الأربعاء 6 ربيع الأول 1440هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2018
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

سيرة الإمام الأشعري بين الأوهام والحقائق

يوسف احنانة، عضو المجلس العلمي بتطوان، المجلس العلمي الأعلى، مجلة الجذوة، العدد الأول، أبريل 2013


‏ترتبط شخصية أبي الحسن الأشعري في تراث الغرب الإسلامي ، بمؤسس هذا المذهب العقدي، الذي ساد وترسخ في تربة هذه المنطقة، وترسم بها لما يقرب من عشرة قرون، وشكل نوعا من التناغم والانسجام داخل المنظومة المذهبية لأهل هذه البلاد، إلى جانب الفقه المالكي، والتصوف السني.

 

‏فلئن كان المذهب الأشعري، أو المعتقد الأشعري هو الإطار العام الذي حكم فكر الأجداد، ووجه اختياراتهم العقدية لقرون عديدة ، فقد مارس كل ذلك تكريس جو من الاحترام والتقدير لمؤسس هذا المذهب، فلم يخدش واحد من الأجداد شخصية إمامهم ولا نقص منها، ولا ألحق بها ما لا يليق بها، من عدم الاحترام والتقدير والتبجيل. لكن الساعي إلى استخلاص سيرة هذا الشيخ، لا شك واجد أمامه مجموعة من الحقائق، إلى جانب مجموعة أخرى من الأوهام لحقت الرجل عن وعي، أو غير وعي، اعتملت فيها مجموعة من العوامل الذاتية والأخرى الموضوعية.

 

‏وسنعمل من خلال هذه الورقة، على تصفية سيرة الإمام أبي الحسن الأشعري من التشويه، والتزوير، والتحريف، الذي طال سيرته، والذي يمكننا تسميته ب "قلق السيرة". فالأوهام التي لحقت سيرته كثيرة ومتعددة، ويتم تردادها على العديد من المنابر، وعلى صفحات الكثير من الكتب والنشرات. وهي في الحقيقة إما أوهام مبيتة، صدرت عن أصحابها بوعي تام، وخطة مدروسة، أو أوهام تكرست بنية حسنة، وصدرت من أصحابها عن غير وعي، بل كانت تهدف إضفاء طابع إيجابي معين، يخدم المذهب ومؤسسه.

وقد عملنا على مقاربة هذا الموضوع، بطريقة مبسطة، تعتمد على طرح أسئلة، يتم الانطلاق منها للتحليل.

 

هل كان الإمام الأشعري مالكيا ؟

‏من الأمور التي تتعارض فيها الآراء وتتضارب، وتختلف حولها الأفهام وتتباعد، هي تأكيد نسبة الشيخ أبي الحسن الأشعري إلى مذهب فقهي بعينه. فهناك من ينسبه للفقه المالكي، ومنهم من ينسبه للفقه الحنفي، ومنهم من ينسبه للفقه الحنبلي، وآخرون ينسبونه للفقه الشافعي. وأيا كان الأمر فإن ما يهمنا باعتبارنا ننتمي إلى ثقافة الغرب الإسلامي، التي تشربت العقيدة الأشعرية منذ قرون، ورسّمتها في دائرة الثوابت المذهبية للبلاد، أن نرصد التمثلات التي تناقلتها مجموعة من النصوص، ورسمتها في أذهان الناس، في هذه المنطقة. ومن أهمها هي كون الأشعري كان على فقه الإمام مالك. والذي زاد في تكريس وترسيخ هذا التمثل في كتابات أهل هذه المنطقة، هو كون أهل الغرب الإسلامي وبخاصة أهل المغرب الأقصى، كانوا وما زالوا مالكيين، فقد قبلوا دونما تردد، أن يكون مؤسس عقيدتهم مالكيا من غير ما تمحيص، أو كثير تدقيق.

 

‏فقد ساد في كتب العقائد بالغرب الإسلامي أثناء ترجمتها للشيخ أبي الحسن أنه مالكي الفقه. إذ لا يسع هذا البحث المحصور أن يحصي أولئك الذين ساروا في هذا الاتجاه، ونحَوْا هذا المنحى. فقد ورد مثلا في كتاب اختصار المباحث العقلية لأبي عمران موسى الجزولي (من أعلام القرن الثامن الهجري) وهو يؤرخ للإمام الأشعري قوله (وهو مالكي المذهب. وكان مذهب مالك في العراق)(1).ويرى من جهة أخرى الحسن بن محمد الهداجي الدرعي في شرح أم البراهين، في سياق ترجمة الأشعري أنه (مالكي المذهب وإليه تنسب جماعة أهل السنة، ويلقبون بالأشاعرة والأشعرية) (2).

 

‏ويرجع الدكتور حمودة غرابة سبب تنازع المالكية لهذا الإمام، وجعله مالكي المذهب، إلى خلط وقع فيه هؤلاء، ومرده إلى أن الباقلاني كان فعلا مالكيا فاختلط الأمر على الناس فقاسوه على هذا الأخير. علما أنه كان شافعي المذهب يقول الدكتور غرابة (قد تنازعته المذاهب الفقهية بعد موته . ويؤكد صاحب الطبقات أنه كان شافعي المذهب وأن الإمام الباقلاني هو الذي كان مالكيا لا الأشعري كما يزعم بعضهم).

 

‏أما لويس غاردييه وجورج قنواتي، فيرجحان سبب نسبة الشيخ الأشعري إلى الفقه المالكي، وسائر المذاهب الفقهية الأخرى، إلى الليونة التي ميزت مواقفه الفقهية، مما ترك انطباعا طيبا لدى أتباع المذاهب الفقهية في زمانه (فيظن كل إمام أنه يذهب إلى ما يذهب إليه هو. فقد أدى ذلك ببعض المؤرخين إلى أن يذكروه تارة مالكيا، وطورا حنفيا. أما الأغلبية فيطيب لهم أن يروه شافعيا) (3).

 

‏والحقيقة أن الذين ترجموا  للأشعري من أهل الغرب الإسلامي جروه إلى فقه إمامهم مالك حتى تتطابق فيه العقيدة والفقه، اللذان هما ما يتبناهما أهل هذه المنطقة. وهو ترجيح يستند إلى الحمية المذهبية. فمالكية الشيخ الأشعري لم تكن إلا وهما في أذهان من أرخ له من أهل الغرب الإسلامي وغيرهم. أما الحقيقة فهي أن الذي ترجح عنده هو فقه الشافعي كما يؤكد على ذلك السبكي في طبقات الشافعية حيث يقول " ذكر غير وا حد من الأثبات أن الشيخ الأشعري- كان يأخذ مذهب الشافعي عن أبي إسحاق المروزي، وأبو إسحاق يأخذ عنه علم الكلام) (4) وهذا حسم واضح في النسبة الفقهية للإمام والتي لا تدع مجالا للتذبذب وترجيح ما لا يترجح في هذا السياق.

‏هل تخلى الشيخ الأشعري عن علم الكلام ؟

‏إذ ا كان علم الكلام هو العلم الذي  تولى الدفاع عن العقائد الإيمانية، بالأدلة العقلية. وكان المعتزلة يمثلون الفرقة الكلامية التي مثلت في البداهة هذا العلم في أجلى صوره وتجلياته. وقد كان الشيخ الأشعري كما هو معروف ومتداول عنه هو أنه كان في البدء معتزليا وظل على هذا المعتقد ردحا من الزمن، يجادل بحججهم، ويستعمل طرائقهم في المناظرة، ويدافع عن أصولهم دفاعا مستميتا حتى برز في هذا العلم، وصار من أشهر طبقاتهم. لكنه ولأسباب ما تخلى عن الاعتزال وأعلن انسلاخه من منظومة المعتزلة جهارا، أمام من يعرفه ومن لا يعرفه.

 

فما هي أولا دواعي هذا الانسلاخ وهذه القطيعة المعرفية ؟ وهل حقا كانت هذه المرحلة إيذانا بتخلي الشيخ الأشعري عن علم الكلام ؟

 

تعلم الأشعري من المدرسة الاعتزالية أدب المناظرة والحوار وضوابط الجدل والسجال وهو شاب

‏الواقع أن المعتزلة باعتبارها فرقة كلامية كانت قد مثلت علم الكلام بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى. حيث إن علماءها تولوا الدفاع عن المعتقدات الإيمانية بالأدلة العقلية، وفق ثوابتهم وأصولهم الخمسة، وبرعوا في ذلك أيما براعة. لاسيما حينما تصدوا للفرق الدهرية، و.....، واليهودية، والمسيحية، والزنادقة، والغلاة من جميع المشارب، لكن جاء حين من الدهر قلبت لهم السلطة العباسية ظهر المجن، وانقلب عليهم أصدقاء الأمس، وسحبوا من تحتهم بساط النفوذ والغلبة.

 فهل كان انتقال الشيخ الأشعري من الاعتزال اعتزالا لعلم الكلام، وتمهيدا لاستقالة العقل عن وظيفة الحجاج والدفاع عن العقائد الإيمانية ؟

 

‏الواقع أن الأشعري بانفصاله عن المعتزلة وتأسيسه لمذهب أهل السنة في العقائد، حافظ على نفس وظيفة علم الكلام، فقد تعلم الكثير من مدرسة الاعتزال، لا سيما ما يتعلق بفنون المناظرة، والمساجلة والحجاج، حيث كان يعتبر من كبار المتفننين في قوة المجادلة والإفحام. حتى إن زوج أمه المعتزلي الشهير أبا علي الجبائي كان إذ ا "دهمه الحضور في المجالس يبحث عن الأشعري ويقول له: " نب عني"(5).

 

‏فقد استفاد الأشعري كثيرا من انتمائه للمعتزلة حيث علمته هذه المدرسة المنطق، والمناظرة، والسجال وأدب المجادلة. لقد تعلم الأشعري من المدرسة الاعتزالية أدب المناظرة والحوار وضوابط الجدل والسجال وهو شاب كان متشيعا للاعتزال وذابا عن مبادئه وأصوله. لكن الاعتزال لم يستطع أن يجيب عن أسئلة كبرى وعميقة، أسئلة فلسفية لم تتمكن مدرسة الإعتزال أن تشفي ظمأه وتطفئ أوار نفسه الحائرة (6).

 

‏إذن تم الانفصال حقيقة بين الأشعري ومدرسته الأولى. لكن تبرير هذا الانفصال طاله ما طاله من الكلام فهناك من جهة من يرى أن الأشعري لم يتخل في يوم من الأيام عن مذهبه المعتزلي، وأنه ظل ينافق ويداري الناس فقط. فلم يتنكر يوما عن قناعاته الاعتزالية (7) ومن جهة أخرى هناك من يؤكد هذا الانفصال و يفسره بأسباب داخلية كالموقف الذي يذهب إليه المفكر التونسي محجوب بن ميلاد(8). فالأشعري بالنسبة إلى هذا الأخير هو ذاك المفكر الطموح الذي لم يجد في منظومة المعتزلة الفكرية والعقدية إجابات شافية عن قضايا فكرية عميقة. مما اضطره إلى الانفصال وتكوين مدرسة كلامية جديدة كفيلة بالإجابة عن مثل الأمور الفلسفية العميقة التي عجزت المدرسة الإعتزالية عن الإجابة عنها .

 

‏كما أن هناك تفسيرا وتبريرا آخر لهذا الانفصال، يرجع ذلك إلى الحلم والرؤيا، ذلك أن الأشعري ناظر يوما أستاذه المعتزلي أبا علي الجبائي في ثلاثة إخوة اخترم الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي الإثنان فآمن أحدهم وكفر الآخر فأين يذهب الصغير ( فأجاب الجبائي : إنه يذهب إلى مكان لا سعادة فيه ولا عذاب . فقال الأشعري إن أراد الصغير أن يذهب إلى أهل الدرجات هل يؤذن له ( قال الجبائي : لا. لأنه يقال له : إن أخاك إنما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعته الكثيرة وليس لك تلك الطاعات. فقال الأشعري فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس مني فإنك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة. فقال الجبائي : يقول الباري، جل وعلا : كنت أعلم أنك لو بقيت لعميت وصرت مستحقا للعذاب الأليم فراعيت مصلحتك. فقال الأشعري : فلو قال الأخ الكافر : يا إله العالمين كما علمت حاله فقد علمت حالي فلم راعيت مصلحته دوني (9)؟

 

وتأتي الروايات المتعددة لترى أن هذا الاختلاف في هذه المناظرة ومناظرات أخرى مع شيخه الجبائي أدت به إلى حيرة حقيقية وتردد واضح. ولندعه يروي ذلك بلسانه "وقع في صدري في بعض الليالي شيء مما كنت فيه من العقائد فقمت وصليت ركعتين، وسألت الله تعالى أن يهديني الطريق المستقيم . ونمت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليك بسنتي. فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار ‏فاثبته ونبذت ما سواه ورائي ظهريا(10).

 

‏والحقيقة أن هناك تكاملا بين التبريرين فالحيرة والتحير كانا سابقين، لانعدام وجود الرؤية الفكرية والمذهبية التي من شأنها خلق نوع من التوازن الفكري في ذهن شخص نابغ وجهبذ في أصول الدين. في حمأة هذه الحيرة يأتي الحل من الحلم والمنام فيظهر الرسول الأعظم باعتباره الدال على الحق، والمرشد إليه. هو الخلاص النهائي من هذه الحيرة مما دفع بأبي الحسن الأشعري إلى إعلان انفصاله عن المعتزلة جهارا، حيث دخل إلى مسجد بالبصرة في يوم الجمعة وصعد كرسيا ونادى بأعلى صوته من عرفني فقد عر فني ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي : أنا فلان بن ‏فلان كنت قلت بخلق القرآن ، وأنه لا يرى بالأبصار، وان أفعال الشر أنا أفعلها . وأنا ثائب مقلع(11).

 

‏إن هذه القضايا الكلامية الثلاث (خلق القرآن، ورؤية الله، وفعل الإنسان) في منظور المعتزلة ‏هي التي مثلت مصدر حيرة الأشعري وشيئا من دواعي انفصاله عن المعتزلة لأنها بالطريقة التي يطرحها المعتزلة لا تؤدي إلى اليقين التام والى اطمئنان القلب. لكن هذا الانفصال لم يمثل بأي حال من الأحوال عزوفا عن علم الكلام، واستقالة منه بل كرس نضجا في علم الكلام واستمرارية مناسبة لشروط الواقع الجديد، والتوجهات السياسية المستجدة.

 

لكن يحلو الكلام لمجموعة ممن تعرضوا لحياة الأشعري، أن يجهروا بالقول بأن الأشعري لما ألف كتاب الإبانة استقال عن علم الكلام، .حيث قفل راجعا إلى مذهب أهل السلف الذي يستمد كل معتقداته من الكتاب والسنة، ولا يعطي للعقل أي فسحة للدفاع عن هذه المعتقدات وتبريرها وتدعيمها. والحقيقة أن وجهة النظر هاته وجهة نظر براقة في مظهرها لكنها تنم عن خلفية إيديولوجية سافرة سنلمسها خلال هذا العرض.

 

‏والحقيقة أن العديد من المؤرخين، المفكرين أثاروا نقاشا حاميا حول انتماء أبي الحسن الأشعري الكلامي . فمنهم من جعله معتزليا واعتبره ظل كذلك إلى يوم وفاته. وأنه ظل ينافق ويداري فيختفي حيانا في عقائد أهل السنة، ثم في عقائد أهل السلف، في كل مرة كان يتظاهر بذلك وقاية وجنة، وخوفا من أن يفتضح أمره ويتبين انتماؤه الاعتزالي(12).

 

 والذي زاد في تأكيد هذا في ‏نظر هؤلاء هو أنه كتب كتاب الإبانة وذلك لكي يحتمي من خلاله وراء المذهب الحنبلي، ويكسب ود أتباع هذا المذهب. في وقت لم يكن فيه مقتنعا بذلك ولا يعترف ‏بهذا التوجه بتاتا .

 

‏وهذا الرأي على ما يبدو يحمل في طياته وشاحا إيديولويا واضحا فهو يعتبر أن فكر أبي الحسن الأشعري ظل معتزليا وأنه لم يغير من قناعاته شيئا. ولم يعبر في يوم من الأيام عن نضج فكري أو تحول عقدي. فما موقع العقيدة الأشعرية من الإعراب إن كان الأمر على هذه الحال ؟ فتراث الأشعرية هو خواء وعماء ، وفوضى لا تنتظم داخل منظومة فكرية منسجمة ومتناغمة.

 

إن هذا الوهم يصدر عن نية مبيتة تريد نسف المذهب من جذوره، على اعتبار أن مؤسسه لم يكن في يوم من الأيام أشعريا. لكن الحقيقة والواقع يكذبان ذلك تكذيبا ، فالمذهب الأشعري تكرس وتطور في بقاع العالم الإسلامي ولم ينسف ولم يتوقف كما حدث لمجموعة من المذاهب. فلو أن هذه الأوهام كانت حقيقة، لما استطاع هذا المذهب أن يصمد طويلا ، ولكان من المذاهب البائدة.

 

‏هل انتهى الأمر الاشعري على عقيدة أهل التسليم والتفويض؟

‏بين أيدينا رسالة مخطوطة بخط مغربي متأخر لمؤلف مشرقي هو أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس بعنوان "الذب عن الأشعري رحمه الله". لكن القارئ لهذه الرسالة يجد نوعا من التوجيه للإمام الأشعري وقراءة قسرية لاختياره المذهبي. حيث نجده يتبرأ من جميع كتاباته الكلامية ولا يقِرُّ له سوى كتاب الإبانة. يقول مؤلف هذه الرسالة في مقدمتها "فاعلموا معشر الإخوان وفقنا الله وإياكم للصراط المستقيم أن كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده وبما كان يدين الله سبحانه وتعالى بعد رجوعه عن الاعتزال . . . وكل مقالة تنسب إليه مما يخالف ما فيه فقد رجع عنها وتبرأ إلى الله سبحانه منها. كيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين وقول أحمد بن حنبل ‏رضي الله عنهم أجمعين" (13).

 

‏والحقيقة أن من الأمور التي حيرت الباحثين والدارسين لشخصية الإمام الأشعري وتأليفه هوكتاب (الإبانة عن أصول الديانة) الذي قيل إنه ألفه من أجل أن يشتري به ود الحنابلة أو من أجل الوقاية منهم (14)‏.

 

ويرى الكوثري أن هذه الرسالة هي « على طريقة ‏المفوضة في الإمساك عن تعيين المراد وهو مذهب السلف وأراد بها انتشال المتورطين في أوحال التشبيه من الرواة والتدرج بهم إلى مستوى الاعتقاد الصحيح. . . .والنسخة المطبوعة في الهند من الإبانة نسخة مصحفة محرفة تلاعبت بها الأيدي الأثيمة فيجب إعادة طبعها ‏من أصل وثيق"(15).

 

‏أضف إلى ذلك أن مجموعة من المذاهب العقدية شككت في نسبة جميع كتاب الإبانة للشيخ الأشعري لما يتضمنه من تناقضات صارخة مع المعتقد الأشعري من جهة ومن العقيدة الإسلامية العامة فإثبات التجسيم، والجهة لله سبحانه، لا يمكن أن يكون من زلات رجل خبرعلم الكلام والمنطق والسجال والحجاج. فلا يعقل في نظر مجموعة من الباحثين أن يكون هذا الكتاب كله منسوبا للأشعري (16).

 

‏ويرى كل من غاردييه وقنواتي أن كتاب الإبانة في أصول الديانة "هو كتيب نتبين حدسا وتخمينا ما في سطوره من رعشة الهوى. ومن المؤسف أن الأشعري المناظر البصير بفنه لا يحسن التأليف"(17).

 

‏ ‏وعلى الرغم من هذه الملاحظة والملاحظات الأخرى التي أوردها الأستاذ عبد الرحمن بدوي حول عدم ثبت هذه الرسالة  في أثبات من أرخوا للأشعري (18)، ‏بالإضافة إلى تعليقات العديد من الباحثين ‏والمستشرقين على صحة نسبته للشيخ أبي الحسن، فإن العديد من التناقضات خلقتها هذه الرسالة، فمن جهة هناك توظيف إيديولوجي رهيب لها من قبل مجموعة من الحنابلة وعلى رأسهم ابن درباس السابق الذكر حيث حملوا شعار كونها آخر ما ألف الأشعري في حياته وبذلك تكون هي مستقره ومعتقده ومنتهاه. فتكون بذلك قد أحدثت قطيعة معرفية مع كل ما ألف هذا الرجل في المرحلة السابقة عليها. والى اليوم ما تزال الذريعة الوحيدة التي تحرك خصوم الفكر الأشعري هي نسبة هذه الرسالة إلى الإمام الأشعري. وهذا الموضوع في نظرنا يحتاج المزيد من التدقيق والتفصيل ليس هذا محل بسطه وأيا كان الأمر فإن الذي عليه الناس والعمل، أن الأشعري أشعري بالكتب التي تم تداولها وتمت صحة نسبتها لصاحبها. أما ما اختلف فيه الناس وتضاربت حوله الأقوال، فلا يصح أن يكون عمدة لأهل المذهب الاعتماد عليه، والاعتداد به.

 

هل الإمام الأشعري واضع علم الكلام ؟

‏في جل كتب العقيدة في الغرب الإسلامي التي تتصدى في بدايتها لحد علم الكلام وثمرته واسم واضعه.....تقف عند واضع ومؤسس علم الكلام. وتكاد تجمع على أنه هو الإمام الأشعري. على أن هذا الادعاء هو محض وهم، فعلم الكلام سابق في الوجود على الإمام الأشعري، وأن ظهوره وتبلوره كعلم عرف إرهاصاته الأولى مع الصراع الأول بين المسلمين حول الخلافة زمن علي كرم الله وجهه. كما أن تطوره سيكون بعيد ذلك، مع فرق الخوارج والشيعة والمرجئة. وسيعرف أوج تطوره مع المعتزلة.

 

‏وعلى هذا الأساس فلن يكون أبو الحسن الأشعري مؤسسا لعلم الكلام ولا واضعا له. لكن الفهم البسيط قد يحدد علم الكلام تحديدا سنيا ضيقا فيرفض كل الأوجه التي تمظهر بها هذا العلم وتطور مع الفرق والمذاهب الأخرى غير الأشعرية. ولقد هيمن هذا ‏التوجه في العديد من المؤلفات الأشعرية في الغرب الإسلامي حتى صار من الأوائل والمسلمات التي لا تستدعي التمحيص والتدقيق.

 

‏على أن المدققين من أواخر أشعرية الغرب الإسلامي، يقفون أحيانا وهم يقلقون، أو يحشون، أو يشرحون كلاما من هذا القبيل، يلمسون فيه شيئا من عدم التناغم والانسجام. ومن ذلك ما علق به البلغيثي بقوله " من أطلق أنه واضعه الأشعري غير ظاهر. فإن أريد أنه أول من دون فيه فغير ظاهر أيضا إذ ألف الإمام مالك (ض) رسالة قبل ولادة الأشعري . وإن اريد أنه أول من بسط الفن وألف فيه التصانيف المفيدة فمسلم ولكن هذا لا يقتضي أنه الواضع"(19).

 

‏إن هذا التخريج من أحد علماء المغرب المتأخرين إنما جاء للتعبير عن المفارقة التي وقع فيها أولئك الذين زعموا أن الشيخ الأشعري هو أول من وضع وألف في هذا العلم. ونحن نعتقد جازمين أن هؤلاء لم يذهبوا هذا المذهب، ولم يزكوا هذا الزعم والوهم عن جهل بسيرورة ظهور علم الكلام وتطوره في العالم الإسلامي بل إن ذاتيتهم هي التي تدخلت حين رفضت أن يكون هناك سابق عن الشيخ الأشعري ألف أو وضع في علم الكلام على الحقيقة على اعتبار أن علم الكلام على الحقيقة لم يتجسد إلا مع الأشعرية وبذلك تكرس هذا الوهم وترسخ. 


(يتبع)

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة الذكرى 43 للمسيرة الخضراء
facebook twitter youtube