الاثنين 16 محرّم 1441هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

العلوم وآفة الصورية والتجريد

من مقالة تحت عنوان "في الحاجة إلى استئناف التجديد في العلوم الإسلامية"، د.سعيد شبار، مجلة الجذوة، العدد الأول، المجلس العلمي الأعلى‏ ‏، أبريل 2013


لا تقل هذه الآفة خطورة عن سابقتها، فإذا كانت الآفة السابقة تعكس جمود الفقه ومن ثم عدم قدرته على مواكبة الواقع، فإن هذه الآفة تعكس نمو فكر أو قل كلام لا علاقة له بالواقع أصلا،  ونقصد بالدرجة الأولى هنا علم الكلام أو أصول الدين، وبعده بدرجة أقل، علم أصول الفقه والفقه.

‏وليس هذا الحكم عاما شاملا، إذ لا يخفى أن بداية العلم الأول كانت لها علاقة بمشكلات وتحديات عرفها واقع الأمة، وعرفتها عقيدة الأمة. حيث انبرى للدفاع عنها والرد على الخصوم في  قضايا التوحيد والإيمان وأفعال العباد وغيرها بمختلف المناهج عقلية ونقلية. لكن كما يذهب مؤرخو هذا العلم على اختلاف بينهم في التقدير لبدايات التحول عن هذا المسار، بعد القرن الثالث أو الرابع أو الخامس، فإنه ما من شك في أن توغل الفكر الفلسفي اليوناني والأقيسة المنطقية والفكر الصوري المسيحي، قد لعب دورا كبيرا في نقل هذا العلم عن قضايا واقع الأمة إلى التجريد والصورية. لدرجة، كما يقول ابن خلدون، اختلطت فيها الطريقتان، طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة. وحيث التبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنين عن الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم(31).

‏يضاف إلى هذا أن كثيرا من الفرق التي تشعبت وتناسلت بشكل لافت للنظر لمجرد خلافات جزئية وبسيطة، مما يعرضه علينا مؤرخو الفرق أو الملل والنحل (*). حيث وصل بعضها إلى عشرين فرقة فرعية داخل الفرقة الأم كما هو شأن الشيعة والمعتزلة وبشكل أقل الخوارج وغيرها.. وحيث انتقل الصراع في القضايا نفسها إلى الذات والأسماء والصفات، فتشعب الخلاف النظري والافتراضي إلى درجة من الغلو والفسوق شغلت الأمة وأنهكتها، وجعلت أهم علم فيها كان بإمكانه أن  يطور فلسفتها العقدية في ارتباطها بالواقع وفي تأطيرها ‏لأحكام وحركة الفقه والفكر، خصوصا أمام تحديات الفلسفة المادية، جعلته سلبيا ومنعزلا عن تلك الهموم والقضايا،. وعلما مضرا أكثر منه نافعا بعد أن استنفد أغراضه كما قيل.

‏ولا يختلف علم أصول الفقه عن هذا السياق خصوصا بعد أن استقر التقليد والجمود على ما استقر عليه، ولم تبق حركة التأصيل والاستنباط عملا مطردا متجددا مواكبا للتطورات والمستجدات كما كان. بل إن صورية وتجريدية هذا الأصل، - وان كانت أخف من سلفه- تغذت كذلك من الأقيسة والحلول المنطقية والتوسع فيها منذ وقت مبكر تصنيفا وتأليفا وتعريفا، لدرجة جعلت الإمام الغزالي يذهب إلى أن "من لا يحيط بهذه المقدمات المنطقية فلا ثقة له بعلومه أصلا " (32).

‏إن درأ آفة الصورية والتجريد عن الأصلين، وتحريرهما من كثير من زوائد وشوائب هذا الباب، مما لا علاقة له بالمرجعية الإسلامية العلمية والعملية معا، من شأنه أن يجعلهما أكثر واقعية وارتباطا بمشكلات وهموم الإنسان والعصر. 


هوامش

31- ابن خلدون: المقدمة، بيروت، دار الفكر 1983 . ص 430 ‏-431 ‏.

‏( *) انظر مثلا : مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري. والملل والنحل للشهرستاني. والفصل لابن حزم. والفَرْق بين الفِرَق للبغدادي... خصوصا وأن بعضها كـ(الفرق بين الفرق) نزع إلى حصر الفرق في اثنين وسبعين أو ثلاث وسبعين فرقة حرصا على مطابقتها مع الحديث الوارد في الباب.

32- الغزالي: المستصفى، وبذيله فواتح الرحموت شرح مسلم التبوت . دار العلوم الحديثة ، بيروت لبنان . ‏ج 1 ‏/ ص 10 ‏.

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube