الأربعاء 22 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

فهم ابن برجان للصفات الإلهية

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


في تفسير آية: "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، عطاء غير مجذوذ"[1]. يستعرض بعفوية وبدون ترتيب ممنهج بعض ما اعتبره قواعد، وهي تخص بعض القضايا الاعتقادية المشهورة التي تناولها، أو اختلف حولها، علماء الكلام وعلماء السلف بكثير من التفاصيل.

ويكفي أن نتوقف عند واحدة من تلك القضايا لنرى إلى أي حد التزم بمنهج معين، صوفي، أو سلفي، أو كلامي تأويلي، ولتكن هذه القضية نسبة الصعود والنزول والمجيء إلى الله سبحانه: "وإن شاء الله أن يصعد صعد، ولا يخلو منه السفل، وإن شاء نزل، ولا يخلو منه العلو، من غير تكييف لصعوده ولا نزوله، سوى الإيمان بأن له صعودا ونزولا، وأنه في كل مكان، ومع كل موجود دون مكان، ولا معية صحبة، ولا حركة ولا انتقال، بل هي صفات له وأوصاف يوصف بها، اتصف بها في وجوده الأزلي، ما ها هنا مأخوذ عما هنالك، ونلك منزهة عن أوصاف المخلوقين، ونعوت المحدثين"[2].

يقوم فهم ابن برجان هذا، لصفتي الصعود والنزول، على أساس عدم التكييف، وعدم التحيز في المكان، مع إثبات الصفتين معا، وهو فهم يلتقي فيه مع مذهب السلف، في تمرير هذه الصفات كما وردت، دون أي تأويل لها.

ويمكن تعميم فهمه هذا على باقي الصفات التي أولها علماء الكلام، وممرها، دون تكييف، علماء السلف.

يشهد لهذا التعميم انتقاده للفرقتين: المجسمة، والمعطلة[3]، في تفسيره لاسمه، سبحانه، "المصور"، وحكمه على آراء الفرقتين بالإلحاد في أسماء الله، سبحانه: "وإن من الإلحاد في الأسماء، الزيادة على ما أذن فيه، والنقصان عما أمر به، فالأول تشبيه، والثاني تعطيل.

فالمشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة جحدوا ما اتصف به. إنما ديننا، في معرفة ربنا، عز وجل، طريق بين طريقين: لا تشبيه ولا تعطيل، إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات، هنا رق الصراط ودق، حتى عاد أدق من الشعرة، وأحد من الموسى، وتفاوت الناس في المرور عليه"[4].

واضح من هذا النص أنه اختار عقيدة الوسط، عن وعي وفهم لآيات الصفات، دون تعطيل لدلالتها، أو جمود مع ظواهرها.

وبانتقاده المعطلة والمشبهة، ونفيه للتكييف، يعطي لفهمه الصوفي العقدي بعدا سلفيا حقيقيا، يلتقي فيه مع ما يشرحه ويدافع عنه الإمام ابن تيمية في أكثر من كتاب[5].

ويزيد موقفه هذا توضيحا وتأكيدا في تفسير آية: "وجاء ربك والملك صفا صفا".[6]

فبعد أن يذكر باختلاف علماء الأمة في فهم وصفه – جل جلاله – بالمجيء والإتيان والنزول، ونحو ذلك، يتخذ موقفا وسطا من الخلاف، ويعطي لكل رأي حظه من الصواب، لأن "الله جل ذكره، لم يخرج جملة الأمة من اعتقاد الحق، وإن كان فرقه بينهم، كل على المقدار الذي قد آتاه من الهدى والعلم"[7].

واقتصر من أقوال العلماء، دون ذكر الأسماء، في فهم هذه الصفات، على المذهبين المشهورين الرئيسين:

1-    مذهب التأويل: "فمنهم من تأول المجيء بأنه يجيء أمره"[8].

2-    مذهب التفويض: وهو الإيمان بالصفة دون تكييفها. "إنه يجيء، وإنه يتنزل وينزل، ولا أكيف، ولا أصفه بانتقال ولا زوال، أومن بالخبر، ولا أكيف ولا أشبه"[9].

ويستشف من عرض فهمه الخاص، أنه يرى الصواب في وجه من أوجه الرأيين مجتمعين، لا في أحدهما منفردا، لذلك حاول التوفيق بينهما، وعبر عن ذلك بأنه" فصل الخطاب في الإيمان بذلك ومعتقده، والله الموفق للصواب[10].

وتتجلى نتيجة الجمع بين الرأيين، في فهمه، أن الإتيان والمجيء يقعان على إتيان أمره بين يدي تجليه، وأما هو، بعد تصديق الخبر الحق بالإتيان والمجيء، فلا يتصور منه انتقال ولا حركة، إنما هو تجليه وظهوره حسب متى شاء، وكيف شاء، وأين شاء، وهو القريب الشهيد، كيف يتصور مجيء ممن لا يوصف بغيبة؟ كيف يتحقق إتيان ممن لم يكن منه ذهاب؟"[11].

ومما يمكن استخلاصه من قراءة شرحه لمحاولته التوفيقية، أنه يتجنب تخطئة كل من الرأيين، فيما ذهبا إليه، وأن محاولته نفسها تتضمن نوعا من التأويل، لأن قراءة – فهم – كل نص تعتبر تأويلا له بوجه ما، وأنه قرأ في الرأيين معا هدفهما، وهو تنزيه الحق، سبحانه، عن الشبه بالمحدثات، تنزيها يليق بجلالة عظمته.



[1] - سورة هود. آية 108-106

[2] - تنبيه الأفهام: 110 ن.ط.

[3] - يقصد بالمجسمة الحشوية، كما ورد وصفهم في ص. 65 ن.ط. ويقصد بالمعطلة المعتزلة، ويطلق عليهم في الغالب "القدرية"

[4] - ترجمان لسان الحق: 215. ونسخة باريس (شرح أسماء الله الحسنى)

[5] - ينظر كنموذج "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" 314-315. ويقارن مع ما في الإعانة للشيخ زروق: 67.

[6] - سورة الفجر. آية 24

[7] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[8] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[9] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[10] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[11] - تنبيه الأفهام: 224 و.ن.م.

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube