Error
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_coolfeed, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1
  • Error loading component: com_content, 1

من مقالة تحت عنوان في الحاجة إلى استئناف التجديد في العلوم الإسلامية، د.سعيد شبار، مجلة الجذوة، العدد الأول، المجلس العلمي الأعلى‏ ‏، أبريل 2013‏


من ذلك أيضا تصنيف العلوم إلى عقلية ونقلية و ظاهرة وباطنة وعادية وتعبدية وشريعة وعقيدة، ‏والتمييز بين علوم دينية شريفة وعلوم دنيوية وضيعة.. ، ولئن كانت هذه التقسيمات محكومة بظرفيات تاريخية نشأت فيها فرق ومدارس معينة، ومحكومة بتبسيطات منهجية تربوية تعليمية، فإن تداولها التاريخي للأسف جعلها تستقر على ما هي عليه من غير إدراك لناظم ينتظمها إلى أصل كلي مهيمن ومصدق. فنشأ تعظيم بعض العلوم دون أخرى والتحيز لها دون غيرها، أدى إلى تضخم زائد في بعض العلوم ونضوب حاد في علوم أخرى. كما أدى التقسيم والفصل التاريخي بين العبادات والمعاملات وبين العقيدة والشريعة إلى توهم انفصال الأعمال عن أطرها العقدية إلى علمنة خفية تكاد تجعل بعض الناس لا يربطون بين عباداتهم في المسجد وبين معاملاتهم خارجه. هذا فضلا عن مظاهر الإرجاء والتعطيل والتواكل التاريخية التي هيمنت فترة من الزمن وتتجلى أحيانا بصور وأشكال مختلفة.

‏وقد ساعد على ذلك أيضا ظهور الثنائيات المتقابلة التي ابتدأت بالرأي والأثر والحكمة والشريعة والعقل والنقل .. وانتهت عندنا إلى التقابل الوافد المزعوم بين العلم والدين، والدين والدنيا، والقديم والحديث، والأصيل والمعاصر..إلخ، مما لا يشهد له نص من الكتاب أو من السنة. بل على العكس من ذلك فالوحي وبيانه (كتابا وسنة) يؤسسان للتكامل لا للتقابل ويجعلان من النظر والتعقل والتدبر والتفكر.. ومن العلم سبيلا إلى الإيمان نفسه.

لكن الواقع التاريخي فرض وما يزال حالة النزاع والتنافي بين طرفي الثنائيات المذكورة بالشكل الذي عرف حالات نزاع فرقت بين طوائف وتيارات الأمة أكثر مما وحدت.

‏يبدأ المشكل هنا عندما تتوهم الطوائف أو النخب المحتمية بهذا الطرف من الثنائية أو ذاك أنها تحميه أو أنه يحميها بل قد يتضخم هذا التوهم إلى حد الشعور بالملكية والحيازة، إذ يتحول إلى حمى عليه حراس وجنود يذبون عنه ويحمونه، ولا فرق في هذا بين الحالة التاريخية القديمة والحالة الحديثة والمعاصرة إلا في بعض التسميات. فعندما يكون هناك دعاة للرأي وآخرون للأثر، ومثلهم للحكمة أو العقل وآخرون للشريعة أو النقل، فتقوم بينهم معارك تتحول إلى النصوص نفسها، ويصبح المدافع عن اختياره وتوجهه متوهما أنه مدافع عن النص فيشتد في الطلب والمنازلة والمغايرة والمخالفة، تتوقف حركة الفكر والمعرفة التي تحتاج في بنائها إلى تكامل واشتغال كل تلك المداخل بإدراك وتفعيل العلاقات الكامنة بينها. إذ لا أحد يمكنه احتكار النص والتحدث باسمه، ولا أحد يمكنه احتكار العقل والتحدث باسمه. فالنص رسالة للعالمين، والعقل نعمة الله إلى الناس أجمعين.

وما يزال هذا الإشكال قائما رغم محاولات التصحيح القديمة والحديثة التي قام بها مثلا ابن رشد في (فصل المقال) وابن تيمية في (درء تعارض العقل النقل) ومحمد عبده في معظم كتاباته وخصوصا رسالة( الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية) والحجوي الفاسي في( التعاضد المتين بين العلم والعقل والدين)، وفي( الفكر السامي) وغيرهم.

‏وليس معنى هذا تجاوز الثنائيات أصلا، فالله تعالى خلق من كل زوجين اثنين، ونظام الثنائية في الكون سنة. لكن المعادلة الصعبة كامنة في إدراك التكامل بينها وتفعيله، والتحرر من آفة مصادرة حق الآخر بالتحيز للذات أو للغير. كما ليس المراد هاهنا كذلك نقد التصنيف بإطلاق، وإنما التأكيد على انفراط الناظم المنهجي الذي يربط دوائر العلوم كلها بالوحي الملهم والمسدد. الذي بإمكانه أن يقوم مظاهر التحيز والقصور والتقابل فيها، ويحدد نسب التكامل والتواصل فيما بينها بل ومع غيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية، كما يجدد فاعليتها ويضمن استمراريتها بما يزودها من طاقة وقوة دفع لا تنضب لأنها تمنح من معين مطلق ولا متناه من الإمكانات.

‏فالأصل في العلوم وفي المفاهيم المؤسسة لها التكامل وليس التقابل، وبناء هذا التكامل فيما بينها كفيل بتصحيح كثير من العلل الفكرية، وتجاوز كثير من الخلافات والنزاعات القديمة والحديثة، ورأب الصدع وتقريب الهوة بين كثير من مكونات الأمة التي تحتاجها الأمة كل من موقعه.

فالعلوم الإنسانية والعلوم المادية والطبيعية لما انسحبت من ميدانها، كلا أو جزءا، ثقافة الإسلام المنبنية على مرجعية الوحي، وقد كانت سيدة العالم فيما ابتكرت وأبدعت في مختلف العلوم والفنون طيلة قرون لفائدة البشرية، هيمنت عليها ثقافة مادية نفعية ضيقة مغلقة النسق لا ترى إلا نفسها من خلال الآخرين، جعلت من تلك العلوم مقدمة استتباع ووسيلة استضعاف واستقواء على غيرها، فانحرفت بذلك وظيفة العلم في هذا النسق الثقافي المتحيز عن المعرفة إلى السلطة. وبدل أن تكون هذه العلوم مدخلا من أهم مداخل بناء المشترك الإنساني وخدمة الكائن البشري وصيانة المركب الأرضي، نجد كثيرا منها للأسف قد دخل حلبة سباق مجنون لتحقيق المزيد من التوسع والهيمنة والأرباح، مما ينذر بكوارث إنسانية قيمية أخلاقية، وكوارث طبيعية بيئية، لاحت كثير من بوادرها وتوجهت إليها حركات إنذارية ونقدية داخل الغرب وخارجه منذ مدة.

‏ونعتقد أن إعطاء الأولوية للعلم كل العلم في ثقافتنا الإسلامية من جديد، ومن خلال الرؤية أو المفهوم القرآني للعلم، من شأنه أن يقوم كثيرا من الاختلالات التي طرأت في تاريخ الأمة وفي تاريخ البشرية على حد سواء .