منهج الأشعري في قراءة النص

الثلاثاء 24 سبتمبر 2013

د.مصطفى بن حمزة رئيس المجلس العلمي المحلي لوجدة، المجلس العلمي الأعلى، مجلة الجذوة، العدد الأول أبريل 2013


 

حين يتابع دارس حركة الأفكار الكبرىالتي وجهت مسارات التاريخ الثقافي والحضاري للأمة الإسلامية، وكانت العامل الأساس في نشوء كثير من الفرق والتيارات السياسية والكلامية، فإنه يجد أن تلك الأفكار هي أفكار محدودة في عددها ولكنها قوية في مضمونها ‏وتأثيرها .

 

‏وأول تلك الأفكار بروزا في البيئة الإسلامية كانت هي فكرة الخلافة ‏والقيام مقام الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته. وهي فكرة مركزية في الفكر السياسي الإسلامي صنفت المسلمين سياسيا وعقديا إلى كتلات وفرق كبرى، هي كتل أهل السنة والجماعة والشيعة ثم الخوارج. وتنطلق كل هذه الفرق من رؤيتها الفكرية لموضوع الخلافة، هل هي من قبيل الأمر التوقيفي والتنصيص النبوي على خليفة هو الأحق بها، أم أن الأمر اجتهاد في توفر الشروط المتطلبة في الخليفة، ولهذا الداعي فقد تغذت المعرفة السياسية عبر التاريخ من بحوث ودراسات يتجه كل منها إلى تحديد معالم الخلافة وشروط المستحق ‏لها ووظائفه وعزله أو إبقائه في منصبه .

 

ومن الأفكار التي وجهت مسار التاريخ الفكري للمسلمين مفهوم الإيمان واندراج العمل ضمن مسماه ومضمونه على سبيل الشطرية أو الشرطية. وهذه قضية لم تكن هينة ولا ثانوية ضمن النسق الفكري الإسلامي، لأنها هي التي أدت إلى اصطفافات عديدة، فأصبح الناس بسببها منقسمين إلى أهل سنة يدرجون العمل في مفهوم الإيمان على سبيل الشرطية، والى خوارج ومعتزلة يدرجونه فيه على سبيل الشطرية مع اختلاف فيما يبنهم في حال انعدام العمل، والى مرجئة لا يرون للعمل تأثيرا في تكوين مفهوم الإيمان.

 

‏ومن القضايا الفكرية المؤثرة قضية قراءة النص الشرعي واستدعائه للتأويل لاشتماله على المجاز أو أخذه أخذا ظاهريا من غير تأويل له، وقد أفضت المواقف من التأويل إلى تكوين تيارات فكرية قوية، منها تيار يشكله المعتزلة والشيعة من جهة، وأهل السنة من جهة أخرى، واعتمده الأشاعرة ضمن الصف السني منهجا وسطا يعتمد التأويل حينما يدعو الداعي إليه وتستجيب اللغة له، وتتوفر له كل الشروط الموضوعية.

 

‏وميزة قضية القراءة على كل القضايا الموجهة أنها تعم جميع المدارس والتيارات الفكرية بلا استثناء، لأن كلا منها قد اعتمد قراءة معينة للنص من أجل إثبات صحة موقفه.

 

‏وحين يتوهم البعض أن التأويل مثلا يعني تيارات دون أخرى، فإن ذلك التصور يكون خطأ كبيرا، لأننا إن قلنا عن مذاهب معينة بأنها تعتمد التأويل لأنها تقول بوجود المجاز، فإن الأمر لا يختلف بين المذاهب إلا في اعتماد التأويل التفصيلي فقط، وإلا فإن التأويل الإجمالي الذي يقف عند حدود نفي الدلالة التشبيهية الظاهرية يظل قاسما مشتركا لا يخالف في اعتماده أي تيار عقدي.

 

‏وجميع المدارس تقول إن التشبيه غير مراد من النصوص الشرعية لينحصر الاختلاف بعد ذلك في الإثبات بلا كيف ولا تعطيل، أوفي تأويل الألفاظ الموحية بالتشبيه بما يدرأ عنها المعنى التشبيهي.

 

وباستثناء هذا الاختلاف، فقد اعتمدت كل المدارس العقدية التأويل بدرجات مختلفة، وبلغ به بعضها درجة التمحل والافتيات على اللغة، فكان تأويلها من قبيل العبث، لأنها اضطرت إليه لما جعلت مقولاتها هي الأصل، وجعلت نصوص الشرع مجرد شواهد ودلائل على صحة ما تراه وتقول به.

 

‏التأويل ضمن منهج قراءة النص

‏على الرغم مما سبق بيانه من أن التأويل يظل قاسما مشتركا بين كل المذاهب العقدية في مستواه الأدنى الذي يقف عند حدود التأويل الإجمالي، فإن ذلك لم يمنع من أن يثور خلاف بين مدرستين كبيرتين ضمن الصف السني، مدرسة ترى صحة اللجوء إلى التأويل التفصيلي فتصرف كل كلمة أوهمت تشبيها إلى معنى آخر تستمده من أحد استعمالات اللغة.

 

‏ومدرسة أخرى لا تبلغ بالتأويل هذا المستوى، وإنما تقف عند قراءة كلمات من مثل اليد والوجه منسوبة إلى الله عند عتبة الإيمان بها وإمرارها بلا تكييف ولا بلوغ بها معنى التشبيه.

 

‏وعند بعض أتباع هذه المدرسة يمثل التأويل حيادا وبعدا عن منهج السلف الذين لم يؤولوا النصوص، وإنما أمروها كما جاءت . وقد تعالت أصوات رجال هذا التيار بالإنكار على معتمدي التأويل، وكان الأشاعرة بالخصوص المستهدفين، وقد حاول رجال المدرسة النصوصية إبراز خطأ التأويل تارة، وتصويره على أنه أثر من بقية منهج الاعتزال تارة أخرى، وصنفت كتب عديدة أصبحت تمثل واجهة للصراع أكثر مما تمثل محاولة علمية للفهم وللتقارب.

 

‏وقد كانت الخطوة الضرورية في إقامة الحجة على الأشعرية هي محاولة عزل أبي الحسن الأشعري عن الأشعرية وتصوير أتباعه على أنهم لا يمثلون امتدادا فكريا حقيقيا لمذهب أبي الحسن الأشعري، وإنما هم أشخاص تصرفوا في مذهب الأشعري وشكلوه تشكيلا آخر، انفصلوا به عن إمامهم الذين يتسمون باسمه.

 

‏وهذا وضع يدعو إلى أن نتبين الموقف الحقيقي ‏للأشعري من قضيتي إثبات المجاز في النص الشرعي، والقول بالتأويل تبعا لذلك .

 

‏أبو الحسن الأشعري بين اتجاهين عقديين

حينما يكون أي عالم في مستوى أبي الحسن الأشعري في علمه بالعقيدة وفي غزارة إنتاجه وقدرته الفائقة على إقامة الأدلة على ما يراه ويقول به، وعلى مناقشة أدلة خصومه ودحضها، فإن ذلك مما يغري كل مدرسة عقدية بأن تدعيه وتنسبه إلى منهجها وتضمه إلى رجالها، لتعزز به صفوفها.

 

‏وقد تبنت أبا الحسن مدرستان مختلفتان اختلافا حادا في قضية اعتماد التأويل منهجا في القراءة.

 

‏وقد أسعف بهذا التبني أن أبا الحسن قد تقلب في أطوار من الدرس العقدي بعد أن انفصل عن الاتجاه الاعتزالي، وكتب من المؤلفات ما يصح مظهريا أن ينسب إلى مدرسته إذ ا لم تراع كتاباته التالية.

 

‏ولهذا السبب فقد وجب ترتيب كل ما كتبه وإعادته إلى مرحلته من الفكر والنظر العقدي الذي مر به الأشعري، ووجب في نهاية الأمر الخلوص إلى أي كتبه كان هو المتأخر من أجل اعتباره سندا للقول بعقيدة الأشعري الأخيرة.

 

‏إن الأكيد أن أبا الحسن قد أخذ باتجاه يتعامل مع النصوص تعاملا ظاهريا لا يتأول شيئا منها، وهذا المنهج يعبر عنه كتاب الإبانة عن أصول الديانة من مؤلفات الأشعري.

 

‏ومر الأشعري كذلك بمرحلة أخرى تحدث فيها عن نظرية الكسب وسكت فيها عن إثبات الوجه والعينين والبصر واليدين، ويمكن إعطاء نموذج عن هذه المرحلة بما ورد في كتابه "اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" الذي يختلف اختلافا كبيرا عن الإبانة.

‏ومن أجل الوقوف على هذه الحقيقة فإنه يحسن جلب شاهد من كلا الكتابين.

 

‏يقول الأشعري" الإبانة عن أصول الديانة"في الباب السادس: فمن سألنا أتقولون إن لله وجها . قيل له نقول ذلك خلافا لما قاله المبتدعون، ويدل على ذلك قوله تعالى: "ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام"‏( الرحمن 25 ‏)

 

‏فإن سألنا أتقولون إن لله يديْن قيل له نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قول الله تعالى "يد الله فوق أيديهم" (الفتح 10)(1).

 

‏أما في كتاب "اللمع على أهل الزيغ والبدع"، فإن الأشعري يضرب صفحا عما تحدث عنه في الإبانة من إثبات الوجه واليدين، ويورد مبحثا للحديث عن الاستطاعة تحدث فيه عن نظرية الكسب التي تعتبر فكرة مبتكرة جمعت بين القول بالاستطاعة البشرية وبين الخلق الإلهي لقدرة العباد على الفعل، ثم صارت بعد ذلك فكرة مركزية ضمن المعتقد الأشعري(2).

 

‏واعتبارا لما يمثله كل كتاب من توجه عقدي فقد وقع اختلاف كبير حول أي الكتابين هو المتأخر والممثل لعقيدة الأشعري التي استقر عليها .

 

‏ولقد ذهب أكثر الراغبين في ضم الأشعري إلى المدرسة الظاهرية النصية إلى أن كتاب الإبانة هو آخر ما انتهى إليه ارتحال أبي الحسن الفكري وهو الذي يمثل منهجه ومعتقده.

 

قال ابن كثير فيما تحدث به مرتضى الزبيدي إن أبا الحسن الأشعري مر بثلاثة أطوار، طور الاعتزال، وطور انتقل فيه من الاعتزال لكنه ظل متأثرا بمذهب ابن كُلاب، وطور ثالث أثبت فيه النصوص من غير تكييف ولا ‏تشبيه (3).

 

‏وقد نقل مثل هذا القول عن المقريزى .

 

والملاحظ أن ابن تيمية لما تحدت عن الأطوار الفكرية للأشعري لم يتحدث إلا عن طورين طور الاعتزال وطور ثان سلك فيه طريقة ابن كلاب ومال إلى أهل السنة(4).

 

‏والذين اختاروا أن يكون المنهج العقدي الوارد في الإبانة هو المعبر عن عقيدة الأشعري قد اضطروا إلى القول بآراء ليس من اليسير التسليم بها حين تتوخى النزاهة الفكرية.

 

‏فهؤلاء من جهة قد انتهوا إلى الفصل بين الأشعري وأعلام مذهبه واتهموهم بأنهم غيروا مذهب إمامهم فأحدثوا فيه من القول والتأويل ما لم يقل به إمامهم. وهذا ادعاء يصعب مجاراته لأننا لم نألف من أي مذهب إسلامي أن يتواطأ علماؤه على التحريف والتزييف ثم توافقهم الأمة على ذلك وتسكت عنهم.

 

‏يقول ابن تيمية: ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا، بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ما جاء به الشرع مطلقا، والقدح فيما يعارضه، ولم يكونوا يقولون الأدلة السمعية لا تفيد اليقين، بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون(5).

 

‏وقصد ابن تيمية يتجه إلى ما يقول به الأشاعرة ومعهم غيرهم من إفادة الحديث الآحادي للظن دون العلم اليقيني.

 

‏ولعل هذا المنهج القاضي بالقبول بالحديث الآحادي في الاستشهاد على قضايا العقيدة هو الذي أفضى إلى ما أن صارت بعض كتب العقيدة تحتج بالحديث الذي قد لا يبلغ درجة الصحة أو الحسن، هذا إذ ا لم يكن موضوعا على قضايا عقدية تحتاج إلى الاستبيان والتأكد.

 

‏وأسوق على هذا شاهدا واحدا من كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة الذي وضعه هبة الله اللالكائي، وقد عقد في آخره بابا ساق فيه ما روي في تكفير المشبهة، فتحدث عن شعبة قال : قال لي الأعمش ما عندك في قوله تعالى: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به" (البقرة 136) فقال حدثني أبو حمزة قال لي ابن عباس لا تقل فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فإنه ليس لله مثل، ولكن قل: فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا(6)

 

‏والواقع أن المرء ليعجب حينما يجد هذا الحديث مستشهدا به ومعزوا إلى ابن عباس،.ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن وهو أعرف بأن العبد لا يستدرك على خالقه ولا يصحح نصا قرآنيا متواترا.

 

‏هذا في الوقت الذي يعرف أن أبا حمزة عمران بن عطاء الواسطي قد اختلفت فيه الأقوال، فقال فيه أبو داود ليس بذاك وهو ضعيف، والخبر وإن أورده ابن جرير الطبري فإن المعروف عن الطبري أنه لم يلتزم إيراد الصحيح دون غيره وقد أشار الطبري نفسه إلى احتمال عدم صحة الحديث(7).

 

‏ومهما يكن فإن قول الله تعالى: "فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به" ليس معناه القول بوجود مثيل لله يومنون به، وإنما معناه: إن آمنوا مثل إيمانكم فقد صاروا على عقيدتكم.

 

‏ويمكن للمرء أن يقول للآخر أنا أقول بمثل ما تقول به، وهو يعني أنه مطابق له في القول بقوله.

 

‏وقد كان من مستلزمات القول بحياد الأشاعرة عن مذهب إمامهم أن هؤلاء قد عمدوا إلى عقد المقارنة بين مضمون كتاب واحد هو كتاب الإبانة وبين أقوال الأشاعرة.

 

‏وهذه مصادرة على المطلوب لأنه لم يتم الحسم بأن كتاب الإبانة هو آخر ما كتب الأشعري حتى يصح اتخاذه حجة على المذهب الأخير للأشعري. لآن لأبي الحسن الأشعري عطاء غزيرا يتجاوز المائة كتاب ‏حسب تتبع د.فوقية حسنين محمود(8).

 

‏وليس من المنهج في شيء إلغاء كل تلك الكتب والاقتصار على واحد منها ليحاكم إليه الأشاعرة . وعلى النقيض مما ذهب إليه القائلون بأن كتاب الإبانة هو آخر ما كتبه الأشعري فإن دارسين آخرين يعتبرون كتاب اللمع هو آخر ما صنفه، وهم يرون أن ما كتبه الأشعري في كتاب الإبانة كان خطوة ضرورية ومرحلة انتقالية لا بد منها لتأكيد براءته من الاعتزال، لأنه حينما امتدح منهج أحمد بن حنبل وأثنى على مذهبه كان بذلك منتميا لخصم المعتزلة الأبرز الذي امتحن على أيديهم.

 

‏أما في كتاب اللمع فإن أبا الحسن يبدو أكثر تعمقا وغوصا في قضايا العقيدة إذ تحدث عن قضايا عقدية أخص منها: قضية الكسب.

 

‏ولقد ذهب إلى القول بتأخر كتاب اللمع وتعبيره عن عقيدة الأشعري باحثون متعددون منهم حمودة غرابة الذي حقق كتاب اللمع بعد ماكارثي الذي نشره سنة 1953.

 

‏وممن قال بتأخر كتاب اللمع د. جلال محمد مومس في كتابه عن نشأة الأشعرية وتطورها. وقد رأى هو أيضا أن كتاب اللمع مرحلة اكتمال للرؤية العقدية للأشعري(9).

 

‏موقف أبي الحسن الأشعري من وجود المجاز الملجئ إلى التأويل في اللغة

‏يتميز المذهب العقدي بارتباطه الوثيق بمنهج الدراسة والتحليل اللغويين. إذ يعبر القول بالمجاز عن مذهب التأويل للفظ الموحي بالتشبيه، بينما يؤدي إنكار القول بالمجاز إلى إثبات ظواهر النصوص.

 

‏وحينما نروم استطلاع المذهب العقدي الأشعري من خلال التركيز على منهجه في قراءة النص فإننا نجد أن العلماء الأقربين إلى عصره الذين عنوا بجمع أشتات مسائله العقدية هم الذين يفيدون في تقديم الحقيقة عن موقف الأشعري. ومن أبرز هؤلاء العلماء محمد بن ‏الحسن بن فورك المتوفى سنة 406(10) ‏وهو يتميز بأنه ‏قد عني بجمع فكر أبي الحسن وآرائه العقدية وتوثيقها لما أفرد لذلك كتابا مستقلا هو "كتاب مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري". الذي حققه المستشرق دانييل جماريه، وأعاد نشره أحمد عبد الرحيم السايح بعنوان مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري.

 

‏وقد عرض ابن فورك ضمن آراء الأشعري لموقفه من وجود المجاز في اللغة، فذكر أن كلمة مجاز هي في حد في ذاتها نوع من المجاز. إذ الأصل في الجواز أن يكون حسيا وهو يعني المرور من مكان إلى آخر، وحين ينقل إلى الجواز المعنوي الذي يقصد به المرور باللفظ من دلالته الحقيقة إلى دلالة أخرى غير موضوع لها في أصل الاستعمال فإن ذلك الاستعمال يصير مجازا.

 

‏يقول ابن فورك ناقلا قول الأشعري أن تقول في استعمال اللفظ في القول بأنه مجاز ، وذلك أن أصل معنى المجاز من التجوز، ومن قولهم جزت المكان إذ ا عبرته، قال ذلك إذ ا استعمل في القول فتوسع في العبارة وليس بحقيقة (11)

 

‏والملاحظ أن الأشعري قد عبر عن استعمال اللفظ في غير أصل وضعه بأنه توسع في العبارة. وهو عين ما قاله سيبويه من قبل حينما تحدث عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

 

‏يقول سيبويه: ومما جاء في اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى جده" واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها" (يوسف 82 ‏) إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية كما كان عاملا في الأهل لو كان هاهنا(12).

 

‏وعلى هذا فإن الأشعري كان يحيي عبارة سيبويه الأولى.

 

‏أما قول الأشعري إن كلمة مجاز هي في حد ذاتها مجاز، فهو قول يردده الأصوليون الذين لا يختلف قولهم عن قول الأشعري وهم يعقدون مباحث للحديث عن المجاز ضمن مبحث الأقوال.

 

‏يذهب عبد العزيز البخاري في كشف الأسرار إلى أن الجواز هو العبور من مكان إلى آخر، أما اللفظ فإن تسميته مجازا هو أيضا مجاز، لأن فيه انتقالا من العبور المادي إلى العبور المعنوي يقول البخاري:إنه حقيقة عرفية في معناه مجاز لغوي، لأن بناء المفعل للموضع أو المصدر حقيقة لا للفاعل، فإطلاقه على اللفظ المنتقل لا يكون إلا مجازا ، ولأن حقيقة معنى العبور والتعدي إنما تحصل في انتقال الجسم من حيز إلى حيز، فأما في الألفاظ فلا(13).

 

يقول السبكيان في الإبهاج في نرح المنهاج: "إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح عليه بين الأئمة مجاز لغوي حقيقة عرفية، وذلك أن المجاز مشتق من الجواز، والجواز معناه التعدي والعبور، يستعمل حقيقة في ‏الزمان والمكان والمصدر(14).

‏وأخذا مما سبق يمكن استنتاج أن الأشعري يرى وقوع المجاز في اللغة، وأن كلمة المجاز في حد في ذاتها شاهد على وقوع المجاز فيها، وما قام به الأشعري يتأيد بأقوال أئمة النحو ومنهم سيبويه وبأقوال الأصوليين كما سبق بيانه.

 

‏موقف الأشعري من وجود المجاز في القرآن

‏لا شك أن القول بوجود المجاز في اللغة إنما هو تمهيد وتوطئة للقول بوجوده في لغة القرآن، ما دام القرآن منزلا بلغة العرب وعلى طريقتها في صوغ كلامها وإنشاء عباراتها.

 

‏والمتأكد أن الأشعري كان يقول بوجود المجاز في القرآن الكريم ولا يبالي بالاعتراضات التي تمنعه، ككونه ناشئا عن اضطرار، أو لأنه يخالف الحقيقة كما هي. ولقد عبر ابن فورك عن موقف وجود المجاز في القرآن حكاية عنه فقال: وإنما يقال لبعض الألفاظ إنها مجاز على أنه تجوز به عما وضع له إلى ما لم يوضع له، وهذا مثل قوله تعالى جده"بل مكر الليل والنهار" وذلك أن المكر يقع فيهما لا لهما، فإذا أضيف إليهما فالمعنى أن المكر يقع فيهما(15).

 

‏كقوله: جدارا يريد أن ينقض فأقمه، ولا إرادة في الحقيقة للجدار(16).

 

‏وقد علق ابن فورك على أقوال الأشعري في المجاز فقال: والأظهر من مذهبه أن الأصل هو الحقيقة في الأقوال، وأن المجاز توسع، وأن المجاز يعرف بدليل من عقل أو سمع أوحال مقترنة(17).

 

‏إن هذه الإفادة عن قول الأشعري بوجود المجاز في القرآن، وبوجود المجاز العقلي فيه على وجه الخصوص. وقوله بالتالي باعتماد التأويل هو ما يعطي ملامح المذهب العقدي للأشعري ويحدد كيفية تعامله مع النصوص الموحية بالتشبيه، وهذا يغني عن التماس مذهبه في تصريحات الناطقين باسمه.

 

التأويل في عمق الجدل العقدي

‏لقد تبين من خلال التركيز على نقل ابن فورك لرأي الأشعري في المجاز والتأويل أن محاولة نفيهما عنه وقصر القول بهما على أتباعه، هي محاولة لا تسندها الشواهد من تصريحات الأشعري نفسه. ومن هنا وجب التعامل مع الأشعري باعتباره يعتمد التأويل ويعمله في النصوص الموحية بظواهرها بالتشبيه، فمن ثم تكون المعالجة مستوعبة للأشعري ضمن القائلين بالتأويل.

 

‏وقد كان إثبات وجود المجاز في اللغة العربية ثم في لغة القرآن باعتباره منزلا بالعربية جاريا على طريقة العرب في التعبير وفي الإنشاء ، غير محتاج إلى الكثير من البحث والتمحل. وكان يكفي فيه التنبه إلى شاعرية اللغة العربية وتعبيرها بالأخيلة والصور المتجاوزة لمستوى التصوير العادي للأشياء، وهو ما اقتضى اعتماد المجاز واستخدام قوالب تعبيرية عديدة اعتنى بها البلاغيون ووضعوا لها أسماء اصطلاحية.

 

‏ولقد شاع لدى العلماء المسلمين القول بوجود المجاز في القرآن خصوصا، وان كان ذلك لم يمنع من أن تنكره فئة قليلة من العلماء منهم : أبو إسحاق الإسفراني وأبو علي الفارسي وداود الظاهري وابنه أبو بكر. حتى إذ ا كان النصف الثاني من القرن السابع تبنى القول بإنكار المجاز ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وتحمسا لذلك وكتبا فيه.

 

‏ولعل القول بإنكار وجود المجاز في القرآن لم ينبن على رؤية سليمة للُّغة بقدر ما انبنى على رغبة في قطع الطريق على منتحلي التأويل ممن بالغ فيه أو استعمله في إجهاض دلالات الألفاظ الشرعية وفرض مضامين بعيدة عن روح النص الشرعي، وهو ما فعلته الباطنية التي عملت جاهدة على نسف المضمون القرآني من الداخل.

 

‏ومن أجل أن نستبين موقف المنكرين للمجاز في القرآن، فإنه يحسن سوق نص لابن تيمية باعتباره أبرز رجال تيار إنكار المجاز .

 

‏يقول ابن تيمية: تقسيم الألفاظ الدالة على معانيها إلى حقيقة ومجاز، وتقسيم دلالتها أو المعاني المدلول عليها، إن استعمل لفظ الحقيقة والمجاز في المدلول أو في الدلالة فإن هذا كله قد يقع في كلام المتأخرين، ولكن المشهور أن الحقيقة والمجاز من عوارض الألفاظ، وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو ابن العلاء ونحوهم.

 

‏وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه. ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة. وإنما عنى بمجاز الآية ما يعبر به عن الآية، ولهذا قال من قال من الأصوليين. كأبي الحسين البصري وأمثاله. إنما تعرف الحقيقة من المجاز بطرق منها: نص أهل اللغة على ذلك بأن يقولوا: هذا حقيقة، وهذا مجاز، فقد تكلم بلا علم، فإنه ظن أن أهل اللغة قالوا هذا، ولم يقل ذلك أحد من أهل اللغة ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين فإنه لم يوجد هذا في كلام أحد من أهل الفقه والأصول والتفسير والحديث ونحوهم من السلف.

 

‏وهذا الشافعي هو أول من جرد الكلام في أصول الفقه لم يقسم هذا التقسيم، ولا تكلم بلفظ الحقيقة والمجاز، وكذلك محمد بن الحسن له في المسائل المبنية على العربية كلام معروف في الجامع الكبير وغيره، ولم يتكلم بلفظ الحقيقة والمجاز. وكذلك سائر الأئمة لم يوجد لفظ المجاز في كلام أحد منهم إلا في كلام أحمد بن حنبل، فإنه قال في كتاب الرد على الجهمية في قوله: "إنا ونحن" ونحو ذلك في القرآن: هذا من مجاز اللغة، يقول الرجل: إنا سنعطيك، إنا سنفعل، ‏فذكر أن هذا مجاز اللغة(18). 

 

‏إن نص ابن تيمية يطرح قضايا عدة ويثير إشكالات تستدعي النقاش العلمي من أجل إبداء الرأي فيها.

 

‏وسمة تلك القضايا والإشكالات التي أثارها ابن تيمية أنها تنتمي إلى حقول معرفية متعددة منها الحقل اللغوي الدلالي، ثم الحقل البياني البلاغي والحقل الأصولي والتفسيري والعقدي، فلا يصح أن تدرس قضية وجود المجاز من زاوية واحدة دون غيرها.

 

وأول الملاحظات تتمثل في إبراز الخلط بين أن يكون المجاز موجودا باعتباره ظاهرة تعبيرية في العربية، مألوفة في الاستعمال، وبين أن يكون كلمة اصطلاحية محدثة غير متداولة بين علماء السلف. والفرق بين الوضعين كبير لأن الظاهرة اللغوية قد تكون حاضرة في النص العربي إلا أن اكتشافها والتعبير عنها بألفاظ اصطلاحية قد يتأخر إلى زمن تطور الحياة العلمية.

 

‏ومن ذلك أن ظاهرة الإعراب والترابط الإعمالي في اللغة العربية كانت موجودة لكنها لم تبرز إلا حينما نشأ علم النحو، واتخذت تلك الظواهر أسماء اصطلاحية فعبر النحاة بالإسناد والعمدة والفضلة والعامل اللفظي والمعنوي وباقي المصطلحات النحوية الكثيرة.

 

‏ولهذا السبب استغرب الأعرابي الذي قيل له: أتجر فلسطين فقال إني إذا لقوي. لأنه لم يكن يدرك من الجر إلا معناه المادي الذي يعني السحب والجذب.

 

‏ومن نمط الألفاظ التي طرأت على الثقافة الإسلامية كما طرأت كلمة المجاز ألفاظ فقهية وأصولية وحديثية لم يستخدمها السابقون، وقد توالى إنتاج تلك المصطلحات تبعا لتقدم العلوم الشرعية إلى درجة أنه يصح أن يقال إن متقدمي الفقهاء لم يستعملوا مصطلحات مثل الجلسة أو الجزاء أو الجدك في التعبير الحبسي، وهذه كلمات امتلأت بها كتب الفقه المتأخر.

 

‏على أن القدماء إن هم لم يصرحوا بكلمة المجاز بالذات فإنهم عبروا عنه بلفظ آخر مقارب، فتحدث سيبويه عما أسماه بالتوسع في الكلام،وأورد فيه ذات الأمثلة التي يسوقها البلاغيون ضمن شواهد المجاز.

 

‏ولقد كان استعمال المجاز في القرآن ظاهرة أقوى من أن تفوت العلماء المسلمين أو يقولوا بإنكار وجودها، وقد استوقفتهم وهم يقرؤون نصوصا من القرآن والسنة فرضت عليهم التوقف عندها ويمكن سوق نماذج تقوم مقام الشاهد.

 

‏يقول الله تعالى: "نسوا الله فنسيهم"(التوبة 67) ويقول عز وجل:" وما كان ربك نسيا منسيا" (مريم 64) والآيتان بحسب الظاهر متدافعتان إذا صح الأخذ بإحداهما امتنع الأخذ بأخرى، لأن المعنى الراجح من النسيان هو دلالته على آفة ذهنية تطرأ على الإنسان فتمحو المعلومات من ذهنه، وحين تطلق دلالة النسيان بهذا المعنى منسوبة إلى الله فإن ذلك لا يليق به سبحانه، لأن الوصف به وصف بالجهل، واذا صرف النسيان إلى معنى آخر مرجوج وقليل التداول فإن ذلك يكون هو المعنى المجازي للكلمة.

 

‏المثال الثاني جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح كتاب الأطعمة باب  المؤمن يأكل في مِعى واحد. ومسلم في آداب الأطعمة ورواه أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عن الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معىً واحد. والمعنى المتبادر أن الكافر يزيد على المؤمن بستة أمعاء لأنه يأكل في سبعة بينما يأكل المؤمن من معى واحد.

 

‏وهذا المعنى الظاهر لا يمكن أن يكون مرادا، لأن تركيب جسم الكافر لا يختلف في شئ عن تركيب جسم المؤمن. ولا تأثير للإيمان أو الكفر في ‏بناء الجسد. لأن الناس يخرجون من بطون أمهاتهم وهم على الفطرة، فلا يسمى الوليد كافرا ولا مسلما. ثم إن الكافر قد يسلم فلا ينقص ذلك من عدد أمعاءه. وعلى هذا فإن التعبير في الحديث يقصد إلى إبراز شره الكافر ونهمه وإقباله الكبير على الطعام لافتقاده لذة الروح التي تجعل تغذيتها من أهم اللذات التي يحصلها المؤمن ويسمو بها على لذة الإقبال على الطعام.

 

‏المثال الثالث: ورد في الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة باب فضل عيادة المريض أن الرسول صلى الله عليه وسلم حكى عن ربه أنه يقول يوم القيامة لعبده عبدي مرضت فلم تعُدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العلمين ؟‏قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدته لوجدتني عنده.

 

‏والحديث وإن ورد فيه نسبة المرض إلى الله وهو أمر ممتنع لا يصح في حق الله، فإن معناه الحقيقي هو مرض العبد لكن الله عرف بقيمة العبد وكرامته عليه بذلك النحو من التعبير.

 

‏إن فحص هذه النصوص وغيرها لم يفت العلماء في أي مرحلة من مراحل تاريخ الإسلام، ولا أحد أثبت لله المرض أو النسيان كما جاء في النصين السابقين.

 

‏ويبدو أن القضية المركزية والمحورية التي تحتل موقعا خاصا في النظر العقدي هي قضية وجود المجاز في النص الشرعي قرآنا وسنة، مما يستتبعه حتما اللجوء إلى التأويل.

 

‏وأنا أعتقد أن قضية فكرية واسعة لها امتدادها في الكثير من المباحث الشرعية لا يجوز أن يظل القول فيها محصورا في حقل معرفي إسلامي واحد، بل يجب الرجوع بها إلى كل التخصصات العلمية ذات الصلة.

 

‏فهي لما كانت قضية من قضايا النظر في النص القرآني فإنه يجب الرجوع بها إلى علم التفسير لاستبانة إن كان المفسرون يقولون بالمجاز أم لا.

 

‏ولما كانت القضية من قضايا دراسة النص الحديثي فإنه لابد من تعرف موقف علماء دراية الحديث من وجود المجاز الملجئ إلى التأويل.

 

‏ولما كانت القضية ذات صلة قوية بأصول الفقه المشتغل على النصوص في بعض مباحثه، فإنه لابد من تعرف موقف الأصوليين من وجود المجاز ثم التأويل.

 

 ولما كانت القضية أيضا قضية لغوية، فإنه لابد من الرجوع إلى علماء اللغة على نحو ما كان الرجوع إليهم وهم يقررون مباحث النحو والصرف.

 

‏ولما كانت القضية جزءا من مكونات علم البلاغة فإنه لابد من الرجوع إلى هذا العلم لمعرفة ما انتهت إليه دراسته لقضية المجاز والتأويل.

 

‏وأظن أن هذا المنهج الشمولي المستوعب في دراسة قضية المجاز ثم التأويل هو الكفيل بتحقيق المعرفة الشاملة لقضية المجاز والتأويل ضمن النسق المعرفي الإسلامي الذي تتكامل فيه العلوم وتتواصل.

 

‏وقبل استنطاق هذه العلوم فإنه لا بد من تحريرها من تهمة البدعة التي أطلقها البعض قاصدين بها كل المصطلحات والمباحث التي تداولها العلماء.

‏فلقد قيل إن أخذ علم العقيدة بالتأويل هو تجاوز لمذهب السلف الذين لم يؤولوا ولم يشتغلوا بما اشتغل به الخلف من كثير من مباحث العقيدة.

 

 ولقد أجاب الأشعري عن هذا الإشكال بأن تبديع من قال بمصطلحات جديدة من الجوهر والعرض وغيرهما لا يسلم هو أيضا من أن يكون بدعة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل من تكلم بشئ من مصطلحات مثل الجوهر والعرض ودليل التمانع والتغالب فاجعلوه مبتدعا ولا تأخذوا بكلامه.

 

‏وقد ذكر الأشعري أن الناس تكلموا بعد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في مسائل العول وإرث الجدات وأحكام الحرام واليائس والبتة وحبلك على غاربك (19). وكثير ‏مما حدث في حياتهم مما لم يكن له نص من النبي صلى الله عليه وسلم. وقد سأل أبو الحسن إن ظهر في الناس من يقول إن كلام الله مخلوق أكنتم تتوقفون فيه أم لا ؟ فإن قالوا لا قيل لهم لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك شيئا ، ولو قال إن ربكم شبعان أو ريان أو مكتس أو عريان أو مقرور أو صفراوي، وهل له قلب أو كبد أو طحال، وهل يركب الخيل أولا يركبها ؟ وهل ينبغي أن تسكتوا عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم في ذلك ولا أصحابه ؟ فإن قال المجيب أسكت عنه ولا أجيبه بشيء وأهجره وأقوم عنه ولا أسلم عليه ولا أعوده إذ ا مرض ولا أشهد جنازته إذ ا مات، قيل له فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ مبتدعا ضالا، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل من سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه ولا قال لا تسلموا عليه وقوموا عنه ولا ‏قال شيئا من ذلك، فانتم مبتدعة إذ ا فعلتم(20).

 

‏وقصد الأشعري بهذا بيان أن استحداث مباحث ومصطلحات ومن ضمنها المجاز لا يمكن أن يعتبر ابتداعا لأن الحاجة دعت إليه وقامت الثقافة الإسلامية على جزء منه .

 

‏المجاز في كتب التفسير

‏من الأقوال المترددة في ما كتبه ابن تيمية قوله إن ‏السلف في القرون الثلاثة الأولى لم يتحدثوا في المجاز، وإنما ظهر عند المتأخرين فكان أبو عبيدة أول من وضع كتابا في المجاز وهو مع ذلك لم يقصد به المعنى الذي تداوله الناس فيما بعد.

 

‏وقد يكون هذا القول صحيحا إن قصد به عدم ورود المصطلح، أما وجود معنى المجاز فإن ذلك يستدعي النظر في بعض ما لدينا من مصادر التفسير المنتمية إلى القرون الإسلامية الأولى، وهي تفاسير سنية لم تلتبس بآراء الفرق العقدية.

 

‏المجاز في معاني القرآن للفراء

‏أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء من رجال القرن الثاني إذ ولد سنة 144 ‏ وتوفي سنة 209 ‏، وقد بقي كتابه " معاني القرآن" معبرا عن علمه وآرائه.

 

‏لقد عرض الفراء في معاني القرآن لقضايا من المجاز ومن خروج الاستفهام من معناه إلى معاني بلاغية أخرى.

 

‏فالاستفهام على حقيقته يصدر عن الجاهل بالشيء، لكنه عندما يصدر عن العليم بالشيء فإنه لا يكون استعلاما وإنما يتجه إلى معاني أخرى.

 

‏ومن الآيات التي خرج بها الاستفهام في القرآن عن معناه الحقيقي قول الله تعالى: "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا" ( البقرة 27 ‏) يقول الفراء الاستفهام على وجه التعجب والتوبيخ، لا على الاستفهام المحض، أي ويحكم كيف تكفرون وهو كقوله: "فأين تذهبون"‏ (التكوير 26) (21).

 

والفراء بهذا يقرر أن ‏الاستفهام قد خرج في الآيتين عن معناه إلى معنى التعجب وهو تعبير مجازي.

 

‏المجاز العقلي في معاني القرآن

‏يعتبر المجاز العقلي مكونا من مكونات المجاز، وهو يتمثل في إسناد الفعل وما في معناه إلى غير فاعله الحقيقي.

 

‏وقد توقف الفراء عند هذا النوع من المجاز لدى تفسيره لقوله تعالى: "فما ربحت تجارتهم" فقال ربما قال القائل كيف تربح التجارة، وإنما يربح الرجل التاجر، وذلك من كلام العرب ربح بيعك وخسر بيعك فحسن القول بذلك، لأن الربح والخسران إنا يكونان في التجارة، فعلم معناه ومثله من كلام العرب هذا ليل نائم ومثله في كتاب الله: "فإذا عزم الأمر" (محمد 22 ‏) وإنما العزيمة للرجال(22). وهذا لون آخر من المجاز قال به الفراء وفسر به آيتين من القرآن.

 

المجاز في تفسير محمد بن جرير الطبري(316-224)

يعد تفسير جامع البيان للطبري من أهم مصادر التفسير بالمأثور المشهود لها بالسلامة من الانحراف العقدي.

 

‏وقد عرض أبو جعفر الطبري في مناسبات كثيرة لآيات فسرها بالمجاز منها حديثه عن مجازية أداة الاستفهام.

 

‏فإذا كانت أدوات الاستفهام موضوعة في أصل اللغة للسؤال عن غير معلوم وهي مسماة بهذا، فإن خروجها إلى معاني أخرى هو المجاز. ومن أمثلته قول الله تعالى مخاطبا عيسى عليه السلام: "آنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلاهين من دون الله"(المائدة 118)

 

وليس القصد منه أن يستعلم الله من عيسى لأنه أعلم بذلك وعيسى يرُدّ بقوله:"إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك"(المائدة 119).

 

‏ومقتضى هذا أن يكون لأداة الاستفهام دلالة أخرى قال عنها ابن جرير الطبري: إن ذلك جار على طريق إلقاء الخطاب إلى من يستعظم وقوع ‏شيء منه حتى يبدي إنكاره له. وهو أيضا إعلام لعيسى بما قاله قومه ‏بعد رفعه من نسبة الإلهية إليه وإلى والدته(23).

 

‏ولقد تناول الطبري آيات أخرى عديدة فسرها تفسيرا مجازيا لا يختلف في شيء عما فسره بها غيره من الذين جاؤوا بعده وقيل عنهم إنهم تأولوا النص القرآني.

 

‏ويكفي أن أذكر نماذج تقوم مقام الشاهد منها تفسيره لقول الله تعالى: "بل يداه مبسوطتان" (المائدة 66) وقد قال ما نصه وإنما وصف الله تعالى ذكره اليد بذلك والمعنى العطاء، لأن عطاء الناس وبذل معروفهم الغالب بأيديهم فجرى استعمال الناس في وصف بعضهم بعضا إذا وصفو بجود وكرم أو ببخل وشح وضيق (جامع البيان ج 193 ‏/ 6 ‏).

 

‏ومن الآيات التي تأولها الطبري أيضا قوله تعالى: "كل شئ هالك إلا وجهه" (القصص88) قال فيه قال بعضهم كل شيء هالك إلا هو، وقال آخرون معنى ذلك إلا ما أريد به وجهه (24).

 

‏ومن الآيات التي تأولها الطبري قوله تعالى "يد الله فوق أيديهم" ‏ ( الفتح 10 ‏).

 

‏في قوله: "يد الله فوق أيديهم" وجهان من التأويل أحدهما يد الله فوق أيديهم عند البيعة، لأنهم كانوا يبايعون الله ببيعتهم نبيه، وفي الآخرة قوله قوة الله فوق قوتهم في نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم(25)

 

‏ومن الآيات التي تأولها الطبري قوله تعالى: "فإنك بأعيننا" ( الطور 46 ‏) قال فيها إنك بمرأى منا نواك نراك ‏ونرى عملك(26).

 

‏هذه وقفات مسرعة تثبت ورود التأويل في التفاسير ‏السنية المبكرة، وفيها إجابة عن نفى وقوع المجاز في القرون الثلاثة الأولى.

 

المجاز عند شُرَّاح الحديث

‏لقد وجد شراح النصوص الحديثية أنفسهم أمام أحاديث لا يمكن حملها على ظاهرها فتأولوها بما ينسجم مع الحقائق الشرعية وهي أحاديث كثيرة يمكن ‏الوقوف على بعضها.

 

‏قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر". ‏الحديث رواه البخاري بلفظ آخر فيه: "لا تقولوا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر". ورواه مسلم باللفظ الأول.

 

‏قال العيني في شرح الحديث: لا تسبوا الدهر يريد والله أعلم لا تسبوا الدهر على أنه الفاعل لهذا الصنيع بكم فالله هو الفاعل، فإذا سببتم الذي أنزل فيكم المكاره رجع السب إلى الله وانصرف إليه، ومعنى قوله: أنا الدهر أنا مالك الدهر ومصرفه، فحذف اختصارا ‏للفظ واتساعا في المعنى.

 

وقال القسطلاني: أنا الدهر أي خالقه ومدبر الأمور ‏ومقلب الدهر (28).

 

‏وقال القاضي عياض: قوله فإن الله هو الدهر فإن ‏ذلك مجاز، والدهر إن كان عبارة عن تعاقب الليل والنهار واتصالهما سرمدا فمعلوم أن ذلك كله مخلوق ‏ولا يصح أن يكون المخلوق هو الخالق (29).

 

‏وحين نفسر هذا الحديث بغير المجاز فإن ذلك لا يستقيم، ولذلك قال القاضي عياض ذكر من لا تحقيق له أن الدهر اسم من أسماء الله، وهذا جهل من قائله (30).

 

‏أخرج مسلم في كتاب النبوات باب فضائل أم سلمة وزينب عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ""أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدًا. قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا، قالت: فكانت أطولنا يدًا زينب، لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق"(31).

 

‏‏وللحديث ألفاظ آخر مقاربة ولفظ البخاري الذي في ‏الزكاة عن عائشة رضي الله عنها أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن أينا أسرع بك لحوقا قال أطولكن يدا فأخذوا قصبة يدرعونها فكانت سودة أطولهن يدا فعلمن بعد أنما كانت طول يدها الصدقة وكانت أسرعنا لحوقا به وكانت تحب الصدقة (32).

 

‏والحديث بصيغه المختلفة يشير إلى أن أولى نساء بيت النبوة لحوقا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته هي أطولهن يدا ، فانصرف ذهن نساء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الطول المادي فصرن يتطاولن بالأيدي ويقسنها ، فكانت سودة أطولهن يدا، لكنها لم تكن الأولى وفاة، وإنما توفيت زينب إثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمت النساء أن مراد الرسول صلى الله عليه وسلم بطول اليد هو الكرم والسخاء. لأن زينب كانت امرأة صناعا تدبغ وتخرز وتتصدق. فكان الحديث صحيحا بمعناه المجازي لا بمعناه المادي.

