الاثنين 16 محرّم 1441هـ الموافق لـ 16 سبتمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

التأصيل لاختصاص الدولة بتنظيم الشأن الديني

د.سعيد بيهي، مجلة الجذوة، العدد الأول، أبريل 2013


اختلط الحابل بالنابل في مسألة تدبير قضايا الشأن العام، خاصة ما كان منها متصلا بتدبير شأن الدين الذي يعظم تعلق عموم الناس به لاتصاله بما يعتقدونه امتثالا لأمر ربهم، وارتباطه بما يرونه تحققا بمقتضيات عبوديتهم.

وقد كان ذلك الاختلاط أحد أسس الفوضى في التدين فيما يتصل بطبيعة العلاقة مع تلك القضايا من جهة، اعتقادا لمشروعية الخوض فيها لعموم المكلفين، أو مع من يدبرها من ولاة الأمر من جهة أخرى، اعتقادا لمشروعية منازعتهم فيها، مما يحوج إلى ضرورة التأصيل الشرعي لهذه القضية ذات الحيوية القصوى درا لكل صور الاشتباه والغلط، ودفعا لكل مظاهر الإخلال والسَّقَط.


  • مدخل إلى التأصيل لاختصاص الدولة بتنظيم الشأن الديني

  • الجماعة إنما تصور أهل العلم قيامها مقام ولي الأمر فيما لم تطله يده مما يتعسر عليه تدبيره أو القيام به، إما لبعده في الأطراف، أو لعجز إمكانياته عن الوفاء به.

  • إن دواعي تنظيم الشأن الديني قائمة اليوم بأكثر مما كانت قائمة في الأزمنة السابقة، وذلك بسبب ما عرفته المجتمعات من قوة التواصل وسرعته.

  • ينبغي أن يكون توفير أسباب نجاح تدبير الشأن الديني هو الحامل لكل من له صلة بتدبيره.


المدخل

إن الحديث عن التأصيل الشَّرعى لاختصاص الدولة  بتنظيم الشأن الديني مما تعظم الحاجة إليه ; خاصة في مثل هذا العصر الذي تسوَّرت فيه جهات مختلفة لسور تعاطي تدبير تلكم القضايا الظاهر اتصالها بقضايا الشأن العام، فضلا عما يحصل فيه الاشتباه مما يحتمل الاتصال بشأن المسلم في خاصة نفسه، أو فيما فيه اشتراك عموم الناس ; اشتراكا يؤول عادة إلى التنازع الذي لا يسلم فيه البعض للبعض الآخر. 

‏إننا إذا أردنا أن نؤصل هذه القضية العظيمة تأصيلا شرعيا: فلابد أن ننظر إلى ماهية الخطاب الذي جاءت به الشريعة الإسلامية  ?نوع المكلفين المخاطبين به ? 

‏إن خطاب الشارع يتنوع، عند التأمل فيه ، بحسب الجهة المخاطبة - كما قرره علماء الأصول - إلى نوعين من الخطاب: 

  • ‏خطاب للأفراد، هو ما يعرف بفرض العين، مثل الخطاب بالصلاة،  الصيام، والحج. 

  • ‏خطاب للجماعة، وهو ما يعرف بفرض الكفاية ?

بمعنى أنه ليس موجها إلى شخص بعينه، وإنما هو موجه إلى الأمة كلها، كإقامة العدل بين الناس، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وإنصاف المظلوم من الظالم، ويدخل في ذلك الإبلاغ، والتذكير، والإفتاء، والتصحيح، والتزكية، وأشد من ذلك كل قضايا الشأن العام التي قرر سائر أهل العلم أنها لا تستباح شرعا إلا بمقتضى وصف الإمامة والسلطنة (1) من كل ما هو مظنة للتجاذب المؤدي إلى التفرق، مما يحمل سلطة الدولة –في كلا الأمرين- اليوم أكثر من ذي قبل - أمانة القيام بها لعدم وجود من يقوم بها قيام الوفاء بها والصيانة لما سواها. 

 

‏ولما كان هذا النوع الثانى من خطاب الشارع من الأهمية بمكان كما يقول تاج الدين السّبكي: "فرض الكفاية مهم من مهمات الوجود سواء كانت دينية أو دنيوية" (2) ;  لم يتوجه الخطاب بتحصيلها للأفراد، وإنما خوطبت الأمة كلها بتحصيلها، وذلك خوفا مما يمكن أن ينشأ من سوء الفهم في تحديد من توجهت إليه بالخطاب، فإن المتأمل في خطاب فروض الكِفايات يجد أنه من حيث اللغة قد يوهم خطاب غير المعين ; خاصة مع ضعف استشعار تحمل الأمانة الناشئ عن ضعف الإيمان مما قد يؤدي إلى التفلُّت منها بدعوى أن الواحد منا غير معني بها، قال العلامة القرافي في الفرق الثاني والخمسين: » ... خطاب المجهول يؤدي إلى ترك الأمر، ويقول كل واحد من المكلفين ما تعين على الامتثال، فإنه لم يقع الخطاب معي ولا نص علي فلا أفعل ; فتبطل مصلحة الأمر، ولذلك لما كان خطاب فرض الكفاية يقتضي من حيث اللغة خطاب غير المعين كقوله تعالى: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" آل عمران 104، وقوله: "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين" التوبة 122، ونحو ذلك مما يقتضي مخاطبا غير معين ; جعل صاحب الشَّرع الوجوب في فروض الكِفايات متعلقا بالكل على سبيل الجمع، فإذا فعل البعض سقط عن الكل، وسبب تعلقه بالكل ابتداء لئلا يتعلق الخطاب بغير معين مجهول فيؤدي ذلك إلى تعذر الامتثال، فإذا وجب على الكل ابتداء انبعثت داعية كل واحد للفعل ليخلص عن العقاب (3)

 

والناظر في واقع الناس اليوم، المتأمل في استشعار الكثير منهم الحرج من مكابدة فروض الكِفايات من مثل شق الطرقات، وبناء المستشفيات، وإقامة المدارس... يجد أنه آل الأمر إلى إهمالها بسبب تنصل عموم الأفراد من تبعاتها، مما يلزم ولاة الأمر القائمين مقام الجماعة فيما تكلف به أن يضطلعوا بها، كما هو واقع الأمر فيما طالته يد تنظيم الدولة في كثير من القطاعات التي تشتد الحاجة إليها رفعا للحرج عن عموم الأفراد. ذلك أن الجماعة إنما تصور أهل العلم قيامها مقام ولي الأمر فيما لم تطله يده مما يتعسر عليه تدبيره أو القيام به، إما لبعده في الأطراف، أو لعجز إمكانياته عن الوفاء به. 

 

‏وقد نص المالكية في باب أحكام زوجة المفقود على أن جماعة المسلمين تقوم مقام القاضي مثلا;

قال ‏الشيخ خليل في مختصره: " فصل ولزوجة المفقود الرفع للقاضي، والوالي، ووالي الماء،وإلا فلجماعة المسلمين".

 

 قال الحطّاب: «وأما جماعة المسلمين فلا يصح ضربهم الأجل ; أي: لزوجة المفقود إلا عند فقد من ذكر: القاضي، الوالي، ووالي الماء " (4).

 

‏وفى شرح الموّاق: « وقال القابِسي وغيره من القرويين: لو كانت المرأة في موضع لا سلطان فيه لرفعت أمرها إلى صالحي جيرانها ; ليكشفوا عن خبر زوجها، ويضربوا لها أربعة أعوام، ثم عدة الوفاة، وتحل للأزواج: لأن فعل الجماعة في عدم الإمام كحكم الإمام (5).

 

‏قال العلامة أبو عمران الفاسي: «أحكام الجماعة الذين تمتد إليهم الأمور عند عدم السلطان نافذ منها كل ما جرى على الصواب والسداد، في كل ما يجوز فيه حكم السلطان، وكذلك كل ما حكم فيه عمال المنازل من الصواب ينفذ» (6). 

 

الجماعة إنما تصور أهل العلم قيامه مقام ولي الأمر فيما لم تطله يده مما يتعسر عليه تدبيره أو القيام به، إما لبعده في الأطراف، أو لعجز إمكانياته عن الوفاء به 

قال الشيخ عبد الله بن بيه: "وقاعدة قيام الجماعة مقام الحاكم والقاضي معروفة في المذهب المالكي: على اختلاف في دخولها في بعض النوازل (7)

‏غير أن الإمام إذ ا وُجِد بطل تصرف الجماعة، وذلك حتى لا يحصل الافتيات عليه فيما هو من اختصاصه ; خاصة مع اتساع إمكانيات الدولة المعاصرة التي صار بمقدورها تغطية ما لم تكن تقدر على تغطيته في السابق: قال العلامة أبو يعلى الفراء في الأحكام السلطانية: "ولو أن بلدا خلا من قاض أجمعوا على أن قلدوا عليهم قاضيا نَظَرتَ : فإن كان الإمام موجودا بطل التقليد، وإن كان مفقودا صحَّ ونفَذَت أحكامه".(8)

 

ولهذا ينبغي أخذ كثير من الأحكام- مثل حكم قيام الجماعة مقام ولي الأمر- في سياقها التاريخي، حتى يصح فهم أنها أحكام غير مطلقة، و إنما نما اقتضتها حالات الاستثناء التي لابد أن تستجيب لها قواعد الشريعة، تلكم الشريعة المسترسلة مع كل الظروف والأحوال تحقيقا لهيمنتها على الواقع بكل أنواعه وصوره. 

 

‏إننا عندما نتأمل تلكم الوظائف المتقدم ذكرها من إبلاغ وإفتاء ودعوة وغيرها نجد أنها من أكثر فروض الكفايات حساسية لتعلقها بالدين الذي له في نفوس الناس المكانة العالية من جهة، ولعموم حاجة الأفراد إليه من جهة ثانية، ولما تأكد في الواقع من عدم إدراك الأفراد لأهميتها من جهة ثالثة، إما لعدم استحضارهم معنى إثمهم بترك الجماعة تحصيلها، وإما لعدم استشعارهم خطورة التبعات المترتبة على الزلل فيها، بسبب ما يكتنفها من ضرورة مراعاة مقومات الخوض خوض صيانة لها ، خوضا يحتاط لكل ما من شأنه أن يجهض إحياءها وتنميتها وبلوغ الكمال بها ; مما يتربص بها من جميع صور الكيد لها، بحيث تصلح قضايا الشأن الديني باعتبار ما آل إليه خوض العموم فيها من مآلات الفساد - مثل سقوط بعض الدول أو التحرش ببعضها الآخر - أن تُجعل من أمور الأمن والخوف التي يتعين ردها إلى أولي الأمر لينظروا فيها بما يقتضيه النظر المصلحى المراعي لكل سياقات الخوض محلية كانت أو دولية ; قال الله تعالى: و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلِمَه الذين يستنبطونه منهم، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ( النساء: 83 ‏)

 

قال النسفي (توفي 710 هـ) في تفسيره: " هم ناس من ضعفة المسلمين الذين لم يكن فيهم خبرة بالأحوال، أو‏المنافقون كانوا إذ ا بلغهم خبرهن سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمن وسلامة، أوخوف وخلل أذاعوا به، وأفشوه، وكانت إذاعتهم مفسدة.. ، ولو ردوه، أي ذلك الخبر، إلى الرسول «أي رسول الله  صلى الله عليه وسلم والى أولي الأمر منهم، يعني كبار الصحابة البصراء بالأمور أو الذين كانوا يُؤَمَّرون منهم  "لعَلِمَه" لعلم تدبير ما أخبروا به الذين يستنبطونه منهم،  يستخرجون تدبيره بفطنهم وتجاربهم ومعرفتهم بأمور الحر ب ومكائدها.

 

‏وقيل كانوا يقفون من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمن ووثوق بالظهور على بعض الأعداء ، أو على خوفٍ واستشعار، فيذيعونه فينتشر فيبلغ الأعداء ، فتعود إذاعتهم مفسدة ; ولوردوه إلى الرسول والى أولي الأمر، وفوضوه إليهم، وكانوا كأن لم يسمعوا ; لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه، وما يأتون و يذرون فيه" (9)

 

إن ذلك الخوض في الشأن الديني المتوقف على معرفة الواقع لابد من اعتبار المآل فيه، والذي يعد من أعظم الأصول الشرعية، يقول العلامة الشاطبي: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعا لمصلحة ¬تُستَجلَب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول بالمشروعية فربما ´أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية. 

 

وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغِبّ، جار ٍعلى مقاصد الشريعة(10) 

 

‏إذا لابد من مراعاة حصول المقصد الشرعي أو عدم حصوله من الخوض في الشأن الديني، وذلك بدراسة طبيعة ما يتصل به من حيث نوع قضاياه عمومها وخصوصها، وأحوال الخائضين فيها علمًا وتثبتاً، أوجهلاً وتهوُّراً، وظروف ذلك الخوض الزمانية والمكانية، وعلاقات كل ذلك مع غيره من السياقات المحلية أو الدولية. 

 

إن دواعي تنظيم الشأن الديني قائمة اليوم بأكثر مما كانت قائمة في الأزمنة السابقة ;وذلك بسبب ما عرفته المجتمعات من قوة التواصل وسرعته

إن أصل مراعاة المآلات المتمثلة في صور المكابدة والمعاناة هو الذي راعاه الشارع في قصر النظر في كل ما هو راجع إلى أمور الأمن أو الخوف على طائفة دون سائر الأمة، والمتأمل في أمر تدبير الدين يجد أنه لم يعد ينفك عن أمور الأمن والخوف بأي حال من الأحوال، خاصة مع حالات الترقب والتربص العالميين.

‏إننا عندما نتأمل كل ذلك ندرك ضرورة تولى ‏الإمامة مسؤوليتها في تنظيم شأن هذه الوظائف- قياما مقام الجماعة المفرطة فيها، أو المستهترة بالغلو فيها- كما ينبغي أن يحصل في سائر فروض الكفايات، إلا فيما تعجز عنه الإمامة ;فتفتح المجال للمشاركة المنضبطة فيه بما يراه ولي الأمر محققا للمصلحة ; إذ إن نظر الإمام منوط بالمصلحة ولابد كما هومقرر شرعا .

إنه لابد من ترك العواطف التي تحدو الناظر في هذا الأمر ;فتجعله يمانع من تفويض تدبير لولاة الأمر ;لا لشيء إلا لأجل ما جبلت النفوس عليه أحيانا من حب المنازعة لولاة الأمر، خاصة مع تضخم التأثر بمناهج القرب المُمَكِّنة من مزاحمة اختصاصات الحاكم، فأردتُ أن أبين أن الأمر دينٌ تعَبَّدَنا الشارع به، وذلك بمقتضى البيعة التي في أعناقنا باعتبارنا مسلمين، وليس مجرد اختيار تمليه مواقف سياسية، أو مصالح مادية ;يقول العلامة صديق حسن خان مبينا اشتمال البيعة الشرعية على عدم المنازعة:" اعلم أن البيعة هي: العهد على الطاعة ;كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر يه أمر نفسه وأمور المسلمين ;لا ينازعه فيشيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره".

 

ينبغي أن يكون توفير أسباب نجاح تدبير الشأن الديني هو الحامل لكل من له صلة بتدبيره

أو لأجل ما ألِفَت النفوس أحيانا أخرى من شيوع الخوض فيه خوضا صار عادة يظن معها مشروعية خوض العموم في أمر يفتقر الخوض فيه إلى ولاة الأمر، بل يراه – بغير حق -حقا مكتسبا لا ينبغي التفريط فيه بأي حال من الأحوال، مما قد يحمله على الاستماتة ‏لرفض ما تقتضيه قواعد العلم، وتستلزمه شواهد الواقع ;من إعادة تنظيمه، ووضع ما يناسبه من قواعد وضوابط تضمن سلامته من كل صور التربص به.

‏ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال التأصيل للاستبداد ;فذاك شيء لا يلتقي ومقتضيات العدل الذي جاءت به الشريعة الإسلامية الغراء، والذي ناطت إقامته بولاة الأمر، وجعلتهم مؤتمنين عليه ضمن جملة أخرى من الحقوق حملتهم مسؤوليتها ; يقولالعلامة محمد الطاهر ابن عاشور رحمه الله:"الفن ‏الثانى فيما على ولاة الأمور تسييره وتحقيقه لصالح الجمهور وأعمدة هذا الفن هى: المساواة، والحرية، وضبط الحقوق، والعدل، ونظام أموال الأمة، والدفاع عن الحوزة، وإقامة الحكومة، والسياسة، والاعتدال والسماحة، وترقية مدارك الأمة رجالا ونساء، وصيانة نشئها من النقائص، وسياسة الأمم الأخرى، والتسامح والوفاء بالعهد، ونشر مزايا الإسلام وحقاثقه، ورجاء تعميمه في البشر."

 

إنه ينبغى أن يكون توفير أسباب نجاح تدبير الشأن الدينى هو الحامل لكل من له صلة بتدبيره، توفيرا يرنو إلى تنميته في قلوب سائر أهله أولا، ثم في قلوب عموم الناس الذين أُمرنا أن نحمل الدين إليهم حمل رحمة إحياء لمنهج نبينا الرحيم صلى الله عليه وسلم ثانيا ;والذي قالاللهتعالى فيه: "فبما رحمة لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" ‏( آل عمران: 159 ‏)، وقال سبحانه وتعالى أيضا ‏"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" ‏( الأنبياء : 157 ‏).

إن دواعى تنظيم الشأن الدينى قائمة اليوم بأكثر  مما كانت قائمة به في الأزمنة السابقة ;وذلك بسبب ما عرفته المجتمعات من قوة التواصل وسرعته ;قوة ‏وسرعة يعظم معهما حجم التأثر والتأثير، تأثرا وتأثيراً ‏قد يَؤُولان أحيانا إلى تسبُّبٍ في زوال مجتمعات وهلاك شعوب من حيث لا يتفطن الأدعياء المتعاطون لهذا الشأن بغير شرطه ;سواء كان الادعاء:انتحالَ مبطِلٍ أو تحريف غالٍ، أوتأويلَ جاهلٍ.

 

‏إنه تنظيم دولة يفرضه امتلاكها لما مِن أجله خوطبت بتحمل مسؤولياتها في حفظ الدين وصيانته، بل بذله وتعميم تيسير العمل به، وذلك من خلال ما ‏تملكه من إمكانات هائلة، ومؤسسات متخصصة ‏وغَيْرَةٍ تامَّة، تحملها على أن تتسربَل بسِربالٍ غايةً في الجمال والبهاء ;سربال ِ عدول الأمة الذين أغرى النبى  صلى الله عليه وسلم بالاتصاف بأوصافهم في قوله البليغ: " يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". إنها عدالة تُبَلِّغُ إلى الاشتمال على الوسطية المؤهلة لمنزلة الشهود المتضمن للشهادة على العصر ;قال الله عز وجل: " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا" (البقرة: 143).


الهوامش

1 - قال الإمام المحقق العلامة القرافي عن آثار اختلاف وجوه تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالشريعة «وأما آثار هذه الحقائق في الشريعة فمختلفة: فما فعله عليه السلام بطريق الإمامة كقسمة الغنائم، وتفريق أموال بيت المال على  المصالح، وإقامة الحدود، وترتيب الجيوش، وقتال البغاة، وتوزيع الإقطاعات في القرى والمعادن، ونحو ذلك: فلا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت الحاضر، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة، وما استبيح إلا بإذنه، فكان ذلك شرعا مقررا ;لقوله تعالى:" واتبعوه لعلكم تهتدون( الأعراف: 158 ‏)...»

‏الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص: 108 ‏.

2 ‏- الأشباه والنظائر 91 ‏/ 2 ‏.

3 ‏- الفروق 16 ‏- 17 ‏/ 2 ‏.

4 ‏- مواهب الجليل 155 ‏/ 4 ‏.

5 ‏- التاج والإكليل 156 ‏/ 4 .

6- المعيار للونشريسي 103 -102/ 10.

7 ‏- صناعة الفتوى وفقه الأقليات، ص: 275 ‏.

8 ‏- الأحكام السلطانية، ص: 73.

9 ‏- تفسير النسفي 350 ‏- 349 ‏/1 ‏.

10 ‏- الموافقات 178 ‏- 177‏/5‏.

‏- إكليل الكرامة في تبيان مقاصد الإمامة، ص: 26.

‏- أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، ص: 143.

‏- أخرجه البزار في مسنده، انظر مختصر زوائد مسند البزار لابن ‏حجر 123 ‏- 122 ‏/ 1 ، والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث ص: 82،

‏والحديث مشهور صححه غير واحد كالإمام أحمد ;كما نقله عنه الخطيب في شرف أصحاب الحديث ص: 29 ‏، واحتج به الحافظ ابن عبد البر، ونسب تصحيحه إليه ابن الوزير اليماني في العواصم والقواصم 308 ‏/ 1 ، وصححه ابن الوزير، وابن القيم في مفتاح دار السعادة 164 ‏- 163 ‏/ 1 ‏. والحديث حسن لغيره لكثرة طرقه واعتضاد بعضها ببعض.

للاطلاع أيضا

تغيير الفتوى عند المالكية بتغير الحال واعتبار المآل

القراءة الجماعية في اتجاه إفريقية والمغرب

القراءة الجماعية وسيلة من وسائل العرض في حلقة أبي الدرداء الصحابي الجليل

قول الإمام مالك: ليس هذا من عمل الناس

اعتراض الإمام النووي على الإمام مالك وقوله عن قوله: "إنه متروك"

موقف الإمام مالك من القراءة الجماعية وتوجيه العلماء له

أقرب الأدلة متناولا في بيان مشروعية القراءة الجماعية

الباعث في إثار قضية القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube