الثلاثاء 5 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ 13 نوفمبر 2018
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

أبو الحسن الأشعري عند مترجميه إلى القرن الثامن الهجري

د.بشار عواد معروف، عضو أكاديمية آل البيت في الأردن، مجلة الجذوة، العدد الأول، أبريل 2013


‏الإمام أبو الحسن الأشعري علم من أعلام الأمة ومنارة من مناراتها ، تلقت الأمة سيرته بالتعظيم والإجلال، ولاسيما بعد أن بصره الله بالحق حين ترك الاعتزال، فظهرت عليه تباشير الخير وهوادي الصلاح باتباع عقيدة السلف في إثبات الصفات والعلو، بالنقل والعقل، ومباينة الله للمخلوقات، والقول بأن القرآن غير مخلوق، ونحو ذلك من أصول العقيدة السليمة.

 

‏وكان الإمام الأشعري ، لخبرته بالفرق الضالة التي عاش بين جنبات علمائها المدة الطويلة، ذا قدرة خارقة على إظهار تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ، فألف الكتب الداحضة لآرائهم الشاذة، وعقائدهم الفاسدة، فنال عند المسلمين الحرمة العظيمة والقدر الكبير نتيجة هذا الجهاد الذي جعله دينه ودَيْدَنه وهِجِّيراه.

‏ومن المعلوم، في بدائه العقول ومناهج البحث العلمي الرصينة، أن مؤلفات أي عالم أو مفكر هي من أكثر الينابيع صفاء، وأعلاها ثقة في بيان سيرته وعقيدته ومنزلته العلمية، ولاسيما إذا كان العالم ظاهر الشخصية في كتبه. ومن هنا فإن الوقوف على عقيدة هذا الإمام إنما تستشف من كتبه ومؤلفاته.

 

وقد اتفق أكثر العلماء على أن آخر مؤلفاته هو كتاب" الإبانة "(1)وهو كتاب مكتنز بالفوائد والعوائد، وفيه عقيدته الحقة التي ارتضاها، وقد جاء فيه بعد أن ذكر أقوال أهل الزيغ والبدع(2): "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون ودياناتكم التي بها تدينون، قيل له:

‏قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عزَّ وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون"(3).

 

‏ثم سرد بعد ذلك أسس هذه العقيدة وهو: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، وهو فوق العرش وفوق كل شيء وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وأن لِلَّه سبحانه وجها ويدين وعينين بلا كيف، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا، وأن لِلَّه علما، ونثبت لِلَّه السمع والبصر والقوة، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل، وأن لا خالق إلا الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله وفق المومنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، وندين بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار، يراه المومنون وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ارتكبه ما لم يستحله، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا، وندين بأن الله عز وجل يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، ولا ننزل أحدا من أهل التوحيد جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونقول: إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونؤمن بعذاب القبر والحوض والميزان والصراط والبعث بعد الموت، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نييه صلى الله عليه وسلم ونثني عليهم ونتولاهم أجمعين، وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر ثم عمر ثم عثمان، ثم علي وخلافتهم خلافة النبوة لا يوازيهم في الفضل غيرهم، ونشهد بالجنة للعشر الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا وسائر ما نقلوه وأثبتوه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، وأن الله يقرب من عباده. ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر، وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة. ونقر بخروج الدجال، ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنام نقر أن لذلك تفسيرا، ونرى الصدقة على موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم، ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الأرزاق من قبل الله، وأن الشيطان يوسوس الإنسان ويشككه ويخبطه(4)،... ثم فصَّل هذه العقائد بابًا بابًا.

 

‏ومن هنا كان هذا الكتاب قذى في عيون المبتدعة لاسيما الروافض منهم، فأكثروا من الرد عليه، فاتهموا الإمام أبا الحسن الأشعري بأنه من المشبهة المجسمة، وبالافتراء على المعتزلة والروافض بما هم برآء منه فضلا عن الغباء وعدم الإدراك لمدلولات ‏الألفاظ وغير ذلك من الأقوال والتخاريف التي تدل على حقد دفين، الله وحده به عليم.

 

‏على أن دراسة كتب هذا الإمام من اختصاص الدارسين للعقيدة الأشعرية، والتطرق إليها والتعمق فيها ليس من وكدنا لأنه غاية بحد ذاتها، بحاجة إلى جهد جهيد، ونظر عميق يسبر غورها ويستخلص منها درر الفوائد والعوائد، ومن ثم سنركن عنايتنا على من ترجم له وعني به من المائة الرابعة والى المائة الثامنة.

 

‏وأقدم ترجمة وقفنا عليها لأبي الحسن الأشعري هي تلك التي كتبها النديم (ت 380 ‏هـ) في كتاب "الفهرست"(5) ذكر فيها اسمه وأنه من أهل البصرة، وأنه كان معتزليا "ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، رقي كرسيا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا ثائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم، وكان فيه دعابة ومزح كثير"، وبيض لوفاته فلم يذكرها، وذكر له من الكتب:

1-   اللمع ;

 2 –الموجز ;

3 ‏-إيضاح البرهان ;

4 ‏-التبيين عن أصول الدين ولعله "الإبانة" ;

5 ‏-الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل.

 

‏ثم قال: "ومن أصحابه الدمياني، وحموية وهما ‏من أهل سيراف، وكان يستعين بهما على المهاترة والمشاغبة. وقد كان فيهما علم على مذهبه، ولا كتاب لهما نعرفه".

 

‏ومن المعلوم أن النديم كان شيعيا معتزليا على حد وصف ياقوت (6)، وقال فيه الذهبي: "الأديب الشيعي المعتزلي"(7).

 

‏وقال ابن حجر: "ولما طالعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي فإنه يسمي أهل السنة الحشوية، ويسمي الأشاعرة المجبرة، ويسمي كل من لم يكن شيعيا عاميا"(8).

 

‏ومن عجب أن تكون ترجمة أبي بكر الخطيب(ت 463 ‏هـ) لأبي الحسن الأشعري قصيرة جدا لا تتجاوز الصفحة الواحدة ذكر نسبه وأنه صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، وأشار إلى أنه بصري سكن بغداد إلى أن توفي بها، ونقل عن بعض البصريين أنه ولد سنة 260 ‏هـ ومات سنة نيف وثلاثين وثلاث مائة. ثم نقل عن شيخه أبي القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي(9) أن الأشعري مات ببغداد بعد سنة عشرين وقبل سنة ثلاثين وثلاث مائة، وأنه دفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام، وهي يسار المار من السوق إلى دجلة.

 

‏ومشرعة الروايا هذه بدرب الشعير من الجانب الغربي من بغداد(10) ، قريبة من المدينة المدورة التي ‏بناها أبو جعفر المنصور، ومشروعة الروايا كانت ترفأ إليها سفن الموصل والبصرة ، وكان قبره موجودا سنة 446 ‏هـ حيث دفن إلى جنبه أبو بكر ‏عتيق ابن عبد الله البكري الأشعري الواعظ(12)، ‏وهذا يرد على ابن الوردي الذي زعم أن قبره طمس خوفا عليه من الحنابلة. وقال نعمان الآلوسي: ورأيت في بعض تعاليق الوالد (محمد بن عبد الله) عليه الرحمة: أنه المحل الذي يعرف الآن بالسيف، سيف التمن، وفيه قبر يزار(13).

 

‏ثم نقل عن ابن حزم الأشعري مات سنة 324 ‏هـ : وإن له خمسة ‏وخمسين تصنيفا، لكنه لم يذكر أي من ‏مصنفاته(14).

 

‏وساق بسنده رواية عن بندار بن الحسين خادم الأشعري بالبصرة يذكر فيها أنه كان يأكل من غلة ‏ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة، وأن نفقته في السنة كانت سبعة عشر درهما.

 

وختم الترجمة برواية عن أبي بكر ابن الصيرفي ساقها بسنده إليه- يقول فيها: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.

 

‏ويمكن إرجاع قصر الترجمة إلى أحد أمرين، أوكليهما: الأول منهما أن أبا الحسن الأشعري لم يكن مشهورا برواية الحديث.

 

‏وثانيهما أنه لم يكن بالشهرة التي صارت له فيما بعد حينما ‏كثر المعتنقون لمذهبه وانتشرت عقيدته بين الناس، والأول أولى.

 

 ‏وفي عصر الخطيب كتب ابن حزم "الفصل في الملل والنحل" تناول فيه عقيدة أبي الحسن الأشعري، لكنه لم يتطرق إلى جوانب حياته، وكان على عادته رحمه الله متشنجا في ردوده.

 

‏على أن أحد المقربين المشهورين وهو أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي الأصل ‏الدمشقي الدار المتوفى سنة 446 ‏هـ(16)، ألف ‏كتابا في مثالب أبي الحسن الأشعري(17)، نقل منه ‏الحافظ ابن عساكر الكثير في كتابه الذي ألفه في الرد عليه وسماه: "تبيين كذب المفتري فيما نسب ‏ إلى أبي الحسن الاشعري"(18) ،وبين الذهبي أن فيه أكاذيب(19).

 

‏وقد أقذع ابن عساكر في الرد عليه ووصفه ‏بكل قبيح حس وصل به الأمر إلى القول: "وكيف يتهم أولاد المجوس بالإلحاد والزندقة أبناء ذوي الهمة، ولاشك أن الأهواز من جملة البلدان التي ‏افتتحها أبو موسى الأشعري جدّ هذا الإمام - وذلك السبب عندي هو الموجب لهذه الجفوة والمورث للغلظة على ولده، والقسوة والمؤثر في شدة النفوس عن معتقده، والنبوة لأنه أدخل على أسلاف الأهوازي من المجوس بلية ومحنة، وأورثت قلبه لنسله عداوة وإحنة فلهذا استفرغ جهده في الإزدراء على أبي الحسن والتشنيع، ورماه بكل ما أمكنه ذكره من الأمر الشنيع، لأن البغض يتوارث والود ‏يتوارث...الخ"(20).

 

‏وفي القرن السادس الهجري كتب محمد بن عبد الحكيم الشهرستاني المتوفى سنة 548 ‏هـ كتابه "الملل والنحل" تناول فيه "الأشعرية" ضمن الفرق المثبتة للصفات، فبين كيف انحاز أبو الحسن الأشعري إلى طائفة "الصفاتية" وأيد مقالتهم بمناهج كلامية "وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"(21).

 

‏وكتب أبو سعد السمعاني المتوفى سنة 562 ‏هـ ترجمة لأبي الحسن الأشعري في مادة "الأشعري" من كتابه الأنساب لخصها من تاريخ الخطيب ولم يزد عليها شيئا.

على أنّ صديقه ورفيقه أبا القاسم على بن هبة الله المعروف بابن عساكر المتوفى سنة 571 ‏هـ دفعته عقيدته الأشعرية إلى تأليف كتاب كبير في الرد على أبي علي الحسن بن علي الأهوازي المتوفى سنة 446 ‏هـ ‏والذي ألف كتابا في مثالب أبي الحسن الأشعري(22).

 

‏وقد سمى ابن عساكر كتابه "تييين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري"، وهو مطبوع منتشر - مشهور، صار فيما بعد المصدر الرئيسي في ترجمة الأشعري.

 

‏افتتح ابن عساكر كتابه بمقدمة تناول فيها النهي عن كتمان العلم، وساق أحاديث في تحريم الغيبة، ثم عقد بابا في "ذكر تسمية أبي الحسن الأشعري ونسبه والأمر الذي فارق عقد أهل الاعتزال بسببه"(23).

 

‏أما نسبه فنقله من تاريخ الخطيب ومعه شيء من ترجمة الخطيب له. ونقل عن أبي بكر بن فورك (محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني المتوفى سنة 406 ‏هـ)(24) أن أباه إسماعيل بن إسحاق كان ‏سنيا حديثيا أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي الإمام المحدث البصري المتوفى سنة 307 ‏هـ(25) ، وقال:"وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة" (26).

 

‏أما سبب رجوع أبي الحسن عما كان عليه من عقيدة الاعتزال وتبرِّيه مما كان يدعو إليه فيعزوه الحافظ ابن عساكر إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وطلبه منه التعويل على سنته، وساق عدة منامات في ذلك، ثم ذكر قولا لأبي بكر اسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة(27) نصه:

"الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه ‏معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماما، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما فبعد ذلك خرج إلى الجامع، فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ماكنت انخلعت، كما انخاعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب " اللمع"، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار" وغيرهما. فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه ‏واتخذوه إماما حتى نسب مذهبهم إليه"(28)

 

‏وهذه الحكاية تناقلتها الكتب لتي جاءت بعده، وفيها نظر من عدة أوجه:

  • ‏الأول: أنها منقطعة فإن أبا بكر إسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق القيرواني كان حيا سنة 403‏هـ (29)‏، وهوقيرواني لا نعلم له رحلة إلى العراق، وعمره ‏يبعد أن يكون قد اتصل بأبي الحسن الأشعري، فضلا عن أن أحدا لم يذكر ذلك.
  • ‏الثاني: قوله إنه أقام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وهو قول انتشر-عند الأكثر، فإ‏ذا كان الأشعري قد ولد سنة 260 ‏هـ وأنه طلب العلم في العقد الثاني من عمره فمتى تاب وأناب وألف كل هذه الكتب في الرد على المعتزلة والروافض وغيرهم ؟ علما بأنه قد ترك الاعتزال وشيخه الجبائي على قيد الحياة، ‏وتوفي الجبائي سنة 303 ‏ه (30)، فيكون رجوعه قبل ‏هذا التاريخ، فكيف يصح بعد هذا أنه أقام أربعين سنة على الاعتزال ؟
  • ‏الثالث: قوله: "غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما" ثم خرج بعد أن هداه الله ورمى لهم بالكتب، فنسأل: هل يعقل أنه ألف هذه الكتب في خمسة عشر يوما، يكاد أن يكون هذا مستحيلا.
  • ‏الرابع: قوله في المنام الآخر:"يا رسول الله كيف أدع مذهبا تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟"(31) فهذا يناقض الأربعين سنة.

 

‏وجميع المنامات والحكايات التي ذكرها الحافظ ابن عساكر في هذا الباب ضعيفة الأسانيد، وفيها شيء من التناقض، كما بينا بعضه قبل قليل، ولكن يصح القول أنه قضى - مدة ليست بالقصيرة على مذهب الاعتزال ثم عاد إلى مذهب أهل السنة وألف كثيرا من كتبه بعد ثوبته، وكان آخرها كتاب "الإبانة".

‏وانتقل ابن عساكر بعد هذا فذكر الأحاديث النبوية المبشرة بقدوم أبي موسى الأشعري وأهل اليمن، وإشارته إلى ما يظهر من علم أبي ‏الحسن(32) ، وبين أنه مجدد المائة الثالثة(33) ، وذكر في آخره وفاة أبي الحسن الأشعري نقلا من تاريخ ‏الخطيب، ورجح وفاته في سنة 324هـ (34).

 

‏ثم تناول فضائل أبي موسى الأشعري(35)، وابنه ‏ابي بردة(36)، وحفيده بلال بن أبي بردة(37)، ثم ‏ساق فضائله هو(38) ، وما اشتهر به من العلم و وفور المعرفة والفهم(39) ، وتطرق إلى مؤلفاته فاستقصاها ‏ما استطاع إلى ذلك سبيلا(40)، ثم انتقل إلى بيان اجتهاده في العبادة(41) ، وانه من خير القرون(42)، ‏ومجانبته لأهل البدع وجهاده في ذلك، وما رؤي له من المنامات الطيبة(44)، وختم الترجمة ‏بذكر ما مدح به من الأشعار(45). أما بقية الكتاب ففي طبقات الأشاعرة المشهورين، والرد على من ينتقص الأشاعرة عامة، والرد على الأهوازي وأشياء أخرى.

 

‏ويلاحظ أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر قد جمع في هذا الكتاب كل ما وقف عليه من حكايات عن أبي الحسن الأشعري لاسيما المُشرق منها سواء أكانت صحيحة أم سقيمة، ومن ثم فإنه يحتاج إلى دراسة نقدية شاملة وتحقيق متقن لرواياته.

 

‏وفي نهاية القرن السادس الهجري كتب ابن الجوزي -توفي 597 هـ- ترجمة لأبي الحسن الأشعري اعتمد فيها على ترجمة الخطيب وما ذكره الأهوا زي في مثالبه، وأظهر حقده عليه، فقال: "وكان على مذهب المعتزلة زمانا طويلا ثم عنَّ له مخالفتهم، وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة..ثم نبع أقوام من السلاطين فتعصبوا لمذهبه وكثر أتباعه، حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ود‏انوا بقول الأشعري" ثم ذكر وفاته من تاريخ الخطيب وقال: "وقبره اليوم عافي الأثر لا يلتفت إليه" (46).

 

‏وابن الجوزي كثير الأوهام كما قرره أحد الحنابلة الكبار وهو سيف الدين أحمد ابن المجد، قال سيف: -ما رأيت أحدا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيا عنه... وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المني في بعض هذه الأشياء التي حكيناها عنه يعني: (ما يخالف فيه السنة). ولما بان تخليطه أخيرا رجع عنه أعيان أصحابنا الحنابلة وأصحابه وأتباعه(47).

 

‏وعقب الذهبي فقال: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنيا، وفي وقت متهجما محرفا للنصوص(48).

 

‏وقريبا من هذا التاريخ أيضا كتب الإمام أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني ‏الشافعي(49) - توفي 605 هـ- رسالة صغيرة سماها:‏ "الذب عن أبي الحسن الأشعري"، ليس فيها جديد يضاف إلى ترجمته.

 

‏وفي القرن السابع الهجري كتب شمس الدين ابن خلكان (توفي 681 هـ) ترجمة مختصرة للأشعري ‏لا تزيد على الصفحة والنصف، مستمدة من تاريخ الخطيب والفهرس للنديم وتبيين كذب المفتري لابن عساكر، ليس فيها من جديد.

 

‏وفي فهرست أحمد بن يوسف بن يعقوب الليلي المتوفى سنة 691هـ معلومات عن أبي الحسن الأشعري وكبار علماء الأشاعرة: ذلك أن فهرَسته تعنى بترجمة رجال إسناده إلى أبي الحسن الأشعري من شرف الدين ابن التلمساني إلى أبي الحسن الأشعري، فترجم بعد التلمساني لشيخه تقي الدين أبي العز مظفر المعروف بالمقترح، ثم لشهاب الدين الطوسي، ثم لأبي حامد الغزالي، وأبي المعالي الجويني، وأبي القاسم الإسفراييني، وأبي بكر الباقلاني، وأبي الحسن الباهلي وابن مجاهد وصولا إلى أبي الحسن الأشعري، معتمدا في ترجمته المطولة على ما ذكره الخطيب وأبو القاسم ابن عساكر في"تبيين كذب المفتري" وبعض مقتطفات من هنا وهناك لأقوال أهل العلم فيه، فاستغرقت الترجمة قرابة الخمسين صفحة، ليس فيها من جديد سوى مزيد من الشتائم على الأهوازي وابن حزم.

 

‏وفي القرن الثامن تكثر الكتابات عن أبي الحسن الأشعري والأشعرية، ففي هذا القرن عاش فطاحل العلماء الذين عنوا بأبي الحسن الأشعري وآرائه، وهو عصر مشحون بالنزاعات العقائدية وبداية لحركة فكرية متميزة كان من بين أهدافها تنقية ما علق بالعقيدة الإسلامية من شوائب في العصور الماضية.

ومن ثم فإنني سوف أختار الشخصيات البارزة والمؤثرة في دراسة أبي الحسن الأشعري.

 

‏وأول هذه الشخصيات هو شيخ الإسلام الإمام تقي الدين ابن تيمية  - توفي 728 ‏هـ، لبيان موقفه من أبي الحسن الأشعري والأشاعرة.

 

‏ويتعين علي أن أشير آثر ذي أثير أن كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية تؤكد جميع مفاصلها على التفريق الواضح البين بين مذهب أبي الحسن الأشعري الذي هو مذهب أهل السنة والحديث وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، ثم المذهب الأشعري الذي طوره العلماء الأشاعرة الذين جاءوا بعده وصار مذهبا يخالف في كثير من مفاصله مذهب الأشعري ولاسيما في إثبات الصفات الخبرية والعلو وأمثال ذلك(51)، فبين أن أبا الحسن من أهل إثبات الصفات(52)، وان مذهبه هذا هو ‏مذهب الإمام أحمد(53)، وقال:- إن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما، بل لم يفهموا غَوْرها، ولم يقدروا الأشعري قدره، بل جهلوا مقدار كلامه وحججه، وكان هو أعظم منهم قدرا، وأعلم بالمقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا، دع ما لم يبلغا، فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بوْنًا عظيمًا"(54).

 

‏لقد استفاد ابن تيمية من كتابات أبي الحسن الأشعري في الرد على الفرق الضالة لاسيما المعتزلة والخوارج الرافضة، وأثنى في كثير من المواضع ثناء عطرا على جهوده المحمودة في ‏الرد عليهم فقال معلقا على قول أبي بكر ابن الصيرفي إن الأشعري جحرهم في أقماع السمسم قال: هذا صحيح "بما أبداه من تناقض أصولهم، فإنه كان خبيرا بمذاهبهم إذ كان من تلامذة أبي علي الجبائي وقرأ عليه أصول المعتزلة أربعين سنة. ثم لما انتقل إلى طريقة أبي محمد عبد الله بن مسعود بن كُلاَّب، وهي أقرب إلى السنة من طريقة المعتزلة، فإنه يثبت الصفات والعلو، ومباينة الله للمخلوقات، ويجعل العلو يثبت بالعقل، فكان الأشعري لخبرته بأصول المعتزلة أظهر من تناقضها وفسادها ما قمع به المعتزلة، وبما أظهره من تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ونحوهم، صار له من الحرمة والقدر ما صار له، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، وان تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجرا عظيما"(55).

 

‏أما بعض ما انتقده شيخ الإسلام من آراء أبي الحسن الأشعري فهو من نحو انتقاده لأي عالم يختلف معه في بعض الآراء بصرف النظر عن كونه يتفق معه اتفاقا كليا أو جزئيا في العقيدة والمذهب، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك ومن هنا يقول: "وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي(56) ، وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هوأبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمة مثل ابن عقيل وابن الجوزي ونحوهما كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق الله التميمي ونحوهم وأئمة أصحاب الأشعري كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني وشيخه أبي عبد الله بن مجاهد وأصحابه كأبي علي بن شاذان، وأبي محمد ابن اللبان، بل وشيوخ شيوخه كأبي العباس القلانسي وأمثاله، بل والحافظ أبي بكر البيهقي وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة(57). 


الهوامش

1- الرسالة التّدمُرية 4 ‏والفتوى الحموية الكبرى 44 ، وقال فيه: "وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه".

2‏- الإبانة 14-19 "ط. الدكتورة فوقية حسين محمود، القاهرة 1988 ‏م"

3 ‏- الإبانة 20 ‏- 21 ‏.

 4 ‏- الإبانة: 33 ‏- 21‏.

5 ‏- الفهرست 649 ‏- 648 ‏/ 1 "ط.الدكتور أيمن فؤاد السيد"

6‏- معجم الأدباء 2427/6 "ط. الدكتور إحسان عباس.

7 ‏- تاريخ الإسلام 833‏/8 ‏"بتحقيقنا".

8 ‏- لسان الميزان 83 ‏/ 5 "ط. دار الفكر، بيروت".

9 ‏- عكبري الأصل سكن بغداد وتوفي بها سنة 456ه "تاريخ الخطيب 12/270، والمنتظم 236‏/8 ‏وسير أعلام النبلاء 124 ‏/ 18 ".

10 ‏- تاريخ الخطيب 437/1 و278/8 و 124/18".

‏11 ‏- معجم البلدان 308 ‏/ 1 ‏،وتعليقنا على كتاب الحوادث،ص 116.

12 ‏- التاريخ المجدد لابن النجار 129/2.

13 ‏- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين 247 ‏، وقال متعقبا قول ابن الوردي: "قلت وسيأتي تصريحه في كتابه الابانة إلى أنه رجع الى مذهب أحمد في العقائد وعليه مات رحمه الله تعالى".

14- لا أعلم من أين نقل الخطيب هذا النص.

15 - القمع: غطاء الثمرة وأقماع السمسم صغيرة فمثل بذلك على انجحارهم في أضيق شيء.

16 - ننظر ترجمته في معرفة القراء الكبار للذهبي 1 ‏/ الترجمة 343 ‏وما ذكرناه من مصادر هناك، ومقدمة كتابه الوجيز في شرح قراءات القراءة الثمانية، تحقيق الدكتور دريد حسن أحمد، دار الغرب 2002 ‏م. 

17- منه نسخة في ‏دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 4521 ‏عام، ‏تم طبع. 
18- هكذا يتعين قراءتها، لأن المفتري هو الأهوازي وهو الذي نسب إلى أبي الحسن الأشعري. 
19 - سير أعلام النبلاء 79/15.
 ‏20- تبيين كذب المفتري 365 ‏/ 366 ‏. 
21 ‏- الملل والنحل 91 ‏/1 " ط دار المعرفة بيروت 1404 هـ"
22 ‏- نشرة حسام الدين القدسي يرحمه الله سنة 1347هـ بدمشق.
 23 ‏- تبيين كذب المفتري 34 ‏. 
24 ‏- ينظر عن ابن فورك: تبيين كذب المفتري 232 ‏، و‏تاريخ الإسلام للذهبي 109‏/9 -111.

(يتبع)

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء
facebook twitter youtube