الجمعة 20 محرّم 1441هـ الموافق لـ 20 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

بعض مشكلات العلوم الإسلامية مادة ومنهاجا والحاجة إلى استئناف النظر التجديدي فيها

من مقالة تحت عنوان في الحاجة إلى استئناف التجديد في العلوم الإسلامية، د.سعيد شبار، مجلة الجذوة، العدد الأول، المجلس العلمي الأعلى‏ ‏، أبريل 2013


من المجالات التي تحتاج إلى عمل تجديدي مطرد مجال العلوم الإسلامية، تلك التي نشأت وتأسست انطلاقا من النص نفسه لغرض البيان والتوضيح أو لغرض الضبط والتقنين، حيث ينبغي أن يتجدد النظر فيها باستمرار تجدده في النص واستجابة لدعوته إلى إدامة التفكر والتدبر والنظر والإبصار والاعتبار.. وحيث ينبغي ان تغتني في كل مرحلة بما تتيحه من إمكانات علية ومنهجية بما يجعلها قادرة على مواكبة التحولات والتحديات. لكن الواقع التاريخي والراهن لهذه العلوم يكشف على أنها استقرت على أوضاع معينة وكأنها الإمكان النهائي والوحيد الذي

‏يتيحه الوحي في هذا العلم أو ذلك. كما انعكس ذلك على ثقافة الأمة وعطائها الباهت في ساحة التدافع والتعارف الكوني وقد كانت رائدة وقائدة في هذا الباب من مدخل العلوم نفسها.

‏ونعتقد أن ثمة مجالات وموضوعات متعددة تحتاج، إلى تناول تجديدي يرأب الصدع المتواجد فيها ويحررها ‏من كثير من الزوائد، ويجعلها تستعيد أداءها الوظيفي كما كانت داخل النسق والسياق الإسلامي العام، نذكر منها على سبيل المثال والإيجاز القضايا التالية:

‏الثقافة خلاصة وجماع العلوم والمعارف

‏هناك وعي سائد يقلل كثيرا من شأن الثقافة ويعتبرها ترفا فكريا أونظريا غير منضبط وأن لا علاقة لها بالعلوم، وأحيانا يتم تضييق نطاقها بربطها بعادات وتقاليد وفنون وآداب تزيد من حدة غربتها. وهذا فهم قاصر للثقافة لا يدرك أبعاد وفلسفة التركيب التي تتم بين مختلف العلوم والنظريات والمعارف والعقائد.. لتصوغ في النهاية هذا المكون الثقافي المعبر عن اختيار الجماعة العام.

‏فثقافة الأمة هي خلاصة وجماع العلوم والمعارف والأفكار والفنون واللغات والآداب والعادات والأعراف المغذية لها، شكلت تاريخيا ولا تزال روافد وشرايين هذه الثقافة. والإنتاج داخل فرق ومدارس ومذاهب مستقلة بأطرها المرجعية والمنهجية من غير قنوات تواصلية وتكاملية مع الغير، شكل أنساقا معرفية مغلقة على ذاتها حالت دون تفعيل إمكانات الأمة الكونية في التدافع والتعارف الثقافي والحضاري مع الأمم والشعوب الأخرى، وساهمت بشكل أو بآخر في  إنتاج ثقافة التقليد والإتباع السلبي وتعطيل دور العقل عن مهام الاجتهاد والتجديد المنوطة به .

‏ولا شك في أن التحرر من الآفات والمشكلات المتجذرة ‏في العلوم سبيل من أهم السبل لإعادة بناء ثقافة إسلامية معاصرة لزمانها ومكانها والتحديات المحيطة بها. ثقافة تتجسد فيها خصائص الرسالة لا مشكلات التاريخ، حيث بإمكانها أن تتحول إلى قوة اقتراحية كبيرة تسهم في علاج كثير من مشكلات الحضارة الإنسانية المعاصرة التي تنكبت طريق الوحي وتمركزت حول ذاتها تدمرها ومن حولها، إنسانا .وطبيعة، في غرور وبقيم إنتاجية واستهلاكية صارمة ‏لا تراحم فيها.

 ‏ولا شك كذلك في أن إعادة ربط هذه العلوم بأصل انبثاقها الأول/ الوحي وتجديد النظر فيها من خلاله، مستأنسين في ذلك كله بعطاء علماء الأمة ومجدديها عبر التاريخ، وبإمكانات ومتاحات العصر العلمية والمعرفية، وبتحدياته ومشكلاته وحاجات البشرية.. لا شك في  أن ذلك كله سيكون عنصر إبداع وتجديد لحركة استئناف البناء في  هذه العلوم بعد توقفها الطويل.

‏فكل آية في الوحي دعوة إلى فعل أو ترك، إيماني ‏أو عملي، أي أن ثمة حركية وفاعلية دائمة يخلقها الوحي في عالم الإنسان شبيهة بحركية الكون المنتظمة. تماما كما تجلى ذلك في  المرحلة التأسيسية ‏النموذجية الأولى، حيث كان التلقي فالعلم فالعمل، ولم تكن الحاجة الى تدوين علوم وتقعيد قواعد ووضع ضوابط.. قائمة أصلا. فكل ذلك كان فكرا وسلوكا ممتزجا، وإيمانا وعملا متصلا. فلما دعت الحاجة ‏إلى ذلك ودونت العلوم، كان الأصل  في هذه العلوم أن تنعكس فيها خاصية الوحي هذه، فتكون مزكية للإنسان وبانية للعمران ومؤهلة للأمة الى مقامات الشهادة والإستخلاف والخيرية. لكن الذي حصل العكس، حيث لم يعد للعلم وللعلوم دور البناء والتحريك ولا الوساطة الشفافة التى تربط الإنسان بالأصل وتحيله عليه. وحيث هيمن الجمود و التقليد والسكونية والتكرار والصورية والتجريد.. وكانت النتيجة وما تزال، منذ قرون خلت، التأخر والانحطاط وغلبة النزعات والأهواء.

‏ثمة إذن مشكلة في الفهم والتصور، أو قل في الرؤية. ومشكلة في الاستمداد والتنزيل، أو قل في المنهج. تستدعيان تضافر الجهود لاستئناف البناء التجديدي الجذري والعميق، الذي ابتدأه العلماء من سلف الأمة وخلفها على هذه الواجهة. واجهة العلوم الإسلامية ومداخل تجديدها واستئناف البناء والعطاء فيها لتجديد وعي الأمة وثقافتها.

‏فعلوم القرآن مثلا، ليس كما اشتهرت تاريخيا وفي المقررات الدراسية، فهذه أقرب الى التأريخ للقران منها الى فقهه واستنباط العلم منه. و ان كان بعضها لا يخلو من ذلك وهو قليل، فثمة دوائر أساسية مهمة منسية ‏ومهملة لا تزال غُفلا. فالقرآن الكريم حديث نص: خطاب بلسان عربي مبين. وحديث عن الأنفس: الإنسان المكلف المستخلف. وحديث عن الآفاق: الكون المسخر مجال الاستخلاف.. ولكل دائرة علومها الخادمة لها، وكل تلك العلوم قرآنية. وبتعبيرنا، شرعية أو إسلامية. اذ يستوي الناظر المتفقه في آيات النص وفي آيات الأنفس و في آيات الآفاق، فكلها دلائل على الحق مرشدة وهادية إليه في  الكتاب المسطور .

‏وأدى ذلك الى استقلال تلك العلوم بشكل تدريجي، فأضحت كيانات تكاد تكون مغلقة مستقلة بكامل طقمها التصوري والمفاهيمي لا تكاد تنفتح على بعضها، فكيف تنفتح على غيرها لتحقيق مراد النص ومقصده في كونه هداية ورحمة للعالمين.

وقد ‏شهد التاريخ حالات صراع حادة بسبب التحيزات والخلافات المضمرة أو الصريحة، وهذا واضح في كثرة الفرق والمذاهب والتيارات والنزاع والخلاف الذي كان بينها إلى درجة الاحتراب، ناهيك عن التفسيق والتبايع والتكفير. وهو أمر يدعو وبإلحاح إلى ضرورة تحكيم الأصول والتوحد عندها، أي جعلها ‏شاهدة حقا وليست شواهد و‏مبررات فحسب، درءا ‏لكثير من أوجه الخلاف والنزاع التي لا أصل لها، ولما آلت وتؤول  إليه من مظاهر الفتن والفرقة  في  الأمة.

‏فمن وظائف التوحيد في ديننا، بالإضافة إلى بعده العقدي الإيماني الذي يربط الإنسان بخالقه  في مقام العبودية، أن يتجلى كذلك على جماعة المسلمين فيوحدها ويجعل منها بنيانا مرصوصا أو جسدا واحدا كلما اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر ‏والحمى كما بين المصطفى  صلى الله عليه وسلم . ليس هذا وحسب، فلأصل التوحيد بعد معرفي وعلمي وثقافي ..كذلك، إذ كل قراءة في مجال من هذه المجالات ينبغي آن تتم باسم الله، الله الذي خلق والله الذي علم. فحيثما يمم الإنسان وجهه، شطر آيات الآفاق أو شطر آيات الأنفس أوشطر آيات النص، فحقق ودقق، لا يمكنه إلا أن يجد تجليات هذا الأصل العظيم، التوحيد، الذي يربطه بالمقامات كلها، يعكس الوحدة في الخلق وفي المخلوقات التي تدل بدوره على ضرورة توحيد الخالق سبحانه.

مصادر المعرفة وبناء العلوم

‏آفة أخرى تنضاف إلى ما تقدم وهي أنه لم ينظر في  بناء هذه العلوم الى مصادر المعرفة في تكاملها ، بحيث تعتمد بشكل متواز نصا وعقلا وواقعا، فغالبا ما نجد هيمنة جانب  على آخر. الأمر الذي يبرر تضخم نزعات نصية مغلقة على حساب العقل ودوره في التدبر والتفكر والتفقه والتبصر ، وعلى حساب الواقع ودوره في تكييف الآحكام. أو تضخم نزعات عقلية أو واقعية على حساب إرشاد النص وهدايته وتصويبه وتسديده، إذ هو المطلق وما عداه نسبي ومتغير. والعلوم التي تتعاضد فيها هذه المصادر وتتكامل لاشك أنها ستكون أكثر وظيفية وإجرائية ونفعا وخدمة وتحقيقا لمصالح الإنسان في عاجله وآجله.

‏ولمتساتل أن يتساءل: كيف نجعل من العقل والواقع مصدرين من مصادر المعرفة إلى جانب النص( فنقول: جعلهما كذلك إنما هو بدعوة النص نفسه. وللمتسائل أن يحصي عدد الآيات التي تدعو إلى إعمال العقل باعتباره منتجا للعلم والمعرفة ومناطا للتكليف بالأحكام نفسها، وذلك بالصيغ المباشرة في التعقل أو الدائرة في فلكها كما تقدم. وأن يمعن النظر في  سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه كيف كان يحثهم ويحضهم على الاجتهاد وإبداء الرأي بل ويمتحنهم ويختبرهم في ذلك مصوبا ومقوما . وكذلك الأمر بالنسبة للواقع ودوره في تكييف الأحكام واستنباط أخرى جديدة للنوازل الجديدة التي يحدثها تطور العمران وحركة الإنسان وعلوم ومعارف كل عصر. ولذلك أيضا شواهد كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية في قص أحوال الأنبياء ودعوتهم أقوامهم في مختلف الأزمنة والأمكنة. وقد جعل الإمام مالك من عمل أهل المدينة أصلا من أصول مذهبه الكبرى يصحح به ويضعف، وقد عدَّل الإمام الشافعي من فقهه كثيرا بين العراق ومصر حتى نعت بالجديد، ونص الإمام أحمد على أن من فقه الفقيه معرفة أحوال الناس، واشتهر عن الأحناف طرحهم الأسئلة الافتراضية المتوقع حدوثها ولها علاقة بأحوال وأحداث جديدة احتياطا حتى عاب ذلك عليهم خصومهم.

‏لم يتبلور ويتطور للأسف إعمال العقل ولا فقه الواقع في ثقافة الأمة بما يكفي رغم مستنداتهما الشرعية والتاريخية القوية، وذلك بسبب ما طرأ على الأول من آفة الجمود والتقليد، وعلى الثاني من آفة الصورية والتجريد على ما سنبين لاحقا. بل للأسف لم تستثمر كتابات قيمة لعلماء الأمة في هذا الاتجاه، كانت تنبه بين الفينة والأخرى على هذا الضمور والقصور كما نجد عند العز بن عيد السلام وابن العربي والقرافي وابن رشد والشاطبي وابن تيمية وابن القيم.. ومن المحدثين عند الأفغاني ومحمد عبده مشرقا وعند ابن عاشور والحجوي الفاسي وعلال الفاسي مغربا . . وعند غيرهم وان كانوا قلة.

ولاشك أن نزعة الجمود على الآثار من غير فقه للواقع مواكب يحدث عند التنزيل كوارث عظيمة تناقض الشرع وهي تزعم التمسك الصحيح به. وهذا ما تعكسه صور من الفقه المتشدد والتكفيري داخل الأمة وخارجها.

‏إن تكامل مصادر المعرفة يقوم الفقه والاجتهادات ويقلل من الخلاف والنزاع من خلال التسديد والترشد والهداية التي يمنحها الوحي، والتجديد والمعاصرة التي يمنحها العقل، والتكييف والتمحيص الذي يمنحه الواقع.

‏وهذا التكامل في أخذ العلوم والمعرفة، مطلق المعرفة، كفيل بنفي، أو على الأقل إضعاف، النزعات والتحيزات الذاتية وجعلها تتحقق بشرط التكاملية فيها.

‏ولا يخفى ما تعانيه كثير من العلوم الغربية لما استغنت كليا عن هداية الوحي، من انعدام الوجهة والقصد والدخول في سباق عشوائي مدمر للطبيعة والإنسان من أجل الاغتناء والربح. وذلك لما هيمنت الفلسفات المادية والعلمانية الشاملة المناهضة للقيم والأخلاق وكل مظاهر التدين التي كانت تفرضها الكنيسة، فتطرفت في الجهة المقابلة الممجدة لقيم اللذة والمتعة والاستهلاك، مما أوقع كثيرا منها في عدمية وعبثية قاتلة.

‏فلنفي العدمية والعبثية والتحيزات وانعدام القصد والغائية في العلوم، لابد من مصدر متعال مرشد ومسدد لحركتها، وذلك لا يتأتى إلا من الوحي الذي له صلاحية الهيمنة والتصديق. وقد قدم لنا القرآن الكريم نماذج حية عن منهاجه في تقويم الأفكار والمعتقدات لدى مختلف الملل والنحل التي كانت معاصرة له أو سابقة عليه، وفي تقويم الأخلاق والسلوك والأقوال والأفعال كذلك. وهو ما ينبغي أن يتم تجريده منه ليصدق ويهيمن على التراث الذي أنجز بعده، سواء ذلك الذي حمل وما يزال يحمل اسمه ويقدم صورا وأفكارا وسلوكا وأعمالا لا تعكس حقيقته، أو ذلك الذي تقدمه ثقافات وحضارات وديانات أخرى وتريد تعميمه اضطرارا لا اختيارا . وهذه وظيفة الفكر الإسلامي المعاصر التصحيحية لذاته ولغيره.

 

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube