الخميس 16 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


فأما أقرب دليل من حيث الجملة: فو البقاء في شأنها على البراءة الأصلية حتى يأتي ما ينقلنا عنها، وذلك باعتبار أنها قراءة القرآن، وقراءة القرآن هي من أزكى الطاعات وأعظم القربات إلى الله، باتفاق الأمة واجتماع الأئمة.

والدليل الثاني من حيث الجملة: أنها من أعمال البر التي أمرنا بفعلها والتعاون عليها، وقد استدل الإمام يحيى بن شرف الدين النووي من أئمة الشافعية في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" في فصل عقده فيه بعنوان: "فصل استحباب قراءة الجماعة مجتمعين وفضل القارئين من الجماعة والسامعين، وبيان فضيلة من جمعهم عليها، وحرضهم ونبدهم إليها"، أطال فيه القول في الاستدلال، وسيأتي لنا طرف مما ذكره، ويهمنا منه هنا قوله: "وأما فضيلة من يجمعهم على القراءة ففيها نصوص كثيرة"، ثم ذكر بعضها وقال: وقد قال الله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)[1]، ولا شك في عظم أجر الساعي في ذلك"[2].

قراءة القرآن هي من أزكى الطاعات وأعظم القربات إلى الله، باتفاق الأمة واجتماع الأئمة

والدليل الجملي الثالث ما فيها من خير من جهات كثيرة للمتعلم وللقارئ وللمستمع وللعامي والأمي الذي لا يتمكن من سماع القرآن ولا من القراءة في المصحف، وقد ثبت بالخبرة والعيان أن طائفة كبيرة من اللذين يعمرون المساجد من العوام والمتعلمين، قد حفظوا القرآن الكريم أو أكثره بسبب طول حضور القراءة الجماعية في الحزب الراتب اليومي، كما ثبت بالتجربة والممارسة ما للقراءة الجماعية من قيمة تعليمية في غاية الأهمية، سواء لتعاهد المحفوظ في القرآن حتى لا ينسى من الذاكرة، أم بالنسبة لتمكينه وتتمينه بتكرار المحفوظ، أم بالنسبة لتقليص المدة اللازمة في عرض المحفوظ على المشايخ، إذ لا يتمكنون من الاستماع إلى كل عارض على حدة، (ولا ينبئك مثل خبير)[3]، فقد كنا زمن الدراسة في الكتاب القرآني نختم القرآن ب "الأسوار" بهذه الطريقة كل ثلاثة أيام أو أربعة.

وقد عرفنا بالممارسة وأدركنا كم كان الفرق بيننا في التحصيل وبين أقراننا ممن كانوا في بعض المحاضر الأخرى ممن يتهاونون في "الأسوار".

وأما من حيث الاستدلال على ما يتذرع به من يدعي أن القراءة الجماعية أمر محدث، لأنه لم يكن على عهد النبوة، فالجواب عنه من وجوه كثيرة ستأتي، وأقربها وأوضحها دلالة ما أجاب له عمر بن الخطاب أبا بكر الصديق رضي الله عنهما حين عرض عليه بعد مقتل القراء في موقعة اليمامة ضد مسيلمة الكذاب أن يأمر بجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو والله خير، فلم ينزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر"، وهكذا أيضا أجابهما زيد بن ثابت بمثل ما أجاب له أبو بكر، فقال له: هو والله خير... إلى آخر الحديث[4]. فهذا الجواب على تساؤل أبي بكر وزيد بن ثابت على الاعتراض بالسؤال: كيف تفعل شيئا لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ وقول المجيب: "هو والله خير"، هو الجواب ذاته  في كل أمر حادث في الأمة بهذه الصفة، مما هو خير في نفسه أو وسيلة إلى الخير، مما تتناوله الأدلة العامة كقوله تعالى: (وافعلوا الخير لعلكم تفلحون)[5] وقوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)[6].

فإذا اعترض معترض بما يدعى على القراءة الجماعية من الهذرمة والسرعة وعدم إعطاء الحروف حقها من التجويد، قلنا: هذا وصف زائد خارج عن محل النزاع، وهو يتوجه إلى كل قراءة لم تستوف الشروط، سواء كانت فردية أو جماعية، فيدور الحكم فيها مع العلة وجودا وعدما، وحينئذ لا يختص هذا بالقراءة الجماعية، فلا تبقى فيه حجة وذريعة للمعترض يعترض بها على مشروعيتها.

وأما الاعتراض عليها بالهذرمة المزعومة، فهو غير واقع عليها وحدها أيضا، ولا هو أيضا من لوازمها، ونحن في المدة الأخيرة نستمع إلى عروض مصورة في المساجد من عدد من الأقاليم المغربية تعرضها قناة السادسة من إعداد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فنستمع الحزب من القرآن يقرأ بطريقة الحدر قراءة جيدة لا مطعن فيها المنصف، وقراءة الحدر هي جارية على إحدى المرتب الثلاث للقراءة، وهي: التحقيق والتدوير والحدر، وكلها جائزة على تفاوت بينها في المكث، لاشتراكها في صفات القبول، وقد ترخص السلف في سرعة القراءة بحسب الحال، لا سيما للمنفرد يقرأ لنفيه في الصلاة أو في غيرها، وجاءت الرواية بفعل السلف لذلك، فجاء عن ذي النورين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أنه أوتر بالقرآن في ركعة عند الكعبة، وأن تميما الداري – رضي الله عنه – قرأ القرآن في ركعة، وأن سعيد بن جبير من فقهاء التابعين قال: "قرأت القرآن في ركعة في البيت"، يعني بيت الله الحرام، وأن سليم بن عتر من فضلاء التابعين كان يختم في ليلة ثلاث مرات، ويخرج لصلاة الصبح[7].



[1] - المائدة: الآية 3.

[2] - كتاب التبيان ص 57 – 58.

[3] - فاطر: الآية 14.

[4] - صحيح الإمام البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن (1907/4) ح 4701

[5] - الحج: الآية 75.

[6] - الزلزلة: الآية 8

[7] - انظر فضائل القرآن لأبي عبيد (351/1).

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube