الخميس 19 محرّم 1441هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

منهج علماء الأشاعرة في خلق الأفعال

د.عبد المجيد معلومي، مجلة الجذوة، المجلس العلمي الأعلى، العدد الأول، أبريل 2013


أفعال الله تعالى

إن المسألة المتعلقة بخلقه تعالى لهذا الكون وتصرفاته في العالم شديدة الاتصال والارتباط بصفاته تعالى لأنها مدار تصرفاته في خلقه بما يريده من أفعاله وتشريعاته التي جاء بها أمره ونهيه ووعده ووعيده.

لقد ثبت أن الله متصف بالقدرة، وأن قدرته عامة، وأنه يفعل بمقتضى إرادته.

وقدرته وإرادته سابقتان في علمه الأزلي، وأنه لا يصدر عنه شيء إلا بإرادته واختياره. وأن الله سبحانه وتعالى خالق لهذا الكون الهائل الذي يضم كائنات لا تحصى ولا تعد. هذا الكون الذي يقف العقل البشري أمامه حائرا قال تعالى: "فقضاهن سبع سماوات في يومين"[1] وقال: "هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون"[2]

 

من خلال هذه الآيات يتضح قضاء الله الكوني، إنها إرادة كونية عامة وشاملة لجميع الموجودات، فلا يكون في الكون إلا ما أراد الله بغض النظر عن كونه محبوبا لله أو مبغضا له، فكل ما يجري في هذا الكون من الخير والشر والكفر، والعصيان والطاعة، بإرادته ومشيئته الكونية، إذ لا يكون إلا ما يريده، ولا يوجد إلا ما خلقه، قال تعالى: "ولكن الله يفعل ما يريد"[3]، وقال تعالى: "أفمن يخلق كمن لا يخلق"[4].

 

وبهذا ثبت أن العباد وأفعالهم مخلوقتان لله وأن أفعالهم لا تقع إلا بإرادة الله ومشيئته، فلا يعلم سر هذا الكون إلا خالقه ومبدعه. قال سيد قطب في هذا الشأن " هنا نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخلق وخالقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعا. لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريقة توجه الإرادة المطلقة القادرة: "كن، فيكون". فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على الصورة المقدرة له، بدون وسيط من قوة أو مادة.

 

أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا تعرف كنهها بذلك الكائن المراد صدوره عنها، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه.

وهذه غير مهيأة لإدراكه لأنه لا يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خلافة الأرض وعمارتها. ويقدر ما وهب الله للإنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في مهمته، وسخر له الانتفاع بها، بقدر ما زوى عنه الأسرار الأخرى التي لا علاقة لها بخلافته الكبرى"[5].

 

وقال البيهقي: (ومعلوم أن الأفعال أكثر من الأعيان فلو كان الله خالق الأعيان، والناس خالقي الأفعال، لكان خلق الناس أكثر من خلقه، ولكانوا أتم قوة منه، وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه، ولأن الله تعالى قال: " والله خلقكم وما تعملون"[6] فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل)[7].

لذا ثبت أن الأفعال كلها خيرها وشرها صادرة عن خلقه وإحداثه إياها.

 

أما الإرادة الإلهية الدينية التي قضى بها الله تعالى وهي عبادته وطاعته، نحو قوله تعالى: "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه"[8] فهي مرادة شرعا، وكل ما نهى عنه حرمه، فهو غير مراد شرعا كالكفر والمعاصي والنفاق وإنما هي إرادة كونية قدرية، ولكن الله لا يحبه ولا يرضاه شرعا، قال تعالى: "ولا يرضى لعباده الكفر"[9]. وقال أيضا: "ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان"[10].

فالإرادة الكونية هي المشيئة العامة، والإرادة الدينية هي الشرعية المتمثلة في عبادة الله وطاعته.

 

 أفعال العباد

إن مشكلة خلق الأفعال من أعقد القضايا التي واجهت الفكر البشري، واختلفت بشأنها الأنظار اختلافا كبيرا في شتى المذاهب الفلسفية والدينية قديما وحديثا.

 

وتاريخ هذه القضية في الإسلام يعود إلى الفتن التي جدت في الصدر الأول كمقتل عثمان، ومعركة الجمل وصفين، حيث بدأ المسلمون يتساءلون عن معنى الإيمان والكفر، وعن المعاصي أهي بقضاء نافذ، وأمر لا مرد له كما تروج ذلك السلطة الأموية، أم أن الإنسان مسؤول عما يقترفه إن خيرا فخير، وإن شرا فشر؟ وما هي حدود هذه المسؤولية؟

 

والجبرية أولئك الذين أضافوا الأفعال الذميمة إلى قضاء الله وقدره، وساعدوا بني مروان في تبرير ما أمسكوا من زمام السلطة، وما قاموا به من قتل في صفوف المسلمين إبان الفتنة الكبرى.

 

يقول الدكتور سامي النشار في كتابه عن الجبرية:

"الجبر غي الاصطلاح الفني الكلامي هو: نفي الفعل حقيقة عن الإنسان، وإضافته إلى الله"[11].

  • مجبرة خالصة، وهي التي لا تثبت فعلا ولا قدرة على الفعل الأصل.
  • وجبرية متوسطة، وهي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا.

 

وقد اعتبر الجهم بن صفوان من الجبرية الخالصة[12].

 

والشهرستاني ينقل عن الجهم بن صفوان، أنه يقول في القدرة الحادثة:

"إن الإنسان لا يقدر على فعل، ولا يوصف بالاستطاعة، وإنما هو مجبور في أفعاله، لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات، وينسب إليه الأفعال مجازا كما ينسب إلى الجمادات، كما يقال أثمرت الشجرة وجرى الماء، وتحرك الحجر، وطلعت الشمس وغربت، وتغيمت السماء وأمطرت، وأزهرت الأرض وأنبتت، إلى غير ذلك. والثواب والعقاب جبركما أن الأفعال جبر، وإذا ثبت الجبر فالتكليف جبر"[13].

وهذا الجبر الخالص، حيث يعتبر الجهم فيه الإنسان كالحيوان والجماد وينكر الاستطاعات وهي القدرة على الفعل.

 

ويقول البغدادي أن جهما كان يضيف الإجبار والإضرار إلى الأعمال، وينكر الاستطاعات، ويقول لا فعل ولا عمل لأحد غير الله، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز كما يقال: زالت الشمس، ودارت الرحى...[14] .

 

واختلفت آراء المسلمين في هذه المعضلة، وتوزعت أنظارهم، فمن قائل بأن الإنسان خالق لأفعاله، وإلى قائل الجبر، ثم إلى قائل بالتوسط. والعدل هو المذهب المتوسط بينهما الذي يتزعمه مؤسس المذهب الأشعري أبو الحسن الأشعري. واتجه كل فريق إلى القرآن يطلب منه تأييدا، فأهل الجبر أرادوا آيات تدعم مذهبهم كقوله تعالى: "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم"[15] وقوله: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله"[16] وغيرهما من الآيات.

 

كما أورد القائلون باختيار آيات تؤيد اتجاههم كقوله تعالى: "كل نفس بما كسبت رهينة"[17]

وكقوله: "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها"[18]. وقوله: "فمن اهتدى فإنما اهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها"[19].

 

وهناك آيات توحي بدلالتي الجبر والاختيار معا كقوله تعالى: "ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك"[20].

 

وبرزت القدرية كطرف مناقض للجبرية بعد أن عصفت بالمسلمين أحداث جسام، وبدأ الناس منشغلين بهذه الكبائر المقترفة، وحملها بعضهم كالجبرية على اله سبحانه، معتقدين أن الإنسان مسير وليس مخيرا.

 

ذلك ما دعا القدرية إلى القول بأن الله له قدر على أعماله، حتى يوقفوا هذا السيل الذي طم من أولئك الذين يريدون حما معاصيهم على الله عز وجل. وقد ساعد على نمو هذا التيار الفكري، ما في القرآن من دعوة إلى التأمل والتدبر، وما اشتمل عليه من آيات تفيد الجبر والاختيار، وما توافد على المسلمين من آراء في هذا الشأن من الفلسفة اليونانية، ومناقشات الزرداشية[21] والنصرانية في هذا الميدان، وشتى التيارات الثقافية الشرقية والغربية على السواء.

 

والجبرية – كما قلنا نقيض القدرية – وعلى رأسهم زعيمهم جهم بن صفوان الذي ارتأى أن الله لا يوصف بصفة يوصف بها خلقه، فكذلك لا يوصف الإنسان بالفعل لأن الفعل والخلق من شؤون الله. وفي تحقيق الفعل للإنسان يكون التشابه بين الخالق والمخلوق، ومستندهم العقلي، قوله تعالى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء"[22] فإن الله أخبرهم أنهم لا يستطيعون العدل، ومع هذا أمرهم بالعدل، وكذلك قوله تعالى: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"[23]

فلو لم يكن التكليف للعاجز جائزا لم يكن لهذا الدعاء معنى وفائدة.

 

ويصل جهم بآرائه إلى عد الثواب والعقاب من الجير، وغني عن البيان أن تأويل الجبرية للنصوص فيه تعسف وتحكم لأن النصوص التي أوردوها لا تدل على الجبر الخالص، ولا تفيد أن الله نفى القدرة عن العباد، وإنما تعني أن الإرادة الإنسانية تقدر على أشياء، وتعجز عن أخرى، وذلك شأن الفعل الإنساني، فهو مجموعة عوامل مشتركة، إذا نظرت إليه من حيث الأشياء وخلقه إياها حسبته حرا مختارا. وأما إذا لاحظته من حيث خالقه وهو الله، فقد قلت إن الله خالق الإنسان وأعماله.

 

ونتائج الفكر الجبري خطيرة على المجتمعات والأفراد، لأنها تصير الفرد لا قيمة له، والمجتمع الخشبة بين يدي الأمواج، وتزرع في النفوس التواكل والتواني.

 

وفي الجبر محو التكاليف، وهدم الشريعة، وإبطال لحكم العقل. ولا يمكن أن يتصور دور العقل والإنسان مسلوب الحرية[24].

 

ويبدو أن فكرة الجبر كانت لها علاقة وثيقة بالواقع الاجتماعي، والصراع السياسي الذي جد في الصدر الأول، لأن السلطة الأموية قد تبنت هذا المذهب، وتصدرت للدفاع عنه، وأشاعته في مختلف الأوساط الخاصة لدى العامة.

 

وإذا كان الله هو خالق الأفعال الإنسانية كما تقول الجبرية، أي أن الإنسان مسير، وكل ما فعل مقدر، فالحاكم الظالم ليس مسؤولا عن أفعاله، ولا يستطيع أحد لومه، بل هو أداة الله التي تنقذ بواسطتها الإرادة الإلهية.

 

وروى القاضي عبد الجبار عن أبي علي الجبائي: "أن أول من قال بالجبر وأظهره، معاوية، وأنه أظهر أن ما يأتيه بقضاء الله، ومن خلقه، ليجعله عذرا فيما يأتيه، ويوهم أنه مصيب فيه، وأن الله جعل إماما وولاه، وفشا ذلك في ملوك بني أمية. وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان[25].

 

ويعارض الفكر الجبري في هذا القضية، المعتزلة الذين يؤكدون على أن من ينكر حرية الإنسان، وقدرته على تحديده مصيره لا يبرر سوى الاستبداد السياسي والاجتماعي في مختلف صوره.

فالإنسان بمقتضى العدل الإلهي، قد منح قدرة مستقلة، بها يفعل ما يشاء، ويترك ما يشاء من الأفعال، وأن الله يعلم أزلا ما سيكون منه، ومجازيه عدلا لما منحه من حرية عليه

 

وقد استدل المعتزلة لإثبات دعواهم أن العبد خالق لأفعاله الاختيارية بأدلة منها:

أن بديهة العقل تفرق بين بعض الأفعال وبعضها الآخر: كما هو مشاهد في الفرق بين حركة المرتعش، وحركة الماشي. ومعنى هذا أفعال الإنسان على ضربين:

  • الضرب الأول: ما يحدث قسرا عنه، ولا اختيار له فيه، وهي الأفعال الاضطرارية.
  • الضرب الثاني: ما يحدث بإرادته واختياره وقصده، وهي الأفعال الاختيارية. ويوضح القاضي عبد الجبار هذا المعنى بقوله:

"الذي يدل على ذلك، أن نفصل بين المحسن والمسيء على إساءته، ولا تجوز هذه الطريقة في حسن الوجه وقبيحه، ولا في طول القامة وقصرها، حتى لا يحسن منا أن نقول للطويل لما طالت قامتك، وللقصير لما قصرت؟ كما يحسن أن نقول للظالم لما ظلمت؟ والكاذب لم كذبت؟ فلولا أن أحدهما متعلق بنا، وموجود من جهتنا باختلاف الآخر، وإلا لما وجب هذا الفصل، ولكان الحال في طول القامة وقصرها كالحال في الظلم والكذب"[26].

 

ب- ولو كان الله خالقا لأفعال العباد، لقبحت بعثة الأنبياء، وللزم أن يكون الله فاعلا للقبائح لأنه هو خالق أفعال العباد، ومنها هذه القبائح[27].

 

د- لو كان الله خالقا لأفعال العباد، لقال الكفار: كيف تدعونا إلى الإسلام، والله أراد منا الكفر وخلقه فينا، ولا يمكن الانفكاك عنه. ولقالوا أيضا: أن ما يدعونا إليه فقد خلقه فينا. فذلك مما لا نطيقه، ولا نتمكن منه[28].

 

ويلاحظ مما ذكر أن المعتزلة قد انصرف اهتمامهم إلى هذا الأصل، لما يكتسيه من أهمية بالغة في الحياة السياسية والاجتماعية. قال الشهرستاني: "وأصل بن عطاء قرر القول بالقدر أكثر[29].

 

منهج الأشاعرة في خلق الأفعال

وأبو الحسن الأشعري لا يرتضي هذه المواقف الفكرية من خلق الأفعال. ذلك لأن الإنسان ليس حرا بإطلاق، وليس جبرا محضا، وإنما العدل كما ذهب أبو الحسن الأشعري هو المذهب المتوسط بينهما بدليل قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا"[30].

 

ويرفض الأشعري الفكر الجبري رفضا قاطعا، ويرى أن من يحرم من الفعل يعد مكابرا، خارجا عن جاد الحق، لأن تحقيق الفعل لازم بالسمع والعقل.

 

فأما السمع فله وجهان: الأمر به والنهي، والثاني الوعد والوعيد له على تسمية ذلك في كل هذا فعلا، نحو قوله تعالى: "اعملوا ما شئتم"[31].

 

وفي الجزاء: "يريهم الله أعمالهم حسرات"[32]، وقوله: "جزاء بما كانوا يعملون"[33] وغير ذلك من النصوص التي تثبت الفعل للإنسان ولو بصفة جزئية.

 

ولو انتفى هذا المقدار لما كان هناك معنى للأمر والنهي، والوعد والوعيد، وليس في إضافتها لله سبحانه نفي لمشاركة بل هي لله خلقا وإيجادا، وللإنسان كسبا.

 

ولو كان الفعل لله مطلقا، لأبطل العمل بكثير من الآيات كقوله تعالى: "إن الله يأمر بالعدل والإحسان"[34] ولا نضافت إلى الله سبحانه الطاعة والمعصية، وارتكاب الفواحش والمناكر، وأنه المأمور والمنهي والمثاب والمعاقب. ثم إن الله تعالى قد أعد الثواب لمن أطاعه في الدنيا، والعقاب لمن عصاه. فإذا كان الأمران فعله، فيصير عندئذ هو المجزي بما وعد وأوعد. والفعل الإنساني مجموعة عوامل مشتركة، فإذا نظرت إليه من حيث عمل الإنسان له حسبته حرا مختارا فيه. وأما إذا تدبرته من حيث خالقه، وهو الله عز وجل، قلت إن الله خلق الإنسان وزوده بالجوارح والقوى الفكرية، والصفات الخلقية، والمواهب المعنوية، حكمت بأن الله قد خلق الإنسان، ومنحه حرية، عليها مدار الثواب والعقاب.

 

وهكذا كان أهل السنة أن يجدوا حلا لهذه القضية العقدية الشائكة. فكان رائدهم الاقتصاد في الاعتقاد. ورسموا شعارا محددا مفاده: "أن لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين".

 

وبذلك يستند موقف الأشعري من أفعال الإنسان إلى قضية أساسية يرى أن المسلمين قد أجمعوا عليها وهي: ما شاء الله أن يكون كان، وما لا يشاء لا يكون. يقول الأشعري: "وندين الله عز وجل بأنه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون. وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون"[35].

 

وهذه قضية جعلته ينظر إلى مشكلة الجبر والاختيار من زاوية المشيئة الإلهية لا من زاوية التكليف والجزاء.

 

وقد هاجم الأشعري موقف المعتزلة من المشكلة: "إنكم زعمتم أنه قد كان في سلطان الله عز وجل الكفر وهو لا يريده، وأراد أن يؤمن الخلق أجمعين فلم يؤمنوا، فقد وجب على قولكم أن أكثر ما شاء الله أن يكون لم يكن، وأكثر ما شاء الله أن لا يكون كان، لأن الكفر الذي كان – وهو لا يشاء الله عندكم – أكثر من الإيمان الذي كان وهو يشاء، وأكثر ما شاء الله يكون لم يكن... لقد جعلتم مشيئة إبليس أنفذ من مشيئة رب العالمين، لأن الكفر أكثر من الإيمان، وكثيرا مما شاءه إبليس أن يكون كان.

 

وإرادة الله كعلمه، وكما أنه جميع المعلومات فلا يجوز أن يحدث في الكون ما لا يعلمه الله – كي لا يتصف الله بالجهل – كذلك لا يجوز أن يقع شيء على غير إرادته حتى لا ينسب إليه تعالى السهو والغفلة وأن يوصف بالعجز والضعف، فكما لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، كذلك لا يخرج عن قدرته شيء، فالله مريد لكل ما هو واقع في العالم خيرا أو شرا.

 

هكذا التزم الأشعري بموقف المعارض للمعتزلة في حرية الإرادة دون المجبرة في قولهم بالجبر، على أن ذلك لا يعني أنه ناصر القائلين بالجبر، إذ فرق بين الأفعال الإضطرارية والأفعال الاختيارية، الأولى تقع من العباد وقد عجزوا عن ردها. والثانية يقدر عليها العباد غير أنها مسبوقة بإرادة الله حدوثها واختيارها، وبهذه القدرة الحادثة يكتسب الإنسان أفعاله، فالفعل المكتسب هو المقدور بالقدرة الحادثة. فإذا أراد العبد الفعل وتجرد له – أي لم يشغل نفسه بفعل سواه – خلق الله له في هذه اللحظة قدرة على الفعل مكتسبة من العبد مخلوقة من الرب، فيكون الفعل خلقا وإبداعا وإحداثا من الله وكسبا من العبد لقدرته التي خلقها الله له وقت الفعل، فالحركتان الإضطرارية والاختيارية وقعتا من جهة الله خلقا وهما يفترقان في باب الضرورة والكسب، ولكنهما يستويان في باب الخلق. وإذا كان الله قد خلق فينا قدرة على الفعل فهو على هذه أقدر، كما أنه إذا خلق فينا القدرة على العلم فهو به أعلم، وحركتا الاضطرار والاختيار موقوفتان على اختياره تعالى فإن اختارهما كانت، وإن لم يخترهما لم يكونا.

 

ويعترض المعتزلة على هذا ويقولون: إذا كان الحكم في الحركتين واحدا وتتوقف الحركتان على إرادته تعالى فلماذا اختلفت التسمية؟

 

ويرد الأشعري: ليس من الضروري أن تنسب إلى الله الأفعال التي يخلقها لغيره، فهو يخلق الحركة ولا يسمى متحركا لأنه خلقها حركة لغيره، وإنما يسمى العبد متحركا، كذلك يخلق الله أفعال العباد ويكون الأخير مكتسبا لها. وليس أدل على أن الأفعال مخلوقة لله.

 

وأن الله هو الفاعل الحقيقي لها. وما الإنسان إلا مكتسبها : أي لو كان الإنسان هو الفاعل حقا لأفعاله لأتت على نحو ما يشتهيه ويقصد، يريد الكافر أن يكون كفره حسنا وصوابا، ويريد المؤمن ألا يكون في إيمانه مجهدا – حفت الجنة بالمكاره – ولكن الأمور لا تسير على ما يشتهي المؤمن ويقصد الكافر، ولما كان الفعل لا يحدث حقيقة إلا من محدث أحدثه قاصدا إليه، فقد وجب أن يكون محدث الفعل هو الله رب العالمين[36].

 

الإنسان ليس حرا بإطلاق، وليس جبرا محضا، وإنما العدل كما ذهب أبو الحسن الأشعري هو المذهب المتوسط بينهما.

 

وهكذا يؤدي قول الأشعري إلى أن الله هو الذي قضى المعاصي وقدرها بأن خلقها وكتبها وأخبر عن كونها، فيكون كفر الكافر بقضاء الله وقدره، ولم يحدث الكافر لنفسه الكفر، ولكن الأشعري يتراجع عن مذهب الجبر المحض وإن أدى مذهبه إلى ذلك. فيذهب إلى أنه لا يصح أن يقول إن الله رضي للكافرين الكفر لأن الله نهانا عنه، وإنما نطلق القول فنقول بالرضا بقضاء الله وقدره[37].

 

ويتضح موقف الأشعري بالرد على سؤالين:

  • هل الاستطاعة تسبق الفعل أم تصاحبه؟
  • هل تكون القدرة قدرة على الفعل وضده، أم قدرة على الفعل فقط؟

 

أما الاستطاعة فهي عند الأشعري مصابة للفعل لأنه عنده عرض، لا يبقى زمانين، ومن ثم فإن الله يخلق الاستطاعة في العبد عند قيامه بالفعل، ولكن أليست الاستطاعة راجعة إلى أحوال الإنسان من صحة البنية وسلامة الجوارح اللازمة لأداء الفعل، وهذه ملازمة للإنسان قبل الفعل وعنده؟ لا يشترط الأشعري هذه الأحوال وإنما يقترن وجود الفعل بوجود الاستطاعة.

 

وينفي أبو الحسن الأشعري أن تكون القدرة على الشيء وضده، لأن من شرط القدرة الحادثة وقت الفعل أن يلزم في وجودها وجود مقدورها، إنه لو قدر الإنسان على الشيء وضده لكان معنى ذلك في رأيه أنه يجب وجودهما معا في وقت واحد، بذلك يكون الإنسان مطيعا عاصيا في وقت واحد، لماذا لا ينسب الفعل صراحة إلى الله بعد ذلك ما دام هو الخالق الفاعل المحدث له؟

 

يرد أبو الحسن الأشعري أن الفعل المكتسب لا يستند إلى الله مع أنه خالق له، إذ لا يضاف إلى الموجود ما يضاف إلى المكتسب، فالعبد كاتب أو قائم أو قاعد مع أن الله خلق له ذلك وأراده، لأن الله يريد الفعل خلقا ويريده العبد كسبا، فجهتا الإرادة مستقلتان ومن ثم جاز اجتماعهما جميعا على مراد واحد من غير تعارض.

 

ويستدل أبو الحسن الأشعري على خلق الله لأفعال الإنسان بقوله تعالى: "والله خلقكم وما تعلمون"[38] ولكن في ذلك خروجا بالآية عن معناها، فآيات القرآن تفسر في ضوء ما قبلها وما بعدها، والآية التي قبلها استنكار في إبراهيم لعبادة قومه الأوثان: "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون"[39]. أي أن الله خلقكم وخلق ما تنحتون من حجارة.

 

ولنستعرض بعض الآيات التي تتسق مع مفهوم الكسب في نظريته:

  • قوله تعالى: "ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم"[40].
  • وقوله تعالى: "أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب"[41].
  • وقوله تعالى: "ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون"[42].
  • وقوله تعالى: "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"[43].

 

وكل هذه الآيات تؤكد جانب نسبة الفعل إلى الإنسان، ومن ثم مسؤوليته عنه ومحاسبته على ما كسب أو اكتسب أو فعل.

 

وخلاصة ما ذكره أبو الحسن الأشعري من خلال كتابية "الإبانة" و"اللمع" نستنتج أن الكسب الأشعري ينتهي إلى أن للعبد إرادة وقدرة حادثة، فقدرة العبد مهمتها كسب الفعل، وقدرة الله مهمتها خلق الفعل وهكذا فإن الإنسان قد منحه الله قدرة كاسبة ليس لها تأثير في خلق الفعل، وإنما يفيض الله عليها هذه القدرة الحادثة فتكسب الفعل بقدرة الله تعالى، وهذا القصد أو العزم هو مناط التكليف والثواب والعقاب.

 

وفرق بين الكسب عند الأشعري، والخلق عند المعتزلة. فالخلق لا يستلزم صفة جديدة في الخالق والكسب يستلزم ذلك، بل يكتفي فيه إحاطة الكاسب بالمكسوب ولو من وجه[44].

 

وإذا أردنا الموازنة بين المدرستين الكلاميتين الأشاعرة والمعتزلة فإننا ندرك كيف ضيقت المدرسة الأولى مجال الفعل الإنساني، ونفت التأثير عن قدرة العبد، وما يحصل، إنما هو نتيجة القدرتين الإلهية والإنسانية، فيفيض الله عليها ما شاء من الأفعال.

 

وأما مجال الفعل الإنساني لدى المعتزلة، فإنه كان فسيحا، مما يحقق الحرية للإرادة الإنسانية.

 

والكسب كما يقرر أبو الحسن الأشعري في كتابه "اللمع": هو أن الفعل يقع من العبد بقوة محدثة[45]. بمعنى أن الله يهب الإنسان قدرة عند مباشرته الفعل يحدث الله الفعل عندها لا بها، فيكون الفعل الواقع من العبد فلا تأثير لها في وجود الفعل، لأن الفعل يقع بقدرة الله وحدها، وبهذا يحاولون أن يسلكوا مسلكا وسطا بين المذهبين السابقين لأنهم يقولون: إن الخلق والإيجاد والإبداع من الله تعالى، بمعنى أن المفعول مخلوق لله تعالى إلا أن للعبد تدخلا فيه من جهة الاختيار والميول ومقارنة الفعل لقدرته الحادثة التي لا تأثير لها، ويسمون ذلك كسبا.

 

ويحاولون بذلك أن يجمعوا بين الرأيين للتخلص من اللوازم الفاسدة التي لزمت كلا المذهبين: حيث قرروا أن الفعل الواحد مخلوق لله وللعبد معا، غير أنهم يقولون أنه مخلوق لله إيجادا وإبداعا وللعبد كسبا، وبهذا الكسب يتعلق التكليف والثواب والغياب وغير ذلك.

 

وفسروا الكسب كذلك بأنه مقارنة المقدور للقدرة الحادثة، وليس العبد محدثا لأفعاله ولا موجودا له، فاعتبروا مجرد اقتران القدرة الحادثة بالمقدور بمثابة تأثيرها فيه وسموا ذلك كسبا.

 

وأما الباقلاني فقد احتفظ أيضا بالملامح الرئيسية لنظرية الكسب كما وضعها الأشعري، إذ الاستطاعة حال الفعل: فلا يقدر الإنسان على الفعل قبل الكسب، ذلك أن القدرة الإنسانية عرض لا يبقى زمانين وإلا لأمكن استغناء الإنسان بفعله عن ربه أن يعينه عليه، وإنما تكون الاستطاعة مع الفعل للفعل[46]. ويسلك البغدادي نفس ما سلكه شيخه ويقول في "نظرية الكسب": الله خالق أعمال العباد كما أنه خالق الأجسام والألوان والطعوم والروائح، لا خالق غيره وإنما العباد مكتسبون لأعمالهم. وإذا كان الله خالق أكساب العباد كما أنه خالق الأجسام والأعراض فإن العبد مكتسب لأفعاله دون الأجسام والأعراض، إذ ينحصر الكسب في الحركة والسكون والإرادة والعلم والجهل والقول والسكوت، ولا يصح منا اكتساب الأجسام والألوان والطعوم والروائح والقدرة والعجز والسمع والصمم والرؤية والعمى والكلام والخرس[47]. أي أن لا كسب فيما لا يسأل الإنسان عنه.

 

إذا كان الله قد خلق فينا قدرة على الفعل فهو على هذه أقدر.

 

ويردد الجويني نفس قول الأشعري بأن قدرة العبد الحادثة عرض، والعرض لا يبقى زمانيين، فقدرة الإنسان الحادثة غير باقية، إذ تحدث مع المقدور وتزول بزواله، لا تتقدم عليه ولا تتأخر في البقاء عنه، إذ الاستطاعة تقارن الفعل[48].

 

وأختم هذا المبحث بهذا القول:

إذا اختلفت آراء المسلمين في هذه المعضلة، وتوزعت أنظارهم، فمن قائل بأن الإنسان خالق لأفعاله، إلى قائل بالجبر، ثم إلى قائل بالتوسط. والعدل هو المذهب المتوسط بينهما.

 




الهوامش

[1] - سورة فصلت/12

[2] - سورة الأنعام/2

[3] - سورة البقرة/253

[4]- سورة النحل/17

[5] - في ظلال القرآن، للسيد قطب: 143/1 تفسير سورة البقرة.

[6] - سورة الصافات/96

[7] - الاعتقاد للبيهقي ص: 142.

[8] - سورة الإسراء/23.

[9] - سورة الزمر/7.

[10] - سورة الحجرات/7.

[11] - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 343/1.

[12] - انظر بتفصيل "الملل والنحل" للشهرستاني: 113/1.

[13] - الملل والنحل للشهرستاني: 114-113/1

[14] - انظر بتفصيل " الفرق بين الفرق" للبغدادي ص: 138 وما بعدها.

[15] - سورة البقرة/7

[16] - سورة الأعراف/188.

[17] - سورة المدثر/38.

[18] - سورة فصلت/46

[19] - سورة يونس/108

[20] - سورة النساء/79
* - المصادر الزرادشتية تقول: أن أهورمزدا هو إله النور وأهرمن هو إله الظلمة. والأول يفعل الخير ويريده، والثاني إله الشر وخالقه. والإنسان الحر يفعل ما يشاء. وزرادشت يدعو الإنسان إلى فعل الخير. انظر بتفصيل: زرادشت الحكيم نبي قدامى الإيرانيين لحامد عبد القادر ص 81.

[21] - سورة النساء/129.

[22] - سورة البقرة/286.

[23] - انظر بتفصيل "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام "للدكتور النشار: 343/1 وما بعدها.

** - غيلان بن مسلم الدمشقي الشهيد الثالث لمذهب "الإرادة الحرة" والمثل الأعلى للدفاع عن عقيدته والثبات عليها في وجه عتاة بني أمية. انظر نشأة الفكر الفليفي في الإسلام للنشار: 320/1.

[24] - المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار: 4/8

[25] - شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار ص: 332

[26] - المصدر نفسه ص: 334.

[27] - المصدر نفسه ص: 335.

[28] - الملل والنحل للشهرستاني: 47/1.

[29] - سورة البقرة/143

[30] - سورة فصلت/40.

[31] - سورة البقرة/167

[32] - سورة الواقعة/24

[33] - سورة النحل/90

[34] - الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري ص: 29

[35] - اللمع للأشعري ص: 98
*** - تستند معظم استدلالات الأشعري على التشبيهات أو قياس التمثيل وهو أضعف أنواع الاستدلال.

[36] - اللمع للأشعري ص: 38-39

[37] - اللمع للأشعري ص: 47-46

[38] - سورة الصافات/96

[39] - سورة الصافات/96-95

[40] - سورة البقرة/225

[41] - سورة البقرة/202

[42] - سورة البقرة/281

[43] - سورة البقرة/286

[44] - الأشعري لحمودة غرابة ص: 115

[45] - اللمع للأشعري ص: 40

[46] - التمهيد للباقلاني ص: 287

[47] - أصول الدين للبغدادي ص: 134

[48] - الإرشاد إلى قواطع الأدلة للجويني ص: 215

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube