الجمعة 24 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

واجهة مقال للدكتور عبد الهادي حميتو من مجلة الجذوة

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


أما قول مالك – رحمه الله -: "ليس هذا من عمل الناس"، وقوله: "لم يكن بالأمر القديم"، وتفسير الإمام الشاطبي له بأنه يعني: أنه لم يكن في زمان الصحابة والتابعين، فقد تقدم فيما نقله النووي عن ابن أبي داوود أن أبا الدرداء "كان يدرس القرآن معه نفر يقرأون جميعا"، وأبو الدرداء عويمر بن زيد الأنصاري الخزرجي، بعثه عمر – رضي الله عنه – في خلافته إلى الشام ليعلم أهلها، فنزل دمشق وأقرأ في مسجدها إلى أن مات في خلافة عثمان رضي الله عنهما سنة 32 هـ، فهو إذن من عمل الناس، ومن الأمر القديم، غاية ما هنالك أنه ظهر بالشام لا بالمدينة فلم يعرفه مالك.

وأما ما نقله أبو إسحاق الشاطبي – فيما قدمنا – نقلا عن العتيبة عن مالك أنه سئل عن القراءة في المسجد فقال: "لم يكن بالأمر القديم"، فقد زاد فيه الشاطبي تفسيرا لم يفسره به مالك، وهو قوله كما تقدم: "يعني القراءة على وجه مخصوص كالحزب ونحوه"، وهذا لم يقله مالك قطعا، وما أبعده عن قول مالك بصيغته الأصلية وسياقه الكامل الذي كانت الأمانة العلمية تقتضي عدم الوقف فيه على (فويل للمصلين) دون بقيته، وقول مالك في أصله هو كما رواه ابن أبي زيد القيرواني في كتاب الجامع في السنن والآداب هكذا: "ولم تكن القراءة في المسجد في المصحف من أمر الناس القديم، وأول من أحدثه الحجاج – يعني عامل الأمويين – وأكره أن يقرأ في المصحف في المسجد"[1]، فانظر إلى البون الشاسع بين كلام مالك في سياقه الأصلي، وبين ما نسب إليه أنه يعنيه بكلامه، وأن مراده "القراءة على وجه مخصوص كالحزب ونحوه"، والإمام الشاطبي إمام جليل القدر، فلعل هذا مدرج في فتواه. وإنما مراد مالك القراءة الرسمية التي يخرج فيها المصحف الرسمي في وقت مخصوص، ويقرأ فيه قارئ مخصوص مقدارا مخصوصا من القرآن، وهذا هو الذي أشار إليه الإمام الطرطوشي في قوله في كتاب الحوادث والبدع: "ومن البدع قراءة القارئ يوم الجمعة عشرا من القرآن عند خروج السلطان"، ثم ذكر أمورا أخرى وقال: "فهذه من الأمور المحدثة"[2].

وإذن فهذا مراد الإمام مالك بالقراءة في المصحف في المسجد، لا القراءة المطلقة على غير هذه الصفة، ويدلك على أن هذا هو المراد ما جاء في المعيار نفسه في سياق آخر عن القراءة في المسجد حيث يقول: "وفي سماع عيسى عن مالك: ما يعجبني أن يقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في الأسواق والطرق"[3].

فمالك إذن لا يكره قراءة القرآن في المساجد، وكيف يكرهها وقد قال عليه الصلاة والسلام – كما في الصحيح – للأعرابي الذي بال في المسجد: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن"[4]. فتفسير قول مالك بأن مراده "القراءة في المسجد على وجه مخصوص كالحزب" فيه تحريف للكلم عن مواضعه، وتقويل لمالك لما لم يقله، وكذلك الزعم بأنه قال عن القراءة في المسجد: بأنها لم تكن بالأمر القديم، وإنما قال هو: "القراءة في المسجد في المصحف" يعني على نحو ما أحدث الحجاج الثقفي من ذلك أيام ولايته.

وأما الدعوى على قراءة الجماعة بأنها لم تكن من الأمر القديم فيرده ما تقدم من ظهورها في حلقة الصحابي الجليل أبي الدرداء قاضي دمشق ومعلم قرائها، وسيأتي مزيد من البيان والتفصيل لذلك.



[1] - الجامع ص 164.

[2] - انظر المعيار للونشريسي (11/116-117).

[3] - المعيار(11/174).

[4] - رواه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ في كتاب الطهارة: باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد (236/1) ح 285، وأخرجه البخاري مختصرا في كتاب الأدب، باب الرقف في الأمر كله (2242/5) ح 5679، وأخرجه مالك في الموطأ مرسلا من حديث يحيى بن سعيد، باب ما جاء في البول قائما ح 129.

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube