الرحلات العلمية بين القيروان وفاس

الخميس 19 سبتمبر 2013

د.منير رويس، أستاذ في جامعة الزيتونة بتونس، مجلة الجذوة العدد الأول، أبريل 2013، المجلس العلمي الأعلى


‏‏يندرج موضوع هذا المقال في نطاق الحديث عن وحدة ثقافية متميزة لبلاد المغرب في العهد الوسيط.

‏ويتناول الموضوع عاملا مهما في الوحدة الثقافية هو عامل "الرحلات العلمية" بين طلبتي وعلماء مدينتي القيروان وفاس .

‏ويتحدد الإطار الزمني بالفترة الممتدة من أواخر القرن الثاني الهجري إلى القرن الخامس الهجري.

‏ويتزامن أواخر القرن الثاني الهجري مع تأسيس الدولة الأغلبية بإفريقية وعاصمتها القيروان، ومع تأسيس دولة الأدارسة بالمغرب الأقصى وعاصمتها فاس. أما أواخر القرن الخامس الهجري فيتزامن مع تقلص وانتهاء دوري القيروان وفاس كعاصمتين متميزتين لمنطقتيهما.

‏فما هي مكانة القيروان وفاس خلال الفترة المدروسة ؟

‏وما هي الظروف المساعدة على وجود رحلات علمية بين المدينتين؟

ومن هم أهم الراحلين وما هي أبرز آثارهم ؟

أولا: مكانة القيروان وفاس من أواخر القرن الثاني إلى أواخر القرن الخامس للهجرة

القيروان

‏عاصمة الدولة الأغلبية منذ سنة 184هـ / 800 ‏م، ‏وكانت حاضرة مميزة، أشعت بثقافتها وعلومها على مجالها (إفريقية) وعلى بلاد المغرب والأندلس وصقلية.

‏حافظت القيروان على مكانتها العالية وإشعاعها الثقافي والعلمي مع الدولة الفاطمية سنة 296 ‏هـ / 909 ‏م التي امتد مجالها على كامل بلاد المغرب، وجزيرة صقلية. ولم يضعف تحويل العاصمة إلى المهدية من مكانة القيروان وإشعاعها على المناطق.

‏تأثرت القيروان بنكبة الأعراب الذين خربوها سنة 448 ‏هـ، ففقدت بريقها كعاصمة ثقافية للمنطقة. كانت القيروان بداية القرن الثاني للهجرة مركزا علميا وثقافيا نشيطا. وصارت في القرن الثالث للهجرة أحد المراكز الرئيسية للثقافة الإسلامية في الغرب الإسلامي.

‏مثلت المساجد (وأهمها جامع عقبة) ومجالس العلماء والمكتبات أماكن بارزة للتعلم.

‏برزت بها أسماء شخصيات لامعة منها:

  • ‏يحيى بن سلام البصري (تـ 200 ‏هـ) صاحب التفسير المعروف،
  • ‏وأسد بن الفرات (تـ 213هـ) ، صاحب "المدونة الأسدية" ،
  • ‏والفقيه سحنون (تـ 250 ‏هـ) الذي كان بلا شك أعظم رجال ذلك العصر والذي أصبح كتابه الموسوم بالمدونة مرجعا فقهيا لرجال القيروان. ‏وقد حضر دروسه العديد من الطلاب، ومن بينهم طلاب من الأندلس والمغرب الأقصى، ونعرف ما لا يقل عن خمسة وسبعين طالبا قاموا بنشر تعاليمه.

‏تواصل هذا النشاط العلمي للقيروان في القرن الرابع ومطلع القرن الخامس.

ويكفي مراجعة التراجم التي تملأ كتب طبقات علماء إفريقية لمعرفة الدور الثقافي الكبير

 للقيروان.

ومن هذه الكتب:

  • ‏كتاب طبقات علماء إفريقية، لأبي العرب،
  • وكتاب رياض النفوس، للمالكي،
  • ‏وكتاب معالم الإيمان، للدباغ.

‏وقد صور الشاعر أبو القاسم الفزاري القيرواني  (تـ 345 ‏هـ/ 956 ‏م) في قصيدة طويلة مكانة القيروان العلمية منها:

‏فهل للقيروان وساكنيها       ‏عديل حين يفتخر الفخور!؟

‏بلاد حشوها علم وحِلم        ‏وإسلام ومعروف وخير

ومنها سادة العلماء قدما     ‏إذ ا عدوا، وليس لهم نظير

‏وكانت القيروان طوال هذه الحقبة الزمنية محط أنظار العلماء، يفدون إليها من كل الأماكن وينهلون من معارفها.

‏ومن الوافدين عليها نبهاء من المغرب الأقصى، وخاصة منهم أهل فاس وهو ما سنتبينه لاحقا.

فاس

‏مدينة أسست لتكون عاصمة لدولة جديدة قامت بالمغرب الأقصى هي (دولة الأدارسة) .

‏أسسها الإمام المولى إدريس الثاني سنة 193 ‏هـ/ 808 ‏م، واختار سكنى قسم منها المسمى  (عدوة القرويين) .

‏تقع فاس في سهل خصب يعبره نهر. وتنقسم إلى عدوتين: عدوة القرويين، وعدوة الأندلسيين. وأحيطت كل واحدة بسور، وظلت على هذا التقسيم إلى حد العهد المرابطي.

 عرفت مدينة فاس منذ ‏القرن الثاني نهضة شملت الميادين الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية والثقافية.

‏وصف اليعقوبي (من رجال القرن الثالث) مدينة فاس في عهد الإمام يحيى بن يحيى بن إدريس (249-252 ‏) بقوله: "هي مدينة جليلة كثيرة العمارة والمنازل... وعلى نهر فاس عمارات جليلة وقرى وضياع ومزارع من حافتيه"

‏ساعد موقعها ووجود المساجد فيها على إقبال الناس عليها (ومنهم الطلبة والعلماء) من مختلف مناطق المغرب ومن الأندلس.

‏من أماكن التعلم فيها: "جامع القرويين" الذي نسب بناؤه لفاطمة الفهرية القيروانية، وجامع آخر بعدوة الأندلس نسب إلى أخت فاطمة الفهرية المسماة مريم.

 تدعمت الحياة الثقافية بتكوين المدارس في مدينة فاس وخارجها.

ثانيا: العوامل المساعدة على وجود رحلات علمية بين القيروان وفاس

الصلات السياسية

‏لم تمنع الاختلافات السياسية من وجود علائق بين إفريقية والمغرب الأقصى ‏فقد كانت الصلات متوترة بين الحاضرتين ‏القيروان وفاس بسبب الاختلاف في الرؤى والعلاقات من العباسيين. لكن ظل الأغالبة مخلصين للعباسيين وأعداء للأدارسة. وتمثل العداء في تدبير المكائد استجابة للخليفة العباسي.

‏ولما يئس الأغالبة من القضاء على الأدارسة تلبية لرغبة العباسيين، أصبحت السياسة الجديدة هي سياسة الموادعة، خصوصا وأنه لا توجد حدود مشتركة بين الطرفين، ولم يعد للأدارسة قوة يتخوف منها الأغالبة.

في القرن الرابع للهجرة دخلت فاس في تبعية للفاطميين، مما سهل تنشيط العلاقات بين الطرفين.

الصلات الاقتصادية

‏لم تنقطع العلاقات الاقتصاد‏ية بين القيروان وفاس عبر العصور. وارتبطت المدينتان بواسطة شبكة من الطرقات امتدت بين الجزءين الشرقي والغربي لبلاد ‏المغرب.

‏ويمكن الحديث عن وجود ‏وحدة عمرانية واقتصادية كانت تجمع بين كافة مناطق العالم الإسلامي، ومن بينها مناطق بلاد المغرب.

‏نحدد ببلاد ‏المغرب ثلاث مناطق تجارية مترابطة ‏هي:

‏منطقة إفريقية، وأبرز مراكزها التجارية: القيروان، ومدن الموانئ: صفاقس وسوسة وبنزرت وطبرقة وعنابة.

‏منطقة المغرب الأوسط وتتصل المسالك التجارية فيها بمدينة تاهرت، عاصمة الرستميين، وهي مركز تجاري حساس، يربط بين مسالك الصحراء بالأندلس، وجزر البحر الأبيض المتوسط عن طريق مدينة تنس.

‏مدينة المغرب الأقصى بواجهتيها البحريتين:

"واجهة المحيط الأطلسي "أو بحر الظلمات، وواجهة البحر الأبيض المتوسط"، وأبرز المراكز التجارية هي مدينة أودغست الواقعة على مسلك تجارة الذهب، ‏والملح والرقيق بين بلاد‏ السود‏ان وسجلماسة وتكرور، وفاس وأغمات ونول لمطة على ساحل المحيط.

الصلات العلمية والثقافية بين القيروان وفاس

 كانت العلاقات بين القيروان والمغرب الأقصى موجودة قبل تأسيس فاس، وتواصلت عبر الزمن. كانت سجلماسة حاضرة علم معروفة في المغرب الأقصى ربطتها علاقات ثقافية بالقيروان.

‏كانت القيروان قبلة للطلبة والمتعلمين من بلاد المغرب عامة. وكان ذلك في الحقبة الأولى التي كانت فيها القير وان مهد الثقافة العربية الإسلامية بالمنطقة. وقد وفد الطلبة على القيروان فأخذوا من شيوخها ، ودونوا كتبها ، وحدثوا عند عودتهم بآثارهم وتحفها العلمية الثقافية والعلمية.

‏وهذا الإبداع الثقافي الذي ميز القيروان تدعم فيما بعد بالدور الكبير الذي لعبته فاس وجامع القرويين فيها. فقد مكنت الحركية الثقافية في كلا المدينتين من تدعيم أسس الحضارة العربية الإسلامية في المنطقة.

يقول حسين مؤنس في كتابه "معالم تاريخ المغرب والأندلس": ". . وكما كان قيام القيروان هو الخطوة الأولى في قيام إفريقيا الإسلامية، فكذلك كان قيام فاس الخطوة الحاسمة في قيام المغرب الأقصى العربي المسلم. فقد أصبحت فاس مركزا رئيسا للثقافة العربية الإسلامية وأخذت جامعتها تثبت مكانتها إلى جانب مراكز العلوم الإسلامية الأخرى".

الصلات الاجتماعية

‏ذكرت المصادر البعض من صور الترابط الاجتماعي بين إفريقية والمغرب ومنها:

‏تحول خمسمائة فارس من إفريقية لدعم الإمام إدريس بن يحيى، واستقرارهم بالمغرب الأقصى. تحول بعض الأثرياء إلى المغرب الأقصى ومنهم محمد الفهري والد فاطمة مؤسسة جامع القرويين"

‏تحول عدد من أهل القيروان وتكوينهم لقسم كامل من قسمي مدينة فاس سمي باسمهم، هو قسم القرويين أو ما يعرف بعدوة القرويين.

‏وجود حالات مصاهرات يمكن للدارسين استخراجها والتعرف على أهميتها.

ثالثا: الرحلات العلمية بين القرويين وفاس: أهم الراحلين وآثارهم

‏المرتحلون يقع ذكرهم عبر التسلسل الزمني.

‏لم تكن الرحلات منظمة من جهة معينة بل كانت ‏رحلات فردية.

‏من المرتحلين من أزمع الرحلة ولم يتمها لعائق (البهلول، الأديب الشاعر) ومنهم من آثر الاستقرار بالقيروان وتوفي بها (أبو عمران الفاسي) ، ومنهم من عاد ‏إلى بلده وبرز فيها (دراس بن إسماعيل)

‏انقطع سيل المرتحلين إلى القيروان بعد خراب المدينة بسبب زحف الهلاليين، وبسبب اكتمال نضج فاس كحاضرة ثقافية كبيرة ببلاد المغرب.

أعلام الرحلة العلمية من فاس إلى القيروان

1 ‏-البهلول

 أديب شاعر كان من خواص الأمير إدريس الثاني (177-213هـ/828-793م) ، أراد أن ينتقل إلى القيروان بعد أن استماله الأمير إبراهيم بن الأغلب، فخاطبه الأمير الإدريسي محذرا:

‏أبهلول قد شممت نفسك              خطة ‏تبدلت منها ضِلة برشاد

أضلك إبراهيم من بُعد داره         ‏فأصبحت منقادا بغير قياد

‏كأنك لم تسمع بمكر ابن أغلب     ‏وقدما رمى بالكيد كل بلاد

‏ومن دون ما منتك نفسك خاليا     ‏ومناك إبراهيم شوك قتاد

‏ويبدو  أن البهلول قد تراجع عن ذهابه لقصر الأمير الأغلبي، الذي عرف باحتضانه للأدباء والشعراء في مجلسه، بل كان هو نفسه شاعرا ذكرت له المصادر البعض من أشعاره وحادثة منع البهلول من الانتقال تفسرها علاقات الدولتين المتردية، بعد تسبب الأغالبة في مقتل إمام الأدارسة ومولاه راشد من بعده.

2- الفقيه عيسى بن سعادة بن موسى( 355 هـ / 965 ‏م)

طلب العلم بالقيروان وجمعته صحبة بأبي الحسن القابسي وانتقل بعد القيروان إلى مصرواستقر بها إلى أن توفي سنة 355 ‏هـ/965م .

3- أبو ميمونة دراس بن إسماعيل( 967هـ/357 ‏م)

 وهذا عَلَم عظيم من أعلام فاس، أستاذ بالأندلس والقيروان وسبتة. أخذ العلم عن شيوخ بلده، ورحل إلى الأندلس واستقر بها طالبا ومجاهدا، وسمع منه غير وا حد.

‏توجه للحج فدخل القيروان، وأخذ عنه بها ابن أبي زيد القيرواني (تـ 386/996 ‏م) . وكان نزوله بالقيروان عنده، والفقيه المحدث أبو الحسن علي القابسي ( 403 ‏هـ/1012م) ، وخرج منها مع أبي محمد الأصيلي والقابسي، إلى مصر ومكة، ولقي علي ‏بن أبي مطر بالإسكندرية ، وسمع منه "كتاب ابن المواز"، وحدث أيضا به في القيروان، ثم رجع إلى فاس، فكان أول من أدخل اليها مدونة سحنون (تـ 240هـ/ ‏854م‏) .

آثار دراس بالقيروان

 لم يكتف بالتعلم في القيروان بل حدث بما سمعه خارجها، فإليه يعود إلفضل في نشر "الموازية" بالقيروان التي أخذها في رحلته إلى الإسكندرية عن ابن أبي مطر

(ت 339 ‏ه/950 ‏م) وهو الإمام الفقيه المعمر، قاضي الإسكندرية، ومسندها أبو الحسن، علي بن عبد الله بن يزيد بن أبي مطر، المعافري الإسكندراني المالكي (ت 281 ‏هـ/ 894 ‏م)

‏و أشار الزركلي في كتابه الأعلام إلى مخطوط على الرق، في 16 ورقة ، في فقه الإمام مالك، في خزانة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ترجع نسبتها إلى ابن المواز ولعلها مما جلبه دراس هذا.

‏اشتهر دراس في القيروان بكثرة حفظه، فقد نقل القاضي عياض في "ترتيب المدارك" ما يلي : قال "المالكي" كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين، و الأئمة المبرزين من أهل الفضل والدين، و لما طرأ إلى القيروان، اطلع الناس من حفظه، على أمر عظيم. حتى كان يقال : ليس في وقته أحفظ منه.

‏و إلى جانب معرفته بالحديث كان دراس عارفا بمذهب مالك.و ذكر "المالكي" أنه كان أحفظ زمانه بمذهب مالك، و أصحابه.

‏لم يكن دراس تلميذا عاديا بمدينة القيروان فقد كان مناقشا بارعا وكانت له تصرفات تنم عن دراية بالعلوم وثقة بالنفس. أورد له الملكي نصا في اختلافه مع شيخه ابن اللباد:

‏"وذكر عن بعض أصحاب أبي بكر ابن اللباد قال: كنت يوما جالسا في مجلس أبي بكر ابن اللباد، وأبو ميمونة يقرأ عليه الموطأ فتواقعا في حديث، فخالفه فيه شيخنا. وقال أبو ميمونة: كتابي هذا قرأته بالأندلس، وبفاس. فأمر أبو بكر بإخراج موطأ ابن وهب، وكتب كثيرة، حتى تقرر عندهم حقيقة الحرف الذي اختلفوا فيه. فلما نظر أبوبكر إلى الكتب والرزم، قد حلت ضاق، وقال لأبي ميمونة: يا هذا فيك استقصاء. وما أظنك تريد إلا أن تكون ديكا. فقال أبو ميمونة: أكرمك الله. لوشئت أن أكون ديكا في غير بلدي، كنت. فقال له أبو بكر : قم عنا ولا تَغشَ لي مجلسا. قم يا هذا واستحثه. فأخذ أبو ميمونة كتابه، ومحبرته، ووقف وقال: اللهم إنك تشهد.

‏قال المالكي: فخرجت في أثره، ومشيت معه، حتى أبعدنا وهو يسترجع. فقلت له: اجلس على هذا الدكان، حتى أرجع إلى الشيخ، وأعود إليك. فرجعت وجلست بين يدي الشيخ، وقلت أصلحك الله أنت شيخنا وإمامنا. وهذا رجل له قصد إليك، فترى إذا سألك الله: لِمَ طردته ?‏أتقول له: لأنه قال لو شئت أن أكون ديكا في غير بلدي، ما فعلت أصلحك الله. وقلت مقبول عنك، ومسموع. فقال: إنا لله وانا إليه راجعون. وكررها ثم قال يا أخي رد الرجل، ويدع المعاتبة. فسرت إليه فرجع معي فسلم على الشيخ، وجعل بعد ذلك يختلف ويحضر السماع، والشيخ غير منبسط له. فشكا ذلك إلى بعض أصحابه. فقالوا له: زوجته شابة. فلو أهديت إليها عطفته عليك، وأصلحت لك جانبه. فقال: والله لا أخذت العلم عن طريق الرشوة أبدا ، والشيخ قد انتشرت إمامته، وحل في قلوب الناس بالمحل الذي علمتم. وما قسى قلبه علي، إلا لأمر تقدم لي، عوقبت عليه، ولكن، والله ما أصلحت إلا ما بيني وبين الله، وينتهي الأمر إلى ما شاء. قال: فما طالت المدة حتى كان إذ ا دخل أبو ميمونة قال أبوبكر له: يا أبا ميمونة، أشركنا في صالح دعائك ".

 آثار دراس بن إسماعيل بالمغرب

‏لما رجع دراس بن إسماعيل بالمغرب إلى فاس، كان أول من أدخل إليها مدونة سحنون

(ت 240هـ/ 854 م) وبه اشتهر مذهب مالك هناك.

وكان يدرس بالمغرب، وتشد إليه الرحلة في وقته، كما كان عليه مدار الفُتيا. وممن أخذ عنه أبو المطوف عبد الرحمان بن خلف التجيبي الإقليشى، وأبو عبد الرحمان عبد الرحيم بن أحمد بن العجوز الكتامي عالم سبتة الذي روى عنه جماعة من سبتة وفاس.

اعتبره الشيخ محمد مخلوف صاحب شجرة النور الزكية طليعة علماء فاس. فجعله وحده في الطبقة الثامنة وقال قبل الترجمة له: ومن هنا بدأ تفريعه (أي فرع فاس) وهو جامع لعلماء المغربين الأقصى والأوسط.

4- أبو عبد الرحمان عبد الرحيم بن أحمد بن العجوز السبتي الفاسي (تـ 413 هـ/ 1022 ‏م)

الفقيه الحافظ شيخ الفُتيا، إليه الرحلة بالمغرب، وله عقب نجباء بلغوا خمسة أئمة، رحل ولازم ابن أبي زيد ‏وحمل عنه كتبه وأخذ عنه دراس والأصيلي وغيرهم. روى عنه أبناؤه عبد العزيز وعبد الرحمان وعبد الكريم وقاسم بن محمد الميموني ومحمد بن عبد الرحمان بن سليمان وجماعة.

5- (ابنه) الفقيه عبد الرحمان

 أخذ عن والده، حج مع والده ولقيا بالقيروان أبا إسحاق التونسي وأخذا عنه، وعن عبد الرحمان أخذ ابنه محمد، توفي سنة 417 ‏هـ/ 1026م.

6- القاضي أبومحمد عبد الله بن محمد بن محسود الهواري (401هـ/1010م)

قَدِم على مدينة فاس من قرية أوربة، وتعلم بفاس ثم رحل إلى القيروان، فلقيبها الفقيه ابن أبي زيد القيرواني.

‏عاد إلى فاس وولي القضاء بها.

‏كان ينزل أول الأمر بعدوة الأندلس، ثم لم يلبث أن انتقل إلى عدوة القرويين، وبها توفي.

7- أبوعمران الفاسي، ( تـ 430 ‏هـ/1038م)

 أبو عمران موسى بن عيسى بن أبي حاج الغفجومي الفاسي، ولد بفاس سنة 356 ‏هـ/ 975 ‏م وبيته معروف. وقد تلقى تعليمه الأول بمدينة فاس، لكن خلافه مع الولاة الزناتيين جعله يخرج منها ويذهب إلى القيروان، فاستقر بها، وفيها تفقه على أبي الحسن القابسي وغيره، ثم رحل إلى قرطبة فدرس على أبي محمد الأصيلي وغيره، ثم رحل إلى المشرق، وأخذ بمصر القراءات عن أبي الحسن عبد الكريم، وأخذ بمكة، ثم حج حجات كثيرة، ودخل بغداد سنة 399 ‏هـ/ 1008م. وحضر مجلس القاضي أبي بكرالباقلاني: ثم انصرف إلى القيروان حيث عكف على الدرس، .نال شهرة جعلته كعبة الطلاب الذين يردون من أطراف البلاد. كان الإمام الباقلاني يقول: لو رأى مالك أبا عمران الفاسي والقاضي عبد الوهاب، لسر بهما.

‏يقول الأستاذ عبد الهادي التازي في كتابه "جامع القرويين"،" لم ينس أبوعمران فاسا مسقط رأسه كما أن فاسا لم تنسه، ولهذا ظل بيته مفتوحا للرواد من فاس جيئة وذهابا.... واليه يرجع الفضل في تركيز المذهب المالكي بالمغرب الكبير، حضر جنازته جميع أهل القيروان،

يتصدرهم السلطان المغربي باديس. وهناك كلمة تجري في تونس مجرى المثل: مشكلة لا يفكها إلا قاضي فاس. يعتقد أنها ترجع في أصولها الأولى إلى أيام أبي عمران الفاسي هناك"..

‏وهكذا مثل هذا العالم مدينتين "فاس و القيروان" وقد أشاد بفضله وعلمه وإمامته العديد من علماء عصره من المغرب والمشرق.

أعلام الرحلة العلمية من القيروان في فاس

1 ‏- محمد بن عبد الله الفهرى

من أشراف وأثرياء القيروان ومحيي العلم فيها.

‏وفد على مدينة فاس مع جماعة من القيروانيين أيام محيي الدين يحيى الأول بن محمد بن

 إدريس العلوي الحسني ( 239 ‏- 249 هـ‏) واستقروا بالعدوة التي أصبحت ‏معروفة بعدوة القرويين ..وقد ترك محمد الفهري ثروة طيبة، وبنتين محسنتين صالحتين، إحداهما فاطمة أم البنين التي بنت جامع القرويين الذي احتضن الجامعة الإسلامية الكبرى بفاس، وثانيتهما: مريم التي بنت جامع الأندلس بفاس.

2 ‏- فاطمة أم البنين (أواسط القرن الثالث)

‏هي فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني، وتكنى أيضا بأم قاسم، وقد وردت من إفريقية مع أفراد أسرتها على المدينة حيث سكنت عدوة القرويين على مقربة من مكان الجامع الذي كتب لها أن تشيده. وبالرغم من أننا لم نجد لها ذكرا في طلبة العلم، فإن تأسيسها لمسجد يدل على مكانتها في خدمة العلم والعلماء.

‏يقول: الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه جامع القرويين: "لقد دخلت فاطمة التاريخ بفعلها العظيم هذا. . . .بالرغم من أننا لم نجد لها ولا لولدها أثرا في معالم القيروان ولا في أعلام فاس، فإن عملها هذا كان كافيا لتسجيلها في عداد الخالدين والخالدات".

جامع القرويين

‏شرع في بنائه في فاتح رمضان 245 ‏هـ/ 30 ‏نونبر 859 ‏م. و تذكر المصادر التاريخية أنه توسع عدة مرات وصار جامع خطبة زمن المرابطين.

3 ‏- مريم بنت محمد بن عبد الله الفهري

‏بَنَت جامعا بعدوة الأندلس، يسمى جامع الأندلس.

4- أبو عبد الرحمن بكر بن حماد الزناتي التاهرتي (296هـ/908م)

‏ولد حوالي سنة 200 ‏هـ/ 815 ‏م وأخذ العلم عن علماء بلده، ثم ارتحل إلى القيروان فأخذ هناك، ثم ارتحل الى بغداد سنة 217هـ فلقي عددا من الأدباء من أمثال أبي تمام صاحب "الحماسة"، ومسلم بن الوليد صريع الغواني، وابن الأعرابي واتصل بخلفاء بني العباس وحصلت له حظوة.

  استدعاه الأمير أحمد بن القاسم بن إدريس لزيارة فاس، وتصدر جامع القرويين لإملاء العلم والأدب سنة 274هـ/887م.

5- أبو الفضل يوسف بن النحوي التوزري (تـ 513ه/1119م)

‏ولد في مدينة توزر سنة 439 هـ ‏وتلقى فيها العلم. ثم اضطر إلى هجرة مسقط رأسه. وبعد أن أقام مدة في القيروان هاجر إلى المغرب الأوسط ثم إلى المغرب الأوسط ثم إلى المغرب الأقصى. وأخيرا عاد الى المغرب الأوسط واستقر بقلعة بني حماد إلى وفاته.

‏كان معدودا من رجال الفقه، ومن أهل التصوف، ومن الأدباء الشعراء وهو الذي اشتهر بقصيدته الاستغاثية السائرة في الأقطار المسماة بالمنفرجة) ومطلعها:

 اشتدي أزمة تنفرجي          ‏قد آذن ليلك بالبلج

وظلام الليل له سرج         ‏حتى يغشاه أبو السرج

‏كان له في المغرب الإسلامي شأن حيثما حل في مراكش وسلا وفاس وسجلمامة وفي تلمسان وبجاية وقلعة بني حماد و"اعتبر في المغرب بمنزلة الغزالي في المشرق".

‏كان يمدح الأماكن التي يحل بها وتعجبه ومنها مصر وفاس. ومن قوله في مدينة فاس:

‏يا فاس منك جميع الحسن مستَرَقٌ       وساكنوك ليهنأهم بما رزقوا

 هذا نسيمك أم روح لراحتنا  ‏          وماؤك السلسل الصافي أم الورق

 أرض تتخللا الأنهار داخلها ‏         حتى المجالس، والأسواق، والطرق

6- القاضي أبو عبد الله محمد بن داود بن عطية (525هـ/1130م)

أصله من إفريقية، أخذ العلم بقرطبة واستقضي بتلمسان، ثم رجع إلى الأندلس قاضيا بإشبيلية، ثم عين قاضيا على مدينة فاس حيث أشرف على شؤون القرويين، وقد كان من أهل المعرفة والعلم، و"يعد مثلا ناطقا للا حدود بين أجزاء الإمبراطورية المغربية حيث ولد في جهة وتعلم في ثانية، وتوظف في ثالثة"حسب تعبير الأستاذ عبد الهادي التازي.

7- أبوعبد الله محمد بن عبد المنعم الهواري (527هـ/1132م)

 أبوه أبو الطيب من جالية القيروان، كان من العدد العديد الذين فارقوا القير وان عند فتنة العرب بها ، دخل الأند لس وسمع بها ، ولم يلبث آن قصد مدينة فاس فأصبح من أهلها، واكتسب سمعة بها مكنته من الإجازة لأبي القاسم ابن الملجوم الذي حضر مجالس ابن تومرت.

***

مكنت الرحلات العلمية من تلاقي الشيوخ وتبادل الأفكار مما رسخ التقارب في الرؤى والمناهج المتبعة.

‏رسخت الرحلات العلمية الأولى عادة التبادل العلمي والثقافي بين المغرب وافريقية، وبقية الرحلات العلمية متواصلة بين الطرفين. وعوضت مدينة تونس القيروان، وصارت تونس تستقبل وترسل العلماء عوضا عن القيروان.

‏نشير إلى جماعة الشيوخ والعلماء الذين رافقوا الحاكم المريني أبا الحسن عند تقدمه على تونس سنة 748هـ. وقد ترك هؤلاء بصماتهم فدرسوا وأموا الناس في الصلوات، وأفتوا وناقشوا علماء تونس، وأدخلوا بذلك حركية فكرية في كامل المنطقة.

‏ونشير كذلك الى المؤرخ عبد الرحمان بن خلدون الذي خرج من تونس مرتحلا نحو فاس وأفاد واستفاد في المجال العلمي مدة إقامته بفاس.

مقتطف من قصيدة الشاعر نور الدين صمود  ‏ألقاه بمناسبة التوأمة مع فاس سنة 1983‏.

فاس أخت القيروان

إذا ما جلت بين أكناف فاس        شعرت أنني ما بين ناسي

سحرت بسحرها سحرا عجيبا     ولست بسرها أبدا بناس

ولاح رجالها آساد غيل           ونسوتها ظباء في كناس

أرى ما بينهن فتاة فهر            تسوس قبيلها مثل السياسي

وتبني جامعا للعلم أضحى        كجامع عقبة،في أرض فاس

فهذي دار علم من قديم          رست فيها المعارف كالرواسي

وفاس فاز فيها ساكنوها         بغيث للعلوم بلا انحباس

فإني في سماء المجد دوما       بأخت القيروان رفعت رأسي

 

الله يستجيب دعاء الصادقين فتبقى كل من القيروان وفاس عامرتين بالعلم والفقه

القيروان عندما أسسها عقبة بن نافع دعا فيها قائلا:" اللهم املأها علما وفقها، واعمرها بالمطيعين العابدين، واجعلها عزا لدينك وذلا على من كفر، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض".

فاس التي أسسها الإمام إدريس الثاني قال عند تأسيسها خطبة مشهورة جاء فيها:

"اللهم إنك تعلم أنني ما أردت ببناء هذه المدينة مباهاة ولا مفاخرة، ولا رياء ولا سمعةولا مكابرة، وإنما أردت أن تعبد بها ويتلى كتابك فيها وتقام بها حدودك وشرائع دينك، وسنة نبيك ورسولك، ما بقيت الدنيا، اللهم وفق سكانها وقطانها للخير، وأعنهم عليه، واكفهم مؤونة أعدائهم، وأدرر عليهم الأرزاق، واغمد عنهم سيف الفتنة وأسباب الشقاق، إنك على كل شئ قدير... اللهم اجعلها دار علم وفقه.."