة استشاریة خاصة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصیة، استجابة منا لملتمس كافة الجمعیات النسویة المغربیة.

شعبي العزیز،

إن مشروعنا المجتمعي في شقھ الاقتصادي قد اتسم بالریادة عندما أخذ باقتصاد السوق. وقد كان بإمكانھ أن یحقق لنا ازدھارا أكبر لولا ما تطلب التوافق على أسسھ من صبر ومكابدة وإقناع، و ما اعترض مسیرتھ من عوائق موضوعیة وذاتیة، قدنا معركة إزاحتھا بتشجیع المقاولة المغربیة على القطیعة النھائیة مع النزعة الریعیة والانتظاریة، المناقضة لروح المبادرة، وبالعمل على جعل السلطات العامة في خدمة الاستثمار، بتحسین مناخھ وإنشاء شبابیك جھویة موحدة، وخفض تكلفة الانتاج الطاقیة والجبائیة ; مولین عنایة خاصة للمقاولات الصغرى والمتوسطة، التي زودناھا بمیثاق من شأنھ تفعیل دورھا كقطب رحى لكسب معركة تشغیل الشباب، وتمكینھا من تدبیر عصري لملفاتھا الاستثماریة بتمویل مضمون. وحرصا منا على جعل صندوق الحسن الثاني للتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة، رافعة قویة للاستثمار المنتج، وأداة فعالة لتنمیة الثروة الاقتصادیة الوطنیة ; فقد قررنا أن نخول ھذا الصندوق نظام وكالة وطنیة، كما قررنا أن نرصد لھذه الوكالة قسطا مھما من عائدات خوصصة وفتح رأسمال الموءسسات العمومیة، التي تشكل ملكا للأمة، لتنمیة ھذا الرصید الاقتصادي الوطني، و حسن استثماره لخلق مزید من الثروات، بدل صرفھ في الاستھلاك.

وفي ھذا السیاق كان حرصنا على تصدي صندوق الحسن الثاني لأھم معیقات الاستثمار المتمثلة في ارتفاع كلفة الأراضي وانعدام أو قلة الأماكن المجھزة، و ذلك بتھیيء مناطق ومحلات صناعیة وسیاحیة وتجاریة، وتفویتھا للمستثمرین بأثمنة مناسبة، وتمویل مشاریع تحفیزیة للاستثمار الخاص، وإنعاش قطاعات البناء، ودعم السكن الاجتماعي، والطرق السیارة، والمنشآت العامة، ومؤسسات السلفات الصغرى، وتكنولوجیات الاتصال والاعلام.

وإذا كان تزامن الجفاف مع ظرفیة دولیة صعبة، متسمة بارتفاع أثمان البترول وتقلبات أسعار العملة الصعبة، قد حال دون تحقیق كل النتائج المتوخاة من الاقلاع الاقتصادي ; فإننا قد حققنا نتائج مشجعة في القطاعات الواعدة للاقتصاد الجدید لتكنولوجیات الاعلام والاتصال، وكذلك الصناعة التقلیدیة والصید البحري والتصدیر، والسیاحة.

وقد أولینا عنایة خاصة لكسب رھان جعل قطاع السیاحة قاطرة قویة للتنمیة، لما یدره من فرص شغل وعملة صعبة، و ما یتیحھ من انفتاح على الحداثة، باعتباره نشاطا اقتصادیا وثقافة وفنا للتواصل مع الغیر. كما عملنا على توضیح الرؤیة الاستراتیجیة في المجال السیاحي بالاتفاق الإطار الموقع بین الحكومة والمنعشین السیاحیین، الذي یھدف إلى استقبال ما لا یقل عن عشرة ملایین سائح سنویا في نھایة العقد الحالي ; مھیبین بجمیع الفاعلین في ھذا القطاع الحیوي لمضاعفة الجھود من أجل رفع ھذا التحدي ; داعین الحكومة والبرلمان إلى تعزیز الارتفاع المھم المسجل في عدد السیاح والمداخیل والاستثمارات السیاحیة بالتعجیل بإقرار النصوص التشریعیة والتنظیمیة التي سھرنا على تأطیرھا لقطاع السیاحة، والھادفة إلى إیجاد نظام شفاف وعادل للتصنیف والجودة والمراقبة الحازمة، وإعادة ھیكلة وتفعیل المكتب المغربي للسیاحة ;

وھذا بموازاة مع تنویع المنتوج السیاحي والتأھیل الكمي والكیفي للموارد البشریة السیاحیة، واعتماد المنظور الجھوي التشاركي في تدبیر ھذا القطاع الحیوي.

وإننا لنوءكد على حكومتنا أن تواصل بحزم وعزم لا یكلان توضیح الرؤیة الاقتصادیة للمستثمرین من خلال مجموعة من التدابیر والبرامج الملموسة التي من شأنھا التحفیز على الاستثمار المنتج، المدر لفرص الشغل، والمشاریع المحددة والقابلة للإنجاز.

وبموازاة مع مواصلة تنفیذ برنامج مكافحة آثار الجفاف للسنة الثانیة على التوالي، من خلال مشاریع ملموسة للتنمیة القرویة المندمجة، تتعامل مع ھذه الآفة كظاھرة بنیویة ; فقد واصلنا أیضا إنجاز برنامج التجھیزات الفلاحیة الكبرى، المتمثلة في بناء السدود وري الأراضي. كما أعلنا، خلال ترؤسنا للمجلس الأعلى للماء، عن سیاستنا الجدیدة التي تستھدف تحصین مكتسباتنا والتكیف مع إكراھات المحیط الطبیعي ; جاعلین ثلاثیة الأرض والإنسان والماء قوام سیاستنا الفلاحیة، وغایة العنایة الخاصة التي نحیط بھا الفلاحین، و بخاصة صغارھم الذین حرصنا على إعفائھم من قسط كبیر من الدیون المترتبة علیھم، وإعادة جدولة أداء القسط المتبقى على المدى البعید.

وإننا لندعو مجددا إلى التعامل مع الماء كمادة ثمینة لا تعوض ، والنظر للأرض الصالحة للزراعة كثروة إن لم تنقص مساحتھا فإنھا لن تزید، وإلى الإنسان كوسیلة وغایة للتنمیة القرویة المبنیة على تكوینھ وتحسین ظروف عیشھا وفك عزلتھا.

شعبي العزیز،

إن النجاح الذي عرفتھ عملیة فتح رأس مال اتصالات المغرب والتقدم الذي حققھ ھذا القطاع یحفزنا على استلھام تجربتھ من أجل وضع رؤیة استراتیجیة تتوخى إصلاح المقاولات العمومیة، وتمكینھا من ھیاكل قانونیة ومالیة عصریة وملائمة لمھامھا، وتعزیز تنافسیتھا الداخلیة والخارجیة، وفتح رأسمالھا للقطاع الخاص الوطني والأجنبي، بطریقة تمكنھا من الاستمرار في تنمیة الاقتصاد الوطني، وبناء تحالفات استراتیجیة حتى تكون بمثابة رمح عولمة الاقتصاد المغربي.

بید أن الانفتاح على رأس المال الخاص وطنیا كان أو أجنبیا لا یعني بأي شكل من الأشكال التخلي عن مھمة المرفق العام، الملازمة للمقاولات العمومیة ; بل یجب أن یكون ھدفھ الأسمى ھو تحسین تدبیرھا، وتقویة تدخلاتھا، وتسھیل مراقبتھا، وتمكینھا من الموارد الجدیدة، اللازمة للرفع من إنتاجیتھا وتنافسیتھا ، خدمة للمصلحة العامة.

وإذا كانت عملیات الخوصصة وفتح رأسمال المقاولات العمومیة، ومنح امتیاز استغلالھا قد مكنت خزینة الدولة من مداخیل استثنائیة; فإننا ننتظر من حكومتنا استثمارھا كما ھو الشأن بالنسبة لصندوق الحسن الثاني للتنمیة الاقتصادیة والاجتماعیة لخلق مزید من الثروات، بوضع مشاریع منتقاة بدقة ; مشددین على مواصلة ترشید الانفاق العام، ومحاربة كل أنواع التبذیر، والحفاظ على التوازنات الاقتصادیة والمالیة، المحصل علیھا بعد سنوات من التضحیات ; داعین القطاع البنكي إلى تعزیز جھود تحدیثھ، وحفزه على الاستثمار، وتطھیر بعض مؤسساتھ التي تواجھ بعض المشاكل، لینھض بدوره كاملا كرافعة للإقلاع الاقتصادي.

ویقینا منا بأنھ مھما كانت الشروط المادیة والمالیة أساسیة لحفز الاستثمار ; فإنھا تظل رھینة بتوفر المناخ الاجتماعي السلیم، وعلاقات الشغل التعاونیة والتشاركیة ، فإننا ندعو النقابات والمقاولات والسلطات العمومیة إلى تبني ثقافة اجتماعیة جدیدة، تعتمد المواطنة والحوار الدائم، وإحلال قوة القانون محل قانون القوة، وتركز على ضمان فرص الشغل والاستثمار، لكسب رھانات العولمة والتنافسیة ; مجددین دعوة حكومتنا إلى الإسراع بوضع النص المتعلق بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي.

وبدل اختزال ھذا المناخ الاجتماعي، المحفز على الاستثمار والتشغیل، في مجرد إقرار مشروع مدونة الشغل، التي یتعین حسم أمرھا، فإننا ندعو لإقرار عقد اجتماعي جدید ومتكامل، قوامھ إخراج مدونة الشغل إلى حیز التطبیق، وإعداد مشروع القانون التنظیمي المتعلق بشروط ممارسة حق الإضراب، وإخراج التغطیة الصحیة الإجباریة إلى حیز الوجود، والتشجیع على إنشاء مؤسسات للأعمال الاجتماعیة للأجراء والموظفین، وحل النزاعات الاجتماعیة الحادة، وإصلاح الأجھزة الإداریة والقضائیة المكلفة بحل نزاعات الشغل، وانخراط رجال السلطة في حل المنازعات الاجتماعیة، طبقا للمفھوم الجدید للسلطة، وتطھیر وضعیة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والتعاضدیات، واحترام التشریعات الاجتماعیة الأساسیة، وابتكار أسالیب جدیدة لتشغیل الشباب، وإعادة التأھیل لولوج سوق العمل. وكل ذلك ضمن منظور شمولي لمكافحة كل مظاھر العجز الاجتماعي، من بطالة وفقر وأمیة وإقصاء، لا بوازع دیني وأخلاقي فحسب، وإنما أیضا في إطار سیاسات عمومیة تستھدف التنمیة البشریة وخلق الثروة الوطنیة، وكسب رھان مجتمع المعرفة والاتصال، الذي لا یقاس فقط بالتجھیزات والآلیات، بل كذلك بمقدار تنمیة رأس المال البشري وتأھیلھ.

ومن ھنا كانت بدایة تفعیلنا للمیثاق الوطني للتربیة والتكوین بجعلھ أولویة وطنیة طیلة العشریة الحالیة، معتزمین بلوغ مقاصده النبیلة التي تسمو فرق كل اعتبار.

وإذا كانت عدة أوراش قد انطلقت في ھذا المجال، فإن إصلاح نظام التربیة والتكوین یظل في حاجة إلى نفس وجرأة أكثر ; إذ ھو كل متماسك لا یقبل التجزئة أو التطبیق الانتقائي، كما یتطلب الالتزام لا بالكم فقط، وإنما بالكیف أیضا، وبخاصة في محطاتھا الاساسیة المتمثلة في تعمیم التسجیل المدرسي والتعلیم الأولي والإصلاح الجامعي، مع خضوع إصلاح ھذا النظام للتقویم المتجرد والمستمر ; منتظرین من حكومتنا أن ترصد في میزانیة الدولة الاعتمادات الكفیلة بتطبیق مقتضیات المیثاق، وأن تخرج إلى حیز الوجود النصوص القانونیة والجبائیة القمینة بجعل الجماعات المحلیة والقطاع الخاص ینھضان بدورھما الكامل كشریكین فاعلین وجادین، ملتزمین بتحقیق الأھداف النبیلة للإصلاح.

ومن منطلق العطف الخاص الذي نكنھ لأسرة التربیة والتكوین، وتحفیزا لھا على تفعیل ھذا الإصلاح الأساسي الذي یتوقف على تعبئتھا ; فقد سھرنا على وضع الإطار القانوني وتخصیص الغلاف المالي لموءسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعیة لرجال التربیة والتكوین، التي سنتولى تنصیب أجھزتھا المسیرة في القریب العاجل.

وإننا لندعو كل الفاعلین، من سلطات عمومیة وجماعات محلیة وقطاع خاص ومجتمع مدني، أن یضاعفوا جھودھم لإنجاح مشروع المدرسة المغربیة الجدیدة، الذي یتوقف علیھ تكوین مواطن وفي لھویتھ، موءھل لرفع تحدیات عصره.

شعبي العزیز،

إنھ بقدر ما كان انشغالنا بترسیخ المشروع المجتمعي على المستوى الوطني، لم یفتأ انشغالنا أیضا متواصلا لاستثمار إشعاعھ الدیمقراطي، من أجل توطید السمعة الدولیة للمغرب، كقطب جھوي ودولي فاعل، وشریك مسموع الكلمة لدى الدول العظمى،

ونصیر للقضایا العادلة °للدول النامیة ; ومركز إشعاع واستقرار ; حریصین على أن تظل دیبلوماسیتنا متفاعلة مع التحولات المتسارعة التي تطبع العلاقات الدولیة، فاعلة ضمن المنظمات الأممیة، وعاملة على تحقیق أھدافھا النبیلة في إقامة نظام عالمي عادل ومتضامن یسوده السلم والوفاق.

وتأسیسا على ما للمملكة من رصید حضاري وتاریخي، وإشعاع دولي، وموقع استراتیجي، فقد عملنا على الحفاظ على ھذه المكاسب، ساھرین على أن یكون محیطنا مستقرا، وعلى الوفاء بالتزاماتنا تجاه أشقائنا وشركائنا.

وھكذا، ومواصلة لسیاسة التآزر مع القارة الإفریقیة، التي تجمعنا وإیاھا روابط تاریخیة وحضاریة ودینیة، وعلاقات تضامن وحدویة راھنة ; فقد كان اھتمامنا كبیرا بدعمھا من خلال تبادل الزیارات والوفود، التي عززت علاقاتنا مع الدول الافریقیة الشقیقة، سواء على الصعید الثنائي أو متعدد الأطراف، وفي مقدمتھا لقاءات القمة، التي تمت، سواء باستقبالنا، أو بقیامنا بزیارات رسمیة لإخواننا الأجلاء، أصحاب الفخامة روءساء الدول الشقیقة ; للسینغال وغانا والنیجر والطوغو.

وقد حرصنا على الحضور في التظاھرات الكبرى التي شھدتھا قارتنا، حیث شاركنا شخصیا في القمة الواحدة والعشرین لروءساء دول إفریقیا وفرنسا، التي انعقدت بالعاصمة الكامیرونیة، حیث دعونا بھذه المناسبة إلى الأخذ بعین الاعتبار الوضعیة الاستثنائیة الإفریقیة، والبعد الإنساني لإكراھات العولمة التي تواجھھا.

وفضلا عن مساھمة المغرب في برامج التنمیة، لفائدة سبع عشرة دولة إفریقیة، فقد انتدبنا وزیرنا الأول لتمثیل جلالتنا في الدورة الثالثة لمؤتمر تجمع دول الساحل والصحراء، التي انعقدت في السودان، والتي تمیزت بانضمام بلدنا إلى ھذا التجمع، الذي نتطلع إلى أن یفتح مجالات جدیدة للتعاون الإفریقي الجاد.

كما تولى بلدنا أیضا تنظیم أول قمة للسیدات الأولیات الإفریقیات، تحت رعایتنا السامیة، والرئاسة الفعلیة لصاحبة السمو الملكي الأمیرة الجلیلة للامریم. وتدخل ھذه التظاھرة، التي اعتنت بأوضاع الفتاة الإفریقیة ضمن الإعداد للقمة العالمیة للطفل، التي أنطنا بشقیقنا صاحب السمو الملكي الأمیر الجلیل مولاي رشید، رئاسة لجنة وطنیة تحضیریة لھا، ضمت، علاوة على القطاعات الحكومیة، فعالیات المجتمع المدني ; وكان لھا تحت إشراف سموھما جھود فعالة، سواء في تحضیر المغرب لھذه القمة، أو في احتضان لقاءات وزاریة وجمعویة إفریقیة وعربیة، لضمان الاسھام الجید للمغرب وإفریقیا في ھذا الملتقى الأممي.

وإن حرصنا على تمتین علاقات التضامن والتعاون مع أشقائنا بإفریقیا، لا یوازیھ إلا اھتمامنا الكبیر بعلاقاتنا مع أشقائنا في الوطن العربي، حیث شكلت قضایا أمتنا العربیة أھمیة كبرى في انشغالاتنا وتفكیرنا، وفي مقدمتھا القضیة العادلة للشعب الفلسطیني الشقیق، مساندین، في كل مناسبة الجھود الرامیة إلى توفیر الشروط المؤدیة إلى وقف البطش الإسرائیلي بالشعب الفلسطیني الأعزل، واستئناف الحوار، قصد الوصول إلى إرساء سلام دائم وعادل، وشامل في المنطقة، وإقامة الدولة الفلسطینیة المستقلة، وعاصمتھا مدینة القدس الشریف، التي حرصنا بوصفنا رئیسا للجنة القدس، على عقد دورة خاصة لھا، وأكدنا في كل لقاءاتنا الدولیة على رفض تكریس الاحتلال الاسرائیلي لھا بالقوة، وطمس طابعھا كرمز وفضاء لتعایش الأدیان السماویة، مدعمین عمل الأجھزة المسیرة لوكالة بیت مال القدس الشریف، ومحتضنین اجتماعاتھا وأنشطتھا لمواصلة النھوض بمھمتھا في الحفاظ على ھویتھا العربیة الإسلامیة.

كما حرصنا على الدعوة في القمتین العربیتین للقاھرة وعمان إلى خلق مناخ عربي جدید، یؤھل الأمة العربیة للقیام بدور مؤثر وفاعل لتحقیق الأمن والسلام في المنطقة، ونبذ الخلافات، وتعزیز التعاون والتضامن العربي. وقد سعدنا، في ھذا السیاق، بلقاء أشقائنا أصحاب الجلالة والفخامة والسمو من القادة الأشقاء في المملكة العربیة السعودیة، ودولة الإمارات العربیة المتحدة،والبحرین،ولیبیا، وتونس، وسوریا، ولبنان; ساھرین على أن یوفر انعقاد دورات اللجان المشتركة مع الدول العربیة الشقیقة، وتبادل الزیارات بین كبار المسؤولین، مناسبة لمواصلة تعمیق التعاون الثنائي والعربي في مختلف المجالات.

وبمبادرة من جلالتنا، أشرفنا على التوقیع على إعلان أكادیر بشأن إقامة منطقة للتبادل التجاري الحر، بین مجموعة من الدول العربیة المتوسطیة، من خلال صیغ جدیدة تتلاءم مع طبیعة التوجھات الاقتصادیة المعاصرة.

وعلى مستوى منظمة الموءتمر الإسلامي، كان لمملكتنا نشاط مكثف، حیث شارك المغرب في أشغال موءتمر القمة الإسلامیة التاسعة، التي انعقدت بالدوحة، موءكدین مواقفنا المتضامنة والثابتة تجاه كافة القضایا الإسلامیة ; فضلا عن المساھمة الجادة للمغرب في كل الھیآت المتفرعة عن ھذه المنظمة، والبرامج التي تنجز تحت إشراف أمانتھا العامة التي أجمعت الدول الإسلامیة الشقیقة على استمرار تولي المغرب لھا.

وعملا على توسیع آفاق التعاون بین المغرب والدول الأسیویة، فقد قمنا بزیارة رسمیة لجمھوریة الھند، ساھمت في تمتین روابط الصداقة العریقة التي تجمعنا بھذا البلد الكبیر. كما انتدبنا وزیرنا الأول للقیام بزیارة إلى كل من باكستان وإیران، موءكدین بذلك عزمنا على تعزیز علاقات المغرب بھذین البلدین الأسیویین الإسلامیین الكبیرین.

أما بخصوص اتحاد المغرب العربي، الذي تتقاطع فیھ الدوائر العربیة والإسلامیة والإفریقیة والمتوسطیة لسیاستنا الخارجیة، فإن تجاوب المغرب مع المبادرات الھادفة إلى تحریك آلیات ھذا الاتحاد لا یوازیھ إلا حرصھ على أن یعرف انطلاقة جدیدة قائمة على الواقعیة والمصداقیة، والتوجھ نحو المستقبل، موءكدین العزم على تذلیل كل العقبات التي تعوق تفعیل ھذا الاتحاد الذي نعتبره خیارا استراتیجیا.

وقد عرفت علاقاتنا مع أوربا مرحلة جديدة اتسمت بدخول اتفاق الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوربي حيز التنفيذ، وبتأكيدنا على منظورنا الجديد بخصوص انبثاق ارتباط قوي بالاتحاد الأوربي، في إطار نظام شراكة متقدمة ومتطورة، تتجاوز المقاربات التقنية والتقليدية لتتسم بتوجهات ذات بعد شمولي تضامني متجدد، مثلما ألححنا على ذلك خلال زيارتنا للجمهورية الفرنسية الصديقة.

كما كان لمملكتنا دور فاعل في تنشيط التعاون الأورومتوسطي تجسيدا لدورنا الحضاري في المنطقة المتوسطية، حيث دعت ديبلوماسيتنا في كل المناسبات إلى ضرورة البحث عن أسلوب جديد يمكن المنطقة المتوسطية من السير نحو فضاء يسوده السلم والازدهار في إطار احترام ثقافات وقيم كل الأطراف.

ومن نفس المنظور نسعى جادين إلى العمل مع الإدارة الأمريكية الجديدة، من أجل زيادة توطيد علاقات الصداقة التاريخية والتعاون المثمر، التي تجمع بلدينا الصديقين.

كما نعمل على توسيع آفاق التعاون والتضامن، بين المغرب ودول أمريكا اللاتينية، التي نتقاسم وإياها نفس الانشغالات التنموية والحضارية.

وقد أولينا عناية خاصة، سواء على مستوى سياستنا الداخلية أو في لقاءاتنا الدولية وعمل ديبلوماسيتنا، لقضايا جالياتنا بالخارج، التي سهرنا، من منطلق ما نكنه لها من سابغ الرعاية وموصول العناية، على وضع منظور جديد لمقاربة قضاياها.

 شعبي العزیز،

إن مخاطبتنا لك في ھذا الیوم الأغر تتیح لنا الإعراب لك عما یغمرنا من سعادة ورضى وتأثر عمیق بما یجیش بھ قلبك من مشاعر ولائك ووفائك لجلالتنا،ملتفا حول عرشنا، واثقا من تفانینا في خدمتك وإخلاصنا في العمل، متفقدین لمیادین أحوالك في كل أرجاء المملكة، عازمین على تحقیق الإصلاحات الأساسیة التي من شأنھا استكمال إنجاز المشروع المجتمعي الدیمقراطي، بمشاركة كل فئاتك وموءسساتك، وبجمیع سواعد أبنائك وطاقاتك،مرحلة مرحلة، ولبنة لبنة، لتحقیق مطامحك على درب التقدم والبناء،وضمان وحدتك وسیادتك، مستنھضین عزمك على التعبئة الشاملة والانخراط الفعلي في معركة الجھاد الاقتصادي والاجتماعي، الذي نخوض غماره، والتحلي في ھذا الجھاد بأفضل سلاح، وھو الإیمان بالقیم التي یملیھا دینك، وتقتضیھا وطنیتك.

وننتھز ھذه المناسبة الخالدة لاستحضار ذكرى الملاحم التاریخیة التي خاضھا أسلافنا المنعمون وأبطالنا المجاھدون، والترحم على أرواحھم، وفي مقدمتھم جدنا بطل التحریر جلالة الملك محمد الخامس ، ووالدنا باني المغرب الحدیث جلالة الملك الحسن الثاني قدس لله روحیھما، وكذا أرواح شھداء المقاومة والتحریر. كما نذكر باعتزاز في ھذه المناسبة الوطنیة الكبرى صمود قواتنا المسلحة الملكیة، وقوات الأمن والدرك والقوات المساعدة ورجال الوقایة المدنیة، مجددین التنویھ بھا والإشادة بأعمالھا وتفانیھا في خدمة الوطن والمواطنین، وبخاصة منھا تلك التي ترابط في جنوبي المغرب، ساھرة على أمنھ واستقراره، أو تلك التي بعثنا بھا إلى جھات من إفریقیا وأوربا للمشاركة في الأعمال الإنسانیة النبیلة، التي تقتضیھا تقالید المغرب، في النجدة والمساعدة ودعم السلام.

والله نسأل أن یشد أزرنا بشعبنا، ویسدد خطانا، ویكلل بالنجاح والتوفیق مسعانا، لتحقیق ما نبتغیھ من نبیل المقاصد وصالح الأعمال، وأن یبقي الوشائج التي تشد بعضنا إلى بعض عروة وثقى،لا انفصام لھا، وأن یصل صدق أقوالنا بصدق أفعالنا

 "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصیرا " صدق الله العظیم. 

  والسلام علیكم ورحمة الله تعالى وبركاته ".

نص الخطاب الذي وجهه جلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين لثورة الملك والشعب

 بمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين لثورة الملك والشعب التي توافق يوم 20 أغسطس من كل سنة وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله خطابا ساميا إلى الأمة يوم الإثنين 20 أغسطس 2001، وفيما يلي نص الخطاب الملكي السامي:

الحمد الله والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

شعبي العزيز،

إن تخليدنا لذكرى ثورة الملك والشعب، وعيد الشباب، ليجعلنا نستحضر، بكل خشوع وإجلال، الجهاد الوطني والملحمة الخالدة لثورة الملك دفاعا عن حرية شعبه، وثورة الشعب فداء لملكه، جدنا المقدس، جلالة الملك محمد الخامس، طيب الله ثراه.

كما إن إحياءنا لهذه الذكرى، يجعلنا نستشعر بكل اعتزاز وإكبار، مواصلة والدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني، قدس الله روحه، للجهاد الأكبر، بتشييده للدولة العصرية للقانون والمؤسسات في إطار الملكية الدستورية الديمقراطية، التي حرص على أن تكون اجتماعية، وبتوفيره للبنيات الأساسية للتنمية.

وقد آلينا على نفسنا منذ قلدنا الله، عز وجل، أمانة قيادتك، السير على النهج القويم لجدنا ووالدنا المنعمين، في إعطاء التنمية الاقتصادية والاجتماعية المكانة السامية للجهاد الأكبر;

مولين فائق اهتمامنا للتنمية البشرية، جاعلين منها أساس وغاية مذهبنا في الحكم.

واستلهاما من تخليدنا لهاتين المناسبتين وقيمهما التي تحثنا على التضامن والالتزام بأداء الأمانة والمسؤولية والإقدام، في قيادتنا للجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي، الذي يحتل فيه التصدي لكل مظاهر العجز الاجتماعي مكانة الصدارة; فقد ارتأينا أن نجعل من احتفائنا بهما، في هذه السنة، فرصة لمشاطرتك الانشغال العميق والتفكير الجدي، في محاربة أحد تجليات العجز الاجتماعي الصارخة، المتمثلة في السكن غير اللائق، الذي عاينا مظاهره المتخلفة، خلال تفقدنا الميداني، على امتداد السنتين الماضيتين، لأحوال رعايانا الأوفياء في مختلف ربوع مملكتنا، شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا.

لقد بذل والدنا المنعم، نور الله ضريحه، جهودا موصولة، وأولى عناية فائقة للإسكان والتجهيز والتعمير، حتى أن التاريخ يذكره بالملك الباني. كما أن وارث سره، خديمك الأول، لم يفتأ يولي السكن الاجتماعي الأولوية القصوى في السياسات الوطنية، سواء من خلال مشاريع الدولة والمؤسسات التابعة لها، أو عن طريق جعل تمويل السكن الاجتماعي اللائق، يتصدر برامج صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو بتشجيع مبادرات القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذا المجال..

بيد أن الطابع المعقد لإشكاليته المتعددة الأبعاد، وما يتطلبه من وسائل هائلة، وعدم تحمل الأجهزة المكلفة بمحاربته مسؤوليتها كاملة في هذا الشأن; جعل مشكل السكن غير اللائق يتفاقم; بحيث إن ما يقرب من سبعمائة وسبعين ألف عائلة أي ما يزيد من أربعة ملايين نسمة، تقيم بالسكن الصفيحي والعشوائي. وعلى سبيل المثال، فإن المحور الساحلي، الممتد من مدينة القنيطرة إلى مدينة آسفي يستقطب حوالي خمسين بالمائة من مجموع مدن الصفيح على الصعيد الوطني.

أما في ما يخص السكن العشوائي، فإن أزيد من ثلثيه يتمركز بمدن ولايات طنجة وتطوان وأكادير والرباط سلا ووجدة. وإذا ما استمر ارتفاع وتيرة السكن غير اللائق بنحو أربعين ألف وحدة سكنية في كل سنة، أي بنسبة أربعين في المائة مما يبنى على الصعيد الوطني، فإن من شأن ذلك أن ينذر بأشد العواقب على توازن نسيجنا الاجتماعي، وسلامة بيئتنا، ويعيق كل الجهود التنموية التي تقوم بها السلطات العمومية، وصندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من أجل تأهيل مدننا وقرانا، لاستقطاب الاستثمار المنتج، خاصة في المجال السياحي، الذي نوليه أهمية خاصة، والذي تعد جمالية العمران أحد محفزاته.

وكي لا يشكل ما نقوم به من توسيع لاختصاصات الجماعات المحلية، وما ينتظر بلادنا من استحقاقات انتخابية، حقلا خصبا لانتشار خطير لهذه الظاهرة، فإن من الواجب التطبيق الصارم للقانون، كي لا يتم تحريف تلكم الاختصاصات، وتحويل تلك الاستحقاقات إلى أداة زبونية وانتخابوية، لجلب الأصوات، بمنح رخص غير قانونية، أو بالتشجيع الضمني للسكن غير اللائق.

وفي نفس سياق توجيهاتنا، المعلن عنها إثر تعييننا لمجموعة من الولاة الجدد; فإن المنتخبين والمسؤولين في الجماعات المحلية، مطالبون هم كذلك بحسن تطبيق القانون، في مجال محاربة السكن غير اللائق، والتحلي بروح المبادرة والواقعية، بالإسراع في مواجهته عوض الخضوع لإكراهاته، ووضع حد نهائي لتهاون عدد من الجماعات المحلية، وأجهزة الوصاية عليها، في القيام بتحمل مسؤوليتها كاملة في هذا المجال، وعدم إيلائها السكن الاجتماعي ما يستحقه من عناية في مخططاتها.

ولكي لا يرهن السكن غير اللائق والتعمير العشوائي مخططاتنا التنموية، وبغية رفع التحدي الكبير للقضاء عليه، فإننا نهيب بحكومتنا أن تنكب على إعداد الإطار التشريعي والتنظيمي، لمشروع برنامج وطني مضبوط، يستهدف القضاء على السكن غير اللائق الموجود..

كما ينبغي أن يضع هذا المشروع القواعد الزجرية، الكفيلة بالحيلولة دون استمرار هذا النوع من السكن وانتشاره; محددا بدقة مسؤوليات كل الفاعلين في هذا المجال، بما فيهم الجماعات المحلية والوكالات الحضرية، ومفتشيات التعمير، ورجال السلطة الجهوية والإقليمية والمحلية، بالإضافة إلى الخواص، وقطاع الإسكان والمؤسسات العمومية التابعة له، وكل الهيئات المكلفة إما بالترخيص، أو بمراقبة قانونية السكن، أو بمحاربة السكن غير اللائق، أو بالإنعاش العقاري.

ويتعين على هذا المشروع أن ينص، بكل ما يقتضيه الأمر من حزم وشفافية، على ترتيب الجزاءات الصارمة، الجنائية والمدنية والمالية، على الممارسات اللاقانونية، أو على الإخلال بالمسؤولية في هذا المجال.

وبالنظر للأمانة الملقاة على عاتق الجماعات المحلية في هذا الشأن، فإنها ستكون ملزمة بأن تجعل برامج ومشاريع السكن الاجتماعي والموارد اللازمة لتمويلها، في مقدمة مخططاتها التنموية. كما ينبغي أن ينص هذا الإطار التشريعي والتنظيمي على المسؤولية القانونية الشخصية للمنتخبين، وكذا على المسؤولية المالية للجماعة المحلية، عن كل تهاون، أو تغاض عن تحول جزء من دائرتها الترابية إلى مجال للسكن غير اللائق.

ولكي تقترن المسؤولية بتوفير الموارد اللازمة للنهوض بها، وتعزيزا للإمكانات المالية المرصودة في الميزانية العامة للدولة، ومساهمات الجماعات المحلية، وللدعم الذي يوفره صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لتمويل برامج السكن الاجتماعي; فإنه ينبغي الاجتهاد في إيجاد مصادر تمويل جديدة وقارة وفعالة.

وإننا لواثقون بأن اعتماد منهج الشراكة، انطلاقا من مخططات محلية للإسكان والتعمير، موضوعة بتشاور مع كل الأطراف المعنية، لمن شأنه التعجيل بوضع حد نهائي، لانتشار السكن غير اللائق.

كما أننا حريصون على رفع هذا التحدي الكبير، من خلال تفقدنا الميداني المتواصل، لكل أرجاء وفئات وطننا العزيز والوقوف في عين المكان، على مدى التزام المسؤولين بكسب هذا الرهان الحيوي.

شعبي العزيز، إن تزامن الاحتفاء بعيدي العرش والشباب، وذكرى ثورة الملك والشعب، مع عودة رعايانا الأوفياء المقيمين بديار المهجر، لإحياء صلة الرحم بذويهم وبوطنهم، ليعد مصدر بهجة مضاعفة بالنسبة لنا; بالنظر لما نوليه لهذه الفئة العزيزة من شعبنا، من سابغ العطف وموصول العناية، المتجسدة في اعتزازنا باستقبالهم شخصيا عند حلولهم بأرض الوطن.

وإننا لنشيد بإقبالهم المتزايد على زيارة وطنهم التي شملت، علاوة على الجيل الأول، الجيلين الثاني والثالث، بحيث ارتفع عدد الوافدين هذه السنة بنسبة تفوق عشرة بالمائة مقارنة مع السنة الفارطة، منوهين بما يرمز إليه هذا الإقبال الكبير، من تعلق بوطنهم، ومن ثقة في حاضره ومستقبله.

وحرصا من جلالتنا، على توطيد هذا التجاوب الوجداني; فقد عملنا على وضع سياسة جديدة شمولية ومتناسقة، كفيلة بالاستجابة لما تشهده جاليتنا بالخارج من تحولات، وما تصبو إليه من تطلعات، وبالتأهيل الشامل للأجهزة والمؤسسات والجمعيات المعنية بشؤونها، بكيفية تمكن من كسب الرهانات الحيوية، التي تمثلها الهجرة بالنسبة لتنمية المغرب، وتحديثه وإشعاعه الخارجي.

وتستهدف هذه السياسة الجديدة، على المستوى الديبلوماسي، تقريب البعثات الديبلوماسية والقنصلية من أماكن تواجد المهاجرين، قصد المزيد من الحرص على خدمتهم، والدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم، وحل ما يعترضهم من مشاكل في بلدان الإقامة، واستثمار بروز نخب جديدة ديناميكية، في المجالات السياسية، والعلمية والتكنولوجية، والثقافية والرياضية، من أجل خدمة قضايا بلدهم.

أما على المستوى الاقتصادي، فيتعين إيجاد آليات جديدة لتشجيع توظيف التحويلات المالية المتزايدة الارتفاع، ولله الحمد، في الاستثمار المنتج والتنمية الوطنية.

وفي الجانب الثقافي، ينبغي تعزيز تلقين الثقافة المغربية بكل مكوناتها، والحفاظ على الهوية الإسلامية الوسطية، وسن سياسة إعلامية وتواصلية خلاقة وحديثة.

وفي ما يخص التناسق والتكامل، اللذين نحرص على أن يطبعا عمل المؤسسات المعنية بقضايا المغاربة المهاجرين; فقد أصدرنا توجيهاتنا السامية، قصد إعادة النظر في هياكل ومهام، وطرق تسيير مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، كي تجعل في طليعة أعمالها، المساعدة على التسوية السريعة للمنازعات الإدارية والقضائية، التي تهم أفراد جاليتنا، ومساعدتهم القانونية على صون حقوقهم وحماية ممتلكاتهم، والتنسيق في ذلك مع السلطات العمومية، الوطنية والمحلية لإمدادهم بالإرشادات والتوجيهات، الكفيلة بجعلهم، يتجنبون ما يحدث لهم من مشاكل، وما يصدر عنهم من شكايات، يمكنهم تفاديها، بحسن استعمالهم للخدمات والإرشادات المقدمة لهم.

كما أن على هذه المؤسسة أن تسهر كذلك، على تعزيز الإشعاع الثقافي الوطني بديار الهجرة، وتعميق التشاور والتشارك مع جمعيات المهاجرين، ذات التمثيلية والمشروعية والمصداقية; فاسحين بذلك المجال لما نبتغيه من ضمان مشاركتهم، على أعلى مستوى، في المؤسسات الوطنية; موفرين أحسن الظروف لدوام ارتباطهم بوطنهم.

ومن منطلق الفعالية التي أبانت عنها مؤسسة محمد الخامس في مجال العمل التضامني; فقد سهرنا على تكفلها بالجانب الإنساني والاجتماعي، في عملية العبور والاستقبال والعودة.

شعبي العزيز، إذا كان من حقنا أن نعتز بما لشبابنا من طاقات وعزائم واعدة، في استكمال بناء المغرب الديمقراطي الحداثي; فإن من واجبنا أن نتذكر بإجلال وإكبار، أبطال المقاومة الأبرار،والمجاهدين المخلصين، رواد هذا البناء،وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان، صاحبا الجلالة الملكين محمد الخامس والحسن الثاني، أكرم الله مثواهما; وأن نأخذ العبرة من تاريخنا الوطني، مستشعرين كل محفزاته وإيجابياته، مقبلين على صنع المستقبل، بكل ثقة وأمل وحماس.

والله، سبحانه وتعالى نسأل، أن يوالي على وطننا العزيز، نعمة الالتحام بين العرش والشعب، لتظل مصدر قوتنا ووحدتنا، وإنجاز المزيد من المكاسب، في مجال تحقيق أكمل صور العزة والكرامة لكل فئات شعبنا العزيز.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

نص الخطاب الذي ألقاه أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس خلال مراسم الاستقبال الرسمي لقداسة البابا فرانسيس

 ألقى أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خطابا ساميا خلال مراسم الاستقبال الرسمي الذي خصصه جلالته، اليوم السبت، لقداسة البابا فرانسيس، بباحة مسجد حسان بالرباط، بمناسبة الزيارة الرسمية التي يقوم بها البابا للمملكة.

وفي ما يلي نص الخطاب الملكي :

  

"الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.

قداسة البابا،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

يشهد المغرب اليوم حدثا استثنائيا، لسببين رئيسيين :

أولهما : زيارة قداسة البابا فرنسيس الأول لبلدنا.

وثانيهما: لأن زيارة الحبر الأعظم، تذكرني بزيارة البابا يوحنا بوليس الثاني، التي كانت زيارة تاريخية للمغرب.

إن هذه الزيارة تندرج في إطار العلاقات العريقة بين المغرب والفاتكان.

وقد حرصنا على أن يعبر توقيتها ومكانها، عن الرمزية العميقة، والحمولة التاريخية، والرهان الحضاري لهذا الحدث.

فالموقع التاريخي، الذي يحتضن لقاءنا اليوم، يجمع بين معاني الانفتاح والعبور والتلاقح الثقافي، ويشكل في حد ذاته رمزا للتوازن والانسجام.

فقد أقيم بشكل مقصود، في ملتقى نهر أبي رقراق والمحيط الأطلسي، وعلى محور واحد، يمتد من مسجد الكتبية بمراكش، والخيرالدة باشبيلية، ليكون صلة وصل روحية ومعمارية وثقافية، بين افريقيا وأوروبا.

وقد أردنا أن تتزامن زيارتكم للمغرب مع شهر رجب، الذي شهد إحدى أكثر الحلقات رمزية من تاريخ الإسلام والمسيحية، عندما غادر المسلمون مكة، بأمر من النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولجؤوا فرارا من الاضطهاد، إلى النجاشي، ملك الحبشة المسيحي.

فكان ذلك أول استقبال، وأول تعارف متبادل بين الديانتين الإسلامية والمسيحية.

وها نحن اليوم، نخلد معا هذا الاعتراف المتبادل، من أجل المستقبل والأجيال القادمة.

قداسة البابا،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

تأتي زيارتكم للمغرب، في سياق يواجه فيه المجتمع الدولي، كما جميع المؤمنين، تحديات كثيرة.

وهي تحديات من نوع جديد، تستمد خطورتها من خيانة الرسالة الإلهية وتحريفها واستغلالها، وذلك من خلال الانسياق وراء سياسة رفض الآخر، فضلا عن أطروحات دنيئة أخرى.

وفي عالم يبحث عن مرجعياته وثوابته، فقد حرصت المملكة المغربية على الجهر والتشبث الدائم بروابط الأخوة، التي تجمع أبناء إبراهيم عليه السلام، كركيزة أساسية للحضارة المغربية، الغنية بتعدد وتنوع مكوناتها.

ويشكل التلاحم الذي يجمع بين المغاربة، بغض النظر عن اختلاف معتقداتهم، نموذجا ساطعا في هذا المجال.

فهذا التلاحم هو واقع يومي في المغرب. وهو ما يتجلى في المساجد والكنائس والبيع، التي ما فتئت تجاور بعضها البعض في مدن المملكة.

وبصفتي ملك المغرب، وأمير المؤمنين، فإنني مؤتمن على ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية. وأنا بذلك أمير جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم.

وبهذه الصفة، لا يمكنني الحديث عن أرض الإسلام، وكأنه لا وجود هنا لغير المسلمين. فأنا الضامن لحرية ممارسة الديانات السماوية.

وأنا المؤتمن على حماية اليهود المغاربة، والمسيحيين القادمين من الدول الأخرى، الذين يعيشون في المغرب.

قداسة البابا،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

إننا في بحث متواصل عما يرضي الله، في ما وراء الصمت، أو الكلمات، أو المعتقدات وما توفره من سكينة، وذلك لتظل دياناتنا جسورا متميزة ونيرة، ولكي تظل تعاليم الإسلام ورسالته منارة خالدة.

بيد أنه من الواضح أن الحوار بين الديانات السماوية، يبقى غير كاف في واقعنا اليوم.

ففي الوقت الذي تشهد فيه أنماط العيش تحولات كبرى، في كل مكان، وبخصوص كل المجالات، فإنه ينبغي للحوار بين الأديان أن يتطور ويتجدد كذلك.

لقد استغرق الحوار القائم على "التسامح" وقتا ليس بيسير، دون أن يحقق أهدافه.

فالديانات السماوية الثلاث لم توجد للتسامح في ما بينها، لا إجباريا كقدر محتوم، ولا اختياريا من باب المجاملة؛

بل وجدت للانفتاح على بعضها البعض، وللتعارف في ما بينها، في سعي دائم للخير المتبادل؛ قال تعالى :

"يا أيها الناس، إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، صدق الله العظيم.

فالتطرف، سواء كان دينيا أو غير ذلك، مصدره انعدام التعارف المتبادل، والجهل بالآخر، بل الجهل، وكفى.

ذلك أن التعارف المتبادل يعني رفض التطرف، بكل أشكاله؛ وهو السبيل لرفع تحديات هذا العصر المضطرب. قال تعالى :

"لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم في ما آتاكم، فاستبقوا الخيرات"، صدق الله العظيم.

ولمواجهة التطرف بكل أشكاله، فإن الحل لن يكون عسكريا ولا ماليا؛ بل الحل يكمن في شيء واحد، هو التربية.

فدفاعي عن قضية التربية، إنما هو إدانة للجهل. ذلك أن ما يهدد حضاراتنا هي المقاربات الثنائية، وانعدام التعارف المتبادل، ولم يكن يوما الدين.

واليوم، فإني بصفتي أمير المؤمنين، أدعو إلى إيلاء الدين مجددا المكانة التي يستحقها في مجال التربية.

ولا يمكنني وأنا أخاطب هؤلاء الشباب، ألا أحذرهم من مخاطر التطرف أو السقوط في نزوعات العنف.

فليس الدين هو ما يجمع بين الإرهابيين، بل يجمعهم الجهل بالدين.

لقد حان الوقت لرفض استغلال الدين كمطية للجهلة، وللجهل وعدم التسامح، لتبرير حماقاتهم.

فالدين نور ومعرفة وحكمة. والدين بطبيعته يدعو إلى السلام، ويحث على استثمار الطاقات في معارك أكثر نبلا، بدل هدرها في سباق التسلح، وأشكال أخرى من التسابق الأعمى.

ولهذا الغرض، أحدثنا مؤسسة محمد السادس للعلماء. وفي نفس السياق، استجبنا لطلبات العديد من البلدان الإفريقية والأوروبية، باستقبال شبابها في معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات.

قداسة البابا،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

بصفتنا أمير المؤمنين، فإننا نتقاسم والحبر الأعظم، الإيمان بنفس القيم الروحية الفاعلة، التي تنشد خدمة الصالح العام.

إن القيم الروحانية ليست هدفا في حد ذاتها، بقدر ما تدفعنا إلى القيام بمبادرات ملموسة. فهي تحثنا على محبة الآخر، ومد يد العون له.

بيد أن هناك حقيقة أساسية، وهي : أن الله غفور رحيم. وبما أن الرحمة من صفاته تعالى، فقد جعلنا السماحة والعفو والرأفة في صلب عملنا.

ولأن المحبة من صفاته أيضا، فقد بادرنا طوال سنوات حكمنا، بالعمل على القرب من الفئات الأكثر فقراً وهشاشة.

فهذه القيم هي روح وجوهر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقناها في بلادنا منذ 14 عاما، بهدف تحسين ظروف عيش الأشخاص الذين يعانون من الفقر والهشاشة، وإدماج من يعانون من الإقصاء، وتوفير سكن للمشردين، وإعطائهم الأمل في مستقبل يضمن لهم الكرامة.

تلكم القيم هي أيضا في صلب الفلسفة التي ترتكز عليها سياسة الهجرة واللجوء، التي اعتمدناها ببلادنا، وحرصنا على أن تكون مبنية أساسا على التضامن.

وهي تنسجم مع الميثاق الدولي للهجرة، الذي تمت المصادقة عليه في 10 دجنبر الماضي بمراكش.

قداسة البابا،

أصحاب المعالي والسعادة،

حضرات السيدات والسادة،

إن لقاءنا اليوم يرسخ قناعة مشتركة، مفادها أن القيم التي ترتكز عليها الديانات التوحيدية، تساهم في ترشيد النظام العالمي وتحسينه، وفي تحقيق المصالحة والتقارب بين مكوناته.

وبصفتي أمير المؤمنين، فإني أرفض مثل قداستكم، سلوك اللامبالاة بجميع أشكالها.

كما أحيي شجاعة القادة الذين لا يتهربون من مسؤولياتهم، إزاء قضايا العصر الكبرى.

وإننا نتابع باهتمام وتقدير كبيرين، الجهود التي تبذلونها خدمة للسلم عبر العالم، وكذا دعواتكم المستمرة إلى تعزيز دور التربية والحوار، ووقف كل أشكال العنف، ومحاربة الفقر والفساد، والتصدي للتغيرات المناخية، وغيرها من الآفات التي تنخر مجتمعاتنا.

وبصفتينا أمير المؤمنين والحبر الأعظم، فإننا مدعوون لأن نكون في نفس الوقـت، مثاليين وعمليين، واقعيين ونموذجيين.

فرسائلنا تتسم بطابعها الراهن والأبدي في آن واحد.

وهي تدعو الشعوب إلى الالتزام بقيم الاعتدال، وتحقيق مطلب التعارف المتبادل، وتعزيز الوعي باختلاف الآخر.

وبذلك، نكون، قداسة البابا، قد اجتمعنا "على كلمة سواء بيننا وبينكم".

وهي كلمة تتجاوز دلالاتها المعنى الضيق للتوافق التحكيمي. فنحن نفهمها - ونعيشها -كرسالة مشتركة بين المسلمين والمسيحيين واليهود، موجهة للبشرية جمعاء.

وذلكم هو ما يجمعنا اليوم، وما ينبغي أن يوحدنا في المستقبل.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى الـ19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين

sm le roi adresse un discours a la nation a loccasion de la fete du trone 290718

في ما يلي نص الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الأحد 15 ذو القعدة 1439(29 يوليو 2018) بمناسبة الذكرى الـ19 لتربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين ..

"الحمد لله،

والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

شعبي العزيز،

لقد من الله تعالى على المغرب، عبر تاريخه العريق، بنعمة الوحدة والتلاحم، في كل الظروف والأحوال.

وما الاحتفال بعيد العرش، الذي نخلد اليوم ذكراه التاسعة عشرة، إلا تجسيد للبيعة التي تربطني بك، والعهد المتبادل بيننا، على الوفاء الدائم لثوابت المغرب ومقدساته، والتضحية في سبيل وحدته واستقراره.

فكان هذا العهد بين ملوك هذا الوطن وأبنائه، وما يزال، بمثابة الحصن المنيع، الذي يحمي المغرب من مناورات الأعداء، ومن مختلف التهديدات.

كما مكننا من تجاوز الصعاب، ومن تحقيق العديد من المكاسب والمنجزات، التي نعتز بها، في ظل الوحدة والأمن والاستقرار.

فالمغرب هو وطننا، وهو بيتنا المشترك. ويجب علينا جميعا، أن نحافظ عليه، ونساهم في تنميته وتقدمه.

إن الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانا. بل تزيدهم إيمانا على إيمانهم، وتقوي عزمهم على مواجهة الصعاب، ورفع التحديات.

وإني واثق أنهم لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته. لأنهم يدركون أن الخاسر الأكبر، من إشاعة الفوضى والفتنة، هو الوطن والمواطن، على حد سواء.

وسنواصل السير معا، والعمل سويا، لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية، وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية، وخلق فرص الشغل، وضمان العيش الكريم.

شعبي العزيز،

إن تحقيق المنجزات، وتصحيح الاختلالات، ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي، يقتضي العمل الجماعي، والتخطيط والتنسيق، بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين أعضاء الحكومة، والأحزاب المكونة لها.

كما ينبغي الترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان السير السليم للمؤسسات، بما يعزز الثقة والطمأنينة داخل المجتمع، وبين كل مكوناته.

ذلك أن قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها. والهيآت السياسية الجادة، هي التي تقف إلى جانب المواطنين، في السراء والضراء.

والواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها. إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم، هم الذين يعرفون مشاكل ومتطلبات اليوم. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب وآليات اشتغالها.

فالمنتظر من مختلف الهيآت السياسية والحزبية، التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات، التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم، وكأنها غير معنية بما يحدث.

شعبي العزيز،

إن الشأن الاجتماعي يحظى عندي باهتمام وانشغال بالغين، كملك وكإنسان. فمنذ أن توليت العرش، وأنا دائم الإصغاء لنبض المجتمع، وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم العمل والأمل، من أجل تحسين ظروفهم.

وإذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في نفس الوقت، أحس أن شيئا ما ينقصنا، في المجال الاجتماعي.

وسنواصل العمل، إن شاء الله، في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها.

فحجم الخصاص الاجتماعي، وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، من أهم الأسباب التي دفعتنا للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني.

فليس من المنطق أن نجد أكثر من مائة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام، وترصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين.

وبالإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها.

فكيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن يلمسوا أثرها ؟

ولا داعي للتذكير هنا، بأننا لا نقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما نعتبر أن النقد الذاتي فضيلة وظاهرة صحية، كلما اقترن القول بالفعل وبالإصلاح.

وفي هذا الصدد فإننا نعتبر المبادرة الجديدة لإحداث "السجل الاجتماعي الموحد" بداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيا وعلى المدى القريب والمتوسط.

وهو نظام وطني لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.

إن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة. فهو أكبر من أن يعكس مجرد برنامج حكومي لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعل حزبي أو سياسي.

شعبي العزيز،

إن طموحي للنهوض بالأوضاع الاجتماعية، يفوق بكثير وضع آلية أو برنامج مهما بلغت أهميته.

لذا، أدعو الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين، للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة، للبرامج والسياسات الوطنية، في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها.

وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية، وبعد النظر، والنفس الطويل، والسرعة في التنفيذ أيضا، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة.

وفي انتظار أن يعطي هذا الإصلاح ثماره كاملة، فإننا نحث على اتخاذ مجموعة من التدابير الاجتماعية المرحلية، في انسجام مع إعادة الهيكلة التي نتوخاها.

وإني أدعو الحكومة إلى الانكباب على إعدادها، في أقرب الآجال، وإطلاعي على تقدمها بشكل دوري.

وحتى يكون الأثر مباشرا وملموسا، فإني أؤكد على التركيز على المبادرات المستعجلة في المجالات التالية :

  • أولا : إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج "تيسير" للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين.
  • ثانيا : إطلاق المرحلة الثالثة من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بتعزيز مكاسبها، وإعادة توجيه برامجها للنهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرة للدخل ولفرص الشغل
  • ثالثا : تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية "RAMED"، بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري، في المنظومة الوطنية للصحة، التي تعرف تفاوتات صارخة، وضعفا في التدبير.
  • رابعا : الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، حيث ندعو مختلف الفرقاء الاجتماعيين، إلى استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة، بالقطاعين العام والخاص.

وهنا أقول للحكومة بأن الحوار الاجتماعي واجب ولابد منه، وينبغي اعتماده بشكل غير منقطع. وعليها أن تجتمع بالنقابات، وتتواصل معها بانتظام، بغض النظر عن ما يمكن أن يفرزه هذا الحوار من نتائج.

وارتباطا بهذا الموضوع، فإنني كنت ولا أزال مقتنعا بأن أسمى أشكال الحماية الاجتماعية هو الذي يأتي عن طريق خلق فرص الشغل المنتج، والضامن للكرامة.

والواقع أنه لا يمكن توفير فرص الشغل، أو إيجاد منظومة اجتماعية عصرية ولائقة، إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني.

ولهذه الغاية، فإنه يتعين، على الخصوص، العمل، على إنجاح ثلاثة أوراش أساسية:

  • أولها : إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري، داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.
  • وثانيها : الإسراع بإخراج الميثاق الجديد للاستثمار، وبتفعيل إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الإجماع المعمول به حاليا، وتجميع كل اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية.
  •  وثالثها: اعتماد نصوص قانونية ، تنص :من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة موافقة من قبلها، ومن جهة ثانية: على أن لا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى؛ إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.

وإننا نتوخى أن تشكل هذه الإجراءات الحاسمة حافزا قويا وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص الشغل، وتحسين جودة الخدمات، التي تقدمها للمواطن، والحد من التماطل، الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة، كما يعرف ذلك جميع المغاربة.

كما ستشكل دافعا لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدإ المحاسبة، والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح.

ويتعين العمل على جعل هذه الإجراءات أمرا واقعا، في ما يخص مجال الاستثمار، على أن يتم تعميمها على كافة علاقات الإدارة مع المواطن.

غير أن النصوص، مهما بلغت جودتها، تبقى رهينة بمدى جدية والتزام كل مسؤول إداري، بحسن تطبيقها.

كما نؤكد على ضرورة تحيين برامج المواكبة الموجهة للمقاولات، بما في ذلك تسهيل ولوجها للتمويل، والرفع من إنتاجيتها، وتكوين وتأهيل مواردها البشرية.

ويبقى الهدف المنشود هو الارتقاء بتنافسية المقاولة المغربية، وبقدرتها على التصدير، وخلق فرص الشغل، ولا سيما منها المقاولات الصغرى والمتوسطة، التي تستدعي اهتماما خاصا؛ لكونها تشكل 95 في المائة من النسيج الاقتصادي الوطني.

ذلك أن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم، إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية، إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار.

فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة، وتجديد ثقافة الأعمال، واستثمار المؤهلات المتعددة، التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحيانا.

شعبي العزيز،

إن حرصنا على النهوض بالأوضاع الاجتماعية، ورفع التحديات الاقتصادية، لا يعادله إلا عملنا على الحفاظ على الموارد الاستراتيجية لبلادنا وتثمينها؛ وفي مقدمتها الماء، اعتبارا لدوره الرئيسي في التنمية والاستقرار. قال تعالى: " وجعلنا من الماء كل شيء حي". صدق الله العظيم.

فالمخطط الوطني للماء، يجب أن يعالج مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال الثلاثين سنة القادمة.

كما أن الحكومة والمؤسسات المختصة، مطالبة باتخاذ تدابير استعجالية، وتعبئة كل الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة، المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وتوفير مياه سقي المواشي، خاصة في فصل الصيف.

ولهذه الغاية، ما فتئنا نؤكد على ضرورة مواصلة سياسة بناء السدود، التي يعد المغرب رائدا فيها. وقد حرصت على السير على هذا النهج، حيث تم بناء ثلاثين سدا من مختلف الأحجام، خلال الثمانية عشر سنة الماضية.

شعبي العزيز،

إن المغرب، بماضيه وحاضره ومستقبله، أمانة في أعناقنا جميعا. لقد حققنا معا، العديد من المنجزات في مختلف المجالات. ولن نتمكن من رفع التحديات وتحقيق التطلعات إلا في إطار الوحدة والتضامن والاستقرار، والإيمان بوحدة المصير، في السراء والضراء، والتحلي بروح الوطنية الصادقة والمواطنة المسؤولة.

وما أحوجنا اليوم، في ظل ما تعرفه بلادنا من تطورات، إلى التشبث بقيمنا الدينية والوطنية الراسخة، واستحضار التضحيات التي قدمها أجدادنا من أجل أن يظل المغرب بلدا موحدا، كامل السيادة وموفور الكرامة.

ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نستحضر، بكل إجلال وإكبار، الأرواح الطاهرة لشهداء المغرب الأبرار، وفي مقدمتهم جدنا ووالدنا المنعمان جلالة الملك محمد الخامس، وجلالة الملك الحسن الثاني، أكرم الله مثواهما.

كما نوجه تحية تقدير إلى كافة مكونات قواتنا المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، والأمن الوطني، والوقاية المدنية، على تجندهم الدائم، تحت قيادتنا، للدفاع عن وحدة الوطن، وصيانة أمنه واستقراره.

ونود أن نشيد بالعمل الإنساني والاجتماعي الذي تقوم به القوات المسلحة الملكية داخل الوطن وخارجه، وخاصة من خلال المستشفى الميداني بغزة للتخفيف من معاناة أشقائنا الفلسطينيين، ودعم صمودهم، وكذا بمخيم الزعتري، لينضاف إلى دورها الإنساني والطبي سابقا، بالعديد من الدول الإفريقية الشقيقة.

وستجدني شعبي العزيز، كما عهدتني دائما، خديمك الأول، الحريص على الإنصات لانشغالاتك، والتجاوب مع مطالبك، والمؤتمن على حقوقك ومقدساتك.

قال تعالى : "ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب" صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

جلالة الملك يلقي خطابا ساميا بأديس ابابا أمام المشاركين في القمة 28 للاتحاد الافريقي

 SM le Roi prononce un discours devant le 28eme sommet de lUnion africaine UA à Addis Abeba.jpg

ألقى صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الثلاثاء، خطابا ساميا أمام المشاركين في أشغال القمة الثامنة والعشرين لقادة دول ورؤساء حكومات بلدان الاتحاد الافريقي التي تحتضنها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

    وفي ما يلي نص الخطاب الملكي السامي...

"الحمد لله، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

فخامة الرئيس ألفا كوندي، رئيس القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الإفريقي،

السيدات والسادة رؤساء الدول والحكومات،

السيدة رئيسة مفوضية الاتحاد الإفريقي،

أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة،

كم هو جميل هذا اليوم، الذي أعود فيه إلى البيت، بعد طول غياب! كم هو جميل هذا اليوم، الذي أحمل فيه قلبي ومشاعري إلى المكان الذي أحبه ! فإفريقيا قارتي، وهي أيضا بيتي.

لقد عدت أخيرا إلى بيتي. وكم أنا سعيد بلقائكم من جديد. لقد اشتقت إليكم جميعا.

من أجل ذلك، قررت، أخواتي وإخواني الأعزاء قادة الدول، أن أقوم بهذه الزيارة، وأن أتوجه إليكم بهذا الخطاب، دون انتظار استكمال الإجراءات القانونية والمسطرية، التي ستفضي لاستعادة المملكة مكانها داخل الاتحاد.

وإن الدعم الصريح والقوي، الذي حظي به المغرب، لخير دليل على متانة الروابط التي تجمعنا.

لقد كان الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية ضروريا: فقد أتاح الفرصة للمغرب لإعادة تركيز عمله داخل القارة، ولإبراز مدى حاجة المغرب لإفريقيا، ومدى حاجة إفريقيا للمغرب.

لقد جاء قرار العودة إلى المؤسسة الإفريقية ثمرة تفكير عميق. وهو اليوم أمر بديهي.

لقد حان موعد العودة إلى البيت: ففي الوقت الذي تعتبر فيه المملكة المغربية من بين البلدان الأفريقية الأكثر تقدما، وتتطلع فيه معظم الدول الأعضاء إلى رجوعنا، اخترنا العودة للقاء أسرتنا. وفي واقع الأمر، فإننا لم نغادر أبدا هذه الأسرة.

ورغم السنوات التي غبنا فيها عن مؤسسات الاتحاد الإفريقي، فإن الروابط لم تنقطع قط؛ بل إنها ظلت قوية. كما أن الدول الأفريقية وجدتنا دوما بجانبها :

  •  لقداستطعنا تطوير علاقات ثنائية قوية وملموسة: فمنذ سنة 2000، أبرم المغرب مع البلدان الإفريقية، حوالي ألف اتفاقية همت مختلف مجالات التعاون.

وعلى سبيل المقارنة، هل تعلمون أنه بين سنتي 1956 و1999، تم التوقيع على 515 اتفاقية، في حين أنه منذ سنة 2000 إلى اليوم، وصل العدد إلى 949 اتفاقية، أي حوالي الضعف؟

وخلال هذه السنوات، ارتأيت شخصيا أن أعطي دفعة ملموسة لهذا التوجه، وذلك من خلال تكثيف الزيارات إلى مختلف جهات ومناطق القارة.

كما تم التوقيع أيضا، خلال كل واحدة من الزيارات الستة والأربعين، التي قمت بها إلى 25 بلدا إفريقيا، على العديد من الاتفاقيات في القطاع الخاص.

وقد أولينا عناية خاصة لمجال التكوين، الذي يوجد في صلب علاقات التعاون مع البلدان الإفريقية الشقيقة. وهكذا، تمكن العديد من المواطنين المنحدرين من البلدان الأفريقية، من متابعة تكوينهم العالي في المغرب، وذلك بفضل آلاف المنح التي تقدم لهم.

  • كما تميزت زياراتي لهذه البلدان، بإطلاق مشاريع استراتيجية مهمة :

-ففي المقام الأول: سعدت ببلورة مشروع أنبوب الغاز إفريقيا-الأطلسي، مع أخي فخامة السيد محمد بهاري، رئيس جمهورية نيجيريا الفدرالية.

وسيمكن هذا المشروع بطبيعة الحال، من نقل الغاز من البلدان المنتجة نحو أوروبا. بل أكثر من ذلك، ستستفيد منه كافة دول إفريقيا الغربية.

ذلك أنه سيساهم في هيكلة سوق كهربائية إقليمية، وسيشكل مصدرا أساسيا للطاقة، وجعله في خدمة التطور الصناعي، فضلا عن كونه سيعزز من التنافسية الاقتصادية، وسيرفع من وتيرة التقدم الاجتماعي.

وسيتيح هذا المشروع إنتاج الثروات بالبلدان والشعوب المجاورة المعنية، حيث سيخلق حركية قوية، تضفي دينامية تساهم في تحقيق التقدم، وتطوير مشاريع موازية.

وبالإضافة إلى ذلك، سيسمح بإقامة علاقات أكثر استقرارا وهدوءا، سواء على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف، وسيفرز مناخا محفزا لتحقيق التقدم والنمو.

  - أما في المقام الثاني، وفي إطار المشاريع التي تهدف إلى الرفع من المردودية الفلاحية، وضمان الأمن الغذائي والتنمية القروية، فقد تمت إقامة وحدات لإنتاج الأسمدة بالشراكة مع كل من إثيوبيا ونيجيريا. وستعود هذه المشاريع بالنفع على القارة بأكملها.

وكما نعلم جميعا، فلا الغاز ولا البترول بإمكانه تلبية الحاجيات الغذائية الأساسية. أليس الأمن الغذائي أكبر تحد تواجهه القارة الإفريقية ؟

وهذا هو جوهر المبادرة من أجل تكييف الفلاحة الإفريقية مع التغيرات المناخية، التي تعرف بمبادرة"Triple A"، التي أطلقناها بمناسبة قمة المناخ "كوب 22". إنها مبادرة تمثل جوابا جد ملموس وغير مسبوق، لمواجهة التحديات المشتركة المترتبة عن التغيرات المناخية.

فمباشرة بعد إطلاقها، حظيت هذه المبادرة، بدعم قرابة ثلاثين بلدا.

وتهدف مبادرة "Triple A" إلى توفير موارد مالية أكبر لتحقيق "ملاءمة الفلاحة الأفريقية الصغرى"، وستواكب أيضا هيكلة وتسريع المشاريع الفلاحية بالاعتماد على أربعة برامج، وهي:

  • التدبير العقلاني للتربة،
  • والتحكم المستدام في المياه المستعملة لأغراض فلاحية،
  • وإدارة المخاطر البيئية،
  • والتمويل التضامني لحاملي المشاريع الصغرى.

وقد شكلت هذه المبادرة أحد المحاور الرئيسية في قمة العمل الإفريقي، التي كان لي شرف رئاستها في مدينة مراكش، في شهر نونبر الماضي.

  • وأخيرا، لقد حافظنا على متانة علاقاتنا في مجالي الأمن والسلم :

هل من حاجة للتذكير بأننا كنا دائما من السباقين للدفاع عن استقرار القارة الإفريقية؟

لقد شارك المغرب، منذ استقلاله، في ست عمليات أممية لاستتباب الأمن في إفريقيا، وذلك بنشر آلاف الجنود في عدة جبهات.

ولا تزال القوات المغربية، إلى اليوم، منتشرة في أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وفي نفس السياق، قام المغرب بمبادرات في مجال الوساطة، ساهمت بشكل فعال، في دعم وإقرار السلم، خاصة في ليبيا ومنطقة نهر مانو.

أصحاب الفخامة والمعالي،

حضرات السيدات والسادة،

إن منظورنا للتعاون جنوب- جنوب واضح وثابت : فبلدي يتقاسم ما لديه، دون مباهاة أو تفاخر.

وهكذا وباعتماده على التعاون البناء، سيصبح المغرب، وهو فاعل اقتصادي رائد في إفريقيا، قاطرة للتنمية المشتركة.

أما على الصعيد الداخلي، فإنه يتم استقبال الأفارقة من دول جنوب الصحراء، في إطار الالتزام بالمبادئ التي قمنا بالإعلان عنها سابقا. وقد تم إطلاق العديد من عمليات تسوية الوضعية، حيث استفاد منها، في المرحلة الأولى، ما يزيد عن 25 ألف شخص.

وفي الأسابيع القليلة الماضية، تم إطلاق المرحلة الثانية بنجاح، وفقا لنفس روح التضامن والقيم الإنسانية، التي طبعت سابقتها. وإننا لنعتز بهذه المبادرات.

لقد كانت ضرورية ومصيرية بالنسبة لهؤلاء الرجال والنساء، الذين طالما عانوا من العيش في السرية.

وإننا نقدم على هذه المبادرات، كي لا يظل هؤلاء الأشخاص يعيشون على الهامش، دون عمل أو خدمات صحية، ودون سكن أو استفادة من فرص التعليم.

كما نعمل من أجل تفادي تفريق الأسر، وخاصة المنحدرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء المتزوجين بمغاربة.

وقد عززت هذه الجهود البناءة لفائدة المهاجرين، صورة المغرب، ورسخت الأواصر التي تجمعنا بشعوبهم منذ زمن بعيد.

ولمن يدعي أن المغرب يبتغي الحصول على الريادة الإفريقية، عن طريق هذه المبادرات، أقول: إن المملكة المغربية تسعى أن تكون الريادة للقارة الإفريقية.

أصحاب الفخامة والمعالي،

حضرات السيدات والسادة،

إننا ندرك أننا لسنا محط إجماع داخل هذا الاتحاد الموقر.

إن هدفنا ليس إثارة نقاش عقيم، ولا نرغب إطلاقا في التفرقة، كما قد يزعم البعض !

وستلمسون ذلك بأنفسكم: فبمجرد استعادة المملكة المغربية لمكانها فعليا داخل الاتحاد، والشروع في المساهمة في تحقيق أجندته، فإن جهودها ستنكب على لم الشمل، والدفع به إلى الأمام.

لقد ساهمنا في انبثاق هذه المؤسسة الإفريقية العتيدة، ومن الطبيعي أن نتطلع إلى استرجاع مكاننا فيها.

وطيلة هذه السنوات، وعلى الرغم من عدم توفره على موارد طبيعية، استطاع المغرب أن يصبح بلدا صاعدا، بفضل خبرته المشهود بها. وقد أضحى اليوم من بين الدول الأكثر ازدهارا في إفريقيا.

وقد ظل المغرب يؤمن دائما، بأنه ينبغي، قبل كل شيء، أن يستمد قوته من الاندماج في فضائه المغاربي.

غير أنه من الواضح، أن شعلة اتحاد المغرب العربي قد انطفأت، في ظل غياب الإيمان بمصير مشترك.

فالحلم المغاربي، الذي ناضل من أجله جيل الرواد في الخمسينيات من القرن الماضي، يتعرض اليوم للخيانة.

ومما يبعث على الأسى، أن الاتحاد المغاربي يشكل اليوم، المنطقة الأقل اندماجا في القارة الإفريقية، إن لم يكن في العالم أجمع.

ففي الوقت الذي تصل فيه المعاملات التجارية البينية إلى 10 في المائة، بين بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، و19 في المائة بين دول مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية، فإن تلك المبادلات تقل عن 3 في المائة بين البلدان المغاربية.

وفي نفس السياق، وبينما تشهد المجموعة الاقتصادية لشرق إفريقيا تطورا ملحوظا، في إقامة مشاريع اندماجية طموحة، وتفتح دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا مجالا حقيقيا لضمان حرية تنقل الأشخاص والممتلكات، ورؤوس الأموال، فإن التعاون الاقتصادي بين الدول المغاربية يبقى ضعيفا جدا.

والمواطنون في البلدان المغاربية لا يفهمون هذا الوضع.

وإذا لم نتحرك، أو نأخذ العبرة من التجمعات الإفريقية المجاورة، فإن الاتحاد المغاربي سينحل بسبب عجزه المزمن على الاستجابة للطموحات التي حددتها معاهدة مراكش التأسيسية، منذ 28 سنة خلت.

أصحاب الفخامة والمعالي،

حضرات السيدات والسادة،

إن هذا الوضع يكرس صواب التوجه الإفريقي للمغرب. فبلدي اختار تقاسم خبرته ونقلها إلى أشقائه الأفارقة. وهو يدعو، بصفة ملموسة، إلى بناء مستقبل تضامني وآمن.

وإننا نسجل بكل اعتزاز، أن التاريخ أكد صواب اختياراتنا.

فالمغرب لا يدخل الاتحاد الإفريقي من الباب الضيق، وإنما من الباب الواسع. وإن الاستقبال الحار الذي خصنا به إخواننا الأفارقة اليوم، لدليل قاطع على ذلك.

وإننا ندعو، بكل حماس، الأمم الإفريقية إلى الانخراط في الدينامية التي أطلقتها بلادنا، وإعطاء دفعة جديدة لقارتنا برمتها.

أصحاب الفخامة والمعالي،

حضرات السيدات والسادة،

لقد حان الوقت لكي تستفيد إفريقيا من ثرواتها. فبعد عقود من نهب ثروات الأراضي الإفريقية، يجب أن نعمل على تحقيق مرحلة جديدة من الازدهار.

صحيح أن الاستعمار ليس السبب الوحيد للمشاكل التي تعرفها إفريقيا. ولكن آثاره السلبية ما تزال قائمة.

فمنذ زمن طويل ونحن نوجه أنظارنا إلى الخارج، كلما تعلق الأمر باتخاذ قرار أو التزام.

ألم يحن الوقت بعد، لمعالجة هذا الخلل في الرؤية ؟ ألم يحن الوقت لنتوجه نحو قارتنا، وأن نأخذ بعين الاعتبار رصيدها الثقافي، وإمكاناتها البشرية ؟

ويحق لإفريقيا اليوم، أن تعتز بمواردها وبتراثها الثقافي، وقيمها الروحية. والمستقبل كفيل بتزكية هذا الاعتزاز الطبيعي من طرف قارتنا.

فإفريقيا قادرة، بل ومن واجبها أن تصادق على مساراتها الانتخابية بنفسها، وتصون الاختيار الحر لمواطنيها.

فهي تتوفر على آليات التقنين والضبط، وعلى المؤسسات القضائية، كالمجالس الدستورية والمجالس العليا، المخول لها صلاحية البت في المنازعات والطعون المرتبطة بالانتخابات.

وعند الاقتضاء، يمكن تعزيز هذه المؤسسات. فهي موجودة على أرض الواقع وتقوم بعملها. وإلا فما الفائدة من وجودها ؟

إن إفريقيا اليوم، يحكمها جيل جديد من القادة المتحررين من العقد، يعملون من أجل استقرار شعوب بلدانهم، وضمان انفتاحها السياسي، وتنميتها الاقتصادية، وتقدمها الاجتماعي.

إنهم يعملون بحزم واقتناع، ولا يعيرون أدنى اهتمام، لأي "تنقيط" أو تقييم من طرف الغرب.

فمنذ سنوات عديدة، لم تتجاوز معدلات التنمية في بعض بلدان الشمال نظيرتها في بعض الدول الإفريقية. وما فشل استطلاعات الرأي التي يقومون بها، إلا دليل على فقدانهم للقدرة على فهم تطلعات شعوبهم.

وعلى الرغم مما تعيشه هذه الدول، من أوضاع اجتماعية واقتصادية مختلة، وما يميزها من قيادات هشة، تعطي لنفسها الحق في إملاء نموذجها التنموي علينا.

وهنا أؤكد مرة أخرى: لقد أصبح مفهوم العالم الثالث متجاوزا.

أما هذه الممارسات، فهي تندرج في إطار الانتهازية الاقتصادية : فالاعتبار أو العناية التي يتم منحها لأي بلد، لا يجب، أن ترتبط بعد الآن، بموارده الطبيعية، أو بالمكاسب التي يمكن تحقيقها من وراء ذلك.

أصحاب الفخامة والمعالي،

حضرات السيدات والسادة،

لقد اختار المغرب سبيل التضامن والسلم والوحدة. وإننا نؤكد التزامنا من أجل تحقيق التنمية والرخاء للمواطن الإفريقي.

فنحن، شعوب إفريقيا، نتوفر على الوسائل وعلى العبقرية، ونملك القدرة على العمل الجماعي من أجل تحقيق تطلعات شعوبنا.

أشكركم على حسن إصغائكم.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".

الفيديو الخاص بالخطاب السامي بأديس ابابا أمام المشاركين في القمة 28 للاتحاد الافريقي

الرباط 30 يوليو 2016: صاحب الجلالة يوجه خطابا ساميا الى الامة بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد

  

في ما يلي النص الكامل للخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الى الامة يوم السبت 30 يوليو 2016 بالرباط، بمناسبة الذكرى 17 لعيد العرش المجيد :

نص الخطاب الملكي السامي

“الحمد لله ، والصلاة والسلام على مولانا
رسول الله وآله وصحبه،

شعبي العزيز،

تتوالى السنوات ، بعون الله وتوفيقه ، منذ أن تحملنا أمانة قيادتك. وهي أمانة جليلة بشرف خدمتك ،وجسيمة بما تنطوي عليه من مسؤوليات أمام الله ، وأمام التاريخ ، وعظيمة بما تحمله من التزامات تجاه جميع المغاربة .
ونحتفل اليوم بالذكرى السابعة عشرة ، لعيد العرش المجيد، ونحن أكثر اعتزازا بما يجمعنا من روابط البيعة الوثقى، والتلاحم المتين، وأقوى عزما على مواصلة العمل من أجل تحقيق تطلعاتك المشروعة .
فما أريده لكل المغاربة أينما كانوا في القرى والمدن، وفي المناطق المعزولة والبعيدة، هو تمكينهم من العيش الكريم في الحاضر، وراحة البال والاطمئنان على المستقبل، والأمن والاستقرار على الدوام، في تلازم بين التمتع بالحقوق، وأداء الواجبات .

شعبي العزيز ،

لقد تمكنا خلال السبعة عشرة سنة الماضية من إنجاز إصلاحات سياسية عميقة وأوراش اقتصادية كبرى ومشاريع للتنمية البشرية غيرت وجه المغرب.
غير أن هناك الكثير مما يجب القيام به خاصة ونحن على أبواب مرحلة جديدة ستنطلق مع الانتخابات التشريعية المقبلة.
وبصفتي الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، فإنني لا أشارك في أي انتخاب ، ولا أنتمي لأي حزب. فأنا ملك لجميع المغاربة مرشحين، وناخبين، وكذلك الذين لا يصوتون .
كما أنني ملك لكل الهيآت السياسية دون تمييز أو استثناء . وكما قلت في خطاب سابق، فالحزب الوحيد الذي أعتز بالانتماء إليه هو المغرب .
ومن تم ، فشخص الملك، يحظى بمكانة خاصة في نظامنا السياسي. وعلى جميع الفاعلين مرشحين وأحزابا تفادي استخدامه في أي صراعات انتخابية أو حزبية .
إننا أمام مناسبة فاصلة لإعادة الأمور إلى نصابها : من مرحلة كانت فيها الأحزاب تجعل من الانتخاب آلية للوصول لممارسة السلطة، إلى مرحلة تكون فيها الكلمة للمواطن، الذي عليه أن يتحمل مسؤوليته، في اختيار ومحاسبة المنتخبين.
فالمواطن هو الأهم في العملية الانتخابية وليس الأحزاب والمرشحين. وهو مصدر السلطة التي يفوضها لهم . وله أيضا سلطة محاسبتهم أو تغييرهم ، بناء على ما قدموه خلال مدة انتدابهم.
لذا أوجه النداء لكل النا خبين، بضرورة تحكيم ضمائرهم ، واستحضار مصلحة الوطن والمواطنين، خلال عملية التصويت بعيدا عن أي اعتبارات كيفما كان نوعها.
كما أدعو الأحزاب لتقديم مرشحين، تتوفر فيهم شروط الكفاءة والنزاهة ، وروح المسؤولية والحرص على خدمة المواطن.
فأحزاب الأغلبية مطالبة بالدفاع عن حصيلة عملها خلال ممارستها للسلطة في حين يجب على أحزاب المعارضة تقديم النقد البناء واقتراح البدائل المعقولة في إطار تنافس مسؤول من أجل إيجاد حلول ملموسة ، للقضايا والمشاكل الحقيقية للمواطنين.
ومن جانبها فإن الإدارة التي تشرف على الانتخابات تحت سلطة رئيس الحكومة، ومسؤولية وزير الداخلية ووزير العدل والحريات، مدعوة للقيام بواجبها، في ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي.
وفي حالة وقوع بعض التجاوزات، كما هو الحال في أي انتخابات، فإن معالجتها يجب أن تتم طبقا للقانون، من طرف المؤسسات القضائية المختصة .
غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين.
ولا يفوتني هنا أيضا، أن أنبه لبعض التصرفات والتجاوزات الخطيرة، التي تعرفها فترة الانتخابات، والتي يتعين محاربتها، ومعاقبة مرتكبيها.
فبمجرد اقتراب موعد الانتخابات، وكأنها القيامة، لا أحد يعرف الآخر. والجميع حكومة وأحزابا، مرشحين وناخبين، يفقدون صوابهم، ويدخلون في فوضى وصراعات، لا علاقة لها بحرية الاختيار، التي يمثلها الانتخاب.
وهنا أقول للجميع، أغلبية ومعارضة : كفى من الركوب على الوطن، لتصفية حسابات شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.

شعبي العزيز،

إن تمثيل المواطنين في مختلف المؤسسات والهيآت، أمانة جسيمة. فهي تتطلب الصدق والمسؤولية، والحرص على خدمة المواطن، وجعلها فوق أي اعتبار.
وكما أكدنا ذلك عدة مرات، فإن القيام بالمسؤولية، يتطلب من الجميع الالتزام بالمفهوم الجديد للسلطة، الذي أطلقناه منذ أن تولينا العرش.
ومفهومنا للسلطة هو مذهب في الحكم، لا يقتصر، كما يعتقد البعض، على الولاة والعمال والإدارة الترابية. وإنما يهم كل من له سلطة، سواء كان منتخبا، أو يمارس مسؤولية عمومية، كيفما كان نوعها.
والمفهوم الجديد للسلطة يعني المساءلة والمحاسبة، التي تتم عبر آليات الضبط والمراقبة، وتطبيق القا نون. وبالنسبة للمنتخبين فإن ذلك يتم أيضا، عن طريق الانتخاب، وكسب ثقة المواطنين.
كما أن مفهومنا للسلطة يقوم على محاربة الفساد بكل أشكاله : في الانتخابات والإدارة والقضاء، وغيرها. وعدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد.
والفساد ليس قدرا محتوما. ولم يكن يوما من طبع المغاربة. غير أنه تم تمييع استعمال مفهوم الفساد، حتى أصبح وكأنه شيء عاد في المجتمع.
والواقع أنه لا يوجد أي أحد معصوم منه، سوى الأنبياء والرسل والملائكة.
وهنا يجب التأكيد أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات.
ولا أحد يستطيع ذلك بمفرده، سواء كان شخصا، أو حزبا، أو منظمة جمعوية. بل أ كثر من ذلك، ليس من حق أي أحد تغيير الفساد أو المنكر بيده، خارج إطار القا نون.
فمحاربة الفساد هي قضية الدولة والمجتمع: الدولة بمؤسساتها، من خلال تفعيل الآليات القانونية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة، وتجريم كل مظاهرها، والضرب بقوة على أيدي المفسدين.
والمجتمع بكل مكوناته، من خلال رفضها، وفضح ممارسيها، والتربية على الابتعاد عنها، مع استحضار مبادئ ديننا الحنيف، والقيم المغربية الأصيلة، القائمة على العفة والنزاهة والكرامة.

شعبي العزيز،

إننا نؤمن بأن التقدم السياسي، مهما بلغ من تطور، فإنه سيظل ناقص الجدوى، ما لم تتم مواكبته بالنهوض بالتنمية.
وتقوم التنمية في منظورنا، على التكامل والتوازن، بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
كما أن رفع التحديات التنموية المتعددة والمتداخلة، يتطلب من جميع المغاربة، فرديا وجماعيا، الانخراط في المعركة الاقتصادية الحاسمة، التي يعيشها العالم.
فالتقدم الذي نطمح إليه ببلادنا، لا يقتصر فقط على مجرد مؤشرات، غالبا ما تتجاهل مسار كل بلد وخصوصياته؛ وإنما نريده أن يشكل تحولا اقتصاديا واجتماعيا حقيقيا، تشمل ثماره جميع المواطنين.
وإذا كان من حقنا أن نعتز بما حققناه من مكاسب تنموية، فإن على جميع الفاعلين، في القطاعين العام والخاص، مضاعفة الجهود، من أجل الارتقاء بالمغرب إلى مرتبة جديدة من التقدم، بين الدول الصاعدة، والتي سبق لنا أن حددنا مقو ماتها.
وهو ما يقتضي العمل الجاد للرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني، والتقييم الموضوعي للسياسات العمومية، والتحيين المستمر للاستراتيجيات القطاعية والاجتماعية.
ورغم الإكراهات المرتبطة أحيانا بالسياق الدولي، وأحيانا أخرى بالاقتصاد الوطني، فإن المغرب، والحمد لله، في تقدم مستمر، دون نفط ولا غاز، وإنما بسواعد وعمل أبنائه.
وخير دليل على ذلك، تزايد عدد الشركات الدولية، ك “بوجو” مثلا، والشركات الصينية التي ستقوم بإنجاز المشروع الاستراتيجي للمنطقة الصناعية بطنجة، على مساحة تتراوح بين 1000 و2000 هكتار، وكذا الشركات الروسية وغيرها، التي قررت الاستثمار في المغرب، وتصرف الملايين على مشاريعها.
هذه الشركات لا يمكن أن تخاطر بأموالها دون أن تتأكد أنها تضعها في المكان الصحيح. بل إنها تعرف و تقدر الأمن و الاستقرار، الذي ينعم به المغرب ، و الآفاق المفتوحة أمام استثماراتها .
كما أن العديد من الشركات العالمية ، عبرت عن اهتمامها بالاستثمار في مشروع ” نور – ورزا زات “، الذي يعد أكبر محطة للطاقة الشمسية في العالم .
كما يتزايد عدد الأجانب ، الذين يختارون المغرب للإقامة و الاستقرار، وخاصة من فرنسا وإسبانيا . و منهم من يقوم بإحداث شركات خاصة .
فهؤلاء الأجانب يعيشون في أمن واطمئنان، في ظل حماية أمير المؤمنين، وتحت مسؤولية  الدولة المغربية ، إضافة إلى أن المغاربة يعاملونهم بكل ترحيب وتقدير .
وبنفس الإرادة والعزم، نعمل على ضمان أمن المغاربة وسلامتهم، وعلى صيانة استقرار البلاد، والحفاظ على النظام العام.

شعبي العزيز ،

إن صيانة الأمن مسؤولية كبيرة، لاحد لها، لا في الزما ن، و لا في المكان. وهي أمانة عظمى في أعناقنا جميعا .
وأود هنا ، أن أعبر لمختلف المصالح الأمنية، عن تقديرنا للجهود الدؤوبة، والتضحيات
 الجسيمة، التي يقدمونها في القيام بواجبهم الوطني .
كما أشيد بالفعالية، التي تميز عملها ، في استباق و إفشال المحاولات الإرهابية، التي  تحاول يائسة ترويع المواطنين، والمس بالأمن والنظام العام .
وإننا نقدر الظروف الصعبة ، التي يعمل فيها نساء ورجال الأمن، بسبب قلة الإمكانات. فهم يعملون ليلا ونهارا، ويعيشون ضغوطا كبيرة ، ويعرضون أنفسهم للخطر، أثناء القيام بمهامهم  .
لذا، ندعو الحكومة لتمكين الإدارة الأمنية ، من الموارد البشرية والمادية اللازمة لأداء مهامها، على الو جه المطلوب .
كما يتعين مواصلة تخليق الإدارة الأمنية ، وتطهيرها من كل ما من شأنه أن يسيء لسمعتها ، و للجهود الكبيرة ، التي يبذلها أفرادها ، في خدمة المواطنين .

إن مصداقية العمليات الأمنية ، تقتضي الحزم والصرامة في التعامل مع المجرمين، ومع دعاة التطرف والإرهاب ، وذلك في إطار الالتزام بالقانون، واحترام الحقوق والحريات، تحت مراقبة القضاء .
وأمام تزايد التحديات الأمنية ، والمؤامرات التي تحاك ضد بلا دنا ، أدعو لمواصلة التعبئة واليقظة .
كما أؤكد على ضرورة التنسيق بين المصالح الأمنية ، الداخلية والخارجية، ومع القوات  المسلحة الملكية، بكل مكوناتها ، ومع الموا طنين. فالكل مسؤول عندما يتعلق الأمر بقضايا الوطن .
فأمن المغرب واجب وطني ، لا يقبل الاستثناء ، ولا ينبغي أن يكون موضع صراعات فارغة ، أو تهاون أو تساهل في أداء  الوا جب . وإنما يقتضي التنافس الإيجابي ،في   صيانة وحدة الوطن، وأمنه واستقراره .
فليس من العيب أن تكون الدولة قوية برجا لها وأمنها ، وأن يكون المغاربة جنودا مجند ين للدفاع عن قضا يا وطنهم .
أما على المستوى الخارجي، فإن التنسيق والتعاون، الذي تعتمده المصالح الأمنية ببلادنا ، مع نظيراتها في عدد من الدول الشقيقة والصديقة ، قد ساهم في إفشال العد يد من العمليات الإرهابية، وتجنيب هذه الدول مآسي إنسانية كبيرة .

شعبي العزيز،

إن انشغالنا بقضايا المواطنين داخل المغرب، لا يعادله إلا العناية التي نوليها، لشؤون  أفراد الجالية المقيمة بالخارج .
فنحن نقدر مساهمتهم في تنمية بلدهم، وفي الدفاع عن مصالحه العليا .
كما نعتز بارتباطهم بوطنهم ، وبتزايد عدد الذين يحرصون ، كل سنة، على صلة الرحم  بأهلهم ، رغم ما يتحملونه من تعب ومشاق السفر، وما يواجهونه من صعوبات .
وإذا كنا نعيد ونؤكد ، كل مرة ، و في كل مناسبة ، شكرنا لهم، وعلى ضرورة الاهتمام بقضاياهم ، سواء داخل الو طن ، أو في بلدان الإقامة ، فنحن لا نبالغ في ذلك ، لأنهم في   الواقع ، يستحقون ذلك وأكثر .
وقد سبق أن شددنا على ضرورة تحسين الخدمات، المقدمة لهم . ووقفنا على بعض النماذج ، التي تم اعتمادها لهذا الغرض .

ورغم الإصلاحات والتدابير، التي تم اتخاذها، إلا أنها تبقى غير كافية. وهو ما يقتضي   جدية أكبر، والتزاما أقوى من طرف القناصلة والموظفين ، في خدمة شؤون الجالية .

شعبي العزيز،

إن السياسة الخارجية لبلا دنا ، تعتمد دبلوماسية القول والفعل، سواء تعلق الأمر بالدفاع عن مغربية الصحراء ، أوفي ما يخص تنويع الشراكات ، أو الانخراط في القضايا والإشكالات الدولية الراهنة .
فإذا كان البعض قد حاول أن يجعل من 2016 ” سنة الحسم “، فإن المغرب قد نجح في جعلها ” سنة الحزم ”، في صيانة وحد تنا الترابية. فمن منطلق إيماننا بعدالة قضيتنا ،    تصدينا بكل حزم، للتصريحات المغلوطة، والتصرفات اللامسؤولة ، التي شابت تدبير ملف الصحراء المغربية، واتخذنا الإجراءات الضرورية ، التي تقتضيها الظرفية ، لوضع حد لهذه الانزلاقات الخطيرة .
وسنواصل الدفاع عن حقوقنا ، وسنتخذ التدابير اللازمة لمواجهة أي انزلاقات لاحقة. ولن نرضخ لأي ضغط ، أو محاولة ابتزاز ، في قضية مقدسة لدى جميع المغاربة .
غير أن المغرب سيبقى منفتحا، ودائم الاستعداد للحوار البناء ، من أجل إيجاد حل سياسي نهائي ، لهذا النزاع المفتعل .
وأود هنا ، أن أجدد الدعوة للجميع، لمواصلة اليقظة والتعبئة ، للتصدي لمناورات خصوم المغرب، الذين صاروا مسعورين، وفقدوا صوابهم ، أمام مظاهر التنمية والتقدم ، التي تعيشها الصحراء المغربية .
فكل المؤامرات المغلفة والمفضوحة ، لن تنال من عزمنا ، على مواصلة تفعيل النموذج التنموي، بأقاليمنا الجنوبية .
فالمشاريع التنموية التي أطلقناها بالمنطقة ، وما تتيحه الجهوية المتقدمة ، من إشراك فعلي للسكان في تدبير شؤونهم ، سيجعل من جهة الصحراء قطبا اقتصاديا مندمجا ، يؤهلها للقيام بدورها التاريخي كصلة وصل ، ومحور للمبادلات بين المغرب وعمقه الإفريقي ، و كذا مع دول الشمال .

شعبي العزيز،

إن دبلوماسية القول والفعل ، التي ينهجها المغرب ، لم تكن لتعطي وحدها النتائج المنشودة ، لولا المصداقية ، التي يحظى بها ، في علاقاته الدولية .
وهو ما أهله للتوجه نحو تنويع شركائه . إن الأمر لا يتعلق بتحرك ظرفي، أو برد فعل طارئ ، من أجل حسابات أو مصالح عابرة . و إنما هو خيار استراتيجي ، يستجيب لتطور المغرب ، و يأخذ بعين الاعتبار التحولات التي يعرفها العالم .
كما يعكس مكانة بلادنا كشريك محترم ومطلوب ، بفضل نموذجه السياسي والتنموي،  ولدوره كفاعل رئيسي في ترسيخ الأمن والاستقرار بالمنطقة ، و في الدفاع عن القضايا التي تهم إفريقيا .
وكما قلت سابقا ، فالمغرب ليس محمية تابعة لأي بلد . غير أن انفتاحه لا يعني تغيير توجهاته ، ولن يكون أبدا على حساب شركائه . فالمغرب يبقى وفيا بتعهداته ، وملتزما مع حلفائه التاريخيين .
وفي هذا الإطار ، تندرج القمة التي جمعتنا بأشقائنا قاد ة دول مجلس التعاون الخليجي، في أبريل الماضي ، والتي رسخت الشراكة المغربية الخليجية، كتكتل استراتيجي موحد ، و  وضعت الأسس الصلبة لنموذج فريد من التحالف العربي . كما أن المغرب لا يدخر أي جهد ، في سبيل تدعيم الشراكة الاستراتيجية التضامنية جنوب – جنوب ، و خاصة مع أشقائنا الأفارقة ، سواء على الصعيد الثنائي ، أو في إطار المجموعات الإقليمية ، لدول غرب إفريقيا .
وتعزيزا لهذه السياسة الإفريقية الصادقة ، أعلنا خلال القمة الإفريقية السا بعة والعشرين ، عن قرار المغرب بالعودة إلى أسرته المؤسسية الإفريقية .
و بطبيعة الحال ، فإن هذا القرار لا يعني أبدا ، تخلي المغرب عن حقوقه المشروعة ، أو الاعتراف بكيان وهمي ، يفتقد لأبسط مقوما ت السيادة ، تم إقحامه في منظمة الوحدة  الإفريقية ، في خرق سافر لميثاقها .
و يعكس رجوع بلادنا إلى مكانها الطبيعي ، حرصنا على مواصلة الدفاع عن مصالحنا ، من داخل الاتحاد الإفريقي ، و على تقوية مجالات التعاون مع شركائنا ، سواء على الصعيد الثنائي أو الإقليمي .

كما سيتيح للمغرب الانفتاح على فضاء ات جديدة ، خاصة في إفريقيا الشرقية و الاستوائية، وتعزيز مكانته كعنصر أمن واستقرار، و فاعل في النهوض بالتنمية البشرية،  والتضامن الإفريقي .
وأغتنم هذه المنا سبة ، لأتقدم بعبارات الشكر الجزيل، لكل الدول الشقيقة، على وقوفها إلى جانب المغرب ، في الدفاع عن وحدته الترابية ، وتجاوبها الإيجابي ، مع قرار العودة إلى أسرته المؤسسية ،خاصة قادة الدول الثمانية والعشرين ، الذين وقعوا على الملتمس، وباقي الدول الصديقة التي ساهمت في هذه المبادرة .
كما نعبر عن تقديرنا وامتناننا ، لجمهورية رواندا ، التي استضافت هذه القمة ، ورئيسها فخامة السيد  بول كغامي ، لدعمهم لنا ، وتعاونهم معنا .
و إلى جانب الانفتاح على فضاء ات سيا سية واقتصادية كبرى ، كروسيا والصين والهند ، نسعى لتوطيد شراكاتنا الاستراتيجية ، مع حلفائنا في فرنسا وإسبانيا . كما نعمل مع الاتحاد الأوروبي، على وضع أسس متينة ، لتطوير الشراكة التقليدية التي تجمعنا .
و إن توجهنا نحو تنويع الشراكات ، يقوم على الاحترام المتبادل ، والالتزام بالعمل ، على تقوية التعاون ، على أساس رابح – رابح . و هو ما تجسده الاتفاقيات الاستراتيجية ، التي تم توقيعها ، والتي تشمل مجالات حيوية ، كالطاقة والبنيات التحتية وتطوير المبادلات الفلاحية ، محا ربة الإرهاب ، و التعاون العسكري ، و غيرها .

شعبي العزيز،

إن حرص المغرب على تنويع شركائه ، لا يوازيه إلا انخراطه القوي ، في مختلف القضايا والإشكالات الدولية الراهنة .
فالمغرب يعد شريكا فعالا في محاربة الإرهاب، سواء في ما يتعلق بالتعاون الأمني، مع   عدد من الدول الشقيقة والصديقة ، أو من خلال نموذجه المتميز في تدبير الشأن الديني .
و هو ما أهله ليتقاسم مع هولندا، الرئاسة المشتركة للمنتدى العالمي لمكا فحة الإرهاب .
كما أن بلادنا تنخرط بقوة ، في الجهود الدولية لمواجهة التغيرات المناخية ، حيث ستحتضن في نونبر المقبل ، المؤتمر الثاني و العشرين ، للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة ، حول التغيرات المناخية .
وهي مناسبة لإبراز التزام المغرب ، بالعمل على تنفيذ اتفاق باريس ، و مواصلة دعم الدول النامية ، بإفريقيا و الدول الجزرية الصغيرة ، التي تعتبر المتضرر الأكبر من  تداعيات التغير المناخي .
وبصفته بلدا فاعلا في مجال التعاون الثلاثي ، فإن المغرب يجعل في صدارة سياسته ،توجيه العمل الدولي للاهتمام بقضايا التنمية، وخاصة في إفريقيا .

شعبي العزيز،

إن عملنا لا يهتم كثيرا بالحصيلة و المنجزات ، و إنما بمدى أثرها في تحسين ظروف عيش المواطنين .
ذلك أننا نضع البعد الإنساني في طليعة الأسبقيات . فما يهمنا هو المواطن المغربي، و الإنسان بصفة عامة ، أينما كان .
وإننا نحمد الله تعالى ، أن وفقنا لجعل المغرب على ما هو عليه اليوم : فضاء لأوراش البناء والتنمية ، وواحة أمن واستقرار ؛ رغم إكراهات سياق دولي ، مطبوع بتوالي الأزمات ، وتزايد التوترات .
ونود بهذه المناسبة المجيدة ، أن نعرب عن تقديرنا وشكرنا ، لكل القوى الحية ، ولكل المغاربة الأحرار، الغيورين على وطنهم ، على انخراطهم القوي ، إلى جانبنا ، في بناء مغرب الوحدة والحرية والتقدم ، ووقوفهم الحازم في مواجهة المؤامرات الدنيئة ، التي تحاك ضد بلادنا .
كما نوجه تحية تقدير، للقوات المسلحة الملكية ، والدرك الملكي، والقوات المساعدة ، والأمن الوطني ، والوقاية المد نية ، و الإدارة الترابية ، على تفانيهم و تجندهم الدائم، للدفاع عن وحدة الوطن وسيادته ، والسهر على أمنه واستقراره .
والله تعالى نسأل أن يوفقنا في أداء الأمانة ، التي ورثناها عن أجدادنا ، مستحضرين ، بكل إكبار وخشوع ، أرواحهم الطاهرة ، وفي مقدمتهم جدنا المقدس ، جلالة الملك محمد الخامس ، ووالدنا المنعم، جلالة الملك الحسن الثاني ، أكرم الله مثواهما ، وكافة شهداء الوطن الأبرار.
وسنواصل مسارنا الجماعي ، بكل حزم وعزم ، من أجل عزة المغرب، وخدمة أبنائه .
وستجدني، شعبي العزيز، كما عهدتني دوما، خديمك الأول، حاملا لانشغالاتك وقضاياك ، متجاوبا مع تطلعاتك، في كل الظروف والأحوال.

” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني“. صدق الله العظيم .

والسلام عليكم و رحمة الله تعالى وبركاته”.

 

facebook twitter youtube