الخميس 19 محرّم 1441هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

علاقة الأسباب بالأقدار

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


وهذا الرأي التوفيقي الذي يجمع فيه ابن برجان بين الإيمان الغيبي، وبين متطلبات الحكم العقلي العلمي، يتجلى أيضا في دعوته إلى وجوب الجمع بين الإيمان بالقدر، وبين تقديم الحذر، في تفسير الآية نفسها.

"يجب على المؤمن العاقل عن الله الجمع بين الإيمان بالقدر، والأخذ بالحذر – السبب – مع علمه أنه لا يصيبه إلا ما شاء الله أن يصيبه"[1].

والإيمان بالقدر في تفسيره يتجلى في دعوته إلى وجوب اعتقاد العدل الإلهي، قضاء وتصريفا، وإلى الإيمان بأن كلا من الخير والشر من عند الله، إلا أن الخير ينسب إلى الإنسان كسبا – نظرية الكسب الأشعرية – لا حقيقة، "ما أصابك من حسنة فمن الله"[2] وأن الشر ينسب إلى الإنسان مسؤولية، "وما أصابك من سيئة فمن نفسك"[3].

ويتجدد إلحاحه على ذلك، تصريحا وتلميحا، بتعدد الآيات المتضمنة لذلك، ففي تفسير آية: "أفمن اتخذ إلهه هواه"[4] يعتمد على ما روي عن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه – في القدر، من أنه سر من أسرار الله وحجاب من حجبه، كمثل بحر عميق، في قعره شمس مضيئة، لا يطلعها إلا المدبر الحكيم، فإذا كشف عن القدر يوم القيامة، علم الخلق أن الله ليس بظلام للعبيد.

ويستخلص من هذا أن القدر لا ينفي العدل الإلهي، ولا يتعارض مع حرية الاختيار للعباد.

ويتصور ذلك في الأزل بأنه "لابد ولا محالة قد سبق علمه بما هم عاملون، لو جعل المشيئة إليهم، فكتب علمه في عمل كل واحد منهم بما هو محبه لنفسه، ومؤثره، إذا هو أوجده، لو كانت المشيئة إليه، ثم استعمل كلا بما علم به منه من مشيئته التي هو يشاؤها، لو جعل المشيئة إليه، فصار كل الخلق محمولا على ما علمه الله منه أن يفعله بمشيئته من نفسه لنفسه، وإرادته لذاته، مقصورا عليه، لابد من فعله، ولا خروج له عنه"[5].    

ومن قراءة فهم ابن برجان، وتصوره، اختيار الإنسان الغيبي، قبل وجوده الفعلي، يستخلص أن الحق سبحانه، لم يكتب، ويقدر، على العباد إلا ما علم أنهم سيختارونه بمحض إرادتهم، وعلى هذا الفهم ينبني اختياران:

اختيار في الأزل: عند الإيجاد الأول لأخذ العهد والميثاق، وبناء عليه، كتب الله وقدر عليهم ما اختاروه.

اختيار فعلي: وهو الذي يظهر منهم في هذه الحياة، وهو موافق للاختيار الأول، وعليه تكون المحاسبة.

ومن هذا الفهم تأخذ عبارة "سبق الكتاب" حتميتها، هذه الحتمية يلح عليها في تفسير كثير من الآيات[6]، مثل آية "إنك لا تهدي من أحببت"[7] ومنها يستخلص، تأكيدا، أن من سبق عليه الكتاب بالعذاب، فلن يقدر أحد على تخليصه، "فحتى لو أدخل النار فمكث فيها ألف عام، واستغاث وضمن الرجعة والإصلاح، فأرجع إلى الدنيا، لسبق عليه الكتاب فرده إلى الضلال"[8].

ومن فهم العلاقة بين الأسباب والأقدار، تتأكد مسؤولية الإنسان عن أفعاله وجميع تصرفاته، وهذا ما يفهمه من آية: "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر"[9]، فالإنسان عنده "منوط به فعله، مضاف إليه خيره وشره"[10] إلا أن يستدرك أن هذا الفعل "إن كان خيرا فمن الله، وإن كان شرا فمن نفسه"[11].

ويتحقق عنده الإيمان بالقدر في الجمع بين الإيمان بالغيب المقدر، والمشيئة الإلهية، وبين اتخاذ الأسباب والوسائط في إنجاز الأعمال، واتخاذ القرارات، دينيا ودنيويا.

ففي تفسير آية: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس"[12]، يقرر أن الذي يدخل الجنة مشيئة الله العالية، بواسطة طاعته، وابتغاء مرضاته، وأن الذي يدخل النار مواقعه: مواقع سخطه، بواسطة كفره.

ويرى في إيجاده سبحانه الأسباب والوسائط، تكملة حكمته في التقدير، ووحدانيته في التدبير، ففي تفسير آية "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها"[13]، يفهم أن المقصود بها الإعلام بأنه لا يفعل فعلا خاصا بالله إلا الله وحده"، وإن كان أوجد الوسطاء، ورتب الأسباب في مراتبها، فهو القائم على كل شيء"[14].



 - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن. م.[1]

 - سورة النساء. آية 78[2]

 - سورة النساء. آية 78[3]

 - سورة الجاثية. آية: 22[4]

[5] - تنبيه الأفهام: 158 و. ن. م

[6] - منها: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" سورة السجدة. آية 13 ص: 97 و. ن. م. ومنها "ولو دخلت عليهم من أقطارها" سورة الأحزاب آية 14 ص: 99 ظ. ن. م.

 - سورة القصص. آية: 56[7]

[8] - تنبيه الأفهام: 77 ظ. ن. م

[9] - سورة القيامة. آية: 13

[10] - تنبيه الأفهام: 210 ظ. ن. م.

[11] - تنبيه الأفهام: 210 ظ. ن. م.

[12] - سورة المومنون. آية: 11-10

[13] - سورة فاطر آية: 20

[14] - تنبيه الأفهام: 180/و. ن. م

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube