العلوم وآفة الجمود والتقليد

الأربعاء 18 سبتمبر 2013

من مقالة تحت عنوان "في الحاجة إلى استئناف التجديد في العلوم الإسلامية"، د.سعيد شبار، مجلة الجذوة، العدد الأول، المجلس العلمي الأعلى‏ ‏، أبريل 2013‏


وهي علة من العلل الفكرية الطارئة على الأمة، وخطرها لا يكمن فقط في كونها توقف حركية وفعالية العقل الذي أنيط به واجب التفكر والتدبر والتفقه والاجتهاد والتجديد في العلم بالدين والعمل به مما هو منصوص نصا في الكتاب والسنة، بل تعدى الأمر ذلك إلى توقف مواكبة حركة الفقه الشرعي للواقع المتغير المتجدد. فالأصل في الفقه باعتباره فهما عن الله تعالى في كتابه أن يؤطر بالشرع الخالد حركة الواقع ومستجداته ونوازله في كل زمان ومكان.

‏لكن عندما تتوقف حركة الفقه في مرحلة تاريخية معينة فتعمد إلى استهلاك مقرراتها ولزومها وعدم الخروج عليها من غير تمييز بين الأصول والفروع فيها ولا بين ما هو قابل للاستمرار وما هو محدود بظرفه الزماني والمكاني. فها هنا يتم عزل الفقه عن الواقع، فيغدو الفقه شيئا والواقع آخر. كما يجعل حركية تنزيله كما هو تُسفِر عن آفات فردية أو اجتماعية، فكثير من الحروب والخصومات والمشكلات الدائرة الآن هي نتيجة فهم وفقه سيئ للواقع من جهة، ونتيجة استصحاب أقوال وفتاوى جامدة أو قيلت في سياقات تاريخية وبشروط معينة.

‏ولهذا نقول إن التحرر من آفة الجمود والتقليد واكتساب مهارات الاجتهاد والتجديد كفيل بتحريك العقل المسلم من جديد لجعله مواكبا لحركة الزمان والمكان ضابطا لسياقات الواقع والفقه قادرا على تحقيق مناطات التنزيل.

‏فليس للتقليد، مطلق التقليد، أصل في الكتاب ولا في السنة ولا عرف عند الصحابة، وكل ما ورد بخصوصه من ألفاظ إنما هو على غير المعنى والمراد الذي تم تداوله فيما بعد، إذ جرى اللفظ فيها على أصله اللغوي كما تذهب إلى ذلك المعاجم.

‏فعند ابن فارس(26): "القاف واللام والدال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء، والآخر على حظ ونصيب. فالأول التقليد، تقليد البدنة وذلك آن يعُلَّق في  عنقها شيء ليعلم أنها هدي. وأصل القلد الفتل (...) ويقال قلد فلان فلانا قلادة إذا هجاه بما بيقي عليه وسمه. والأصل الآخر القِلد: الحظ من الماء". وعند ابن منظور(27): "القلادة ما جعل في العنق .. ومقلد الرجل موضع نجاد السيف على منكبه، وقلده الأمر ألزمه إياه". ولم يخرج استعمال القرآن ولا استعمال السنة النبوية عن هذه الدلالات اللغوية، أي أنهما لم يحددا مضمونا أو مدلولا شرعيا للتقليد كما شاع وتطور بعد ذلك، أي التقليد في الدين من غير حجة ولا برهان.

‏وقد ضعف العلماء بعض الآثار الدالة على هذا المعنى وأبطلوا دلالتها متنا وسندا (*) . هذا فضلا عن مخالفتها لصريح نصوص الكتاب والسنة في العلم والتعلم والسؤال والفقه والتفقه والاجتهاد والتجديد. وتواتر آثار ونقول كثيرة عن الصحابة والسلف عموما من العلماء والفقهاء في ذمه باعتباره "بدعة عظيمة" و " بدعة شنعاء"، و"بدعة شيطانية" طرأت في الأمة ولم تكن في سلفها الصالح.

‏وآيات القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة في الباب تنهى عن الإتباع السيء والمذموم الذي لا يقوم على حجة أو برهان. وتأمر بالإتباع المحمود الذي هو منهج متبصر بالحجة والدليل، ولمتتبع مواطن ورود لفظ الإتباع في القرآن والسنة أن يلحظ ذلك بيسر. ولهذا اعتبر التقليد بصورته الأولى بدعة ظهرت بعد الأجيال الثلاثة خصوصا، وهناك من أوصلها إلى الأئمة المؤسسين للمذاهب باعتبار أنهم المقلَّدون (بفتح اللام المشددة) بهذه الدرجة أو تلك.

‏أصبح التقليد بعد عصر الأئمة خصوصا، ظاهرة. وهو وان أطل برأسه في عهدهم لدرجة أحوجتهم إلى النهي المشدد عنه والى الأخذ من الكتاب والسنة وتقديمهما على كل قول غيرهما(28). فإنه انتشر بعد ذلك انتشارا غدا فيه هو المهيمن على حركة الفقه والاستنباط من النصوص، بحيث انحسر الاجتهاد وهو ‏أصل أصيل وانتشر التقليد وهو طارئ دخيل بصورته التي ألمحنا إليها.

‏وكل ما تداوله دعاة التقليد بعد ذلك على لسان الأئمة هو في أصله محدود محدودية الآية الآمرة بسؤال أهل العلم في حال عدم العلم والمعرفة بالحكم. "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" النحل 43 . فانقلب الأصل وهو العلم فرعا، والفرع وهو عدم العلم أصلا.

‏يقول ابن القيم موضحا: "إن من ذكرتم من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم ولا سوغوه البتة، بل غاية ما نقل عنهم من التقليد  مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله. ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم (... ) (ف) التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عدل الى الميتة مع قدرته على المذكى(29).  ويقول ابن الجوزي: "إن في التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأنه خلق للتأمل والتدبر، وقبيح بمن أعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلام"(30).

‏تجدر الإشارة هاهنا إلى أن نقد التقليد ليس نقدا للمذهبية وللمذهب كما يذهب البعض،فهذه استطاعت أن تحفظ على بلدان بأكملها أمنها واستقرارها، وأن تدرأ عنها كثير من الفتن. وفي المذاهب نفسها أصول اجتهادية واسعة نجد تطبيقات لها عند كثير العلماء أتباع هذا المذهب أو ذاك. لكنه نقد لحركة تجميد العقل التي انتشرت بقوة ووجد فيها الكثيرون ملاذا للراحة مما فوت على خلف الأمة فرصا من البناء على ‏عكس ما كان عند سلفهم.


هوامش

26- ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة (قلد).

27- ابن منظور، لسان العرب، مادة (قلد).

(*) - من ذلك حديث ( من قلد عالما لقي الله سالما )، قال فيه الألباني: لا أصل له. وقد سئل عنه الشيخ رشيد رضا رحمه الله، فأجاب في مجلة المنار بقوله "ليس بحديث". الألباني: سلسة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة. المكتب الإسلامي. ط 1 ‏/ 1399 ‏. ج 2 ‏/ ص 29 ‏.رقم 551 ‏. ومن ذلك آثار عن الصحابة ضعَّفها ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام . منشورات دار الآفاق الجديدة ط 1 ‏/ 1400 ‏- 1980 ‏. انظر مج 2 ‏. ج 6 ‏/ ص 97 ‏. وكذلك الشاطبي في الاعتصام. دار الفكر. مكتبة الرياض الحديثة، تقديم وتعريف رشيد رضا. ج 2 ‏/ ص 359 ‏. وفي الموافقات. دار المعرفة بيروت ، شرح الشيخ عبد الله دراز ، ج 4 ‏/ ص 169.‏.

‏ 28 ‏- انظر مثلا قول الشوكاني في القول المفيد: "فلا حيا الله هؤلاء المقلدة الذين ألجأوا الأئمة الأربعة إلى التصريح بتقديم أقوال الله ورسوله على أقوالهم لِما شاهدوهم عليه من الغلو المشابه لغلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم"دمشق، دار القلم. ط 4 ‏، 1992 ‏، ص 58 ‏.

29- ‏ابن القيم، إعلام الموقعين، بيروت ، دار الجيل 1988. ج 2 ‏، ص 260 ‏. 

30- ابن الجوزي، تلبيس إبليس . دار الفكر. ص 81 ‏.