السبت 21 محرّم 1441هـ الموافق لـ 21 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

العلوم والتحديات الراهنة

من مقالة تحت عنوان في الحاجة إلى استئناف التجديد في العلوم الإسلامية، د.سعيد شبار، مجلة الجذوة، العدد الأول، المجلس العلمي الأعلى‏ ‏، أبريل 2013‏


التحديات القائمة بوجه الأمة الآن تحديات جماعية ‏أكثر منها فردية وميدانية أكثر منها نظرية. وعلومنا كما هي مدعوة لتجاوز مشكلاتها والتحرر من آفاتها التي ألمحنا إلى بعض منها، لمواجهة هذه التحديات وتقديم الإجابات اللازمة على أكثر من صعيد. وفي اعتقادي أن التحديات التي تواجه الأمة كأمة، لا يمكن أن ترتفع إلا بالنهوض الجماعي للأمة بتكاليفها كأمة.

وهذا أمر لا يسعف فيه الفقه والاجتهاد الفردي والجزئي على أهميته، فلا بد من فقه للأمة يعمل على إخراجها وبعثها ينبني على أصول فكرية كلية ومستوعبة كذلك، يكاد حضورها ينعدم  في  تراثنا الفكري.

‏وبالنظر في ‏القرآن الكريم نجد أنه لم يرد حديث عن الأمة - في الغالب- إلا مقرونا بتكليف جماعي. وتلك التكاليف هي في ذاتها أصول تحتاج إلى مزيد بناء واستكشاف وتفعيل على الساحة الفكرية العلمية والعملية. كأصول: الخيرية والوسطية والاستخلاف والتعمير وحمل الأمانة والعالمية والشهادة وغيرها ... وهناك من الآيات والأحاديث ليس فقط ما يكفي لهذا البناء، بل ما يفرضه ويوجبه وما يدفع إليه ويحفز عليه، إذ لا سبيل للنهوض الجماعي إلا به. ويكفي أن نذكر من تلك التحديات الحروب المدمرة وقضايا البيئة والصحة والفقر والأمية ، والانحرافات السلوكية والأخلاقية لم (شذوذ ، إدمان، جريمة، انتحار، سرقات منظمة ..) والغلو والتشدد والتطرف والإرهاب من لدن أفراد أو جماعات تستباح. فيه دماء وأعراض الأبرياء... إلخ. هذا فضلا عن فلسفات اللذة والمتعة والصناعة الإعلامية التي تجعل من الإنسان كائنا استهلاكيا محضا بقيم وأخلاق وأذواق صناعية قابلة للرصد والتكييف، حيث أمسى الإنسان فيها كائنا طبيعيا بسيطا تجري عليه القياسات والتجارب الطبيعية بحسب الحاجة والمرحلة. هذا مع استبعاد تام لقيم وأخلاق الفطرة والدين وإرشاد وتسديد الوحي لحركة الإنسان وشبكة علاقته مع الكون والكائنات المحيطة به. إن كل ذلك يوجب أن يكون للعلوم الشرعية باعتبارها خطابا للإنسان أو قل وسيطا بينه وبين الوحي، دور ونظر تسديدي وإرشادي وتقويمي  في  بناء فكر وسلوك الإنسان.

‏***

‏إن أقرب العلوم إلى الإنسان وألصقها به العلوم الشرعية باعتبارها وسيطا مساعدا بينه وبين الوحي خطاب الله تعالى التكليفي والإرشادي المباشر إليه، والذي يتحقق من خلاله بسعادته في  الدارين أولى وآخرة.

وليس العلوم الإنسانية بصورتها وفلسفتها الراهنة، تلك التي تهيمن عليها وتؤطرها الفلسفات المادية، وإن حملت اسم الإنسان وجعلته موضوعا لها. وذلك لسبب بسيط وهو أن هذا الإنسان في  هذه العلوم قد سحب من موقعه المركزي والمحوري في الكون باعتباره سيدا فيه إلى عنصر ضمن معادلة إنتاجية أشمل، محكومة بمقاييس ومعايير الأولويةٌُ فيها ليس للكينونة البشرية وعالم القيم والأخلاق والمثل والفضائل التي تؤطرها، وإنما للفلسفات المذكورة التي تعتمد بشكل أساس ما يقاس ويحس ويلمس ويحصى ويرصد. هذا دون التقليل من الجهود المبذولة من كثير من المدارس والتوجهات الفكرية الغربية نفسها وحركات النقد الكثيرة داخل الغرب وخارجه للحد من الآثار السلبية لهذا التوجه والنزوع المركزي للعلوم، ومن إنجازات الغرب الايجابية في هذا الاتجاه كذلك.

‏ فالعلوم تحتاج إلى إعادة بناء وتجديد على مستوى الرؤية والتصور المؤطر لها وعلى مستوى مناهج وآليات اشتغالها، بالشكل الذي تبرز فيه وحدتها وتكاملها، وتنتفي كل أشكال التعارض والانفصال الزائف فيها، وتبرز تكاليفها وأحكامها الجماعية كما برزت الفردية. وبالشكل الذي تعطي فيه للخلق والحياة معنى وغاية وتنفي عنهما كل أشكال العبثية والعدمية.

‏وما ينبغي التنبيه عليه أخيرا، هو أننا لا ننطلق  في  هذه الدعوة من منطلق عدمي ينفي الجهود السابقة ويحجب الصور المشرقة والاجتهادات المبذولة في هذا العلم أو ذاك، أو يقلل من قدر ومكانة علماء وسلف الأمة. بل هي دعوى ودعوة مبنية على اعتراف واستئناف. اعتراف بكل الجهود السابقة وخاصة الجهود ذات الطابع المؤسس والمؤثر كالتي ذكرنا نماذج منها، إذ لولا هذه الجهود لما أمكن النظر إلى ما بعدها أو استشرافه فالفضل الأول إليها. وأما الاستئناف فلأنه الأصل، تجديدا واجتهادا وتفكرا وتدبرا بما يحقق تدين الإنسان في هذه الأمة واستخلافه وشهادته وخيريته و تحققه بالتكاليف المنوطة به فردا وجماعة. 

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube