معالم المنهج النقدي في باب معنى الرواية عند الإمام مالك

الجمعة 06 سبتمبر 2013

معالم المنهج النقدي عند الإمام مالك(الجزء الثاني)، مجلة الجذوة، العدد الأول، د .ادريس بن الضاوية، رئيس المجلس العلمي المحلي للعرائش، المجلس العلمي الأعلى


‏لم يكن مالك يتشبع بالإسناد الذي يتكاثر بمخارجه المسندون، ويتباهى بطرقه الراوون، بل كان يعنيه مع الإسناد ولو بلغ من طريق المؤهلين معنى الألفاظ المحمولة به، لأنها المرادة أصالة بأداء طريقها، وإسماع مخارجها، ولأجل ألا يروج منها ما يباين مقاصد الشريعة السمحة، ويعاكس غايات هذه الملة السهلة، شرط شروطا لقبول المعنى المحمول في الألفاظ التي انتهى إليها الإسناد، منها: 

أ-  أن توافق الرواية في دلالة ظاهر ألفاظها أحكام الآيات، وألا تخالف النصوص المحكات التي لا يثبت ما يخالفها من الآحاد، ولا يصح ما يباينها من صحيح الأفراد، ولو وردت من طرق الأثبات الذين لا يختلف في اعتبارهم، ولا يجادل في الاحتجاج بمخارجهم. 

كرده لأحاديث المسح على الخفين المتظاهرة عند أهل الحديث في إحدى الروايات عنه، قال ابن القاسم: سئل مالك عن المسح على الخفين في الحضر، فقال: ما أقول ذلك، ثم قال له: إني لأقولن مقالة ما قلتها قط في جماعة من الناس: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان خلافتهم، فذلك خمس وثلاثون سنة، فلم يرهم أحد يمسحون، قال: وانما هي هذه الأحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع(94) . 
‏وكرده بالقرآن حديث عبد الله بن عباس أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبي أدركته فريضة الله في الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، قال: فحجي عنه(95).
 
قال أبوالعباس القرطبي: (هذا ) ظاهرفي أن من لم يستطع  الحج بنفسه أنه يخاطب به، وبهذا الظاهر أخذ الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو حنيفة..وخالفهم مالك وأصحابه ورأوا أن هذا الطاهر مخالف لقول الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين( آل عمران 97) فإنما الأصل في الاستطاعة إنما هي القوة في البدن. ومنه قوله تعالى فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا( الكهف 97 ‏) أي ما قدروا، ولا قووا وبالجملة فإذا قال القائل: فلان مستطيع فالظاهر منه السابق إلى الفهم : نفي القدرة أو إثباتها، فلما عارض ظاهر الحديث ظاهر القرآن، رجح مالك رحمه الله ظاهر القرآن"(96).
 

ب . الإشهاد على الرواية بأصل الرأي والعيار عليه من السنن والقرآن ثم المتوارث من عمل فقهاء الصحابة والتابعين، تحرفى ا من الروايات المنكرة، أو النهوم المستكرهة، التي لم يغن عنها إسنادها وان وودت من طرق الثقات.

 إذ كان مالك رحمه الله لا يخرج عن المتفق عليه مما توارثه فقهاء أهل المدينة . الذين قاموا برعاية ميراث النبي صلى الله عليه وسلم .وان خالف خبرالآحاد الذي لايشهد له عمل متوارث مبني على تأويلات الصحابة العملية، وعده أصلا في الحكم بالشذوذ على الروايات المخالفة التي لا يستفيده النقاد المنتسبون إلى المذاهب الأخرى إلا مما لا يجوز خلافه من أداء من هم أكثر دلالات بالصدق، أو أكثر عددا كما تنص على ذلك كتب الاصطلاح المعتمدة في مدارس العلم الملتزمة بسنة الاقتداء بمن سلف. 
 
‏وقد رد مالك رحمه الله ظاهر سبعين حديثا مما صح له حمله عن الثقات عنده، وتولى روايته في بعض أيام دهره، للإعلام بمعرفته بها ، وبحق روايته لها ، وأذن في حملها بالعرض عليه على الطريقة المختارة عنده في تحميل العلم .لأنها في حكم الغريب الشاذ الذي لا يقوى أمام قوة مخالفه من القرآن والسنة المشهورة أوالقواعد المستفادة منهما أوالعمل المدني الموروث. 
 
‏وكان يرجع عامة المختلف فيه مما ذكره في أبواب موطإه إلى ما عليه عمل أهل المدينة، ويعبرعن هذا الأصل الذي جعله قاضيا على مختلف روايات الآحاد المخالفة بقوله "والأمر عندنا" في جملة مساثل بلغ مجموعها المفرق في مختلف الأبواب المختارة للتدين الصحيح اثنين وعشرين ومائتين حسب طبعة الموطأ السائرة لرواية يحيى ‏بن يحيى الليثي. 
 
‏قال ابن وهب: قال مالك: سمعت من ابن شهاب ‏أحاديث كثيرة، ما حدثت بها قط، ولا أحدث بها. فقال الفروي: فقلت له: لم. قال: ليس عليها العمل(97).
 
‏وكتب رسالة إلى محمد بن مطرف مطولة جاء فيها: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد فاني أوصيك بتقوى الله، .. ثم خذه - يعني العلم- من أهله الذين ورثوه ممن كان قبلهم معنيا بذلك، ولا تأخذ كل ما تسمع قائلا بقوله، فانه ليس ينبغي أن يؤخذ من كل محدث و لا من كل من قال، و قد كان البعض من ترضى من أهل العلم يقول: إن هذا الأمردينكم فانظروا من تأخذون عنه دينكم(98)
 
‏وقال ابن القاسم وابن وهب: رأيت العمل عند مالك ‏أقوى من الحديث، قال مالك: وقد كان رجال من أهل العلم من التابعين يحدثون بالأحاديث وتبلغهم عن غيرهم فيقولون ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على غيره. قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم وكان قاضيا، وكان أخوه عبد الله كثير الحديث رجل صدق، فسمعت عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفا للقضاء يعاتبه،ويقول له: ألم يأت في هذا حديث كذا? فيقول بلى.فيقول أخوه: فما لك لاتقضي به ? ‏فيقول فأين الناس عنه، يعني ما أجمع عليه من العلماء ‏بالمدينة، يريد أن العمل بها اقوى من الحديث(99) قال ‏ابن المعذل: سمعت إنسانا سأل ابن الماجشون لِمَ رويتم الحديث ثم تركتموه? قال: ليعلم أنا على علم تركناه(100).
 
‏ولذلك قال البهلول ابن راشد وغيره: ما رأيت أنزع بآية من مالك بن أنس، مع معرفته بالصحيح والسقيم، والمعمول به من الحديث والمتروك، وميزة الرجال، وصحة حفظه وكثرة نقده (101) التي لم يضرها الاحتجاج بالإسناد ‏الذي لم تسم وسائطه لقوة شاهده من العمل الذي يمثل عنده السنة المفيدة للعلم اليقيني بتصرف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيان العملي الذي جعله الله تعالى أحد مميزات رسالته. ولذلك قال صالح بن أحمد بن حنبل سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: مرسلات ابن عيينة شبه الريح، ثم قال: إي والله وسفيان بن سعيد.قلت:مرسلات مالك بن أنس ? ‏قال: هي أحب إلي، ثم قال: ليس في القومأاصح حديثا من مالك(102).
‏وهذا مذهب عمر بن الخطاب الذي ورثه عنه أهل ‏المدينة وأفتى به جمهور فقهائها . فقد روي عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: أحرج بالله على رجل روى حديثا العمل على خلافه (103) ومذهب المقتدى بهم ‏من من الصحابة مثل أبي الدرداء. 
 
‏قال ابن أبي حازم: كان أبو الدرداء يسأل فيجيب ‏فيقال: أنه بلغنا كذا وكذا بخلاف ما قال. فيقول: وأنا قد سمعته ولكني أدركت العمل على غيرذلك.
 
‏قال ابن أبي الزناد كان عمر بن عبد العزيز يجمع ‏الفقهاء ويسألهم عن السنن والأقضية التي يعمل بها فيثبتها وما كان منه لا يعمل به الناس ألغاه، وإن كان مخرجه من ثقة، وقال مالك: انصرف رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من غزوة كذا في نحو كذا ، وكذا ألفا من الصحابة، مات بالمدينة منهم نحوعشرة آلاف وباقيهم تفرق بالبلدان فأيهما أحرى أن يتبع ويؤخذ بقولهم ? من مات عندهم النبي  صلى الله عليه وسلم  وأصحابه الذين ذكرت?أو مات عندهم واحد أو اثنان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ? قال عبيد الله بن عبد الكريم: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عشرين ألف عين تطرف(104)
 
‏وكان مالك رحمه الله يحدث بقول عمربن عبد العزيز:‏العزيز: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها تصديق بكتاب الله، واستعمال بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النظر في رأي من خالفها، من اقتدى بها فهومهتد، ومن انتصربها منصور ومن خالفها واتبع غيرسبيل المؤمنين، ولاه الله ‏ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا(105).
 
‏وكان يقول في هذا الفقه العمري المقدر لعمل أهل ‏المدينة، والصادر عنه: أعجبني عزم عمر بن عبد ‏العزيز في ذلك (106).
 
"والعمل اثبت من الاحاديث، قال من ‏أقتدي به: إنه يصعب أن يقال في مثل ذلك: حدثني فلان عن فلان، وكان رجال من التابعين تبلغهم عن غيرهم الأحاديث فيقولون: ما نجهل هذا ولكن مضى العمل على خلافه. وكان محمد بن أبي بكر بن حزم ربما قال له أخوه: لم لم تقض بحديث كذا ? ‏فيقول: لم أجد الناس عليه"(107).
 
‏وكان عبد الرحمن بن مهدي على هذا الاختبار، ‏وكان يقول: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خيرمن الحديث. قال ابن أبي زيد القيرواني: يريد أن غيرهم قد يحمل على ظاهره، وله تأويل من حديث غيره، أو دليل يخفي عليه، أومتروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم ‏به إلا من استبحر وتفقه(108). 
 
‏وهذه ميزة مذهبه الكبرى التي خالفت منهج الشافعي في الاستدلال بآحاد الآثار وتقديمها في بعض الأحيان على العمل المتوارث. وقد عبر عن ذلك في قوله للامام أحمد : أنتم أعلم بالحديث والرجال، فإذ ا كان الحديث الصحيح فأعلموني، إن شاء كوفيا، أو شاميا، حتى أذهب إليه إن كان صحيحا(109) 
 
‏وباينت مذهب أحمد بن حنبل الذين كان إذ ا سئل عن مسألة، يجيب بما يحضره من المتون المسندة مفصوله عن اعتبار العمل المدني الذي أدار عليه الإمام مالك مذهبه لقوته في الثبوت، وحجيته في الاستدلال. قال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل. قالوا له: وأيش -أي شيء- بان لك من علمه وفضله على سائرما رأيت? قال: رجل سئل عن ستين مسألة، فأجاب فيها بأن قال: أخبرنا، وحدثنا(110).
 
‏ج . وألزم أداء الرواية على هيئة صدورها أسماء رواتها ومجموع ألفاظها الحاملة لمعانيها، حتى لا يتذرع بالتصرف في اللفظ ما باستعاضته بمقاربه في المعنى إلى القول في الدين بما لم يعرفه المتفقهون المعتمدون من أهل السنة، والمقتفون لآثار وُرَّاث العلم المدني عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة المدنيين. 
‏فعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أنبأنا أبي، عن مالك، أنه قال: ما كان من الحديث عن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن يؤتى به على المعنى، وما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  فيؤتى اللفظ كما قال(111) .
 
 ولذلك كان مالك بن أنس ‏يتقي في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الأداء الباء والتاء ونحوهما كما قال معن بن عيسى أحد اشهر ملازميه(112)
 
ولا يحمل عمن يُثبِّج الحديث فيخلط  في روايته، ولا يأتي ولا يأتي بالحديث سليما على وجهه (113) . 
وسئل عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد . فقال: أما ما كان من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي أن يقوله إلا كما جاء، وأما لفظ  غيره فإذا كان المعنى واحداً فلا بأس به. قيل فحديث النبي صلى الله عليه وسلم مزاد فيه الواو والألف والمعنى واحد . قال أرجو أن يكون خفيفا(114).
 
وقد جعل رحمه الله بين عينيه أكرومة النبي صلى الله عليه وسلم التي خص بها من يؤدي عنه الرواية على هيئة صدورها دون تغيير في ألفاظها الحاملة لمعانيها المرادة في التشريع: نضَّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه(115). 
 
‏ولأجل صيانة الألفاظ النبوية من تزيد من لم يكن الحديث شغله، كان يأمر بحبس من يقول في المدينة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأداء هيئة  الصدور، فلا يخرج منه حتى يصحح المخرج، ويؤدي ما وافق مخارج المتثبتين، ويسمع ما طابق أصول المتحرين. وكان جماعة من أقرانه مثل عثمان بن عيسى بن كنانة، وعبد العزيز بن أبي حازم سلمة بن دينار، عبد العزيز بن محمد الد اروردي، يتركون الرواية عن شيوخهم هيبة له حتى مات(116).
 
‏دعا الإمام مالك إلى الإقلال من الرواية، والاكتفاء بالقدر الذي رآه أصلح للمسلمين
‏قال القاضي عياض:وكفى بالحجة على  دفع هذا الرأي الفاشل دعاؤه عليه السلام في الحديث المشهور المتقدم لمن أدى ما سمعه كما سمعه، بعد أن شرط عليه حفظه ووعيه، ففي  الحديث حجة وكفاية، وغنية في الفصول التي خضنا فيها آنفا من صحة الرواية لغير الفقيه، واشتراط الحفظ والوعي في السماع والأداء كما سمع وصحة النقل وتسليم التأويل لأهل الفقه والمعرفة، وإبانة العلة في منع نقل الخبر على المعنى لأهل العلم وغيرهم، بتنبيهه على اختلاف الناس في الدراية وتفاوتهم في المعرفة وحسن التأويل(117).
 
‏وهذا مذهب عبد الله بن عمر الذي كان مالك يشبع آثاره ويقتفي أخباره;فقد كان رضي الله عنه يشدد لفظ الحديث، وينهى عن تغيير الشيء منه، وكذلك محمد بن 
‏سيرين ، والقاسم بن محمد ، ورجاء بن حيوة(118).
 
‏د . ودعا إلى الإقلال من الرواية، والاكتفاء بالقدر الذي رآه أصلح للمسلمين، وأمثل في الدين والاقتصار من المتون على ما يصلح حجة للباب الفقهي الضروري للمكلف، دون تكلف التشبع بسوق المختلف من الألفاظ، والمتعدد من الطرق البالغة، وإن عرف بعضها من طريق الأثبات.
 
كان لا يحدث العامة في مجالس التحديث والفقه بما يمكن أن يفتنهم، أو يشوش عليهم تعبدهم
و كان يستكثرالتبسط في الرواية ويستقبح التوسع في تطلب الأسانيد دون صد التمييز، ويراه موجبا لأداء النكر، ومؤديا لإسماع الشاذ ، ومؤذنا بإغفال النظرفي المعاني وفقه دلالة الألفاظ الذي كان عنوان العلم الذي وردت في فضله النصوص. وكان يقول: إنه لم يكن يَسلَمُ  ‏رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما ابدا(119)
‏وقال مطرف بن عبد الله :قال رجل لمالك: قد سمعت ‏مائة ألف حديث. فقال مالك: مائة ألف حديث، أنت حاطب ليل تجمع القشعة فقال: ما القشعة قال الحطب يجمعه  الإنسان بالليل، فربما أخذ الأفعى تنهشه(120).
 
 
‏وأخرج أبونعيم : عن ابن وهب قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إن عندي لأحاديث ما حدثت بها قط، ولا سمعت مني، ولا أحدث بها حتى أموت(121)
 
‏وأخرج عن الشافعي، قيل لمالك: عند ابن عيينة ‏أحاديث عن الزهري ليست عندك، قال: وأنا أحدث عن الزهري بكل ما سمعت، إذن أريد أن (أضلهم)(122).
 
وكان يقول: العلم . يريد الفهم . حيث شاء الله جعله، ‏ليس  هوبكثرة الرواية(123)إنما العلم نوريجعله الله تعالى ‏في القلب(124).
 
‏وقال مالك لابن وهب اتق هذه الآثار، وهذا السماع ‏الذي لا يستقيم أن يحدث به. فقال له إنما أسمعه لأعرفه لأحدث به. فقال ما سمع إنسان شيئا إلا تحدث به، وعلى ذكر القدر وسمعت من ابن شهاب أشياء ما تحدثت بها ، وأرجو ألا أفعل ما عشت(125).
 
و قال ابن حاتم: قلت ابن معين: مالك قل حديثه. فقال: بكثرة تمييزه(126)
 
‏وقال أبو داود : لما مات شعبة، قال سفيان: مات الحديث!  قيل له : هو أحسن حديثا من سفيان ?‏ قال : ليس في الدنيا أحسن حديثأ من شعبة ومالك على القلة، والزهري أحسن حديثاً، وشعبة يخطئ فيما لا يضره ، ولا ‏يعاب عليه، يعني في الأسماء(127)
 
‏وقال مطرف: جاء رجل من أهل الكوفة إلى مالك: ‏فأقام نحو الستين أو السبعين يومأ ، فسمع عندها أحاديث، فشكى ذلك إلى مالك وقال: نحن بالعراق نكتب من الحديث في  ساعة أكثر من هذا. فقال له: يا ابن أخي، بالعراق عندكم دارالضرب، يضرب بالليل ويخرج بالنهار. ثم قال مالك: كانت العراق تجيش علينا بالدنانير والدراهم، فصارت الآن تجيش علينا بالحديث(128).
 
‏وقد انتهج في ذلك نهج أميرالمومنين عمرين الخطاب رضي الله عنه الذي رسمه للمسلمين في باب الرواية ‏بالمدينة المنورة، صونا للسنة أن تؤدى على غير وجهها، وحفظا لها من أن يشوبها ما ليس منها . وتقوية الخبر‏الشائع الذي توارثه الأبناء عن الآباء ، وصونا لما أجمع المسلمون على حسنه. فعن سعد بن إبراهيم عن أبيه ‏قال: بعث عمربن الخطاب إلى عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء وأبى مسعود الأنصاري فقال: ما هذا الحديث الذى تكثرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فحبسهم بالمدينة حتى استشهد.
 
وعنه أيضا عن أبيه قال: قال عمرلابن مسعود وأبى ذر وأبى الدرداء ولعقبة بن عامر: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبسهم بالمدينة حت أصيب ذكر بعض السبب الذي من أجله منع عمر بن الخطاب الصحابة من إكثار الحديث. وعن عامرالشعبي عن قرظة بن كعب قال: خرجنا نريد العراق فمشى معنا عمر بن  الخطاب إلى صرار، فتوضأ ثم قال: أتدرون لمشيت معكم ?قالوا : نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عايه وسلم مشيت معنا .قال: ‏إنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث. جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا شريككم. فلما قدم قرظة ‏قالوا: حدثنا قال: نهانا عمربن الخطاب(129).
 
 وسلك مسلك شيخه ربيعة أحد الرجال الكبار الذين يدورعليهم حديث الموطأ وفقهه والذي كان يقول: إن الخير ينقص والشر يزيد ، فلوكانت هذه الأحاديث من الخير لنقصت كما ينقص الخير. ويقول: . .إني رأيت ا‏لرأي أيسر علي تبِعة من الحديث(130).
 
ه-وأنه كان لا يحدث العامة في مجالس التحديث والفقه بما يمكن أن يفتنهم(131)، أو يشوش عليهم تعبدهم، أو يحملهم على ضرب كتاب الله بعضه ببعض، أو يصدهم عن حسن الاعتقاد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يصدفهم عن اعتبار المتوارث من العنل المسند إلى تصرف النبي صلى الله عليه وسلم وإلىى تطبيقات أصحابه الكرام.
 
‏قال الوليد بن مسلم: سألت مالكا عن هذه -ظواهرالأحاديث- الواردة في الذات والصفات-فقال اقرأها كما جاءت- فقيل له: إن ابن عجلان يحدث بها . فقال: لم يكن من الفقهاء. وفي رواية: إنه كان لا يعرف هذه الأشياء. وكره مالك أن يحدث بها عوام الناس الذين لا يعرفون وجهه ولا تبلغه عقولهم فينكروه أويضعوه في غير ‏موضعه(132).
 
 ‏وقال محمد بن عبد الله أبو جعفر المنصور: أخبرني بعض نقاد المعتزلة من القرويين قال: أتيت مالك بن أنس، فسألته عن مسألة من القدر بحضرة الناس، فأومأ إلي أن أسكت، فلما خلا المجلس قال لي: سل الآن، وكره أن بجبني بحضرة الناس. قال: فزعم المعتزلي أنه لم تبق مسألة من مسائلهم إلا سأله عنها وأجابه فيها، وأقام الحجة على  إبطال مذهبهم حتى نفذ ما عند المعتزلي وأقام عنه(133)
.
ولأجل ذلك قال عبد الرحمن بن مهدي: الأئمة ممن أدركنا أربعة: الأوزاعي، وحماد بن زيد ، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وليس بإمام من حدث بكل ما سمع، وحدث عن كل ما لقي، وحدث بكل ما يسأل عنه، وحدث كل من يسأله(134).
 
وكان مالك رحمه الله خبيرا بالشاذ عالما بالأفراد، محيطا بغرائب الإسناد، ناهيا عن روايتها، معاتبا على أدائها، لتهنأ الجماعة التي رأيها جميع من شر التشويش الذي يمهد للتفرقة، ويؤسس للاختلاف. حتى كان سفيان الثوري إذ ا سثل عن شاذ الحديث، قال: دعوه، فإن ‏الحجازي نهاني عنه، يعني مالكاً(135).
 
‏و .ومنع غير الفقيه العالم بأصول الاستدلال، وطرق الاستنباط، من الخوض في الحديث بتحديد الحكم المحمول فيه استنادا إلى ظاهره استقلالا، دون التحقق من المسمع، وطريقة السماع، ووجه الأداء، ومعنى اللفظ المؤدى، ودون النظر إلى ما يمكن أن يعتريه من الشذوذ ، والنكر، والتخصيص، والتقييد ، والاستثناء والنسخ وغيرها; ولأجل هذا أقل من الرواية، واعتنى التفقه اعتمادا على أصوله المعروفة، وكتم أحاديث كثيرة سمعها من الرواة الثقات، والنقاد الأثبات، ردا للعلم المحدث، وسدا لذريعة إثبات ظواهرها بما يعود على أصل العمل المتوارث بالإبطال. 
 

 ‏لا تمكن زائغ القلب من أن أذنك، فإنك لا تدري ما يقلقك من ذلك

‏وكان يقول: وهذا الشأن يعني الحديث والفتيا، يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة واتقان وعلم وفهم، فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدا. فأما رجل بلا 
 
‏إتقان ولامعرفة فلا ينتفع به ولاهوحجة ولايؤخذ عنهم. (و) ربما جلس إلينا الشيخ جل نهاره ما نأخذ عنه،ما بنا ان نتهمه ولكن لم يكن من أهل الحديث(136)
 
‏قال عبد الله بن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك والليث لضللت. فقيل له: كيف ذلك. قال: أكثرت من الحديث فحيرني. فكنت أعرض ذلك على مالك والليث، فيقولان لي: خذ هذا، ودع هذا. ولهذا كان يقول: الحديث مَضلة إلا للعلماء. ولولا مالك والليث لضللنا(137).
 
‏قال يحيى بن سعيد القطان: لما مات مالك رحمه الله، واخرجت كتبه أصيب فيها قُنداق(138) عن ابن ‏عمر، ليس في الموطأ  شيء إلا حديثين. وقال ابن وهب مرة: قال لي مالك: إن عندي لحديثا كثيرا ما حدثت به قط، ولا أتحدث به حتى أموت، قال: ثم قال ‏لي: لا يكون العالم عالما حتى يخزن من علمه(139)
 
قال عتيق بن يعقوب: قال لي مالك: أخذت من ابن شهاب تسعة فناديق في بطونها وظهورها . . ما حدثت بها منذ أخذتها بالمدينة. وقال رجل لمالك: إن الثوري حدثنا عنك في كذا . فقال إني لأحدثك في  كذا وكذا حديثا ما اظهرتها بالمدينة(140).
 
‏وقد روى في بعض المناسبات أحاديث لم يرد منها ‏ظاهرها حملها الناس عنه باحتمالاتها التي علم أهل الفقه وحدهم المراد منها ، وكان رحمه الله  كلما ذكر روايته لها، ندم عليها، وتمنى لو أنها لم تخرج منه، وكان يقول: لقد خرجت مني أحاديث، لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطا ولم أحدث بها . وإن كنت أفزع الناس من السياط. وفي رواية أخرى قال وددت أني ضربت بكل مسألة تكلمت بها سوطا. وقيل له إن فلانا يحدثنا ‏بغرائب. فقال: من الغريب نفر(141).
 
‏وكقوله: جالست ابن هرمز ثلاث عشرة سنة، ويروى ‏ست عشرة سنة في علم لم أبثه لأحد من الناس(142).
 
‏وقد وُجدت في مجاله الجامعة لمحمولاته أيام طلبه، ‏أحاديث كثيرة مسندة إلى منتهاها ، فيها نصوص ما حدث بها، ولا أثبتها في كتبه التي اسمعها، خشية الفتنة فيها بالمخالفة لعمل أهل المدينة، أو الرد لما هو أقوى منها، أو الاستناد إلى ظاهر اللفظ الذي يقوي في بعض الأحيان حجج أرباب الفرق الذي يسترحون في الاستدلال بمعقول الأصل، دون أن يلحظوا في الشارع منها أو ينتبهوا لشذوذها ، أو ينظروا إلى ما ورد في الباب من الأخبار التي يندرج فيها معنى الحديث. 
 
‏قال ابن مالك: لما دفنا مالكا ، دخلنا منزله فأخرجنا ‏كتبه فإذا فيها سبع صناديق من حديث ابن شهاب، ظهورها وبطونها ملأى، وعنده فناديق أو صناديق من كتب أهل المدينة. فجعل الناس يقرأون ويدعون ويقولون: رحمك الله يا أبا عبد الله، لقد جالسناك الدهرالطويل، فما رأيناك ذاكرث بشئ مما قرأناه وفي رواية عن ابنه: وإنا ما وجدنا له إلا كتابا واحداً فيه لابن شهاب أحاديث قد خط على بعضها(143)
 
‏وعن ابن إسحاق بن بابَين: وجدنا في تركة مالك ‏صندوقين مُقفلين فيهما كتب، فجعل أبي يقرأها ويبك ويقول: رحمك الله، إنك كنت تريد بعملك الله. لقد جالسته الدهر الطويل وما سمعته يحدث بشئ مما قرأت(144).
 
‏وذكر عتيق بن يعقوب أنه دخل منزل مالك بعد موته ‏مع أبيه، ففتح صناديق مملوءة كتبا فقرأها. ثم فتح صندوقاً آخرفأخرج منه اثني عشر ألف حديث للزهري وفتح آخر فأ خرج منه سبع صناديق ظهورها وبطونها من حديث أهل المدينة، فما رأيت فيها شيئا مما ذاكر به ‏أصحابه في حياته(145).
 
‏وهذا المذهب في  التثبت عند الأداء هوعنوان العلم ‏عند أئمة النقد الذين تواصوا على إعمال العقل عند الأداء حتى لا يؤدى الشاذ أو يروى ما يمكنه أن يحدث ‏فتنة في الناس. 
 
‏قال عبد الرحمن بن مهدي: وليس بإمام من حدث ‏بكل ما سمع، وحدث عن كل ما لقي، ويجيب بكل ما يسأل ‏عنه، وحدث كل من سأله. .(146)

‏ح . ورغب عن رواية ظواهر بعض الأحاديث التي ‏احتمل أن يحتج بها الخوارج، والشيعة الغلاة، والقدرية، لأن لا ترتبط الرواية بالذي يقذفه المبدعة في نفوس من لم يتمكن من علوم الشريعة، ويبلغ فهم المتقدمين لنصوص الحديث المحتملة، فتعلق بالقلب، وتحدث في النفس المروق عن سبيل المومنين.

‏قال عبد الله بن وهب: سئل مالك عن أهل القدر، ‏أنكف عن كلامهم ? فقال: ..لا يصلي عليهم، ولا تشهد جنائزهم ولا أرى أن يناكحوا ، زاد في رواية غيره: قال الله: ولعبد مؤمن خيرمن مشرك. قال في رواية أشهب: ‏ولا يصلوا خلفهم، ولا يحمل عنهم الحديث، وان وافيتوهم في ثغر فاخرجوهم منه(147) 
 
وقال الواقدي عنه: لا تجوز‏شهادة القدري الذي يدعو أو الخارجي والرافضي (148)
 
‏وكان إذ ا قيل له هذا الحديث ليس عند غيرك تركه، وإن قيل له هوما يحتج به أهل البدع تركه(149).
وقال: عندي أحاديث لو ضرب رأسي بالسوط ما أخرجتها أبداً.
 
‏وكان يقول: لا تمكن زائغ القلب من أذنك ، فإنك لا تدري ما يقلقك من ذلك، ولقد سمع رجل من الأنصار من أهل المدينة شيئا من بعض أهل القدر فعلق قلبه، فكان يأتي إخوانه الذين يستصحبهم، فإذا نهره  قال: فكيف بما علق قلبي، لو علمت أن الله رضي أن ألقي نفسي من فوق هذه المنارة فعلت (150)
 
‏ولعظم قدر هذا المنهج المتفرد في  النقد سماعا، واسماعا، وطريقة في الأداء، وأسلوبا في الاحتجاج المراعي للعمل المتوارث، كان أبو حاتم الرازي يقول: مالك إمام أهل الحجاز، وهوأثبت أصحاب الزهري . واذ ا خالفوا مالكاً من أهل الحجاز حكم لمالك، ومالك نقي الرجال نقي الحديث، وهو أتقن حديثا من الثوري والأوزاعي، وأقوى في الزهري من ابن عيينة، وأقل خطأ ‏منه، وأقوى من معمر و ابن ابي ذئب(151).

  • 94 ‏-اختلاف أقوال مالك وأصحابه 66
  • 95 ‏- البخاري برقم 1755، ومسلم برقم 1334
  • 96 ‏-المفهم لما أكل من تلخيص كتاب مسلم 442/3 وانظر فتح الباري 79/6 ونيل الأوطار في باب وجوب الحج على المعضوب إذا أمكنته
  • 97-ترتيب المدارك 186/1
  • 98 ‏-الكامل لابن عدي 151 ‏/ 1 ‏والكفاية للخطيب البغدادي 191 
  • 99 ‏- انظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني 118
  • 100-  ‏ترتيب المدارك 
  • 101 ‏- ترتيب المدارك 81/1
  • 102-الجرح والتعديل 244 ‏/ 1 و التعديل والتجريح 699 ‏/ 2 
  • 103 ‏- ترتيب المدارك
  • 104 ‏- ترتيب المدارك 
  • 105 ‏-الجامع لابن أبي زيد القيرواني 117  وجامع بيان العلم ‏وفضله  1176/2
  • 106 ‏- الجامع لابن أبي زيد القيرواني 117  
  • 107-الجامع لابن أبي زيد القيرواني 117
  • 108-الجامع لابن أبي زيد القيرواني 118
  • 109- طبقات الفقهاء لأبي يعلى الحنبلي 1/13
  • 110-طبقات الفقهاء لأبي يعلى الحنبلي 1/13
  • 111- الكامل لابن عدي
  • ‏112-الحلية 318/6 والتعديل والتجريح 769/2 وشرح العلل لابن رجب 113
  • 113 ‏- المعرفة والتاريخ 684 ‏/ 1 ‏والكامل 92 ‏/ 1 ‏والكفاية 116 وسير‏أعلام النبلاء 67 ‏/ 8 ‏واتحاف السالك برواة الموطأ عن الإمام مالك 82
  • 114 ‏- الجامع لابن أبي زيد القيرواني 146 
  • 115 ‏- أخرجه الترمذي في سننه 5 ‏/ 34 ‏، وانظر سنن الدارمي  1 ‏/ 86‏، وأحمد في المسند 84 ‏/ 1 ‏، ومسند أبي حنيفة 253 ‏/ 1 ‏، ومسند الحميدي 1 / 47 ‏، ومسند أبي يعلى 13 ‏/ 408 ‏، ومسند الشهاب 2 ‏/307( ، والمستدرك على الصحيحين  للحاكم 1/162..
  • 116 ‏- الديباج لابن فرحون 24 
  • 117 ‏- مشارق الأنوار على صحاح  الآثار 1 ‏/ 24 ‏.
  • 118 ‏- شرح العلل 108
  • 119 ‏- ترتيب المدارك 65/ 2 
  • 120- طبقات ابن سعد القسم المتمم لتابعي المدينة ومن بعدهم 439 ‏
  •  121- الحلية 321 ‏/ 6 ‏وابن عدي في الكامل 90 ‏/ 1 
  • 122 ‏- الحلية 322/6
  • 123 ‏- سير أعلام النبلاء 107 ‏/ 8 
  • 124 ‏- الكامل لابن عدي 25/1
  • 125 ‏- ترتيب المدارك 191/1
  • 126- ترتيب المدارك 185/1
  • 127-شرح علل الحديث 123
  • ‏ 128 ‏- ترتيب المدارك 141 ‏/ 2
  • 129 ‏- الدارمي برقم 286 وابن ماجة برقم 28 والطبراني في الأوسط برقم 6228 وابن حبان في كتاب المجروحين 33/1. وقال ابن حبان في بيان فقه هذا الكلام: لم يكن عمر بن الخطاب -وقد فعل- يتهم الصحابة بالتقول على النبي صلى الله عليه وسلم ولا ردهم عن تبليغ ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأنه لا يحل لهم كتمان ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه علم ما يكون بعده من التقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عليه صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله -تبارك وتعالى نزل الحق على لسان عمر وقلبه" وقال صلى الله عليه وسلم: " أن يكون في هذه الأمة محدثون فعمر منهم " وقد كان عمر من الثقات المتقنين الذين شهدوا الوحي والتنزيل فأنكر عليهم كثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يجترئ من بعدهم ممن ليس في الإسلام محله كمحلهم فيكثر الرواية فيزل فيها أو يقول متعمدا عليه صلى الله عليه وسلم  لنوال الدنيا. وتبع عمر عليه علي ابن أبي طالب رضوان الله عليهما باستحلاف من يحدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وغن كانوا ثقاتا مأمونين، ليعلم بهم توقي الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلمفيرتدع من لا دين له عن الدخول في سخط الله جل وعلا فيه. وقد كان عمر يطلب البينة من الصحابة على ما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة الكذب عليه لئلا يجئ من بعد الصحابة فيروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. ثم أسند ابن حبان إلى عبد الله ابن أبي سلمة قوله أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاث مرات، فلم يؤذن لهن فرجع فبلغ ذلك عمر ، فقال : ما ردك? فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا استأذن أحدكم ثلاث مرات فلم يؤذن له فليرجع" فقال: لتجيئن على هذا ببينة وإلا قال حماد بن زيد : توعده قال: فانصرف، فدخل المسجد فأتى مجلس الأنصار، فقص عليهم القصة: مقال عمر وما قال له عمر- فقالوا له لا يقوم معك إلا أصغرنا، فقام أبو سعيد فشهد. فقال له عمر : إننا لا نتهمك، ولكن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد. قال ابن حبان : قد اخبر عمر بن الخطاب أنه لم يتهم أبا موسى في روايته وطلب البينة منه على ما روى ليس تكذيبا له، وإنما كان يشدد فيه لأن يعلم اناس أن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد فلا يجئ من بعدهم ممن يجترئ فيكذب عليه صلى الله عليه وسلم أو يتقول عليه مالم يقل حتى يدخل بذلك في سخط  الله عز وجل . وهذان أول من تفشا عن الرجال في الرواية، وبحثا عن النقل في الأخبار، ثم بعثهم الناس على ذلك.كتاب المجروحين 36/1.
  • 130-الكامل لابن عدي 25/1
  • 131-كان هذا رأي أثمة العلم في أمصار الرواية في العالم الإسلامي خشية وقوع الفتنة برواية ما يخالف الاختيارات التي أجمع عليها العامة الذين لا تتسع عقولهم لتعدد النظر في طريقة القراءة ولا في طريقة الرواية ولا في طريقة الفقه. مثل شعبة بن الحجاج الذي كان يمنع من رواية حديث التوضؤ من مس الذكر الذي أفتى العراقيون بخلافه. قال محمد بن جابر: قامت البصرة فأتاني شعبة بن الحجاج، فسألني، فحدثته بحديث قيس بن طلق عن أبيه ،في مس الذكر. فقال أسالك بالله لا تحدث بهذا الحديث ما كنت بالبصرة. انظر الكامل لابن عدي 69/1.
  • 132 ‏- ترتيب المدارك 53 ‏/ 1
  • 133 ‏- ترتيب المدارك 82 ‏/ 1 
  • 134 ‏- الكامل ئة بن عدي 88 ‏/ 1
  • 135-ترتيب المدارك 167 ‏/ 1
  • 136 ‏- ترتيب المدارك 136/1 
  • 137 ‏- ترتيب المدارك 91 ‏/ 1
  • 138 - الفنداق صحيفة الكتاب
  • 139 ‏- الكامل لابن عدي90/1
  • 140 ‏- ترتيب المدارك 186 ‏/ 1
  • 141 ‏- ترتيب المدارك 189 ‏/ 1 
  • 142 ‏- ترتيب المدارك 81 ‏/ 1 
  • 143 ‏- ترتيب المدارك 186 ‏/ 1
  • 144 ‏- ترتيب المدارك 187 ‏/ 1
  • 145 ‏- ترتيب المدارك 187 ‏/ 1 
  • 146 ‏- الكامل لابن عدي 110/1
  • 147 ‏- ترتيب المدارك 47 ‏/ 2 
  • 148 ‏- ترتيب المدارك 47 ‏/ 2 
  • 149 ‏- ترتيب المدارك 189 ‏/ 1
  • 150 ‏- المنتقى للباجي 4 ‏م 278 
  • 151 ‏- الجرح والتعديل 206 ‏/ 8 ‏وشرح العلل لابن رجب 128