الإحصار في الحج

الإحصار معناه في اللغة المنع والحبس ، وشرعا المنع عن الوقوف بعرفة أو طواف الركن . ويكون الحصر بكل شيء يحبس عن الكعبة سواء كان عدوا - ولو مسلما - أو مرضا يزيد بالذهاب أو الركوب ، أو موت محرم المرأة أو زوجها عند القائلين بوجوبه ، أو هلاك النفقة

وهذا رأي أبي حنيفة . وقال مالك والشافعي : لا يكون الإحصار إلا بالعدو وهو رأي لأحمد ، لأن آية الإحصار نزلت في حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الحديبية . وهي قوله تعالى : alt فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي alt

وقال ابن عباس : alt لا حصر إلا حصر العدو alt أخرجه البيهقي والراجح إن الحصر يكون بالمرض والعدو وغيرهما لعموم الآية . 

ما يطلب من المحصر

إذا منع المحرم بأي سبب مما سبق من إتمام الحج أو العمرة فإنه له البقاء محرما حتى يزول الإحصار ، وله إرسال شاة أو ثمنها لتشترى به وتذبح عنه في الحرم في وقت معين عند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ، ويكفيه سبع بدنة ، ويتحلل بعد مضي الوقت الذي عينه الرسول للذبح ويكون التحلل بلا حلق ولا تقصير ، فلا يتحلل قبل الذبح ، ولا يذبح في غير الحرم ، لقوله تعالى : alt إرساء فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي alt

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أحصر بالحديبية أرسل هديا فذبح بالحرم حيث لا يعلم الكفار ذلك ، فإن لم يجد ما يذبحه بقي محرما حتى يجد الدم ويذبح في الحرم ، لأن الهدي هنا لا بدل له في الآية ، وعن أبي يوسف أن الهدي يقوم ويتصدق بقيمته ، لكل مسكين نصف صاع .

وإن كان المحرم قارنا أرسل دما للحج وآخر للعمرة ويبقى محرما حتى يصل الهدي ويذبح..

ولا يذبح دم الإحصار إلا في الحرم لآية alt ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله alt ومحله الحرم لقوله تعالى : alt ثم محلها إلى البيت العتيق alt وقوله : alt هديا بالغ الكعبة alt ويصح ذبحه قبل يوم النحر عند أبي حنيفة ، وعند صاحبيه لا يصح إن كان محرما بحج . وقال الشافعي وأحمد : يتحلل المحصر بالحج أو العمرة بذبح الهدي في مكان الإحصار وبالحلق أو التقصير ، ولا يطالب بإرسال الهدي إلى الحرم لأن ذلك هو الثابت الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الحديبية alt كما رواه أحمد والبخاري والبيهقي .

وقال المالكية : من منع بعد إحرامه بالحج عن الطواف بمرض أو عدو أو حبس فإن له أن يتحلل بالنية ولا دم عليه والحلق سنة في حقه .

ومن تمكن من الطواف وفاته الوقوف بعرفة ، فإن بعد عن البيت تحلل بالنية وسن له الحلق ولا دم عليه ، وإن قرب منه تحلل بنية عمرة ويقوم بأعمال العمرة . ومن وقف بعرفة ومنع عن باقي أعمال الحج فقد أدرك الحج لأن طواف الركن ممتد الوقت ، وأما نزول مزدلفة ، ورمي الجمار ، والمبيت بمنى فيكفي فيها كلها دم واحد كنسيان الجميع .

وهل على المحصر قضاء ما أحصر عنه أم لا ؟ فيه قولان للفقهاء .

والإحصار لا يسقط الفرض عن المحصر بل عليه أن يحج عند الاستطاعة حتى يسقط عن نفسه حجة الاسلام ، ولو تحلل المحصر ثم زال الإحصار وأمكنه الحج لزمه الحج عند مالك والشافعي وأحمد إن كانت حجة الإسلام أو حجة واجبة أو أخذنا بوجوب القضاء على المتطوع .

أحكام وضوابط النيابة في الحج

النيابة في الحج إن كان الإنسان قادرا، فإنها غير مشروعة، أما في الفريضة، فإنه لا يجوز أن يستنيب الإنسان أحدا عنه، يؤدي الحج أو العمرة فريضة،

لأن الفريضة تطلب من الإنسان نفسه أن يؤديها بنفسه، فإن كان عاجزا عن أداء الفريضة، فإما أن يكون عجزه طارئا يرجى زواله، فهذا ينتظر حتى يزول عجزه، ثم يؤدي الفريضة بنفسه، مثل أن يكون في أشهر الحج مريضا مرضا طارئا يرجى زواله، وهو لم يؤد الفريضة، فإننا نقول له: انتظر حتى يعافيك الله وحج، إن أمكنك في هذه السنة فذاك، وإلا ففي السنوات القادمة، أما إذا كان عجزه عن الحج عجزا لا يرجى زواله، كـالكبير، والمريض مرضا لا يرجى زواله، فإنه يقيم من يحج ويعتمر عنه، ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، "أن امرأة من خثعم سألت النبي صلى الله عليه وسلم: فقالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج، شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال: نعم". فهذا حكم النيابة في الفرض، أنه إذا كان المستنيب قادرا، فإن ذلك لا يصح، وإن كان عاجزا عجزا لا يرجى زواله، فإن ذلك يصح، وإن كان الإنسان عاجزا عجزا طارئا يرجى زواله، فإنه لا يصح أن يستنيب أحدا، ولينتظر حتى يعافيه الله، ويؤدي ذلك بنفسه.

أما في النافلة، فإن كان عاجزا عجزا لا يرجى زواله، فقد يقول قائل: إنه يصح أن يستنيب من يحج عنه النافلة، قياسا على استنابة من عليه الفريضة، وقد يقول قائل إنه لا يصح القياس هنا؛ لأن الاستنابة في الفريضة استنابة في أمر واجب لا بد منه، بخلاف النافلة، فإن النافلة لا تلزم الإنسان، فيقال: إن قدر عليها فعلها بنفسه، وإن لم يقدر عليها، فلا يستنيب أحدا فيها، أما إذا كان قادرا على أن يؤدي الحج بنفسه، فإنه لا يصح أن يستنيب غيره في الحج عنه، على إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهي عندي أقرب لأن الحج عبادة يتعبد بها الإنسان لربه، فلا يليق أن يقول لأحد: اذهب فتعبد لله عني، بل نقول: أدها أنت بنفسك لأنه ليس لديك مانع، حتى تستنيب من يؤدي هذه النافلة عنك، هذه الاستنابة في الحج على وجه الكمال بمعنى أنه يصير في كل حج.

العمرة

العمرة سنة عين مؤكدة، في حق المستطيع، مرة في العمر، وما زاد على المرة فمندوب، ويكره تكرارها في العام الواحد.

وهي في رمضان تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عمرة في رمضان تعدل حجة معي"(1) .

وميقاتها الزماني هو جميع السنة، فتجوز في أشهر الحج وفي غيرها.
وميقاتها المكاني هو ميقات الحج لمن كان خارج مكة، وأما من كان بمكة فميقاته الحل لجمع في الإحرام بين الحل والحرم، والجعرانة أولى ثم التنعيم.
وأركانها ثلاثة: الإحرام والطواف والسعي، وواجبها الحلق أو التقصير، وبه يتم التحلل منها، ويستحب فيها الهدي، وهي كالحج في كل ذلك.
الهامش
(1)- رواه الشيخان.

أركان الحج/ الركن الأول: الإحرام

الركن هو مالا بد من فعله، ولا يجزئ بدلا عنه دم ولا غيره. وأركان الحج أربعة هي: الإحرام، وطواف الإفاضة، والسعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفة

الركن الأول:  الإحرام، وهو النية، ومحلها القلب.

أ- وقته:
الوقت الجائز للإحرام بالحج من غير كراهة، يمتد من أول ليلة من شوال إلى أن يبقى من الوقت مقدار الوقوف بعرفة قبل الفجر ليلة النحر.
والأفضل لأهل مكة الإحرام من أول ذي الحجة على المعتمد، وقبل يوم التروية. ويكره الإحرام قبل شوال، وإن وقع انعقد وصح.
ب- مكانه:
* مكان الإحرام بالنسبة للمقيمين بمكة – متوطنين بها أم لا -، وللمقيمين بالحرم خارجها كمنى ومزدلفة – إن لم يحرموا بالقران – هو مكة: ويندب لهم الإحرام في المسجد الحرام، من موضع صلاتهم التي يحرمون بعدها فرضا كانت أو نفلا، ويلبون وهم جالسون، وليس عليهم أن يقوموا من مصلاهم، ولا أن يتقدموا إلى جهة البيت.
ويندب للآفاقي المقيم بمكة، إن كان معه سعة وقت، أن يخرج لميقاته ليحرم منه، فإن لم يخرج فلا شيء عليه.
ومكان الإحرام بالقران هو الحل – أي ما جاوز الحرم -.
* ومكان الإحرام لغير المقيمين بمكة وما في حكمها، يختلف باختلاف الجهات، وهو:
- ذو الحليفة لأهل المدينة ومن وراءهم ممن يأتون على المدينة.
- الجحفة لأهل الشام وأهل مصر ومن وراءهم ممن ياتون على الشام أو مصر، كأهل المغرب وأهل السودان، والروم والترك.
- قرن المنازل لأهل نجد اليمن ونجد الحجاز، ومن وراءهم ممن يمرون بمنازلهم.
- يلملم لأهل اليمن، ومن وراءهم كأهل الهند.
- ذات عرق لأهل العراق، ومن وراءهم كأهل فارس وخراسان.
ودليل هذه المواقيت المكانية، حديث عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن"، قال ابن عمر: "أما هؤلاء الثلاث فسمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم"(1)، وحديث عائشة (ض) "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق"(2).
ومن مر بغير هذه المواقيت المكانية أحرم حيث حاذى الميقات، وكذلك يفعل من سافر بحرا أو جوا.
ومن كان مسكنه بين الميقات ومكة، فإن مكان إحرامه هو مسكنه، إلا إذا كان المسكن خارج الحرم أو كان في الحرم أو فرد الحج، فإن قرن خرج إلى الحل وأحرم منه: إن كان معه سعة وقت.
الهوامش
(1)- أخرجه مالك في الحج، والبخاري في الحج، ومسلم في الحج.
(2)- أخرجه أبو داود في المناسك والنسائي في مناسك الحج.

وقت الحج

لكي يقع الحج صحيحا يجب أن تؤدى أعماله في الوقت الذي عينه الله للحج ، وقد قال تعالى : الحج أشهر معلومات

الحــــج: تعريفه وحكمه

(ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)

الحــــج: تعريفه وحكمه 

تعريفه وفضله
الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: "قصد مخصوص، إلى موضع مخصوص، في وقت مخصوص، بشرائط مخصوصة"(1)، وعرفه الدردير بقوله:"وقوف بعرفة ليلة عاشر ذي الحجة، وطواف بالبيت سبعا، وسعي بين الصفا والمروة كذلك على وجه مخصوص بإحرام"(2).
ووردت في فضله أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم قوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن سئل أي الأعمال أفضل: "الإيمان بالله ورسوله"، ثم"جهاد في سبيل الله"، ثم "حج مبرور"(3)، وقوله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يسفق، رجع كيوم ولدته أمه"(4)، وقوله صلى الله عليه وسلم:"والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"(5).
حكمه
الحج ركن من أركان الإسلام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان"(6)، وقد فرضه الله على المستطيع مرة في العمر، لقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا)(7). ولحديث أبي هريرة (ض) قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا"، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله، فسكت، حتى قال ثلاثا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم"، ثم قال: ذروني ما تركتم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء، فدعوه"(8).
واختلف علماء المذهب هل واجب على الفور أو على التراخي، فروى العراقيون عن الإمام مالك القول بالوجوب على الفور، قال الدردير: "وهو المعتمد"، ورجحه الدسوقي حاشية الدسوقي (9).
ورأى المغاربة أن وجوبه على التراخي، هو المذهب. قال الباجي "هو الأظهر عندي"(10)، وقال محمد الطاهر بن عاشور: "هو الصحيح من مذهب مالك"(11).

شروط وجوب الحج
1-الحرية،
2- التكليف، أي العقل والبلوغ، فلا يجب على صبي ولا مجنون.
3-الاستطاعة، وتتحقق بأمور ثلاثة:
أ- إمكان الوصول إلى مكة راكبا أو ماشيا بلا مشقة عظيمة، أي خارجة عن المعتاد بالنسبة للشخص، وهي تختلف باختلاف الناس والأزمنة والأمكنة.
ب- الأمن على النفس من هلاك، سواء كان من عدو أو سباع أو أسر، وعلى المال من محارب أو غاصب لا سارق، لأن السارق يمكن دفعه والتحرر منه.
ولا يشترط في الاستطاعة الزاد والراحلة، لمن له صنعة تقوم به وتكفيه ولا تزري به، وكانت له قدرة على المشي.
ج- وجود زوج أو محرم، أو رفقة مأمونة بالنسبة للمرأة، فإن لم تجد من يرافقها من هؤلاء سقط عنها الحج.
الهوامش
(1)- التعريفات للجرجاني ص 82، والفقه المالكي وأدلته 2/120.
(2)- حاشية الدسوقي على شرح الدردير للمختصر 2/2 .
(3)- حديث متفق عليه
(4)- حديث متفق عليه.
(5)- حديث متفق عليه.
(6)- حديث متفق عليه.
(7)- سورة آل عمران، الآية 97.
(8)- أخرجه مسلم في الحج.
(9)- حاشية الدسوقي (2/2-3).
(10)- المنتقى 2/368.
(11)- التحرير والتنوير 4/24.

زكاة الفطر

حكمهـــا
تجب زكاة الفطر على كل فرد من المسلمين صغيرا كان أو كبيرا ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا إن قدر عليها وقت وجوبها بأن فضلت عن قوته وقوت عياله يوم العيد. والدليل على أنها واجبة، حديث عبد الله بن عمر (ض) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس، صاعا من شعير، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين"(1)، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.
وتجب على القادر عليها عن نفسه، وعن كل مسلم تلزمه نفقته بقرابة أو رق أو زوجية، من والدين وأولاد وزوجة وعبد وخادم.

حكمتهــا
شرعت زكاة الفطر لتكون طهرة للصائم وكفارة مما قد يقع من اللغو والرفث، ولتسد خلة الفقراء، وتشعرهم بالسعادة يوم العيد، وتغنيهم عن الطواف فيه لسؤال الناس وطلب مساعدتهم، لحديث ابن عباس (ض): " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين"(2)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "أغنوهم في هذا اليوم"(3)، وفي رواية للبيهقي وابن سعد في الطبقات: " أغنوهم عن طواف هذا اليوم ".

مقدارهـــــا
المقدار الواجب إخراجه عن كل شخص هو الصاع النبوي، وهو أربعة أمداد، والمد: ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين.
وإن لم يقدر المسلم إلا على بعض الصاع أخرج ما قدر عليه وجوبا، وإن وجب عليه إخراج عدة آصع عن نفسه وعن أهل بيته، ولم يقدر إلا على بعض ما وجب عليه إخراجه، ويبدأ بنفسه ثم بزوجته، ويقدم الوالد على الولد.

ما تخرج منه زكاة الفطر
تخرج زكاة الفطر من غالب قوت أهل البلد في رمضان، من تسعة أصناف هي القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط، لحديث أبي سعيد الخدري قال: "كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعيرا وصاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب، وذلك بصاع النبي صلى الله عليه وسلم"(4).
وإذا كان قوت أهل البلد من غير هذه الأصناف التسعة، كالقطاني أو التين أو السويق أو اللحم أو اللبن أو العلس ، فإن زكاة الفطر تخرج منه وتجزئ على المشهور .

وقت وجوبها
وقت وجوبها هو غروب الشمس من آخر يوم من رمضان على المشهور، وقبل طلوع الفجر من يوم الفطر، وأثر الخلاف يظهر في حكم من ولد أو أسلم أو مات أو يبيع بين الوقتين.

وقت إخراجها
الوقت المفضل لإخراجها هو الوقت بين طلوع فجر يوم الفطر، والخروج إلى المصلى لحديث ابن عمر (ض): "أن رسول الله صلى وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة "(5)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "....من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة ، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات "(6).

وجاز تعجيلها قبل العيد بيوم أو يومين ، قال نافع : وكان ابن عمر يؤديها قبل ذلك باليوم أو اليومين . ويأثم من تجب عليه إن أخرها لغروب يوم العيد ، ولا تسقط بعد وجوبها بمضي زمنها وهو يوم العيد ، بل تبقى في ذمة صاحبها حتى يخرجها .

مصرفهــــا
تدفع زكاة الفطر في المذهب المالكي لمسلم حر فقير لا يملك قوت عامه ، غير هاشمي ولا تدفع لعامل عليها ، ومؤلف قلبه ، ولا في الرقاب ، ولا لغارم ومجاهد وغريب .

ما يندب فيها
1- إخراجها بعد فجر عيد الفطر ، قبل الخروج إلى المصلى.
2- إخراجها من القوت أحسن من قوت أهل البلد.
3- إخراجها لمن زال فقره يوم العيد.
4- عدم الزيادة على الصاع.
5- إرسالها إلى الإمام العدل ليتولى توزيعها ، قال الإمام مالك: "وإذا كان الإمام عدلا فإرسالها إليه أحب إلي " 
(5) .
6- إعطاء صاع واحد لمسكين واحد .

ما يجوز فيها
1- دفع صاع لعدة مساكين يقتسمونه.
2- دفع عدة آصع لمسكين واحد.
3- إخراجها قبل العيد بيومين ، لقول نافع : "إن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر، إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة"(6).

الهوامش
(1)- أخرجه مالك في الزكاة ، والبخاري في الزكاة ، ومسلم في الزكاة
(2)- أخرجه أبو داود وابن ماجة والدار قطني
(3)- رواه البيهقي والدار قطني
(4)- أخرجه مالك في الزكاة ، والبخاري في الزكاة ، ومسلم في الزكاة.
(5)-أخرجه البخاري في الزكاة ، ومسلم في الزكاة .
(6)- (أخرجه أبو داود وابن ماجة والدار قطني )
(7)- المنتقى 2/190.
(8)- أخرجه مالك في الزكاة .

مصارف الزكاة

مصارف الزكاة ، هي الأصناف الثمانية المذكورن في قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم)(1).
ولا تصح الزكاة إلا إذا صرفت إليهم، وهم :
1- الفقير: وهو الذي يملك شيئا لا يكفيه في قوت عامه، ولو ملك نصابا .

2- المسكين: وهو الذي لا يملك شيئا بالكلية، فهو أحوج من الفقير .
ويشترط في كل من الفقير والمسكين أربعة شروط هي :
أ‌- أن يكون حرا.
ب‌- أن يكون مسلما، فلا تصح إن أعطيت لكافر.
ج- أن لا تكون نفقته واجبة على غني.
د- أن لا يكون من آله صلى الله عليه وسلم، والمراد بهم هنا المومنون من بني هاشم، وقد تقدم أن العمل جرى بإعطاء الزكاة لبني هاشم لأنهم لا يأخذون حقهم من بيت المال.

3- العامل عليها: وهو جابيها ومفرقها، وإن كان غنيا، فإن كان فقيرا أخذ بوصفي العمالة والفقر. ويشترط فيه: الإسلام والحرية، والذكورية والبلوغ والعدالة، ومعرفة أحكام الزكاة وأن لا يكون من بني هاشم.

4- المؤلفة قلوبهم: والمشهور أن المراد بهم الكفار يؤلفون بالعطاء ليدخلوا في الإسلام، ويؤيده إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية يوم فتح مكة، ويوم حنين ، وهو القائل: "والله لقد أعطاني النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنه لأبغض الناس إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي".
وقيل إن المراد بهم المسلمون الحديثو عهد بالإسلام، تعطى لهم الزكاة، ليتمكن حب الإسلام من قلوبهم.
والمشهور من المذهب المالكي انقطاع سهم هؤلاء بعزة الإسلام، ويؤيده ما فعله عمر (ض) حين امتنع من إعطاء عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، قائلا : هذا شيء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيكموه تآليفا لكم على الإسلام، وأغنى عنكم ، فإن أتيتم على الإسلام، وإللا فبيننا  وبينكم السيف" .  وقال عبد الوهاب : إن دعت الحاجة إليهم في بعض الأوقات رد إليهم سهمهم، ورجحه اللخمي وابن العربي وابن عطية.

5- العتق: وهو المراد في الآية بالرقاب، وذلك بأن يشتري من الزكاة الرقيق المسلم، ويعتق، ويكون ولاؤه للمسلمين .

6- الغارم: وهو المدين: فمن كان عليه دين للناس في غير سفه ولا فساد يعطى من الزكاة قدر دينه وإن مات يوفى دينه منها، واختلف في إعطاء الزكاة لمن عليه دين لغير آدمي كمن في ذمته زكاة أو كفارة على قولين، ويشترط أن يكون الغارم مسلما وغيرها شمي.

7- المجاهد في سبيل الله: لأن الغزو هو المراد ب"سبيل الله" في آية مصارف الزكاة، عند جمهور العلماء ، فيجوز أن يعطى من مال الزكاة المجاهدون وإن كانوا أغنياء على الأصح ، لحديث: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغاز في سبيل الله ..."(2).

ويشترى السلاح وتبنى به القلاع والحصون والمستشفيات العسكرية، ومعامل صنع السلاح، وتحفر به الخنادق، وتصرف في كل ما يعين المجاهدين في سبيل الله على إعلاء كلمة الله .

8- ابن السبيل : وهو المسافر الغريب المنقطع عن بلده ، فإنه يعطى من مال الزكاة ما يحقق به مقصده ويعود به إلى وطنه، وتشترط حاجته على الأصح، وأن يكون سفره في غير معصية.

الهوامش
(1) سورة التوبة ، الآية 60.

(2)- أخرجه مالك في الزكاة، وأبو داود في الزكاة، وابن ماجة في الزكاة.

زكاة العروض التجارية

ذهب جماهير علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وجوب الزكاة في العروض المعدة للتجارة، ودليلهم:

1- عموم قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة)(1)، فهو يشمل كل مال خصه دليل .
2- حديث سمرة بن جندب قال: " أما بعد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع"
(2).
3- حديث أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: كنت أبيع الأدم والجعاب، فمر بي عمر بن الخطاب (ض) فقال: أد صدقة مالك، فقلت: يا أمير المومنين، إنما هو الأدُم. قال: قوِّمه، ثم أخرج صدقته"
(3) 
4- حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البُرِّ صدقته"
(4).
5- ما أخرجه مالك في الزكاة من الموطأ عن زريق بن حيان من أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: "أن انظر من مرَّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم، مما يديرون من التجارات، من كل أربعين دينارا، دينارا فما نقص فبحساب ذلك، حتى تبلغ عشرين دينارا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها، ولا تأخذ منها شيئا".

شروط زكاة العروض التجارية
1-أن تكون العروض لا زكاة في عينها، كالثياب والعقار.
2-أن تملك العروض بمعاوضة مالية، أما إذا ملكت بهيمة أو ميراث، أو معاوضة غير مالية كالصداق وما يؤخذ في الخلع، فإن بائعها يستقبل بأثمانها الحول.
3-أن ينوي بشراء العروض التجارة، فإن نوى بها الغنية سقطت عنه الزكاة.
4-أن يكون الثمن الذي اشتريت به العروض عينا أو عروضا ملكت بشراء.
5-أن تباع العروض أو بعضها بعين.

كيفية زكاة العروض التجارية
أ - إن كان التاجر مديرا أي يبيع بالأثمان الحاضرة، ولا ينتظر الغلاء وارتفاع الأثمان ، فإنه يقوم كل عام عروضه التجارية ، ولو كسدت سنين ويجمع قيمتها مع ما عنده من العين فيزكي الجميع ، ويزكي ماله من ديون على الآخرين إذا كان أصلها عروضا باعها للمدينين ، وحل أجلها ، ورجا قبضها . أما الديون التي على معدم أو ظالم ولا يرجو استيفاءها ، والديون التي كان أصلها قرضا وسلفا ، فإنه لا يزكيها إلا إذا قبضها ، ويزكيها لعام واحد ، ولو بقيت عند المدينين أعواما .

ولا يقوم التاجر الآلات والأدوات التي لا تنمى كالميزان، والأواني التي توضع فيها السلع والعربات التي تنقل بها.
ب- وإن كان محتكرا أي ينتظر غلاء الأثمان ، ولا يبيع بالسعر الحاضر، فإنه يزكي ثمن سلعته إذا باعها لعام واحد، ولو بقيت عنده أعواما كثيرة .

الهوامش
(1)- سورة التوبة ، الآية 103
(2)- أخرجه أبو داود في الزكاة ، والبيهقي
(3)- رواه أحمد وأبو عبيد والدارقطني والبيهقي وعبد الرزاق الشافعي
(4)- رواه الدارقطني والبيهقي

أحكام الزكاة

1- شروط وجوبها
1- الإسلام، فلا زكاة على كافر بإجماع، لأنه ليس من أهل الطهر.
2- الحرية..، 
3- كون المال مما تجب فيه الزكاة، وهو أربعة أصناف: العين أي الذهب والفضة وما يقوم مقامهما، والمحاصيل الزراعية التي تقتات وتدخر، والماشية، وهي الإبل والبقر والغنم والعروض التجارية.
4- بلوغ المال النصاب، والنصاب يختلف من صنف إلى صنف كما سيأتي.
5- تمام الملك..، كمال المدين، فإن كان ما بيده من المال قدر ما عليه من الزكاة، أو أزيد منه بأقل من نصاب، لم تجب الزكاة.
6- حلول الحول في العين والماشية والطيب في المحاصيل الزراعية، ودليل هذا الشرط قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس في مال زكاة ، حتى يحول عليه الحول"( 1)، وقوله تعالى ( وآتوا حقه يوم حصاده)
(2) .
ولا يشترط البلوغ والعقل لوجوب الزكاة، بل يخرجها الولي من مال الصبي والمجنون، لقول القاسم: " كانت عائشة تليني وأخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة "(3)، وقول عمر بن الخطاب (ض): "اتجروا في أموال اليتامى، لا تأكلها الزكاة"(3).

2 - شروط صحتها
1- النية عند عزلها أو إخراجها للفقراء: فإن أخرجت بغير نية لم تجز إلا من وكيل ولو عرفا كالزوج والقريب، وينوي عن الصغير والمجنون وليه.
2- دفعها لمن يستحقها، من الأصناف الثمانية التي ستأتي .

3- ممنوعاتها
1- أن تبطل بالمن والأذى، لقوله تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)(4) .
2- أن يدفعها المزكي لمن تجب عليه نفقته.
3- أن يشتري المزكي صدقته.
4- أن يفرق بين مجتمع، أو يجمع بين مفترق، خشية الصدقة.
5- أن يحشر المزكي الناس إليه، بل يعطيهم في مواضعهم.
6-أن يأخذ المصَّدِّق خيار أموال المزكين ، لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: " وإياك وكرائم أموالهم"(5).

4- آدابهــــــــا
1- أن يخرجها المزكي طيبة بها نفسه.
2- أن تكون من أطيب كسبه وخياره.
3- أن يسترها عن أعين الناس خوف الرياء، وقيل: الإظهار في الفرائض أحسن.
4- أن يسند توزيعها لغيره، خوف المحمدة والثناء.
5- أن يقدم في توزيعها من اشتدت حاجته إليها، لأن خير الغيث ما صادف جدبا.
6- أن يدعو المصَّدق والإمام للمزكي، لقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم)(6).

الهوامش
( 1 )- أخرجه أبو داود في الزكاة.
( 2 )- سورة الأنعام ، الآية141.
( 3 )- أخرجه مالك في الزكاة.
( 4 )- سورة البقرة الآية 264
( 5 )- أخرجه الشيخان.
( 6 )- سورة التوبة الآية 103