 

‏جاء في صحيح مسلم في كتاب البر والصلة باب ‏الترغيب في عيادة المرضى.

 

‏عن أبي هريرة قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله يقول يوم القيامة يا ابن آدم مرِضت فلم تعُدني. قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ ‏قال أما علِمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده ؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. قال يا ربّ وكيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال أما علِمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ؟ ‏أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي ؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني ؟ ‏قال يارب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه ؟ أما إنّك لو سقيته ‏وجدت ذلك عندي.

 

‏يقول أحمد بن إبراهيم القرطبي قوله تعالى: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني تنزل في الخطاب ولطف في العتاب، ومقتضاه التعريف بعظيم فضل ذي الجلال وبمقادير ثواب هذه الأعمال، ويستفاد منه أن الإحسان للعبيد إحسان للسادة(33).

 

‏ويقول النووي في شرح الحديث أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى: والمراد العبد تشريفا للعبد وتكريما له. ومعنى وجدتني عنده أي وجدت ثوابي وكرمي. يدل عليه قول الله تعالى في تمام الحديث لو أطعمته لوجدت ذلك ‏عندي، ولو أسقيته لوجدت ذلك عندي أي ماؤه(35).

 

المجاز في كتب الأصوليين

‏لقد تناولت دراسات الأصوليين قضية المجاز وبحثته على أنه واقع في الخطاب الشرعي.

 

‏وذهب بعض الأصوليين إلى أن كلمة مجاز هي مصدر ميمي أو اسم للمكان حسب قواعد اللغة. وهو حقيقة عرفية في المجاز كما يتحدث عنه البلاغيون، وأصل استعمال كلمة المجاز أن تستعمل في الجواز المادي الذي تنتقل فيه الأجسام من حيز إلى آخر، أما في الألفاظ فإن الأمر لا يعدو أن يكون تشبيها، وهو الذي يقول به عبد العزيز البخاري في شرحه لأصول البز دوي.

 

‏وقد تم نقل المجاز من معنى المصدرية أو اسم المكان إلى معنى آخر هو معنى اسم الفاعل، وهو المقصود بالمجاز، وعلى هذا فإن كانت كلمة مجاز منقولة عن المصدر فإنه يكون مجازا قرينته الجزئية، لأن المشتق منه جزء من المشتق كما يقال، هذ ا رجل عدل أي عادل، أما إذا كانت كلمة المجاز مقولة عن المكان، فإنه يكون مجازا قرينته المحل وإرادة الحال، كما يقال ‏سال الوادي أي ماؤه.

 

المجاز في كتب اللغة

‏شأن علم النحو أنه يعنى بدراسة التراكيب في العربية، و بما للكلمة من آثار إعمالية في ما بعدها. وتحديد الوظيفة الإعمالية وصحة الجملة يقتضي التحقق من المعنى، لأن المعنى هو قائد التركيب الصحيح إذ المفعولية تقتضي النصب والفاعلية تقتضي الرفع، والإضافة تقتضي الجر، ولكن شيئا من ذلك لا يتحقق إلا بإدراك ما هو فاعل في الإسناد، وهو مفعول في الإسناد و ما هو مضاف كذلك، مع أن الفرق قد يوجد بين هذه الأبواب في دلالتها النحوية بين دلالتها اللغوية العادية. فقد يكون الاسم فاعلا في الإسناد، وهو ليس فاعلا في المعنى الدلالي إلى آخر كما لو كانت الجملة منفية الفعل ومع ذلك يسمى المرفوع فاعلا مع أن الفعل لم يقع أصلا.

 

‏وقد كان سيبويه وهو رائد الدرس النحوي مهتما بما جاء في القرآن من مجاز بسبب الحذف، فعقد لذلك بابا أسماه باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى وقد قال في الباب: ومما جاء في اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: "واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها" .وإنما يريد أهل القرية فاختصر، وعمل الفعل في القرية كما لو كان عاملا في ‏الأهل لو كان ها هنا (36).

 

 وقد نبه أبو سعيد السيرافي إلى ‏أن البعض ربما يدعي أن سؤال القرية على الحقيقة، لأن يعقوب نبي يمكن أن تكون من معجزته سؤالها، لكنه قال ولا معنى للتشاغل ببعض هذا الكلام، إذ كان جوازه في كلام العرب .غيرهم أشهر من أن يحتاج معه إلى إقامة دليل.

 

‏ومن غير هذا المثال استظهر سيبويه قول الله تعالى: "بل مكر الليل والنهار(سبأ 33 ‏) والمعنى بل مكرهم في الليل والنهار، واستظهر سيبويه كذلك بقول العرب بنو فلان يطؤهم الطريق أي يطؤهم أهل الطريق(37).

 

رؤية المجاز عند ابن جني

‏لقد كان لابن جني وهو من أئمة فقهاء اللغة موقف خاص من المجاز فكان يذهب إلى أن معظم الكلام مجاز، إلا أنه لما كثر ألحق بالحقيقة، وقد قال ابن جني إنك إذ ا قلت ضربت زيدا فذلك إطلاق يقال عنه إنه حقيقي، لكن الواقع أن فيه مجازين أحدهما إطلاقك الضرب وأنت إنما تقصد نوعا منه، ولما عبرت بزيد كان ذلك مجازا آخر لأنك إنما ضربت بعضه ولا يكون الكلام حقيقة إلا إذ ا ضربته في كل جزء من جسده.

 

‏ولأجل احتمال العبارة المجاز جرى التوكيد بنفس وعين وما أشبههما لأنك تقول قطع الأمير اللص لأن القطع تم بأمره، لكن إذ ا قلت قطع الأمير نفسه اللص فحينئذ يرتفع المجاز.

 

‏وقد كان ابن جني يرى أن المجاز واقع في اللغة لمعان ‏ثلاثة هي الاتباع والتوكيد والتشبيه(38).

 

‏فقول النبي صلى الله عليه و سلم عن فرس أنس ابن مالك إنه لبحر. فإن الاتباع فيه يتمثل في أنه أضاف اسما إلى أسماء الفرس وهو لفظ يساعد في السجع لو احتيج إليه، وأما التشبيه فإنه يشير إلى شبه جري الفرس بجري أمواج البحر (39).

 

‏وقد رأى ابن جني أن من المجاز الحذوف والزيادات ‏والتقديم والتأخير والحمل على المعنى والتحريف(40).

 

‏وقد ذكر ابن جني أن في القرآن من حذف المضاف أكثر من ثلاث مائة موضع وكلها مجاز بالحذف(41).

 

‏وقد أدرج ذلك كله في الباب الذي أسماه باب شجاعة العربية.

 

‏هذه جولة في بعض حقول المعرفة الإسلامية تبين من خلال النظر فيها أنها قالت بوجود المجاز وتأولت تعابيره بما يعيدها إلى أصلها من الوضع اللغوي، وفيها شواهد على أن القول بالمجاز وبالتأويل ليس من محدثات الأمور التي طرأت بعد القرون الثلاثة الأولى.

 

‏وإذا كان هناك من ينكر المجاز ويمنع أن يكون جزءا من طبيعة العربية ومن أسلوب القرآن، فإنه لابد من التأكيد أن الظاهرة اللغوية حينها تكون جزءا من بنية اللغة ومن خصوصياتها البيانية فإنه يكون لها وجود موضوعي محايد، لا يتوقف على إثبات مثبت ولا يزول بإنكار منكر.

 

‏فالنظام اللغوي نسق اجتماعي لا يفرضه الفرد وإنما يكتشفه حينما يقوم بتحليل متن اللغة وبتوصيف نظمها الذاتية.

 

‏وبعد هذا كله فإنه يصح أن نطرح سؤالا: إن كان المنكرون للمجاز قد استطاعوا أن يتجاوزوه وهم يتعاملون مع النصوص الشرعية أم أن الأمر ظل على المستوى التنظيري لا غير؟

 

‏إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكفل بها العلماء الذين تتبعوا أقوال العلماء ومواقفهم من التأويل خصوصا.

 

‏وإذا قيل إن الإمام أحمد باعتباره عَلَما من أعلام أهل السنة والجماعة لم يتأول النصوص، والحقيقة أنه تأول لكنه لم يتوسع في ذلك، يقول ابن حزم في الفصل: قد روينا عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال: "وجاء ربك"(الفجر 24) إنما معناه: وجاء ربك(42).

 

‏وقد خص د. عبد العظيم المطعني ابن تيمية بفصل مستقل ضمن كتابه المجاز في اللغة والقرآن تتبع فيه كثيرا من المواقف التي أول فيها ابن تيمية نصوص القرآن والحديث.

 

‏ومن المواضع التي تأولها ابن تيمية قول الله تعالى: "نتلوا عليك من نبأ موسى"(القصص2) وقوله تعالى:"فإذا قرأناه"(القيامة 17) وقوله: "إن علينا جمعه وقرآنه"(القيامة 16) وقوله "علينا بيانه" (القيامة 18).

 

‏يقول ابن تيمية عن هذا الاستعمال: مذهب سلف الأمة وأئمتها وخلفها أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع القرآن من جبريل وجبريل سمعه من الله عز وجل. وأما قوله "نتلو" و"نقص" "فإذا قرأناه" فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذ ا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا. كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك لأنه إنما يفعل ذلك بأعوانه(43)

 

وما قاله ابن تيمية هو يعبر ما عنه علماء البلاغة بالمجاز العقلي.

 

وقد تناول ابن تيمية قول الله تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" (سورة ق 16) فقال هو أقرب ذوات الملائكة وقرب علم الله منه، فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد فيجوز أن يكون بعضهم أقرب من بعض(44).

 

‏‏وأغرب من هذا أن يجد المانعون للتأويل أنفسهم مضطرين إلى تأويل كلام غير الله ولا رسوله، فحين ساقوا قول ابن عباس لا تقل فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإنما قل: فإن آمنوا بالذي آمنتم به فقد اهتدوا. فقد دعاهم ذلك إلى تأ ويل كلامه بما لا يفيد الاعتراض على النص القرآني، وأورد أحمد ساعد حمدان محقق شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للألكائي بعض تلك التأويلات التي وقع فيها وهي ليست من مذهبه ولا وطريقته.


هوامش

1 ‏- الإبانة عن أصول الديانة لأبي الحسن الأشعري . تحقيق د. فوقية حسنين محمود 124 ‏دار الكتاب القاهرة 1987 ‏

- ‏- كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لأبي الحسن الأشعري تصحيح حمودة غرابة 92 ‏المكتبة الأزهرية للتراث

3 ‏- إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 300/3

4 ‏- موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول لابن تيمية تحقيق د. محمد رشاد سالم 16‏/ 2 ‏دار الكنوز الأدبية.

5 ‏- موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول 13‏/2 ‏

6 ‏- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لهبة الله اللاكائي تحقيق أحمد حمدان 529‏/2 ‏دار طيبة الرياض

‏7- جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري 443/1 ‏دار المعرفة بيروت 1986.

8 ‏- مقدمة فوقية حسنين محمود لكتاب الإبانة عن أصول الديانة ص 74 دار الكتاب القاهرة 1987

9 ‏- نشأة الأشعرية وتطورها د. جلال محمد موسى ص: 210 ‏دار الكتاب اللبناني بيروت 1975.

10 - سير أعلام النبلاء 17 ‏/ 214 ‏مؤسسة الرسالة

11- مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري لمحمد بن الحسن ابن فورك تحقيق أحمد عبد الرحيم السايح ص 24 ‏مكتبة الثقافة الدينية القاهرة 2006‏

12 ‏- كتاب سيبويه باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى لاتساعهم في ‏الكلام. تحقيق عبد السلام هارون 1 ‏/ 211 ‏عالم الكتب 1988

13 ‏- كشف الأسرارعن أصول البزدوي عبد العزيز البخاري 98 ‏/ 1 ‏دار الكتب العلمية بيروت

14 ‏- الإبهاج في شرح المنهاج علي بن عبد الكافي السبكي وتاج الدين السبكي تحقيق أحمد جمال زمزمي 701‏/3

15 - مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري لابن فورك ص 240

16 ‏- مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري لابن فورك ص 25

17 - مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري لابن فورك ص 25

18 ‏- فتاوى ابن تيمية جزء 7 ص87

19- استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن الأشعري ص 185

20 ‏- استحسان الخوض في علم الكلام لأبي الحسن الأشعري ص 186

21 ‏- معاني القرآن للفراء 23 ‏/ 1 ‏عالم الكتب بيروت ط 2 ‏/ 1988

22 ‏- معاني القرآن للفراء 14/1

23 ‏- جامع البيان في تفسير القرآن مجلد 5 ‏/ 88 24

24 ‏- جامع البيان 8‏/20

25‏- جامع البيان 48‏/25

26 ‏- جامع البيان 27‏/22 ‏

27- عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني 202 ‏/ 11 ‏دار الفكر

28 ‏- إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للقسطلاني 107‏/9

29 ‏- إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض 183/7

30 ‏- إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض 184/7

31 ‏- صحيح مسلم كتاب النبوات باب فضائل أم سلمة وزينب زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم وإكمال المعلم للقاضي عياض تحقيق يحيى إسماعيل 479/7  دار الوفاء المنصورة 1998 ‏والمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب المسلم أحمد بن عمر القرطبي تحقيق علي بديوي  357/6

 

32 ‏- صحيح البخاري كتاب الزكاة باب الصدقة أفضل وفتح الباري لابن حجر 35‏/4 ‏ط دار الفكر 1996 ‏شرح الكرماني 189‏/7 ‏دار إحياء التراث العربي بيروت 1980 ‏عمدة القاري شرح صحيح البخاري بدر الدين العيني 281‏/4 ‏دار الفكر

33 ‏- المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ج 560/6

34 ‏- شرح النووي لصحيح مسلم 127.15‏/16

35 ‏- كشف الأسرار 98‏/1

36 ‏- كتاب سيبويه باب استعمال الفعل في اللفظ لا في المعنى تحقيق عبد السلام هارون 211/1 ‏عالم الكتب الطبعة 3.1983

37 ‏- شرح كتاب سيبويه لأبي سعيد السيرافي تحقيق أحمد حسن 106‏/2 ‏دار الكتب العلمية بيروت 2008

38 ‏- الخصائص لابن جني تحقيق محمد علي النجار  450‏/2

39- الخصائص لابن جني تحقيق محمد علي النجار442/2

‏40- الخصائص 446/2

41 - الخصائص 2‏/452

42 ‏- الفصل في الملل والأهوال والنحل لمحمد بن حزم تحقيق محمد إبراهيم نصر 358‏/2 ‏دار الجيل بيروت 1985 ‏

43‏- مجموع فتاوى ابن تيمية 234‏/5

44- مجموع فتاوى ابن تيمية 234‏/5