النزعة الأشعرية وانتقاد المعتزلة

الأربعاء 30 أكتوير 2013

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


ليس في تفسير ابن برجان ما يؤكد التزامه العقدي بخصوصيات المذهب الأشعري، أو يثبت دفاعه عنه مباشرة، كما لم ترد الإشارة إليه تصريحا أو تلويحا، لذلك وضع العنوان بهذه الصيغة، مما يسمح باقتراح عدة افتراضات.

منها أن يلتقي معه في بعض الآراء فقط، ولا يتفق معه في الأخرى.

ومنها أنه ينتقي – عن قصد منه – ما يتفق مع آرائه واجتهاداته في بعض القضايا.

وعلى أي، فمن أهم ما تتجلى فيه هذه النزعة، أو هذا الالتقاء، رأيه في سببية بعض الأشياء وتأثيرها، وفي القضاء والقدر.

ففي تفسير آية: "وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها" إلى "ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ"[1] يفصل بعض علوم المتقين، ويشرح توحيدهم في نفي نسبة التأثير إلى الأشياء.

ينفي عنهم اعتقاد التأثير في الأشياء ذاتها، فليس عندهم الشفاء في الدواء، ولا الشبع في الطعام، ولا الري في الماء، لأنه "ليس عندهم في الأشياء معان تفعل بذاتها، بل الفاعل الحقيقي بها هو الله وحده، لا شريك له"[2].

ويفهم من آية: "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم"[3]، دلالة واضحة على أن الأشياء كلها، أو ما في حكمها، ليست لها قوة التأثير بنفسها، "وإنما فعلها المنسوب إليها هو من الله – جل ذكره – وحده لا شريك له"[4].

ويعلل تأثيرها الظاهر، بأن الله قد أجرى سنته في النار بالإحراق، وفي السيف بالقطع، لكن ذلك كله بأمره وإذنه، "إن شاء أن يحرق بالذي به برد، وإن شاء يبرد بالذي به أحرق، وإن شاء أن يقسم بالذي شاء أن يبرئ به، وإن شاء أن يبرئ بالذي شاء أن يقسم به"[5].

ويستدل لهذا الفهم بأنه إذا كان الزعيم القادر من الناس، ولو كان نبيا رسولا، كما في آية: "وما رميت إذا رميت، ولكن الله رمى"[6]، غير قادر على التأثير، "فالجماد والموات، وما لا حياة له أحرى أن لا يوصف بذلك[7].

أطلق علماء المسلمين على الأسباب التي تبدو ظاهرا مؤثرة بنفسها، أسبابا جعلية، أي جعلت جعلا، وليست أسبابا ذاتية مؤثرة

وفي تفسير آية: "وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحا، لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات"[8]

يزيل عن الأسباب والعلل سرها الذي يجعل الناس ينسبون إليها التأثير المباشر، ويعتقدون فيها النفع والضرر، ويوضح أن ما يتراءى سببا يكون ناتجا ومسببا عن سبب آخر غيره، وهكذا إلى أن تنتهي الأسباب إلى اليبب الأعلى منها، "القائم على كل سبب ومسبب، قيامه على السبب الأدنى منه، كقيامه على المسبب الذي ليس بسبب لسواه[9].

ويرد نشأة العقيدة الوثنية، وعبادة غير الله عموما، إلى اعتقاد الناس التأثير في الأشياء بذاتها، وجهلهم المؤثر الحقيقي، وهو الله سبحانه.

وإنما قطع المبطلين عن الوصول إلى مسبب الأسباب العلي الكبير، القنوع بأول سبب، والاعتماد على ما شابهه، وما كان فيه منه شبه ما... حتى نحتوا الحجارة وعبودها، ونجروا الخشب وسجدوا له"[10].

وهكذا ينظر إلى فكرة السببية، ليس كفكرة نظرية معرفية فحسب، بل يستخلص منها نتيجة تتعلق بصميم عقيدة التوحيد.

وقد أطلق علماء المسلمين على الأسباب التي تبدو ظاهرا مؤثرة بنفسها، أسبابا جعلية، أي جعلت جعلا، وليست أسبابا ذاتية مؤثرة.

وفي تفسير آية: "وإنه لذو علم لما علمناه"[11] يلتقي ابن برجان مع رأي الغزالي في وجوب الجمع بين الإيمان بأن الله هو المتوحد بالحكم، وبين العلم بما جعل الله سبحانه في "الأشياء من نفع وضرر، وأن ذلك لا يكون منها إلا بمشيئة منه فيها وبها، فافهم"[12].


[1] - سورة هود. آية 108.

[2] - تنبيه الأفهام 111. ن.ط.

[3] - سورة الأنبياء. آية: 68

[4] - تنبيه الأقهام: 335 ن.ط.

[5] - نفسه: 111

[6] - سورة الأنفال. آية: 17.

[7] - تنبيه الأفهام 335 ن ط.

[8] - سورة غافر آية: 37 – 36.

[9] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن.ظ.

[10] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن.ظ.

[11] - سورة يوسف آية 68.

[12] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن. م.