الأحد 15 محرّم 1441هـ الموافق لـ 15 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

المدخل للمنحى العقدي في تفسير ابن برجان

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


يستمد هذا العنوان دلالته، أو مضمونه، من طريقة ابن برجان[1] في المزاوجة بين اعتماده مذهب الصوفية، وطريقتهم التأثيرية بمظاهر الكون وموجودات الدنيا في الاستدلال، وبين تبنيه المذهب الأشعري وانتقاد خصومهم المعتزلة.يتحدث بعض الصوفية في كتبهم، عن تميزهم في فهم كثير من القضايا الاعتقادية، وفي وضع تعاريف خاصة للتوحيد. من ذلك ما أجاب به الشبلي من سأله عن حقيقة التوحيد: "... وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم، في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم".[2]

يفهم من جواب الشبلي عن التوحيد، أنه يمثل الاتجاه الصوفي الذي يرفض الاستدلال العقلي، إذ كيف، - حسب تعبير بعضهم -، يستدل بصفات من له نظير، على من ليس له مثل ولا نظير؟[3]

كما أن فكرة هذا الاتجاه مرتبكة بنظرته إلى محدودية العقل في عدم إدراكه حقيقة التوحيد[4]

وقد ذهب بعيدا الصوفي المغربي ابن مشيش في صلاته المعروفة بطلبه من الله أن ينشله من أوحال التوحيد: "وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في بحر الأحدية".

ومع هذا فإن جمهور الصوفية اعتمدوا في توجههم العقدي على مذهب السلف وأهل السنة، وبنوا قواعده "على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا به عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة، من توحيد، ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم"[5]

وهذا لا ينفي أن تكون بينهم اختلافات في بعض القضايا الاعتقادية، بسبب تنوع منابع ثقافتهم، وتعدد مشاربهم المعرفية.

ويمكن التعرف، - ولو جزئيا -، على القضايا المتفق عليها والقضايا المختلف فيها، من خلال منهج الكلاباذي[6] في عرضها.

أولا: القضايا المتفق عليها: وعبر عنها ب"وأجمعوا" وهي التوحيد، واتصافه بصفات ليست بجوارح ولا أعراض، وليست هي هو، ولا غيره، لا تتغاير، ولا تتماثل.

رؤيته سبحانه في الآخرة بالأبصار، ولا يرى في الدنيا.

إيمانهم بالقدر وخلقه أفعال العباد، كما خلق أعيانهم.

قدرة العباد مخلوقة لله سبحانه، لا يتنفسون نفسا إلا بقوة يحدثها.

إيمانهم أن لا يفعا بعباده إلا ما هو الأصلح لهم، وإن لم يكن ذلك ظاهرا.

إيمانهم بالوعيد المطلق للكفار والمنافقين، والوعد المطلق في المؤمنين المحسنين.

ثانيا: القضايا المختلف فيها: وصرح فيها ب: "واختلفوا".

في أسماء الله: هل هي الله، ولا غيره؟ أم أسماء الله هي الله؟

في الكلام: ومع حكاياته فيما سبق الاتفاق على أن القرآن غير مخلوق، فلم يستطع الفصل هنا بين الخلاف في قدم القرآن وحدوثه، وبين الخلاف في حقيقة كلام الله تعالى.

وفي إطار هذا الفهم الصوفي المتنوع لبعض القضايا، يمكن فهم وتقييم آراء ابن برجان الاعتقادية الصوفية، الموزعة في تفسيره بين مستنبطات مباشرة، وبين أفهام مستوحاة متباعدة.

الإيمان غريزة وفطرة، وعلم وعمل: يرى ابن برجان أن الإيمان غريزة في بني الإنسان، مغروزة في فطرهم، منذ أن أوجدهم الله الإيجاد الأول لأخذ العهد والميثاق.

ويفسر دعوة الرسل الناس إلى الإيمان، بأنها تذكير بذلك العهد القديم، وليس إنشاء لإيمان جديد بعيد عن أنفسهم، ويفسر كلمة: "يوفكون" التي تكررت في القرآن بياء الغيبة وتاء الخطاب[7]، بمعنى تصرفهم الشياطين عن الإيمان، وتعدل بهم عن سوء القصد. ومن تطبيقات هذا الفهم تفسيره جواب الكفار في آية: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله"[8] بأن هذا هو معتقدهم المؤسس عليه جبلتهم، وعلمهم المغروز في أصل خلقتهم"[9]. وكذلك تفسيره "تقواها" في آية "فألهمها فجورها وتقواها"[10] بأنها معروفة الفطرة"[11]

قد يفهم من تفسير ابن برجان الإيمان الفطري، أن من يدفعه شعوره الإنساني النبيل، إلى إشاعة العدل بين الناس، ومحاربة الظلم بكل أشكاله، ويسعى إلى إسعاد البشرية دون تمييز، وتحمله خصاله الفطرية الحميدة على الترفع عن الدنيا. والتخلق بكل خلق فاضل، يكون مؤمنا مأجورا على عمله، وينتفع بهذا الإيمان الفطري.

هذا الفهم أو التساؤل قد يكون استشعره ابن برجان، لذلك أجاب عنه في تفسير آية "قد أفلح من زكاها" إجابة واضحة، لا يخلو من دلالة على نوع التصرف الذي كان يلتزم به، ويدعو إليه.

"قد يكون الهبد مجبولا على مروءة وكرم سجية، وعمل يقتضيه العقل الإنساني،... وهذا كله غير مجيره من النار ولا مزكيه، ولا موجب له الجنة، بل الإيمان بالله، وبما يجب الإيمان به، وبالإسلام والعمل بما أمر، واجتناب ما نهى عنه بعلم، وتعبد لمن أسلم وإلى من توجه بوجهته ونيته، يسر في ذلك ويعلن".[12]

وما اشترطه في هذا النص من وجود العلم، مع الإيمان والعمل، هو ما اعتبره من مفهوم خطاب آية: "قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا"[13]، إذ يرى "أن العلم بما شهد به هو الإيمان، فمن لم يمن له علم بما آمن به، وصدق به، وشهد به، فليس بمؤمن على التحقيق، إلا على القول بالعموم، بل هو مسلم، لكنه على سبيل خير، إن شاء الله"[14]، ويؤكد أن عموم الناس المظهرين لشعائر الإسلام، وحتى أكثر أصحاب الغفلة منهم، مسلمون غير مؤمنين "فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه، علما ويقينا، فهم المؤمنون"[15].

ووجه آخر من وجوه العلاقة بين الإيمان والإسلام، يتمثل في علاقتهما بالعمل، يتناول ابن برجان هذه الإشكالية تفهما من آية "ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا"[16] أول ما فهمه منها اشتراط العمل الصالح مع الإيمان، استدلالا بالوجود، شارحا استدلاله بأن الله سبحانه، هو السلام المؤمن، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، بكل وجه ومعنى، ثم هو جل جلاله، أوجد العرش والكرسي، وخلق السماوات والأرض وما بينهما، بحكمة وحجة، "ضمن ذلك شرعة الفطرة، وكرم الخلقة، فهذا منبعث اشتراط العمل مع الإيمان والإسلام"[17].

ويضيف إلى هذا الشرط انتقاده أو رفضه، المقولة المشهورة: "لا يضر مع الإيمان مع الإيمان معصية" "لقد خاب من (كذا في جميع النسخ، ولعلها "حاد عن") سنن الصواب، من اعتقد قول القائلين، الذين زعموا أنه كما ينفع مع الكفر عمل، فكذلك لا يضر مع الإيمان عصيان"[18].

وفي رفضه الواضح والصارم هذا يتجلى مظهر آخر من مظاهر تصوفه، ومؤشر على موقعه بين المتصوفة الأندلسيين خصوصا.

(العنوان بتصرف)



[1] - تنظر: "ابن برجان والتفسير الصوفي"، أطروحة مرقونة بمكتبة دار الحديث الحسنية بالرباط، كما تنظر بعض مصادر ترجمته في سير أعلام النبلاء 20: 71

[2] - اللمع: 50. والرسالة القشيرية 586: 2

[3] - المعرفة الصوفية: 138

[4] - نفس المصدر والصفحة

[5] - الرسالة القشيرية 27:1. ويقارن مع ما في الإعانة 67

[6] - في كتابه: "التعرف لمذهب أهل التصوف" ص 35 و39

[7] - بياء الغيبة 6 وبتاء الخطاب 4. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن: 34

[8] - سورة لقمان: 24. والزمر: 36 والزخرف: 86

[9] - تنبيه الأفهام: 94 ظ. ن. م.

[10] - سورة الضحى. آية: 8.

[11] - تنبيه الأفهام: 226 و.ن.م

[12] - تنبيه الأفهام: 226 و.ن.م.

[13] - سورة الحجرات. آية: 14

[14] - تنبيه الأفهام 166 ظ.ن.م.

[15] - تنبيه الأفهام: 166 ظ.ن.م.

[16] - سورة الكهف. آية:2

[17] - تنبيه الأفهام 285 ن.ط.

[18] - تنبيه الأفهام 285 ن.ط.

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube