عرض حالتي الخوف والتخوف على الثوابت

الأربعاء 25 يوليو 2012
  1. بالنسبة لأمارة المؤمنين، فقد رأينا أنها هي المنوط بها الالتزام بالكليات، وأولها حماية الدين من الجهل والتطرف والتزييف والتسلط، وتنمية شروط القيام به بتسهيل سبل الإيمان، وتوفير شروط القيام بالأركان، ثم الاضطلاع بالمصالح، وما تقتضيه من ملائم الأسباب؛

ولاشك أن مزيد استبطان فكري لمؤسسة إمارة المؤمنين، من شأنه أن يبرز للجميع، أن هذه المؤسسة، بحيثياتها الدينية وتوجهها المؤسساتي في جميع المجالات، تتيح وضعية يمكن أن نسميها بوضعية "الفرق في الجمع"، على مستوى العلاقة المدنية مع الدين، بمعنى توفير الحل العملي المتين لمعضلة قائمة في آفاق الإسلام، حيث يتعذر الحل العلماني الذي هو سلبي قانونيا حتى في البلدان التي تتبناه.

  1. أما بالنسبة للمذهب، فالمطابقة مع الشريعة من خلاله قائمة، إذ هو المرجع في العبادات بما يقي من الفتنة ولاسيما في المساجد، وهو المرجع في القضاء، والاجتهاد القانوني في غير المنصوص عليه، قائم سلس متواصل، لا يتقيد إلا بمراعاة الضرورات وعدم مخالفة القطعيات.

ثم إن إعادة اكتشاف إمكانات المذهب، لاسيما بعد الاجتهاد في مدونة الأسرة، يجعله بعدا حاضرا ومسهما في الحلول الاجتماعية، مواكبا لهذه السيولة في التشريع، دون صدام مع القطعيات، الشيء الذي يضفي على القوانين صفة الشرع باسم المصلحة.

  1. أما بالنسبة للتصوف، فيمكن للخائفين على الخصوص الاستئناس في مراعاة حرمته بالأحكام المبدئية النسبية لبعض الأعلام، من أمثال الشيخ تقي الدين بن تيمية، كما وردت في كتبه، ولاسيما في مواضع شتى من الفتاوى، حيث ميز بين الصحيح منه والسقيم، وحيث ذكر ما سماه بصديقية الصوفية، وذكر أحوالهم وعبارتهم، وحيث قدم شهادته الطيبة في الإمامين الجنيد وعبد القادر الجيلاني، أما في تراث المغاربة، فلا يستأنس بأحسن من الشيخ زروق، وهو من قبيلة البرانس قرب تازا، توفى بليبيا عام 899 هـ، وقد جمع بين الفقه والتصوف وشخص الضمير المحتسب على المتصوفة، فأنصفهم وانتقد بعض أحوالهم، وبين أسباب الإنكار على بعضهم، ولا سيما في القاعدة 216 من قواعده.

وعلى كل حال فالتصوف من حيث المبدأ، له اعتبار إيجابي عند بعض الحداثيين، نظرا لرصيده المعرفي المنفتح، ولأن أصوليته روحانية فسيحة، وليست حرفية ضيقة.

أما الثابت الرابع، وهو العقيدة، فعلى أساس ما رأيناه من اعتدالها وكونها عقيدة أكثر من أربعة أخماس كافة المسلمين، فلا يخاف منها أو ينكرها إلا من يريد إحياء مشروع الفهم الحرفي للنصوص، أو من لديه مشروع سياسي فاسد.

وقلما أعارتها الأجيال العصرية اهتماما أو عرفت ماذا تعني بالذات، ولكن اكتشاف استعمالاتها خارج الأشعرية في حجج التكفير والإرهاب، وفي خطاب المؤطرين الأصوليين غير التقليديين، يجعل روحها في الاعتدال ونبذ العنف، تلتقي مع فكر الفئتين المذكورتين، في الجانب البراغماتي على أقل تقدير.

وهكذا يتضح من كل ما حللناه، أن لا مبرر شرعيا في السياق المغربي للخوف على الدين أو التخوف منه، ما دامت تؤطره هذه الثوابت.            

إن الحالتين معا، حالة الخوف على الدين وحالة التخوف منه، تَصْدُرَان عن شعور سلبي، ومن هنا تأتي أهمية سؤال الحرية الذي يدور حول مسألتين، أولاهما تصور لدى الخائفين لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الفردي في الساحة العمومية، في نظر الدين، وثانيتهما اعتقاد عند بعض المتخوفين أن الحل يكمن في ما يسمى بالزمنية Secularism، أي سحب الدين من الساحة العمومية، غير أن العمل الإيجابي المطلوب، هو تدبير الحرية بأسلوب منسجم مع الثوابت الدينية، في مجتمع معروفة مبادؤه وقيمه، مفتوح شكله على الاجتهاد التاريخي للناس، لأن التاريخ متشوف إلى ليبيرالية متوازنة. وهكذا وبصدد مسألة تدبير الحرية فإن المغرب هو نوع المجتمع الذي لا معنى فيه للزمنية Secularism، لا رمزيا ولا موضوعيا، والمسألة الأهم هي نمط حضور الدين، وهو على التحقيق النمط الحالي في استمرار ترقية المؤسسات وترقية التعليم كما وكيفا. ومن شروط نجاح هذه السيرورة، ألا يكون في الناس من يرفع شعار الإكراه على أساس أن فيه خدمة الدين، قال الله تعالى في سورة يونس : ﴿وَلَوْ شَاَءَ رَبُّكَ لَاَمَنَ مَن فِي اِلاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُومِنِينَ﴾، وبالمقابل ألا يكون في الناس من يحسب أنه يبني تقاليد الحرية باستفزاز المتدينين، فللإسلام تصور في الحرية يجمع بين البعدين الفردي والجماعي، وهذا التصور ليس مجرد شعار، بل هو مقام يتوقف التأهيل له على أمور أساسية أهمها:

  تبني نمط عيش يسهل على الناس العبادة من جهة وقيام العدل بجميع أبعاده من جهة أخرى، وهذا مبحث لابد أن يضطلع به الفكر الإسلامي مستقبلا؛

  1.  تفعيل وازع القرآن من خلال الأسرة والمسجد والمدرسة، ومن خلال الاقتداء بنماذج روحية خيرة حية في العلماء والصلحاء والأئمة؛
  2. تفعيل وازع السلطان المتمثل في القانون الذكي، لأن كل معالجة للحرية بمجرد الزجر يمكن أن تحول المجتمع إلى مجتمع إكراه ونفاق وتقية.