الأحد 15 محرّم 1441هـ الموافق لـ 15 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

مفهوم المصلحة في الفكر الأشعري

د. عبد القادر بطار، أستاذ بكلية آداب وجدة، مجلة الجذوة، المجلس العلمي الأعلى، العدد الأول، أبريل 2013


"من المسلم به في مجال الدراسات الفقهية والأصولية أن أحكام الشريعة الإسلامية تقوم على أساس رعاية مصالح الناس في الدنيا والآخرة. وهذا أمر لا ينازع فيه أحد وهو مضمون رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" (الأنبياء: 107).، وبمقتضى هذه الرحمة التي تأخذ صبغة الشمولية في التصور الإسلامي، وباعتماد منهج الاستقراء يتضح أن الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية كلها رحمة مهداة، جاءت لرعاية المصالح، ورفع الحرج، ومنع التضييق، وإقرار مبدأ التيسير، كل ذلك من أجل العناية بالإنسان المسلم والارتقاء به نحو الأفضل والأكمل."

 

ولما كان موضوع تعليل أفعال الله تعالى من الموضوعات الشائكة التي اشترك في بحثها علماء أصول الفقه، وعلماء أصول الدين، وفلاسفة الإسلام مع اقتناع أصحاب هذه المدارس كلها بتنزه البارئ عز وجل عن الأغراض، سواء تعلق الأمر بالأفعال – مجال الاشتغال العقدي – أم الأحكام – مجال الاشتغال الأصولي والفقهي – فقد اخترت التطرق للجانب الأول لأنه الأساس الذي ينبغي أن نرجع إليه لضبط هذا الموضوع منهجيا وبيان مقاصده السامية في الفكر الأشعري الذي استطاع أصحابه أن يحافظوا على جوهر عقيدة أهل السنة والجماعة في هذا الموضوع الخطير بالذات، وفي غيره من مباحث العقيدة الإسلامية.

 

ونقدم لهذه الموضوع بهذه الأسئلة المحورية: هل يجوز تعليل أفعال الله تعالى في مجال الاشتغال العقدي والفقهي أم لا؟ وهل يسوغ التعليل فقهيا ويمتنع عقديا؟ ثم كيف نركب أحكاما فقهية ذات صبغة تعليلية على أحكام عقدية ذات بعد تنزيهي؟

 

وأخيرا هل استطاع نفاة تعليل أفعال الله تعالى أن يحافظوا على النسق العقدي كما فعل بناة الخطاب الأشعري؟

 

هذه الأسئلة وغيرها هي التي سنجيب عنها في ثنايا هذه الورقات معتمدين منهج المقارنة بين جملة من النصوص العقدية التي أنتجها بعض مفكري الإسلام على أن يكون مرجعنا الأساس هو الخطاب الأشعري لاقتناعنا الشديد بقيامه على الحجة والبرهان مع ما أوتيه من قوة في التحليل وعمق في التعليل. وبعد النظر في التنزيل.

 

يتجه الخطاب الأشعري اتجاها يطمح إلى تحقيق التنزيه المطلق الواجب للذات العلية، وهو لب التوحيد وجوهره. فقد قرر هؤلاء البناة أنه سبحانه وتعالى لا يفعل الأشياء لغرض، وليست له علة يقصدها في أفعاله، لأن ذلك في نظرهم يؤدي إلى النقص الذي يتنزه عنه الخالق عز وجل.

 

لقد كان الشاهد بكل ما يحمله من سمات النقص والغائب الذي يستجمع كل صفات الكمال حاضرا بقوة في صياغة الخطاب الأشعري الذي نعتبره الصياغة النهائية لعقائد أهل السنة والجماعة، ولكن في صورته البرهانية. وهو لم يمزق التوحيد كما فعل المعتزلة وأهل الظاهر في هذا القول العقدي وفي غيره من المقالات العقدية.

 

وفي هذا الصدد يضع صاحب المذهب المتقدم الإمام الأشعري قاعدة جليلة هي بمثابة حد فاصل بين الشاهد والغائب، في سؤال يصوغه صياغة جدلية على هذا النحو: فإن قال قائل: لم زعمتم أن الباري سبحانه لا يشبه المخلوقات؟ قيل له لأنه لو أشبهها لكان حكمه في الحديث حكمها، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها من كل الجهات. فإن أشبهها من جميع الجهات كان محدثا من جميع الجهات، وإن أشبهها من بعضها كان محدثا حيث أشبهها. ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديما وقد قال الله تعالى: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى: 11)" وقال جل شأنه: "ولم يكن له كفوا أحد" (الإخلاص: 4).[1]

 

وقد أصبحت هذه القاعة الجليلة – الاختلاف البين بين الشاهد والغائب – معيارا لإقرار العقائد الإيمانية، بحيث يصبح كل وصف من أوصاف الكمال التي يمكن أن يتصف بها الشاهد ضروريا بالنسبة للخالق عز وجل، ولكن على النحو الذي يليق به سبحانه، وكل نقص اتصف به الشاهد فإن الخالق عز وجل يتنزه عنه تنزها مطلقا.

 

ولعل مسألة تعليل أفعال الله تعالى من المسائل العويصة التي يتنزه الخالق عن الاتصاف بها لكونها من السمات التي توحي بالافتقار الذي هو أخص خصائص الشاهد.

 

لقد ربط بناة من مفكري الأشاعرة بين صنع العالم ومسألة الإغراض حيث خلصوا إلى أنه سبحانه خلق العالم وأبدعه "لا لداع دعا إلى فعله ومحرك حركه وباعث بعثه وغرض أزعجه، وخاطر اقتضى وجود الحوادث".

 

ومن الأدلة العقلية التي يتوسل بها بناة الخطاب الأشعري هي: "أن الدواعي المزعجات والخواطر والأغراض إنما تكون وتجوز على ذي الحاجة الذي يصح منه اجتلاب المنافع ودفع الضار، وذلك أمر لا يجوز إلا على من جازت عليه الآلام واللذات وميل الطبع والنفور، وكل طلك دليل على حدث من صف به، وحاجاته إليه، وهو منتف عن القديم تعالى، وكذلك الأسباب المزعجة المحركة الباعثة على الأفعال إنما تحرك الغافل وتنبه الجاهل وتخطر للخائف والراجي الذي لا يخاف الاستضرار بترك الأفعال ويرجو بإيقاعها الصلاح والانتفاع والله تعالى عن ذلك لأنه عالم بما يكون قبل أن يكون وبما تؤول إليه عواقب الأمور ويعلم السر وأخفى..."[2]

 

وانطلاقا من هذه الرؤية العقدية التي تجعل التنزيه المطلق الواجب للذات العلية هدفا أسمى لها يشير مؤرخ المدرسة الأشعرية إلى: "أن مذهب أهل الحق – مذهب الأشاعرة طبعا – أن الله تعالى خلق العالم بما فيه من الجواهر والأغراض وأصناف الخلق والأنواع لا لعلة حاملة له على الفعل، سواء قدرت تلك العلة نافعة له أو غير نافعة، إذ ليس يقبل النفع والضر، أو قدرت تلك العلة نافعة للخلق، إذ ليس يبعثه على الفعل باعث، فلا غرض له في أفعاله، ولا حامل، بل علة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه."[3]

 

كما يستبعد رجل المذهب المتقدم أن يكون الخالق عز وجل قد فعل العالم لعلة أوجبت حدوثه، بمقتضى" أن العلل لا تجوز عليه لأنها مقصورة على جر المنافع ودفع المضار، ويدل على ذلك أيضا أنه لو كان تعالى فاعلا للعالم لعلة أوجبته لم تخل تلك العلة من أن تكون قديمة أو محدثة، فإن كانت قديمة أوجب قدم العالم لقدم علته، وألا يكون بين العلة القديمة وبين وجود العالم إلا مقدار زمان الإيجاد، وذلك يوجب حدوث القديم لأنه لم يكن قبل إلا بزمان أو أزمنة محدودة وجب حدوثه، لا فائدة توقيت وجود الشيء هو أنه كان معدوما تلك الحال، فلما لم يجز حدوث القديم لم يجز أن يكون العالم محدثا لعلة قديمة، وإن كانت تلك العلة محدثة فلا يخلو محدثها أن يكون أحدثها لعلة أو لا لعلة فإن كانت محدثة لعلة وعلتها أيضا محدثة وجب أن تكون علة العلة محدثة لعلة أخرى وذلك أبدا إلى غير غاية وذلك يحيل وجود العالم جملة لتعلقه بما يستحيل فعله وخروجه إلى الوجود...[4]

 

وعلى هذا النحو يمضي الخطاب الأشعري في إيراد الحجج والأدلة العقلية والشرعية لإبطال أن يكون فعل العالم قد فعله لعلة أو غرض، وهذا منتهى التنزيه.

 

وهذا القول العقدي نفسه يتردد عند أشعري آخر في شكل قاعدة عقدية ميزت هذه المدرسة السنية الجماعية فيقول: "القاعدة الثانية في نفي الغرض والمقصود عن أفعال واجب الوجود: مذهب أهل الحق أن الباري تعالى خلق العالم وأبدعه لا لغاية يستند الإبداع إليها، ولا لحكمة يتوقف الخلق عليها، بل كل ما أبدعه من خير وشر ونفع وضر لم يكن لغرض قاده إليه، ولا لمقصود أوجب الفعل بل الخلق، وأن لا خلق له جائزان وهما بالنسبة إليه سيان"[5]

 

معنى الحكمة المنسوبة إلى أفعال الخالق عز وجل: إذا كان لفظ الحكمة في لسان العرب يؤول إلى الإتقان في العلم والعمل الذي يمتنع معه الزيغ والفساد والجور أو العلم الكامل النافع فإن مدلول الحكمة في الخطاب الأشعري، وفي هذا الموضع بالذات بمعنى علمه سبحانه بالأشياء وقدرته جل شأنه على إحكامها وإتقانها.

والباحث حين يلجأ إلى تفكيك مصطلح الحكمة في المنظومة الأشعرية يجده أنه يتحكم في مضمونه عنصران أساسان وهما: صفة العلم الأزلي القائم بذاته تعالى المتعلق بجميع المعلومات في شكلها الكلي والتفصيلي، وصفة القدرة بوصفها صفة وجودية قديمة أزلية قائمة بذاته تعالى متعلقة بجميع المقدورات، فهاتان الصفتان هما من يحدد مضمون الحكمة التي تعد نتيجة حتمية لأي حكم أو فعل شرعيين.

 

ومن الأدلة التي يتمسك بها بناة الخطاب الأشعري في رفضهم لمسألة تعليل أفعال الخالق عز وجل ما يذكره الإمام فخر الدين الرازي من: "أن كل من كان كذلك كان مستكملا يفعل ذلك الشيء، والمستكمل بغيره ناقص لذاته، لأن كل غرض يفرض فهو من الممكنات، فيكون الله تعالى قادر على إيجاده ابتداء فيكون توسط ذلك الفعل عبثا".[6]

 

ومن الأدلة التي يتمسك بها بناة الخطاب الأشعري أيضا هي أن صفة الغنى المطلق التي هي من الصفات الواجبة لله تعالى شرعا وعقلا تتنافى مع القول بوجود علة باعثة على الفعل "إذ لو كان – سبحانه – محتاجا من وجه كان ذلكم الوجه محتاجا إلى من يزيل حاجته، فهو منتهى مطلب الحاجات، ومن عنده نيل الطلبات، ولا يبيع نعمة بالأثمان، ولا يكدر عطاياه بالامتنان، فلو خلق شيئا ما لعلة تحمله على ذلك ... لم يكن غنيا حميدا مطلقا ... بل كان فقيرا محتاجا إلى كسب."[7]

 

وقد توسع الشراح المتأخرون في تقرير مذهب الأشاعرة الذي اختار بناته عقيدة التنزيه المطلق مبدأ لتنزيه الذات العلية أن تتصف بالأفعال في الأعراض أو الأحكام.[8]

 

ويحدد أحد الشراح المتأخرين مدلول الغرض وطبيعة التلازم العقلي القائم بين الفعل والحكمة الباعثة عليه فيقول: "وبيان الملازمة: أن معنى الغرض أن يشتمل الفعل على حكمة تبعثه عقلا على إيجاده، بحيث يلزمه نقصه لو لم يفعل ..."[9]

 

ودليل الأشاعرة في صورته العامة ترفع الخالق سبحانه عن الغرض والعلة أنه إذا كانت الأفعال مستوية بالنسبة للخالق عز وجل من حيث اشتمالها على مصلحة أو عدم اشتمالها، وأنه مختار في جميعها، ولا يجب عليه منها شيء فإنه يلزم أن لا يكون له غرض في شيء منها.

 

أما دليلهم في صورته الخاصة فهو:

  • أولا: أنه لو كان له غرض في الفعل لأوجبه عليه، وإلا لم يكن علة له. وقد علمنا عقلا أنه لا يجب على الله تعالى أي شيء. كما أن كونه فاعلا مختارا يجعل هذا القول باطلا من أساسه "وربك يخلق ما يشاء ويختار" (القصص: 68).
  • ثانيا: أن الغرض إذا كان قديما يلزم عنه قدم الفعل أيضا. وقد ثبت حدوثه، أو يكون حادثا فيحتاج إلى غرض، وهذا الاعتقاد فاسد من أساسه لأنه بكل بساطة يؤدي إلى التسلسل في الحوادث – حوادث لا أول لها -.
  • ثالثا: أن الغرض إما أن يكون عبارة عن مصلحة يعود إلى الخالق عز وجل أو تعود إلى خلقه سبحانه.

 

والاحتمال الأول باطل من أساسه لأنه يستلزم اتصافه سبحانه بالحوادث وهو محال. كما أن الاحتمال الثاني باطل أيضا بمقتضى عدم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح عليه سبحانه. فضلا عن قدرته عز وجل على إيصال تلك المصلحة إلى العبد من غير واسطة.

 

إن الباحث المنصف حيث يتأمل في الحجج التي أسس عليها بناة الخطاب الأشعري موقفهم من تعليل أفعال الله تعالى بالغرض الذي يقال عنه العلة الغائية يدرك بجلاء أن نظرة هؤلاء البناة تتحكم فيها رؤية عقدية ومنهجية علمية تجعل التنزيه المطلق هدفا لها فبالنسبة للقول الأول – الرؤية العقدية – يترتب عليها أن الله فاعل مختار وأن له الغنى المطلق والكمال الأتم "لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير" (المائدة: 120). وبالنسبة للقول الثاني – المنهجية العلمية – فإن هؤلاء البناة يحافظون على بنية النص الديني الذي يثبت الإنفراد المطلق على جميع المستويات: "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" (الشورى: 11). ولا ينكرون وجود حكمة ينطوي عليها الفعل الإلهي. غير أن وجود هذا الحكمة تأتي متأخرة عن الفعل لا على أساس اللزوم العقلي. بمعنى أنها ليست هي الدوافع أو المحرك الأساس على الفعل.

 

وبسبب الجهل بالمقاصد العقدية التي يصدر عنها البناة من مفكري الأشاعرة ووقفهم العلمي من مسألة تعليل أفعال الله تعالى على النحو الذي سبق تحديده وجدنا من العلماء من يحاول التشكيك في موقف الأشاعرة هذا ويكيل لهم التهم الواهية التي لا تصمد أمام موقفهم المبني على أسس عقدية متينة، وحجج شرعية وعقلية قوية.[10]

 

ولقد حاول بعض الأشاعرة المتأخرين الدفاع عن وجهة نظر بناة الخطاب الأشعري المتقدم من خلال التدليل على حضور الحكمة والمصلحة للفعل لا على أساس أن ذلك هو الدافع على الفعل.

 

يقول هذا العالم: "والحاصل أن المصلحة في فعل الله تعالى لا تتصور على أن تكون دافعيته إليه، بل تابعة له. وهكذا نقول: إن الله تعالى لا تتخلف الحكمة عن أفعاله، ولا نقول: إن فعله لا يتخلف عن الحكمة تنزيها له عن شائبة الإيجاب والاضطرار... فتبين بعد نظر المتكلمين الذين يجتنبون تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض والعلل الغائبة، وتبين أن أيضا أن أفعاله لا تتبع الحكمة بل الحكمة تتبع أفعاله، وكيف لا وهو خالق الحكمة والمصلحة، فكل ما يفعله تكون الحكمة والمصلحة فيه، وحسبه حكمة أن يكون مفعوله، وكل من يستبعد هذه الدقيقة فإنما يتكلم في شأنه تعالى بالقياس إلى نفسه".[11]

 

وإذا كان الخطاب الأشعري بوصفه الصياغة النهائية لعقائد أهل السنة والجماعة كما سلف القول قد نفي نفيا قاطعا تعليل الفعل الإلهي فإن هذا النفي يتناول الأحكام الشرعية كذلك. بمعنى وجوب نفي الغرض في أفعاله تعالى وأحكامه. وحتى العلل التي يوردها أهل السنة في مجال الاشتغال الفقهي إنما هي من وضع الشارع الحكيم تفضلا لا من موجبات العقل المجرد.

 

وقد رفض أهل السنة والجماعة التعبير عن العلة في باب القياس بمعنى الباعث لأنها عبارة تخل بأصول الاعتقاد القائم على تنزيه الخالق عز وجل عن اتصافه بالحوادث.

 

ومن هذا المنطق عمد البناة من مفكري الأشاعرة إلى تأويل نصوص الكتاب العزيز التي تشمل على عبارات توهم بتعليل الأفعال بالأغراض. ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (الذاريات: 56). فقد أولوا هذا النص بجعل اللام في قوله جل شأنه "إلا ليعبدون" لام الصيرورة. يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "قيل إن هذا  خاص فيمن سبق في علم الله أن يعبده، فجاء بلفظ العموم ومعناه الخصوص، والمعنى ما خلقت أهل السعادة من الجن والإنس إلا ليوحدون... وقال رضي الله عنه: أي وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بالعبادة... فإن قيل: كيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته، والتذلل لأمره ومشيئته؟ قيل قد تذللوا لقضائه عليهم، وإنما خالفهم من في العمل بما أمره به، فأما التذلل لقضائه فإنه غير ممتنع منه. وقيل "إلا ليعبدون" أي إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا وكرها، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، فالكره ما يرى فيهم من أثر الصنعة، مجاهد: إلا ليعرفونني، الثعلبي: وهذا قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجدوه وتوحيده..."[12]

 

وقوله أيضا: "فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا" (القصص: 8). يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: "لما كان التقاطهم إياه يؤدي إلى كونه لهم عدوا وحزنا، فاللام في "ليكون" لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم إنما أخذوهم ليكون لهم قرة عين فكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا، فذكر الحال بالمآل".[13]

 

وعلى هذا الأساس يمكن أن نجزم متابعة لبناة الخطاب الأشعري السني أنه لا توجد في القرآن الكريم لام للتعليل بالمعنى السلبي على النحو الذي يتمسك به مثبتي التعليل.

 

مثبتة التعليل

هناك بعض التيارات الكلامية حاول أصحابها بناء خطاب عقدي يقر بوجود علة غائية في أفعال الخالق عز وجل، ضدا على مبدأ التنزيه وتمزيقا لأصل التوحيد، ويتعلق الأمر بالتيار الكلامي الآتي:

التيار الاعتزالي

يرادف مدلول الغرض في المنظومة الاعتزالية مصطلح الحسن على هذا الأساس فبنية العلة الغائية من وجهة نظر التيار الاعتزالي تكون محصورة في تحقيق الحسن. وفي هذا السياق يقول القاضي عبد الجبار: "قد علم أن فاعل العالم بما يفعله، وإلا كان عبثا، ولذلك قلنا: إنه لا يجوز أن يكون في فعله تعالى ما يخرج من أن يكون حسنا أو قبيحا، لأن العالم بما يفعله: إما أن يفعله لغرض أو لا لغرض، فإن لم يكن لغرض فهو قبيح... وإن فعله لغرض مثله وزالت وجوه القبح عنه فهو حسن."[14]

 

ويأتي مفهوم الغرض في الفكر الاعتزالي على مستويين:

أن يرجع الغرض إلى أفعاله تعالى فيكون الغرض حينئذ هو تحقيق الحسن.[15]

 

ومن الأدلة التي يتمسك بها المعتزلة هي "أن الرب تعالى حكيم، والحكيم من تكون أفعاله على إحكام وإتقان، فلا يفعل جزافا، فإن وقع خيرا فخير، وإن وقع شرا فشر، بل لا بد وأن ينحو غرضا، ويقصد صلاحا، ويريد خيرا..."[16]

 

وخلاصة القول، فإن مفكري الإسلام متفقون من حيث الجملة على أن الله تعالى موصوف بالحكمة، ولكنهم يختلفون في تفسير هذا المصطلح كما يتفاوتون في تطبيقاته. فالتيار الاعتزالي الذي ينتصر للتعليل يرى "أن العلة وصف ذاتي ر يتوقف على جعل جاعل فهي مؤثرة بذاتها. ويعبر المعتزلة عنها تارة بالمؤثر وطورا بالموجب. ويستند هذا التعريف إلى روح المذهب الاعتزالي الكلامي وهو فكرة التحسين والتقبيح العقليين، فالحكم يتبع المصلحة أو المفسدة على اعتبار أن الشيء حسن أو قبيح في ذاته. وعلى هذا الأساس اعترف المعتزلة بقانون العلة سواء في الناحية العقلية أو في الناحية الشرعية".[17]

 

ينتهي التيار الاعتزالي في هذا الموضوع الشائك – موضوع تعليل أفعال الله تعالى – إلى إقراره بوجود حكمة في أفعاله تعالى، ومن القصور المنهجي لهذا الخطاب هو أنه يجعل مدلول الحكمة منفصلا عن الذات العلية.

 

وهذا نظير ما قالوه في الصفات من كونها منفصلة عن ذاته وهذا القول العقدي القائم على النفي ينتهي إلى العدم، وأن يكون العدم من لوازمه.

 

أما الاتجاه الأشعري الذي يصدر بناته عن فكر سني جماعي فإنه لا ينكر أن تكون أفعال الخالق عز وجل وأحكامه مشتملة على حكمة أو حكم غير أنها تأتي متأخرة عن الفعل بمقتضى تنزيه الذات العلية من أن تكون محلا للحوادث، أو يدعوها داع وهو نقص يجب تنزيهها عنه.

 

إن القول بتبعية الحكمة لأفعاله تعالى بل القول إن أفعاله عز وجل تابعة للحكمة دائرة معها لزم أن لا يكون الله تعالى فاعلا مختارا.

 

إن الخطاب الأشعري المتقدم أو المتأخر نجده يتعامل مع مسألة تعليل أفعال الله تعالى تعاملا يجعل التنزيه المطلق الواجب للذات العلية هدفا له. كما أن نفي التعليل على النحو الذي قال به الأشاعرة يتصل بشكل قوي بقولهم: إن كل شيء في العالم مستند إلى الله تعالى من غير واسطة، "وهذا القول الذي يستند إليه الخطاب الأشعري أصل مهم في بناء عقيدة التوحيد، حيث ينتهي كل شيء إلى إرادته سبحانه.

 

ولعل الذين انتصروا لمسألة للتعليل من الفلاسفة المسلمين والمتكلمين كانوا متأثرين بما لاحظوه في الشاهد الذي لا يقدم على الفعل إلا إذا هو فكر في النتائج التي ستترتب عليه في حين: "أن أفعال الله تعالى تصدر منه من غير تفكير في عواقبها كما نفكر نحن البشر، وعدم التفكير هذا مقتضى كماله تعالى، في حين أن كمالنا في التفكير... "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" سورة الشورى الآية 11.

 

فإن اعترض معترض بأن الله تعالى يعلم عواقب أفعاله من غير تفكير فبهذا يكون علل أفعاله، قلنا، ليس العلم بالعواقب والغايات تعليلا منه تعالى لأفعاله بها، إنما التعليل بناء أفعاله عليها في علمه قبل فعلها. وهذا هو التفكير في العواقب بعينه الذي لا يستطيع القائل بالتعليل إنكار تعاليه عنه، ونحن ننفي التعليل بالغايات لا الغايات ولا العلم بها".[18]

 

وخلاصة القول فإن مشكلة تعليل أفعال الله تعالى التي انتصرت لها بعض التيارات الكلامية مثل التيار الاعتزالي، ومال إليها بعض الفلاسفة المسلمين من أمثال ابن رشد الحفيد، واختارها بعض الحنابلة المتأخرين من أمثال تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية لا ترقى منهجيا إلى مستوى الخطاب الأشعري الذي حرص بناته على الحفاظ على النسق العقدي الذي يقوم على أساس إسناد جميع الأشياء إلى الخالق عز وجل من توسط بعضها في حصول بعض، بمقتضى عموم سلطة إرادة الله على الكائنات.

 

وبهذه النظرة الثاقبة المتعالية لمسألة تعليل أفعال الخالق عز وجل وأحكامه نستطيع أن نجزم أن الخطاب الأشعري السني الجماعي وعلى خلاف باقي الخطابات الكلامية أو الفلسفية التي اختارت التعليل المباشر مذهبا لها ضدا على أصل التوحيد قد حقق أهدافا عقدية قائمة على التوسط والاعتدال وهما سمة هذا المذهب، فضلا عن الارتقاء بعقيدة التوحيد إلى مستوى النسق العقدي الذي يبدأ بالتنزيه المطلق وينتهي إلى التنزيه المطلق. حيث تبدو أفعاله عز وجل وأحكامه مصدرا للحق والجمال. ومنبعا للخير والكمال والجمال.

الهوامش


[1] - اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، للإمام الأشعري، بتصحيح د. حمودة غرابة ص 20.

[2] - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني، ص 50.

[3] - نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني، ص 399. (القاعدة الثامنة عشر، في إبطال الغرض والعلة في أفعال الله تعالى...)

[4] - تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل للباقلاني، ص 50.

[5] - غاية المرام في علم الكلام، لسيف الدين الآمدي، ص 196.

[6] - محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، للإمام الرازي، ص 296.

[7] - نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني، ص 399..

[8] - حاشية الدسوقي عل أم البراهين للدسوقي، ص 170.

[9] - شرح السنوسية الكبر المسمى: عمة أهل التوفيق والتسديد للإمام أبي عبد الله السنوسي ص 341.

[10] - من هؤلاء العلماء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم اللذان لم يحققا مذهب الأشاعرة في هذا الباب على نحو صحيح بل تابعا التيار الاعتزالي في مسألة تعليل أفعال الله تعالى بالعلة الغائية. أنظر: مناهج السنة النبوية: جـ 1 ص 146، 146، 455، 2/341. مجموعة الرسائل والمسائل له أيضا: ج 5 ص، 234، 235، 291، 314، 337، 338

[11] - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، الشيخ مصطفى صبري، 3/5.

[12] - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، 13/261.

[13] - الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، 17/57.

[14] - المحيط بالتكليف، للقاضي عبد الجبار، 2/180.

[15] - المحيط بالتكليف، للقاضي عبد الجبار، 2/175.

[16] - نهاية الإقدام في علم الكلام، للشهرستاني، ص 400.

[17] - مناهج البحث عند مفكري الإسلام، علي سامي النشار، ص 115.

[18] - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، الشيخ مصطفى صبري، دار إحياء التراث العربي، بيروت

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube