islamaumaroc

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية لعبد السلام العبادي

الدرس الرابع من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية - 8  رمضان 1434 الموافق 20 يوليو 2013- ألقاه بين يدي جلالة الملك، الأستاذ عبد السلام العبادي، وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية سابقا في المملكة الأردنية الهاشمية ، ونائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "الأوقاف وأدوارها الاقتصادية والاجتماعية" انطلاقا من قول الله تعالى "مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم".

نص الدرس

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله رب العالمين،وأصلى وأسلم على رسوله الكريم ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وصحبه الغر الميامين ، ومن اقتدى به ،  والتزم بشرعه الى يوم الدين .. وبعد؛

 صاحب الجلالة الملك محمد السادس امير المؤمنين ملك المملكة المغربية الشقيقة حفظه الله تعالى ورعاه .

 أيها الاخوة والأخوات المشاركون في هذا اللقاء العلمي المبارك :

يقول جل من قائل : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة  مائة حبة  والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) البقرة 261 .

ويقول صلوات الله عليه وسلم ( اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية ، وعلم ينتفع به ، وولد صالح يدعو له ). اخرجه البخاري في الادب المفرد ، واخرجه مسلم في صحيحه .

صاحب الجلالة :  في ظلال هذا الآية الكريمة ،  وهذا الحديث النبوي الشريف اتحدث في هذا الدرس من سلسلة  الدروس الحسنية المباركة عن موضوع الأوقاف  وآثارها الاقتصادية و الاجتماعية ؛  باعتبار الوقف انفاقا في سبيل الله يمتد اثره ويدوم بعد وفاة المنفق في أي امر من امور الخير و الاحسان والنفع العام يقصد به اجر الله سبحانه وتعالى وثوابه المستمر .

       فهو كما عبر الرسول الاعظم عليه الصلاة والسلام صدقة جارية مستمرة لا تتوقف يستمر اجرها بالوصول  إلى المتصدق بها بعد وفاته .

       والحديث عن موضوع الوقف وآثاره الاقتصادية والاجتماعية  حديث هام وضروري ، وبخاصة في هذه الفترة الحاسمة من تاريخ امتنا التي تتلمس فيها الحلول والمعالجات لمشكلاتنا الاقتصادية و الاجتماعية ؛  فسوف يظهر هذا الدرس القدرات الفذة التي تتوافر  في الوقف  ، و التي تمكنه من أن يحقق آثاراً بارزة  في  مسيرة التنمية الشاملة في مجتمعاتنا ، وبخاصة في المجالين الاقتصادي و الاجتماعي بل ان الوقف اذا احسن التعريف به و التعامل معه قادر على ان يكون له دور بارز في مجالات التنمية الاخرى : البشرية ، والسياسية ، والثقافية ،  والتعلمية .. لقد قدمت مؤسسة الوقف عبر التاريخ الإسلامي ذلك ، وقدمت انجازات كبرى غطت كل جهات الخير والنفع العام ،  لذا سأحرص في هذا الدرس وضمن الوقت المتاح على التعريف به وبيان انواعه ، وأدلة مشروعيته ، و مجالات عمله ، مع استعراض واقعه في عالمنا الإسلامي ؛ ضمن رؤية  تحرص على التطوير و التحديث مع المحافظة على الاصالة والبناء الفقهي السليم.           

 

      وعلى ضوء ذلك وفي اطاره  أقول :

        نعم إن الاهتمام بالوقف في آفاقه المتعددة من القضايا الهامة ،  والجديرة بكل عناية في هذه الايام ، وبخاصة ما يتعلق بتطوير آلياته وفعالياته ، والعمل الجاد على احياء دوره  البارز ، وتنظيم اموره ، وبناء اجهزته المطلوبة ؛ من اجل تحقيق اهدافه في المجتمع الانساني .

         فالوقف ليس الا تمويلا مستمراً وفاعلاً لمصارف الخير وجهات النفع العام. وبقدر ما يحظى بالعناية تعريفاً به ، وتطويراً ، وحماية ، واثراء لمسيرته ومجالاته المتعددة ؛ بقدر ما يتحقق هذا التمويل لهذه الجهات ..  و بالتالي تسد ثغرات كبيرة في حركة المجتمع ونموه ، وتتحقق الحياة الكريمة لا بنائه .

           وقد ادى الوقف ، وما زال ، هذا الدور بكل فاعلية وعطاء ،  في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية ماضياً وحاضراً .. وهو بحمد الله يجد في هذه الايام العناية الفائقة والاهتمام الواسع ، على كثير من الصعد العلمية والعملية .. وقد عقدت لذلك العديد من المؤتمرات والندوات ، وصدرت الكثير من القوانين و الانظمة والتعليمات في  عدد من بلاد العرب و المسلمين ، وألفت في ذلك الكتب و المؤلفات ، ودبجت البحوث والدراسات و المقالات ،وقامت هنا وهناك البرامج والصناديق والمؤسسات إحياء لدوره وتحقيقاً لأهدافه ، مما نستطيع القول معه أن هناك حراكاً جاداً في هذه المجالات ؛ سيكون له بأذن الله وفضله تعالى الأثر الكبير والنتائج البارزة في تحقيق اهداف الوقف في المجتمع الانساني .

      وقد أولى البنك الاسلامي للتنمية (المؤسسة البنكية الإسلامية العالمية) هذا الموضوع بكل ابعاده عنايته واهتمامه ، فعقد لذلك العديد من الندوات ، ودعم كثيراً من البحوث والدراسات واقام صندوقاًوقفياً دولياً لتفعيل استثمار العقارات و الاراضي الوقفية في العالم الإسلامي ، واهتم اكثر ما اهتم بقضية تثمير الاوقاف دراسة وتطبيقاً ، و قضية توسيع دائرة عطائه ومنافعه في المجتمع الانساني ..  وها هو معهد البحوث والتدريب التابع له يستمر في جهده المبارك خدمة لهذا الموضوع بآفاقه المتعددة ، فدعاني اكثر من مرة للمشاركة في نشاطاته في هذا المجال  وقد القيت محاضرة  في رحابه الخيرة في موضوع حيوي من موضوعات الوقف التي يجب أن تولى كل عناية واهتمام نظراً لدورها البارز هذه الايام. وقد كانت حول موضوع وقف النقود،على أي جهة من جهات الخير حيث يمكن هذا النوع من الوقف بالإضافة الى سد حاجات النفع والخير العام  من القيام  بأنواع  الاستثمار والتنمية الاقتصادية وفق احكام الشريعة الإسلامية ، فيوجد ذلك حراكاً تنموياً واسعاً في المجتمع،لسهولة تحريك النقود في كل مجالات الاستثمار المشروع ، وفق افضل انواع الاستثمار واجداها لمصلحة الوقف ..  بالإضافة الى سهولة وقفها وتخصيص دخل استثمارها لأي جهة من جهات الخير ، امام ازدياد السيولة النقدية في ايدي الناس ، مما يمكن من تغطية فاعلة لجهات الخير.

          ولكن هذا الموضوع الحيوي الهام يتطلب جهوداً علمية في تأصيله وضبط اموره وحمايته ليحقق اهدافه خير تحقيق ..

          واهتم مجمع الفقه الاسلامي الدولي بموضوعات الوقف وقد قدمت له بحثين   الاول عن صور استثمار الاراضي والعقارات الوقفية في دورته الثانية عشرة سنة1421 ه ، 2000 م  .  والثاني عن المؤسسة الوقفية المعاصرة بين التأصيل والتطوير في دورته الثالثة عشرة سنة 1422 ه ، 2001 م .

       كما اهتم بموضوع الوقف مؤسسة آل البيت للفكر الاسلامي  ( المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية ) فعقدت سنة 1996 ندوة من سلسلة ندوات الحوار بين المسلمين بعنوان " أهمية الاوقاف الاسلامية في عالم اليوم " قدمت لها بحثا بعنوان "ادارة الاوقاف الاسلامية في المجتمع المعاصر وبخاصة في الأردن وفلسطين " .        

          ومن هنا تأتي اهمية  هذه المحاضرة لمعالجة آفاق هذا الموضوع معالجه وافية وشافية بإذن الله تعالى ..وهذا يتطلب دراسة الامور الآتية :

اولاً : التعريف بالوقف بصفة عامة وبيان مذاهب العلماء فيه وبخاصة في وقف المنقول باعتبار ان النقود من المنقول  ، تمهيداً لمعرفة المقصود بأنواع الوقف  واهم احكامهافي المذاهب المتعددة.                                                                             

    ثانيا : استعراض اهم ادلة مشروعية الوقف من الكتاب والسنة ، واهم الاحكام الخاصة بالوقف التي اخذها العلماء منها

ثالثا : التعريف بالنقود ، وبيان مذاهب العلماء في وقفها،وبيان اهميته وموجهات تنظيمه.

رابعا :  بعض الصور العملية التاريخية للوقف  بهدف بيان شمول آفاقه وتعدد مجالاته  . اما فيما يتعلق بوقف النقود فان ذلك يشمل :

  •  وقف النقود لغرض الاقراض الحسن .
  • وقف النقود لغرض استثمارها استثماراً مشروعاً ، وإنفاق دخلها في جهة من جهات الخير او اكثر.

  واستعرض ما يتعلق بكل أمر من هذه الأمور  في مطلب مستقل كما يلي: 

المطلب الاول

التعريف بالوقف  بصفة عامة 

          4. كنت قد قدمت لمجمع الفقه الاسلامي الدولي في دورتة الثالثة عشرة [1]دراسة حول الوقف بعنوان : ( المؤسسة الوقفية المعاصرة بين التأصيل والتطوير ) .. وقد قلت في مقدمتها انها تهدف الى ( التصدى لموضوع المؤسسة الوقفية في هذا العصر بالتحليل والنظر باعتبار ان المراد بالمؤسسة الهيكلية الادارية _ مهما صغرت او كبرت _ التي تقوم على الوقف في النظر الإسلامي ، باعتباره حبساً للعين وتسبيلاً للمنفعة على جهات الخير ، بصرف النظر عن أي تفصيلات تندرج تحت هذا العنوان ، ثم بينت ان البحث يتصدى لمعالجة العديد من القضايا الرئيسة التي يتطلبها بناء المؤسسة الوقفية المعاصرة على هدي من نصوص الشريعة )... ثم بينت ان ذلك يتطلب معرفة شاملة لحقيقة الوقف ، وثوابته التي يجب التمسك بها ، وعدم اغفالها في بناء المؤسسة الوقفية المعاصرة ؛ مع الاستفادة من المجالات الرحبة المتروكة للاجتهاد في كل عصر ، او للاختيار بين الآراء الفقهية المتعددة في تفصيلات الوقف وفروعه .

        ثم بينت في المطلب الاول من ذلك البحث طبيعة الوقف الخاصة ومجالات التطوير فيه ، فقلت ان طبيعة الوقف الخاصة تقوم في اهم ما تقوم عليه على حبس العين الموقوفة عن التداول ، فالوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث ..وثم القيام عليه وتوجيه ناتجه ودخله الى جهة من جهات البر او الخير وفق شرط الواقف ..  وعندما فتح الفقهاء باب استبداله ، فقد فتحوه في حدود ضيقة ، وضمن شروط محددة ، ومن هنا وعلى سبيل المثال فإن صيغ استثمار الأراضي الوقفية يجب أن تقوم على استبقاء ملكية الارض الموقوفة محبوسة عن التداول ، مما يتطلب دراسات فقهية خاصة تلاحظ هذه الطبيعة.

          كما أننا في مجال استثمار العقارات الوقفية يجب أن نلتزم بالصيغ المقبولة شرعاً  ..  وهذا يتطلب من الاجتهاد المعاصر العمل على اقتراح صيغ استثمارية جديدة  ، او تطوير الصيغ السابقة لتلبي احتياجات الاستثمار المقبول شرعاً في هذا المجال ، مع ضرورة توافر امكانيات القياس الدقيق للجدوى الاقتصادية للمشروعات من خلال ادوات الاستثمار المعتمدة ،  كما اوضحت في بحثي عن صيغ استثمار الاراضي الوقفية الذي قدمته للدورة الثانية عشرة لمجمع  الفقه الاسلامي الدولي[2].

       وهناك حاجة ملحة لاحياء دور الوقف في خدمة جهات الخير والنفع العام وتحقيق اهدافه في المجتمع، وإلا فأن الوقف يمكن أن ينقلب الى نوع من تعطيل المال .. ولذلك اهتم فقهاؤنا ببيان المسؤولية الكبرى التي يحملها متولو الوقف في اعماره واصلاحه ، ليظل يعود بالنفع على الجهات التي وقف عليها .. وقد باتت تحمل هذه المسؤولية عن  الاوقاف الخيرية في معظم الدول الاسلامية وزارات او دوائر متخصصة في ادارة الوقف وتنميته ، باعتبارها متولياً عاماً على هذه الاوقاف الخيرية ، وامام ذلك اصبحت هذه المسؤولية تتطلب جهوداً كبيرة لتطوير هذه الادارات بالإضافة الى استحداث صيغ جديدة تلبي احتياجات الاستثمار المتزايد امام كثرة الاراضي الوقفية التي باتت تقع تحت مسؤولية هذه الجهات .

      بالإضافة الى ما اسند الى هذه الوزارات أو الادارات من مسؤولية عن  الاوقاف الذرية بقرارات من القضاء في حالات فشل المتولين على هذه الاوقاف او انحرافهم او انقطاع الذرية لسبب أو لآخر .

      ثم إن كثيراً من الجهات الوقفية والخيرية في المجتمعات الاسلامية باتت تلجأ إلى صيغة الوقف لتمويل المشروعات الثقافية والصحية والاجتماعية ، وإن التوجه الاسلامي اخذ يستجيب لهذه الصيغ ، وبدأ المحسنون يقفون الاوقاف المنقولة وغير المنقولة لهذه الاغراض ، مما يحمل هذه الجهات مسؤولية كبيرة في تقديم افضل الصيغ ، وأكثرها اماناً ودقة لإدارة هذه الاوقاف والمحافظة عليها ، لتتمكن من تحقيق الاهداف الخيرية المنوطة بها .

وهنا لابد من التنبيه إلى أن كثيراً من هذه الاوقاف التي اخذت في القيام هنا او هناك ، هي أوقاف نقدية ، مما يتطلب اهتماماً خاصاً بتأصيل هذا النوع من الوقف وتفعيله وحمايته وتحقيق الاستثمار الراشد له ، مما يحقق أهداف الوقف في المجتمع ، بالإضافة الى الاطمئنان على استمرار هذا الوقف ونموه باضطراد بإقبال المحسنين عليه عندما يقوم هذا النمو على الاستثمارات النافعة المقبولة شرعاً.

        وقد اهتم الفقهاء بتعريف الوقف وتعددت تعريفاتهم له على ضوء اختلاف مذاهبهم في كثير من احكام الوقف من حيث لزومه وعدم لزومه ، ومن حيث اشتراط القربة فيه او عدم اشتراطها ،ومن حيث الجهة المالكة للعين الموقوفه بعد وقفها ، إلى غير ذلك من امور تحدد طبيعة الوقف وحقيقته في المذاهب الفقهية المتعددة .

          فمن تعريفات الشافعية مثلاً حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه على مصرف مباح[3] ، وعرفه أبوحنيفه بأنه : حبس العين على ملك الواقف والتصدق بالمنفعة ، وعرفه الصاحبان بأنه : حبس العين على ملك الله تعالى وصرف منفعتها على من أحب[4].

          وعرفه أئمة المالكية بأنه : إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازماً بقاؤه في ملك معطيه ولو تقديراً[5].وعرفه أئمة الحنبلية : بأنه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة [6]، وعرفه من الفقهاء المعاصرين المرحوم الشيخ محمد ابو زهرة بقوله : والوقف هو : منع التصرف في رقبة العين التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها ،وجعل المنفعة لجهة من جهات الخير ابتداء ، او انتهاء[7]

      وعرفه القانون المدني الاردني،وذلك في المادة 1233  ،   باعتباره مستمداً من الفقه الاسلامي ،استفادة من مجموع التعريفات السابقة بأن : ( الوقف : حبس عين المال المملوك عن التصرف وتخصيص منافعه للبر ولو مالاً ).وعرفه قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية الاردني في مادته الثانية بقوله : الوقف :

 (حبس عين المال المملوك على حكم ملك الله تعالى على وجه التأبيد ، وتخصيص منافعه للبر ولو مآلاً ، ويكون الوقف خيرياً اذا خصصت منافعه لجهة بر ابتداء ، ويكون ذرياً اذا خصصت منافعه لشخص ( او أشخاص معينين ) وذرياتهم من بعدهم ، ثم الى جهة من جهات البر عند انقراض الموقوف عليهم )

وفي المغرب الشقيق  عرفت مدونة  الاوقاف  التي صدر بها  الظهير الشريف في 8 ربيع الاول  1431ه الموافق 23 فبراير 2010 م  الوقف في مادتها الأولى  بقولها (  الوقف : هو كل مال حبس أصله  بصفة مؤبدة او مؤقتة ، وخصصت منفعته لفائدة جهة برّ واحسان عامة او خاصة ) .

                 وواضح من مجموع هذه التعاريف أن الوقف له طبيعة خاصة تقوم على حبس العين عن التداول ، وبالتالي لا يجوز فيها أي تصرف يمس هذا الحبس ،مثل التصرف فيها بالبيع او الهبة ، او بأي تصرف آخر يؤثر على ديمومة تمحضها لأن ينفق دخلها ، وما ينتج منها على الجهة الموقوف عليها ، هذا من ناحية ، ومن ناحية اخرى يجب المحافظة على استمرارية تدفق دخلها للجهة الموقوفة عليها ، وإن أي عملية في هذا الاطار يجب أن تكون في المحصلة لمصلحة هذه الجهة وفي إطار ما هو جائز شرعاً .. وهذا أمر تقوم على تقديره الجهة المتولية لإدارة الوقف واستثماره تحت رقابة القضاء الشرعي ، ووفق الأسس والقواعد المقررة في القوانين والأنظمة السارية المفعول ، الملتزمة بأحكام الشريعة ، والتي تعتبر شرط الواقف كشرط الشارع ، مما يوجب مراعاته عند التعامل مع الوقف إدارة واستثماراً.           

        والواقع ان الفقهاء في الأصل قد اختلفوا في ملكية العين الموقوفة على ثلاثة مذاهب..كما أوضحت ذلك في كتابي الملكية في الشريعة الاسلامية[8] :

       المذهب الاول : العين الموقوفة تكون على حكم ملك الله تعالى. وهو الراجح من اقوال الشافعية ، وإليه ذهب ابو يوسف ومحمد والظاهرية ، وهو المختار في مذهب الحنفية ، ورواية عند الحنبلية ، ففي مغني المحتاج : ( الاظهر ان الملك في رقبة الموقوف على معين او جهة ينتقل الى الله تعالى ، وفسر المصنف انتقاله الى الله تعالى بقوله : أي ينفك عن اختصاص الآدمي من ذكر أو أنثى ، وإلا فجميع الموجودات له سبحانه وتعالى في كل الاوقات، قال الامام فيالشامل :(لا يتصور في حق العباد ملك الرقاب ، وإن أطلق توسعاً فالملك في الحقيقة هو لله تعالى )[9] .

          والملكية لله تعالى لا تعني انها ملك لبيت المال [10] ، انما هي نوع من الملكية العامة ، كما بينت عند الحديث عن صور الملكية العامة في الشريعة الاسلامية في كتابي الملكية في الشريعة الاسلامية في الباب الأول الفصل الرابع منه

         المذهب الثاني : العين الموقوفة تكون ملكيتها ثابتة للواقف ، وهو مذهب المالكية ، و ابي حنيفة خلافا للصاحبين ، وقول للشافعية ، ورواية عند الحنبلية ، والراجح عند الإمامية ، ورجحها الكمال من الحنفية. لذلك عرفوا الوقف بأنه : حبس العين على ملك الواقف ، والتصدق بالمنفعة. واضاف ابو حنيفة ان الوقف غير لازم الا اذا توافرت شروط معينة.

       المذهب الثالث : العين الموقوفة تكون ملكيتها للموقوف عليهم،وهو مشهور رأي الحنبلية،وقول للشافعية. والموقوف عليهم في الوقف الخيري غير معينين بأشخاصهم ، ولا يكونون معينين الا في الوقف الذري[11] .

       وجاء في الذخيرة للقرافي من كتب المالكية  : ((تأثير الوقف بطلان اختصاص المالك بالمنفعة‘ونقلها للموقوف عليه ، وسلب أهلية التصرف في الرقبة بالإتلاف والنقل للغير،والرقبة على ملك الواقف. وقال الشافعي وأحمد : يبطل ملك الواقف ، ثم اختلفا،قول الشافعي في مشهوره ؛ ينقله لله تعالى ،لأنه قربة كالعتق ، وقال أحمد:ينقله للموقوف عليه ، كالهبة))[12]

          والملكية التي قال بها الفقهاء للواقف أو للموقوف عليهم هي ملكية مقيدة لا تجيز لهم التصرف في الاعيان الموقوفة بالبيع أو الهبة.        

        وقد رجح كثير من العلماء المذهب الاول باعتبار ان الوقف إزالة للملك على وجه القربة يمنع التصرف فيه بعد هذه الإزالة ، إلا عند الفقهاء الذين قالوا بعدم  لزوم الوقف ، (ومن المعلوم ان الرأي الراجح لزوم الوقف ) فأجازوا للواقف الرجوع عنه ، وعند ذلك يجوز بيعه أو التصرف فيه ، لأنه لو كانت العين الموقوفة مملوكة للواقف أو الموقوف عليه لجاز لهم التصرف فيها ، ولما كان هذا التصرف ممنوعاً ، فدل ذلك على عدم وجود الملكية ، لأن الملكية تستلزم جواز التصرف .

       ويؤكد هذا أن العين الموقوفة عند وفاة الواقف لا تنتقل الى الورثة ، بل يظل حكم الوقف مشابهاً تماماً لحكمه قبل الوفاة .. مما يعني عدم وجود ملكية للواقف أو الموقوف عليهم ، وإلا لانتقلت منهم للورثة .

          والذي دفع الفقهاء الذين قالوا بملكية الواقف أو الموقوف عليه للعين الموقوفة ضمن شروط معينة هو الحرص على تمييز الوقف عن  السائبة ، باعتبار أن الوقف ليس فيه اسقاط للملكية ، إنما ابقاء لها على حكم ملك الواقف ، أو نقلاً لها للجهة الموقوف عليها .

       وأما المذهب الراجح فيكون الأمر فيه من باب نقل الملكية الى حكم ملك الله تعالى ، وحبسها على ذلك حتى لا يجوز التصرف فيها ، أو هو تصور فقهي يقوم على افتراض جهة مالكة يمكن التعبير عنها ، كما يرى كثير من الفقهاء المعاصرين بالشخصية الحكمية للوقف ، وهي التي عبر عنها الفقهاء القدماء بحبس العين على حكم ملك الله تعالى ... والا فمن المعلوم أن كل الاشياء لله تعالى .

       واما مذاهب العلماء في وقف المنقول فقد اختلفوا في ذلك الى ثلاثة مذاهب[13]

كما يلي :

          المذهب الاول :  منع وقف المنقول أيا كان ، وقصر الوقف على العقار وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة ، وحجته  في ذلك أن ما جرى عليه السلف هو وقف العقار،وان مقتضى الوقف التأبيد ، ولا  يتصور ذلك في المنقول.

         المذهب الثاني : هو مذهب الصاحبين وابن حزم ، ويقوم على أن الاصل وقف الارض والعقار ؛ لكنهم اجازوا بعض صور وقف المنقول اذا كان  تابعاً للأرض أو للعقار ، مثل وقف ضيعة ببقرها وشجرها باعتبار أن ما لا يصح قصداً قد يصح تبعاً ، ويغتفر في التوابع ما لا يغتفر في أصولها ، أو لغرض هام كالجهاد مثل وقف السلاح والخيل والدروع ، و انه قد جاءت بذلك النصوص  كما بينا. وأضاف محمد جواز وقف المنقول اذا جرى به العرف [14] .

          المذهب الثالث : وهو قول جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنبلية فقد أجازوا وقف المنقول ما دام قد جاز الانتفاع به مع بقاء عينه مثل الحيوانات والسلاح والأثاث ، فلا يجوز فقط وقف ما لا ينتفع به الا باستهلاكه ، او لا يدوم الانتفاع به مثل الطعام و الشراب والعطور وغيرها[15] .

         وهذا هو المذهب الراجح في اطار الفهم الواسع لقوله صلى الله عليه وسلم : " اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث : ذكر منها صدقة جارية ،وبخاصة انه قد وردت عدة نصوص بجوازه سوف ابينها بالتفصيل عند استعراض ادلة مشروعية الوقف في المطلب الثاني .

 المطلب الثاني

استعراض اهم ادلة مشروعية الوقف من الكتاب والسنة ،  واهم الاحكام الخاصة بالوقف التي اخذها العلماء منها

    وواضح أن المذاهب الفقهية في هذا المجال قد قامت على ما ورد من نصوص  شرعية في الكتاب والسنة ، والتي استدل بها العلماء على مشروعية الوقف ،وأخذوا منها العديد من أحكامه . ومن أهم هذه النصوص :

1-عموم الآيات الكريمة التي دعت الى الانفاق في سبيل الله والصدقة والبر بدفع الاموال للمحتاجين ، قال تعالى : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) آل عمران : 92، وقال سبحانه : ( وما تقدموا لا نفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً ) المزمل : 20  ، وقوله تعالى الذي استهللت به هذا الدرس . والذي يؤكد هذا الاستدلال اعتبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوقف من صور التطبيق لبعضها ، كما يظهر من الاحاديث القادمة .

2- الاحاديث الشريفة ، ومنها:

أ- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اذا مات العبد انقطع عمله الا من ثلاث : صدقة جارية ، او علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له )[16] ، فالوقف هو الصدقة الجارية.

        ب- عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : أصاب عمر بخيبر أرضاً ، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصبت أرضاًلم أصب مالاً قط أنفس منه ، فكيف تأمرني به ؟ فقال : ( إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ) فتصدق بها عمر : أنه لا يباع أصلها ، ولا يوهب ، ولا يورث ، في الفقراء ، والقربى ، والرقاب ، وفي سبيل الله ، والضيف ، وابن السبيل ، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، او يطعم صديقاً غير متمول فيه ، قال : فحدثت به ابن سيرين فقال : غير متأثل مالاً [17] .

  ج - واخرج البخاري ومسلم عن اسحاق بن ابي طلحة ، انه سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر الانصار بالمدينة مالاً من نخل ، وكان أحب امواله إليه بيرحاء ، وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله صلى الله علي وسلم يدخلها ، ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما أنزلت هذه الآية : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) آل عمران :92 ، جاء ابو طلحة الى رسول صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! إن الله تبارك وتعالى يقول : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون )، وإن احب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بخ ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ) فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه[18] .

د- روى ثمامة بن حزن قال : شهدت الدار (وقت الاعتداء على عثمان بن عفان رضى الله عنه في داره ) حيث أشرف عليهم عثمان فقال : أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدَم المَديِنَةَ وَلَيْس ِ بها ماءُ يُستَعْذَبُ  غَيْرَبِئْرِ رُومَةَ ؟ فَقال : ( مَنْ يَشْتَرِى بْئرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ فِيها دَلْوَهُ مَعَ دِلاءِ الُمسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْها فىِ الجَنَّةِ؟ فاشْتَرَيْتُها مِنْ صُلْبِ مالى)[19].

ه-ما ثبت ان النبي صلى الله علية وسلم قد وقف في سبيل الله ويدل على ذلك:

       1- ما اخرجه البخاري وغيره عن عمر بن الحارث ابن المصطلق انه قال : ماترك رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بغلته البيضاء وسلاحه ، وارضاً تركها صدقة[20].

 2- وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا نورث ، ما تركناه صدقة)[21].  

         وقد ورد في وقف المنقول :

1.   ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال : ( من احتبس فرساً في سبيل الله ، إيمانا بالله ، وتصديقاً بوعده فإن شبعه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة حسنات )[22].

2.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق خالد بن الوليد :((وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً ؛ فقد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله)) [23].

3.  وروى ابن عباس رضي الله عنه قال : أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج ، فقالت امرأة لزوجها : أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما عندي ما أحجك عليه ،قالت :أحجني على جملك فلان ،قال : ذلك حبيس في سبيل الله عز وجل ،فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله ، وإنها سألتني الحج معك ، قالت : أحجني مع رسول الله ، فقلت : ما عندي ما أحجك عليه ، فقالت : أحجني على جملك فلان ، فقلت : ذلك حبيس في سبيل الله ،فقال (( أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله )) [24] فقد اقره الرسول صلى الله عليه وسلم على تحبيس جمله ، وهو من المنقول.        

     وعلى ضوء ذلك وقف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،قال جابر : لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف ، ومن ذلك وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسهمه في خيبر ، فعن ابن عمر قال : قال عمر للنبي صلى الله وسلم : (( إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالاً قط أحب إلي منها قد أردت ان أتصدق بها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( احبس اصلها وسبل ثمرتها )) [25].

         وقد أفرد الفقهاء للوقف باباً في كتبهم وأخذوا كثيراً من أحكام الوقف من هذه النصوص ، بالإضافة إلى مصادر الاجتهاد الأخرى ؛ أشير الى أهمها فيما يلي:    

  • وجوب أن تصرف غلته في جهات البر والإحسان والخير التي حددها الواقف. 
  • وجوب أن يحجز من غلته ما يكون من موجبات إدارته وإصلاحه وعمارته بما يضمن استمرار غلته ، من ذلك أجرة الناظر المتولي إذا لم يكن متبرعاً ، ويكون تقديرها للناظر ، أو للقاضي ، ووفق ما هو مستقر في العرف ، وقد تحملت في عدد من الدول نفقات ادارة الأوقاف والإشراف عليها الموازنة العامة للدولة ،  وتركت دخول الأوقاف للموقوف عليهم ، كما في الاردن مثلاً تشجيعا للوقف وحثا عليه.                  
  • يجب أن يكون الواقف جائز التصرف شرعاً.
  •  و أن تكون العين الموقوفة مملوكة له ملكاً تاماً.
  •  وأن تكون معينة يصح الانتفاع بها مع بقاء أصلها ، فلا يجوز وقف ما يكون الانتفاع به بإتلافه.
  •  وأن يكون الوقف على جهة خيرية يصح تملكها ، فلا يصح وقف ما يكون على محرم أو مكروه.
  • كما يجب أن يكون الوقف على معلوم معين ، فلا يصح على مجهول أو مبهم ، لتعذر إيصال النفع إليه.
  • وألا يعلق على مجهول ، فيجب أن يكون ناجزاً أو معلقاً على معلوم مثل موت صاحبه ، فعندها يأخذ أحكام الوصية فلا ينفذ إلا بقدر الثلث.
  • ولا يجوز اإلى وارث ، وألا يكون فيه ظلم أو أثم ، كأن يوقف على بعض ورثته دون بعض ، قال تعالى :  ( فمن خاف من موصٍ جنفا أو إثما فأصلح بينهما فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) البقرة : 182.
  • وشرط الواقف كشرط الشارع من حيث الفهم والاستدلال من ناحية   ، ومن ناحية أخرى من حيث التنفيذ له ، إلا إذا كان مخالفاً للشريعة ، فلا ينفذ شرط الواقف.
  • والنظارة على الوقف تكون للواقف أو من يراه حال حياته أو بعد وفاته ، وإلا فتكون للحاكم الشرعي بشروط أساسها الأمانة والتقوى والكفاءة. 
  • وقد بين العلماء أن القاضي له سلطة المتابعة والمراقبة لسلوك النظار ، وله حق تغييرهم إذا لم يكونوا أهلاً لذلك ، وله اجازة كثير من تصرفاتهم في الاستبدال والإجارة الطويلة. 

      وقد عالج القانون المدني الاردني المستمد من احكام الفقه الاسلامي الكثير من احكام الوقف ، وهو أمر يؤكد  رحابة المجالات للتطوير في ميادين الادارة وصيغ الاستثمار والتنمية ، حيث أن هذا الامر متروك للجهات المسؤولة في المجتمع عن هذه القطاعات ، والتي يجب عليها ان تبذل كل جهد ممكن لرعايتها ، وإتقان ادارتها ، وتحقيق افضل النتائج لها في اطار رسالة الوقف وأهدافه العظيمة .

وفي المملكة المغربية الشقيقة صدر بالاحكام المنظمة لشؤون الوقف  مدونة الوقف بموجب الظهير الشريف الذي صدر عن جلالتكم  سنة 2010 والذي اشرت اليه سابقا . وقد ذكر مطلعه الاسباب الموجبة لصدوره  مبينا ان ذلك قد كان بهدف العناية بالاوقاف وحمايتها، ووعيا على أهميتها ودورها الطليعي باعتبارها ثروة وطنية  ، وعنصرا فاعلا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد ، وبهدف تأطيره تأطيرا قانونيا حديثا يمكنه من مواكبة التحولات الشاملة التي تعرفها البلاد المغربية ، ويراعي الخصوصية المستمدة من أحكام الفقه الاسلامي . ثم بين الظهير بعد ذلك أن هذا الاصدار  للمدونة هو لجمع الاحكام  المتناثرة  للوقف  ، ولحسم التضارب في أموره  ، واعادة  تنظيم احكامه القانونية  شكلا ومضمونا   ( بما يضمن تقيدها  باحكام الفقه الاسلامي ، ويضفي عليها طابعا عصريا متميزا  ) 

المطلب الثالث

التعريف بالنقود ومذاهب العلماء في وقفها وبيان أهميته وموجهات تنظيمه          

          معنى النقود في اللغة والاصطلاح : النقد لغة خلاف النسيئة ، وهو يعني ابراز الشيء وإظهاره ، ونقده أياها أعطاها أياها ، لأنه يبرز حاله ويكشفها بهذا الاعطاء ، وأطلق على ما يعطي من الثمن معجلاً من الدراهم والدنانير[26].

          والنقود في الاصطلاح أدوات مالية أستعملت لتيسير التبادل بين الناس سلعاً وخدمات ، فاعتبرت معياراً يحتكم إليه في تقويم الاشياء  والمنافع والجهود من أجل تيسير تبادلها ، والتعامل فيها بين الناس ، وتسهيل ادخارها .. فعرفوها بأنها ما اتخذه الناس وسيطاً للتبادل ، ومخزناً للقيم ، ومقياساً للاسعار [27] ، واصل مدارها قد استقر على الذهب والفضة قروناً طويلة حتى ظهرت النقود الورقية ، والذي كان اصل اعتبارها ما تمثله من ذهب حتى سنة 1963 م[28] ، حيث رفعت الولايات المتحدة الأمريكية قاعدة الذهب لاعتبار النقود اعتماداً على الثقة في اقتصاد الدولة ، وحذت حذوها دول كثيرة ..  وأمام التذبذب الواضح في أسعار العملات يلح كثير من الاقتصاديين على اعادة الاعتبار لقاعدة الذهب او سلة العملات ، لتحقيق التوزان والاستقرار في اسعار العملات ، نظراً لما يسببه ذلك من أزمات اقتصادية خطيرة ، ويلاحظ هنا عند استخدام الذهب والفضة في التبادل فإن قيمتها في ذاتها ، أما عند استخدام الاوراق النقدية فالقيمة تكون بالاعتبار مما يجعل سعرها متفاوتاً ومتقلباً   وعلى هذا سار مجمع الفقه الاسلامي الدولي باعتبار العملة الورقية نقداً اعتبارياً له صفة الثمنية كاملة ، ولها الاحكام الشرعية المقررة للذهب والفضة من حيث أحكام الربا والزكاة والسلم وسائر أحكامها[29]..

          وقد جاء في قرار مجمع الفقه الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في سنة 1402 هجرية .) يُعد الورق النقدي نقدًا قائمًا بذاته ، كقيام النقدية في الذهب والفضة وغيرهما من الأثمان ، كما يعتبر الورق النقدي أجناسًا مختلفة تتعدد بتعدد جهات الإصدار في البلدان المختلفة.. إلى أن قال:  وهذا يقتضي ما يلي :

  • إنه لا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقًا.
  • كما لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلا سواء كان ذلك نسيئة أو يدًا بيد..
  • وأنه يجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقًا إذا كان ذلك يدًا بيد ، وأنه تجب فيه الزكاة إذا بلغت قيمتها أدنى النصابين من ذهب أو فضة أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.

 وأنه يجوز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات ونحوها)  .مذاهب العلماء في وقف النقود:

   ونستطيع ان بين خلاصة ما ذهبت اليه المذاهب الاربعة في وقف النقود كما يلي:

أ-ذهبت الحنفية في الراجح ، والمالكية في المذهب ، وقول عند الشافعية ، وقول عند الحنبلية .. الى جواز وقف الدراهم والدنانير ، اذا وقفت للسلف ورد البدل (  للقرض الحسن ) واعتبروا ان رد البدل قائم مقام بقاء العين ....اما وقفه مع اشتراط بقاء(.عينها فلا يجوز ، واجازو ايضاً وقف الدارهم والدنانير بدفعها مضاربة،وما خرج من الربح يتصدق به في الجهة التي وقف عليها.                                                     

ب- ومنع وقف النقود الحنبلية في المذهب ، والشافعية في الراجح ،وقول عند الحنفية،لان الوقف تحبيس الاصل ،وتسبيل المنفعة ، ومالا ينتفع به الا بإتلافه لا يصح فيه ذلك. وهنالك قول عند المالكية  بالكراهة فقط[31].

        وقد بين العلماء أن القاعدة الاساسية المعتمدة في ما يجوز وقفه من الاموال هي أن : ( كل ما أمكن الانتفاع به مع بقاء أصله ويجوز بيعه ، يجوز وقفه) [32].

       وقد بين العلماء أن الاموال بهذا الصدد ؛ عروض يقصد الانتفاع بأعيانها ، ونقود هي وسيلة إلى تحقيق المقصود من حيث الانتفاع بقيمتها دون ذات أعيانها .

          يقول ابن رشد في بداية المجتهد : ( المقصود من النقود المعاملة أولاً ، لا الانتفاع بأعيانها ، أما المقصود من العروض فهو الانتفاع أولاً ، لا المعاملة ، وأعني بالمعاملة كونها ثمناُ )[33].

          كما بين العلماء أن من  العروض ما يتحقق الانتفاع بها بإستهلاك عينها ، وهي السلع الاستهلاكية. والعروض التي ينتفع بها دون استهلاكها نوعان عروض ثابتة وعروض منقولة ، والثابتة مثل العقارات بما يشمل الأراضي والمباني ، والمنقولة مثل المصاحف و الاواني ...[34].

         والذين ذهبوا الى عدم جواز وقف النقود لاحظوا أن النقود مما يستهلك ، بمعنى أن التصرف فيها يخرجها من الملك فلا تعود موقوفة ، ولم يتصوروا الانتفاع بها مع بقاء العين الموقوفة ، فدوام الانتفاع بالعين الموقوفة غير متحقق فيها ، فالنقد يتلف بالانتفاع بها ، فلا يعود مستفاداً منه لذاته ، بل بما اشترى به. بالإضافة الى سهولة الاعتداء عليه .

ولكن مع تطور الحياة الاقتصادية ، وقيام المؤسسات والصناديق المالية  بات من الواضح تصور بقاء النقود بقيمتها ، وليس بأعيانها ، وتحقيق الارباح من استثمارها مع المحافظة على رأس المال ، بل واستخدامه في عمليات استثمارية متلاحقة تدر دخلاً مناسباً مع بقاء رأس المال النامي .

          وقد لاحظت أن الراجح من أقوال الفقهاء جواز وقف المنقول مادام أنه يمكن الافادة منه مع بقاء عينه. وهذا متصور بشكل واضح في النقود فيمكن الافادة من وقفها مع بقاء قيمتها ، الا اذا اشترط في وقفها المحافظة على بقاء اعيانها ؛ فعند ذلك لا يجوز مثل هذا الوقف ، اذ لا فائدة منه ، وفيه تعطيل للمال ، ومنع له من أن يؤدي دوره في حركة الاقتصاد والتنمية .

           ويلاحظ أن بعض الباحثين يذكرون النقود مع الاسهم عند بحثهم في هذه القضايا ، والواقع ان طبيعة كل منهما مختلفة عن الآخر ؛ فالنقود هي ادوات لقياس قيم السلع والخدمات ، أما الاسهم فهي عبارة عن مشاركات في ملكية شركة بأصولها ورأس مالها ، وما تقوم به من أعمال تدر دخلاً . ومن استخدامات النقد المشاركة في الشركات المساهمة او شراء الاسهم .  

       ووقف النقود فيه مرونة كبيرة في امكانية تنويع الاستثمار ، مما يمكن من تحقيق الارباح والدخول العالية ، والتي تغطي آفاق الحاجات العامة وجهات النفع العام ،ويمكن من خلال مقدار يسير يوقفه الشخص بالإضافة الى اشخاص آخرين ان تتكون وقفية نقدية كبيرة او صناديق وقفية كبيرة ، ومتنوعة مما يسهل قيام هذه الوقفيات بواجباتها ، بالاضافة لدور ذلك الكبير في تحقيق التنمية الاقتصادية  في المجتمع .

          ومن هنا تأتي أهمية العناية بتأصيلها ، والتعريف بها والاستفادة من امكانياتها العظيمة ، وذلك من خلال البحوث والدراسات والندوات والمؤتمرات والمجامع الفقهية ومجالس الفتوى.

          وقد اهتم بها الدارسون والباحثون فعقدت لها ولغيرها من قضايا الوقف المؤتمرات مثل المؤتمر الثاني للوقف والذي عقد في جامعة أم القرى سنة 1427 هجرية الموافق 2006 م . واهتم بها مجمع الفقه الاسلامي الدولي في دوراته الثانية عشرة[35] والثالثة عشرة[36] و الخامسة عشرة[37] .

  وقد جاء في قرار المجمع:

1- وقف النقود جائز شرعاً ، لأن المقصد الشرعي من الوقف وهو حبس الأصل وتسبيل المنفعة متحقق فيها؛ولأن النقود لا تتعين بالتعيين،وإنما تقوم أبدالها مقامها.

2- يجوز وقف النقود للقرض الحسن ، وللاستثمار إما بطريق مباشر،أو بمشاركة عدد من الواقفين في صندوق واحد ، أو عن طريق إصدار أسهم نقدية وقفية تشجيعاً على الوقف،وتحقيقاً للمشاركة الجماعية فيه.

3-إذا استثمر المال النقدي الموقوف في أعيان ؛ كأن يشتري الناظر به عقاراً أو يستصنع به مصنوعاً ، فإن تلك الأصول والأعيان لا تكون وقفاً بعينها مكان النقد ، بل يجوز بيعها لاستمرار الاستثمار ، ويكون الوقف هو أصل المبلغ النقدي[38].

       وقد كتب الفقيه الحنفي المفسر المشهور مفتي السلطنة ابو السعود محمد بن محمد العماوي المتوفي سنة 952 هجرية رسالة في جواز وقف النقود حققهاوعلق عليها ابو الاشبال صغير أحمد شاغف الباكستاني سنة 1983 ، ونشرتها دار ابن حزم للطباعة والنشر في لبنان سنة 1417 هجرية الموافق 1997 م ... ولقد تبنى فيها المصنف الراجح من مذهب أبي حنيفة ، وهو القول بالجواز ، وهو الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الشيباني .

        وبين ابو السعود بعد أن استعرض العديد من أقوال الحنفية في جواز وقف المنقول اذا جرى به عرف وفق ما تبناه الامام محمد بن حسن الشيباني قائلا ( ان قلت : كيف يدخل محل النزاع ، أعني النقود ، تحت اسم المنقول ، ولها اسم خاص      

بها يمتاز عن الاعيان المنقولة حتى يندرج تحت عموم العبارة المذكورة ، قلت : لا شك في انها داخله تحته لغة وهو ظاهر ، واختصاصها عرفاً او شرعاً باسم خاص بها عند استعمالها في مقابلة الاعيان لا ينافي دخولها تحته ، وفق الاطلاق عرفاً او شرعاً. ثم اخذ يستدل على ما ذهب إليه[39].

     واوضح ما ذهب اليه بقوله ( قلت : نزل بقاء امثالها منزلة بقاء اعيانها ، وبذلك تم صدق التعريف ( تعريف الوقف وترتب الاحكام عليه) ثم بين ان وقف النقود يشمل وقفها لتقرض للفقراء ، او تدفع مضاربة ويتصدق بالربح. ثم قال فكأنه يشير بصورة الاقراض الى انتفاع الفقير بعين الوقف ، وبصورة المضاربة الى للانتفاع بغلته [40].

          وذكر عن البزازية وهو كتاب اسمه الجامع الوجيز لمحمد بن محمد البزازي الكردرى (الحنفي)المتوفى سنة 827 هجرية من قول الحنفية : وقف الدراهم والدنانير والمكيلات والموزونات غير مقيد بقيد التعارف[41] وقد رفض ابو السعود هذا الاطلاق ، وقال : فالقول بالجواز على الاطلاق خارج اصول ائمتنا[42] .

وفيما يلي استعراض للعديد من اقوال العلماء  المؤيدة لجواز وقف النقود:

1.   عقد الامام البخاري المتوفى سنة 256 هجرية في صحيحه  بابا بعنوان وقف الدواب والكراع والعروض والصامت(وهو ضد الناطق ، والمراد به من النقد الذهب والفضة)[43]وذكر فيه ان الزهري (التابعي المعروف المتوفي سنة 121 هجرية) قال : فيمن جعل الف دينار في سبيل الله ، ودفعها الى غلام له تاجر يتجر بها ، وجعل ربحه صدقه للمساكين و الاقربين ،هل للرجل أن ياكل من ربح تلك الالف شيئاً ، وان لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين. قال:ليس له أن ياكل منها[44]. فهو يدل على اقرار الزهرى لوقف النقود.       

2.   ذكر صاحب الفتح القدير الكمال بن الهام ان محمداً الانصاري ، وكان من اصحاب زفر قد سئل فيمن وقف الدراهم او الطعام او ما يكال او يوزن أيجوز ذلك ؟ قال : نعم ، قيل كيف ؟ قال : يدفع الدراهم مضاربة ، ثم يتصدق بها في الوجه الذي وقف عليه[45] .

3.   وجاء عن أحمد كما ذكر ابن تيمية ما يشير الى ان  وقف النقود صحيح حيث نقل الميموني عنه : ان الدراهم إذا كانت موقوفة على أهل بيته ففيها الصدقة ( الوقف الذُري) ، وإذا كانت موقوفة على المساكين فليس فيها صدقة (الوقف الخيري). قلت : رجل وقف الف درهم في سبيل الله؟ قال : ان كانت للمساكين فليس فيها شئ . قلت : فإن وقفها في الكراع  والسلاح قال:هذه مسألة لبس و اشتباه ، ووجه ذلك انه قد يعينه لقوم بعينهم  مثل اولاده ، فعليهم  الزكاة ، بخلاف ما لو تركه عاماً فلا زكاة فيه.

4.   قال ابو البركات : وظاهر هذا جواز وقف الاثمان  لغرض القرض أو التنمية والتصدق بالربح كما قد حكينا عن مالك و الأنصارى.وقال:ومذهب مالك صحة وقف الأثمان للقرض.وقال محمد بن عبد الله الأنصارى:يجوز وقف الدنانير؛لأنه لا ينتفع بها الا باستهلاك عينها ، وتدفع مضاربة ،ويصرف ربحها في مصرف الوقف ثم قال : وهذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد ، و كثيرٌ من اصحابه منعوا  وقف الدراهم والدنانير[46].

5.   وفي حاشية ابن عابدين بيان وافى عن هذا الموضوع حيث يقول:ولما جرى التعامل في زماننا في البلاد الرومية وغيرها في وقف الدراهم والدنانير

 دخلت تحت قول محمد المفتى به في وقف كل منقول فيه تعامل كما لا يخفى ؛ فلا يحتج على هذا إلى تخصيص القول بجواز وقفها بمذهب الإمام زفر من رواية الأنصارى ، والله تعالى أعلم ، وقد أفتى مولانا صاحب البحر بجواز وقفها ولم يحك خلافا[47].

       ثم قال: ( قلت : إن الدراهم لا تتعين بالتعيين ، فهى وإن كانت لا ينتفع بها مع بقاء عينها ؛ لكن بدلها قائم مقامها لعدم تعينها ، فكأنها باقية ، ولاشك في كونها من المنقول،فحيث جرى فيها تعامل دخلت فيما أجازه محمد ، ولهذا لما مثل محمد بأشياء جرى فيها التعامل في زمانه قال في الفتح: إن بعض المشايخ زادوا أشياء من المنقول على ماذكره محمد لما رأوا جريان التعامل فيها، وذكر منها مسألة البقرة  الآتية ومسألة الدراهم والمكيل[48].

6.    قال المطيعي : ( وقد أختلف أصحابنا في الدراهم والدنانير ؛ فمن قال بجواز أن تكون لها ثمرة دائمة كالإجارة أجاز وقفها، ومن قال بعدم جواز الإجارة‘قال بعدم جواز الوقف فيها ، لأن تلك المنفعة ليست المقصود الذي خلقت له الأثمان ، ولهذا لا تضمن في الغصب فلم يجز الوقف له ، وأجاز الأصحاب وقف الدراهم والدنانير حلياً وللعارية لما روى نافع قال :ابتاعت حفصة حليا بعشرين ألفا فحبسته عاى نساء آل الخطاب فكانت لا تخرج زكاته ، رواه الخلال بإسناده ، ولأنه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائما فصح وقفها كالعقار ، ولانه يصح تحبيس أصلها وتسبيل الثمرة فصح وقفها كالعقار،وإلى هذا ذهب أصحاب أحمد.

( وروى عن أحمد أنه لا يصح وقفها ، وأنكر الحديث عن حفصة في وقفها ، وذكره ابن أبى موسى ، ووجه هذه الرواية أن التحلى ليس هو المقصود الأصلى من الأثمان ؛ فلم يصح وقفها عليه ، كما لو وقف الدنانير والدراهم.

( قال ابن قدامة : والأول هو المذهب ، والتحلى من المقاصد المهمة والعادة جاريه به ، وقد اعتبره الشرع في إسقاط الزكاة عن متخذه وجوز إجارته لذلك ، وبفارق الدراهم و الدنانير ، فان العادة لم تجر بالتحلى به ، ولا اعتبره الشرع في اسقاط  زكاته ولا ضمان نفعه في الغصب بخلاف مسألتنا)[49].     

7.   وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عن حكم وقف النقود للقرض فأجاب : صورة وقف النقود للقرض ان يتبرع واحد او اكثر بنقود ورقية او غيرها ، وتحفظ في مكان كأحد المصارف الإسلامية ، او عند شخص مؤتمن فتجعل وقفاً عاماً او خاصاً لمن يحتاج ان يستقرض ، كوقف على قبيلة الواقف او اسرته او اهل بلده ، ونرى ان هذا لا مانع منه ، بحيث يصرف للمستقرض عند الحاجة ، ويلتزم بردها في الوقت الذي يحدد له ، سواء بردها دفعة او دفعات ، وقد اعتبر الشيخ مثالاً على ذلك بنك التسليف الذي جعلته الحكومة(في المملكة العربية السعودية) لمساعدة المتزوجين بقروض تدفع لهم ، ثم يقومواً بسدادها على اقساط خفيفه وكذلك مثل على ذلك بمشروع مساعدة الراغبين في الزواج بجدة.

ثم قال في نهاية اجابته : (ويستحسن اذا كان هذا الوقف كثيراً ان ينمى ، ويجعل عند من يتجر به  حتى يكون من ربحه ما يساعد به بعض المعوزين الذين لا يستطيعون رد القرض)[50]...

8.   وقد نص قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية  في المادة (3) الفقرة (1) ان الاموال الوقفية تشمل الاراضي و والعقارات و الاموال المنقولة وغير المنقولة الموقوفة على جهة بر لا تنقطع ابتداءً أو انتهاء.

        ويشمل النص على الاموال المنقوله النقود ، وهو ما اكدته المادة (27) الفقرة  (1) حيث نصت على (تقوم المؤسسة باستثمار الأموال الوقفية المنقولة وغير المنقولة بما يحقق مصلحة الوقف بما في ذلك الاستثمار في العقارات غير الوقفية شراءً وبيعاً من الأموال الوقفية المنقولة) . ومن أهم ما يتعرض له هذا الوقف من مخاطر تغير قيمة العملة وتقلبات اسعارها بإنخفاض قوتها الشرائية ، وسهولة تعرضها للسرقة و الأختلاس .

        وقد اقترح بعض الباحثين مثل الدكتور ناصر بن عبد الله الميمان في بحثه بعنوان : "" وقف النقود و الاوراق المالية واحكامها " لمواجهة هذه المخاطر تكوين مخصصات لمواجهة تغير النقد ، وكذلك بإستبداله بعقار هروباً من تقلبات العملة[51]. واستثمار الاوقاف النقدية يجب أن يقوم على دراسات الجدوى الاقتصادية الجادة ، وعلى تنويع الاستثمار لتلافي الوقوع في الخسارة قدر الامكان ، كما انه يجب أن يناط بالمختصين الذين يعرفون كيفية التعامل في مجالات الاستثمار . 

المطلب الرابع

صور عملية للوقف بعامة و لوقف النقود بخاصة            

غطى الوقف الإسلامي عبر تاريخه الطويل آفاقاً واسعة من اعمال الخير وجهات النفع العام  شملت المساجد ودور القرآن الكريم والمدارس ومعاهد العلم والمستشفيات والربط وانواع من الحاجات الاجتماعية المتنوعة تجعله مؤسسة عطاء متميز يلمس بمعالجاته كل حاجات المجتمع على المستوى الفردي و الجماعي.

ونذكر فيما يلي انواعاً من هذه الوقفيات :

 لا حظنا في الاستدلال على مشروعية الوقف كيف ذكرت انواع من الأوقاف شملت وقف الآبار و الحدائق الزراعية .. وان العبارات المستخدمة في الادلة  تشمل كل ما يمكن تصوره من انواع العطاء الاجتماعي في ظلال الحديث الشريف : إذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث وذكر منها((الصدقة الجارية))وتتنوع الأوقاف بتنوع مجالاتها وجهات الصرف عليها من هذه الأوقاف  وقد شملت مجال الرفق بالحيوان الذي قدمت فيه الشريعة عناية خاصة بنصوص شرعية واضحة ليس هنا مجال لاستعراضها[52] ، ولكن نذكر منها ما يتعلق بالوقف فقد كان في دمشق  ، كما يظهر ثبت الأوقاف القديمة ، أوقاف لتطبيب الحيوانات المريضة ، واخرى لرعاية الحيوانات المسنة ؛ ومنها وقف المربع الأخضر فقد وقف على الخيول العاجزة التي لا ينفق عليها اصحابها لعدم انتفاعهم بها ، وقد كان في دمشق وقف للقطط الكبيرة في السن والتي اهملها اهلها بعد ان كبرت فقد كان هنالك في وسط دمشق بيت لرعايتها تعيش فيه مئات القطط الكبيرة في السن [53].

      و اذا استعرضنا انواعاً من الوقف الذي عرفته الحضارة الإسلامية في مختلف بلاد المسلمين ؛  فاننا نجد ان هذه الأوقاف قد غطت آفاقاً واسعة من  جهات الخير والنفع العام ، وجهات البر المتعددة  ؛ مما يؤكد الدور الاجتماعي الفاعل لهذه المؤسسة  الإسلامية الكبرى ، ويكفي أن نشير إلى نماذج من ذلك هنا وهناك في بلاد المسلمين غطت حاجات أساسية من حاجات المجتمع شملت : وقف الخبز المجاني ، ووقف الثياب ،  ووقف الحليب ، ووقف وفاء الديون ،  ووقف تبديل الاواني المكسورة  ،  ووقف النساء الغاضبات من ازوجهن ،  ووقف ايواء الغرباء ، ووقف تزويج الفقراء ، ووقف زيارة المريض ، ووقف اصلاح ذات البين ، ووقف تكفين الموتى ، كما شمل الوقف مؤسسات ومشروعات كبرى مثل الملاجئ و التكايا والمستشفيات والمدارس و الربط ، ففي الوقف إشباع للعديد من الحاجات،وتحقيق لمعاني التكافل و التراحم في المجتمع ،  ودوره فاعل في تأمين الحاجات الأساسية للفقراء و المساكين من طعام وعلاج وسكن . مما يحقق معاني العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي في المجتمع ، والرعاية الاجتماعية بأوسع انواعها وآثارها .

       وقد دل ذلك على عمق في المشاعر والعواطف التي تفاعلت مع كل حاجات المجتمع ؛ فقدمت صورة مشرقة لمجتمع متكافل متراحم . فلم يترك المحسنون حاجة من الحاجات العامة الا عملوا على انشاء الأوقاف لسدها[54].

      وقد وقف الظاهر بيبرس المتوفى سنة 676 ه ، لأيتام الاجناد ما يقوم بهم ، وكذلك مضفر الدين كوكبوري المتوفى سنة 630 ه ، بنى للقطاء ملجاً زوده بالمرضعات.

      وقد كثرت الدور و الخانات لأبناء السبيل ،  وأوقاف الاسبلة ( مواقع الشرب العامة ) ، وهناك أوقاف على الارامل وأوقاف على تكفين الموتى ، وعلى إعارة الحلي في الاعراس ، وعلى دور الضيافة [55].

      وقد قدمت الحجج الوقفية صوراً مشرقة من التنظيم و الادارة في التعامل مع الاعيان الموقوفة و كيفية التصرف بدخلها ومن اوضح الامثلة على ذلك الحجج الوقفية الخاصة بالمستشفيات(البيمارستانات) مثل وقفية بيمارستان قنصوه الغوري في القاهرة[56] .            

  اما  وقف النقود بخاصة فقد جرى ويجري لغرضين بارزين الاول : لإقراضها لمن يحدد الواقف لفترات محدودة ، ثم يعيد المال المقترض لجهة الوقف ليقرض لغيره وهكذا... فهو مال موقوف للاقراض ، ويجب من ناحية شرعية ان يكون هذا القرض قرضاً حسناً ، أي بدون فوائد ، ولكن هل يجوز اخذ مبالغ محدده من المقترضين بدل إدارة هذا الوقف ، ومتابعة تحصيل القروض ، وغير ذلك مما يحتاج اليه هذا العمل ، فقد أجاز عدد من العلماء المعاصرين ذلك على ان تكون هذه النفقات مرتبطة بالجهد و النفقة  المبذولة ، وليس نسبة مربوطة برأسمال القرض.

      واما الغرض الثاني الذي توقف له النقود فهو استثمارها استثماراً مشروعاً ، ويكون دخلها و عوائدها من ذلك مرصوداً لمنفعة جهة من جهات البر او مصرفاً من مصارف الخير.

 وفيما يلي بيان لبعض الصور التطبقية السابقة والمعاصرة في فرعين:

الفرع الاول

نماذج سابقة لوقف النقود

    وجدت عبر التاريخ الاسلامي نماذج لوقف النقود منها :

1.  يعتبر من اقدم ما ذكر في هذا المجال وقف الآلف دينار التي سئل عنها الزهري كما ورد في صحيح البخاري كما بيناً سابقاً.

2. وذكر بعض الباحثين ان هذا نوع من الوقف برز فجاءة  خلال عام 872 هجري الموافق 1423 م في العاصمة الاوروبية الجديدة للدولة العثمانية  (ادرنه) قبل ان ينتقل بعد ذلك إلى الشرق (الاناضول) ، وذلك بعد فتح القسطنطينيه في عام 1453 م. وقد قامت طبيعة هذا الوقف على وقف النقود ذاتها لكى تشغل قروضاً للتجار والحرفين بفائدة سنوية محددة (10 –   15 % ) على ان يوجه العائد منها للإغراض الخيريه المعروفة (خدمة جوامع،مدارس...... وغيرها) وقد ثار اختلاف واسع حول هذا النوع من الوقف بين العلماء في اسطنبول بين مجيز ومانع[57]، والراجح المنع كما بينا سابقاً.

3. وفي دارسة قدمها موقع (وقفنا) الالكتروني حول انتشار وقف النقود في بلاد الشام بينت أن أقدم وقفية لوقف النقود في دمشق تعود الى 11 شوال 1002 هجري الموافق 1593 م حيث اشترط الواقف لمبلغ من المال ان يقوم المتولى بتشغيلها على شكل قروض بفائدة سنوية قدرها(10%) ، واشترط عليه الا يقدم القروض الا لمن يكون قوياً ذا ملاءة وقادراً ؛ برهن منقولَ وكفيل قادر ، وخصص العائد لجامع الحشر(جامع السنجقدار حديثاً) وقراءة القرآن الكريم فيه.

4. وقد ذكر الباحثون ان سجلات المحاكم الشرعية في القدس تشير إلى وجود بارز لوقف النقود في القدس خلال القرنين العاشر و الحادى عشر للهجرة أي القرنين السادس عشر و السابع عشر الميلادي[58].             

   وقد وصف بعض الباحثين كما ورد على موقع (وقفنا) الالكتروني : ان هذا النوع الجديد بمثابة الاسهام العثماني في الحضارة الإسلامية ، ووصفه بعضهم بأنه ثورة في الفقه المتعلق بالوقف.

ويلاحظ  ان الاقراض من هذا المال كان يتم بالفائدة ، وهو محرم شرعاً .. وهو ما يرجح كفة المانعين كأن استخدام اسلوب الفائدة لازم من لوازمه . وواضح ان الجواب عن ذلك بين ؛ فاستثمار المال ممكن ان يتم بطرق شرعية عديدة .

        كما ورد في السؤال الذي وجه للزهري رضي الله عنه حيث ذكر المضاربة ، وكذلك كما يجري من استثمار للنقود وفق آليات العمل في البنوك والمؤسسات المالية الاسلامية في هذه الايام.

الفرع الثاني

 نماذج معاصرة لوقف النقود

     تتعدد الصور التي يمكن ابتكارها في مجال تطبيق اسلوب وقف النقود الذي تستخدم فيه ارباحها من خلال استثمارها لسد حاجة من حاجات النفع العام أو وجه من وجوه الخير[59] ومن أكثر التطبيقات شيوعاً في هذه الايام:

1.  وقفية صندوق التضامن الاسلامي على مستوى العالم الإسلامي ؛ فبموجب قرار لمؤتمر القمة الاسلامي ومؤتمر وزراء خارجية دول منظمة المؤتمر الاسلامي قبل سنوات تم انشاء صندوق للتضامن الاسلامي برأس مال قدرة مئة مليون دولار ؛ اعتبرت وقفية نقدية لتستثمر ، ويكون دخلها في جهات الخير والنفع العام المتعددة في الدول والمجتمعات الإسلامية ، وذلك من خلال مجلس ادارة يتكون من ممثلين لعدد من الدول الاسلامية. وقد دفع من رأس مال هذا الصندوق مبلغ 76.400 مليون دولار تحقق ربحاً من خلال استثمارها في البنك الاسلامي للتنمية يصل الى حوالي اربعة ملايين دولار سنوياً ، بنسبة ربح حوالي 5 % ، تنفق بقرارات من مجلس الادارة على جهات الخير والنفع العام في الدول والمجتمعات الاسلامية.

2.   انشاء الصناديق الوقفية وفقاً للأصول الشرعية المقررة ، في عدد من البلاد ويكون دورها تلقي الاوقاف النقدية ليجري استثمار هذه النقود من خلال الهيئات المتخصصة ، ودخلها ينفق على جهات الخير و النفع العام المتعددة ، وقد توسعت الاوقاف الكويتية في هذا النوع من الصناديق ، و التى تنوعت لتشمل : خدمة القرآن الكريم وعلومه ، ورعاية المساجد ، والتنمية العلمية ، وتنمية المجتمعات المحليه ، والتنميه الصحية ، والتنمية البيئية ،و التنمية الاسرية ، ورعاية ذوي الاحتياجات الخاصة.

3.   وقد وقف جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين بتاريخ 1 ربيع الاول 1433 ه الموافق  24 /1 /2012 م وقفيتين علميتين الاولى باسم الامام الغزالى لكرسى باسم الامام الغزالي في المسجد الاقصى المبارك في القدس الشريف وذلك بالتعاون مع جامعة القدس هناك  ، والثانية باسم الامام الرازى في مسجد الملك الحسين بن طلال في عمان  بالتعاون مع جامعة العلوم الاسلامية العالمية في عمان ورصد حفظه الله تعالى  لكل واحدة منهما مبلغ مليوني دينار اردني .

4.  5.   وقامت بالعمل نفسه الاوقاف السودانية وسمتها  بالمشروعات الوقفية ، وفي دولة قطر سميت بالمصارف الوقفية ، كل مصرف حسب موضوعه[60]. وفي دولة قطر سميت  بالمصارف الوقفية ؛ كل مصرف حسب موضوعه  .

6.   وقد لجأت اليه هيئات الاغاثة الاسلامية  ؛ بالدعوة للتبرع لوقفيات نقدية ، يتم استثمارها ، وتجعل ارباحها في جهات من جهات الخير ، كما تم في مشروع سنابل الخير الذي قامت عليه هيئة الاغاثة الإسلامية العالمية التابعة لرابطة العالم الإسلامي.

7.   واقيمت المؤسسات النقدية الوقفية في كثير من دولنا مثل مؤسسة الشيخ زايد ابن سلطان آل نهيان حيث كانت وقفيته النقدية مليار دولار ينفق ريعه في اوجه الخير العامة ، التي نص عليها نظام المؤسسة ، الذي تابع وضعه الواقف رحمه الله .

8.   وقد بادرت شخصياً بمتابعة وقفيتين نقديتين في المملكة الاردنية الهاشمية

  •  الاولى تجربة صندوق الاسكان في الجامعة الاردنية
  • الثانية تجرية حملة البر والإحسان التابعة للصندوق الهاشمي للتنمية البشرية

       أما التجربة الاولى عندما كنت عضواً في مجلس إدارة صندوق اسكان الجامعة الاردنية حاولت من خلال المجلس تأمين موارد وآليات للحصول على سكن للعاملين في الجامعة غير اسلوب الاقتراض الربوي ، وقد تمكن الصندوق من تحقيق ذلك عندما حصل الصندوق على منحة عراقية بقيمة زادت على ثلاثة ملايين دينار ، تم الاتفاق مع الجانب العراقي على ان يجعل هذا المبلغ وقفية نقدية لا قراض العاملين في الجامعة وفق شروط معينة ، وذلك عن طريق حصول العاملين على تمويل بالقرض الحسن يسدد على اقساط ، وقد قرر مجلس إدارة الصندوق دفع مبالغ نقدية على كل قرض بحيث تتفاوت هذه المبالغ بتفاوت مدد هذه القروض مع حرية الحركة بين الشرائح التي تقررت ابعاداً لشبهة الربا.

9.   اما ما يتعلق بدعم حملة البر و الإحسان بأسلوب الوقفية النقدية فقد تم بمبادرة من الصندوق الاردني الهاشمي للتنمية البشرية الذي يرأس مجلس أمنائه صاحبة السمو الملكي الاميرة بسمة  بنت طلال المعظمة  اعداد حجة وقفية نقدية على اساس التبرع لها من خلال صكوك وقفية محددة الثمن تبدأ بمائة دينار ، و شكلت لجنة برئاستي لاستثمار هذه التبرعات وفقاً لا حكام الشريعة الاسلامية وبحيث ينفق دخل هذا الاستثمار في جهات الخير التي تقوم عليها حملة البر والإحسان.

10.وقريب من هذا اقتراحي الذي تبنته الهيئة الخيرية الاردنية الهاشمية لتأسيس صندوق للقرض الحسن فيها ، وقدمت الهيئة للصندوق مليوني دينار ، بحيث يعطى من هذا المال مبالغ لمساعدة الفقراء بإسلوبين : الأول : تمويل مشروعات انتاجية صغيرة لهم ، والثاني : تمويل منح دراسية للطلبة الفقراء وفقاً لتعليمات اعتمدت لهذه الغاية.

11.وفي وزارة الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية قمت بتخصيص حوالي مليوني دينار سنة 2005 م تقوم مؤسسة تنمية اموال الاوقاف باستثمارها بجميع صور الاستثمار المشروعة ، وبحيث ينفق دخلها على البرامج الوقفية الخيرية التي اسستها الوزارة ؛ بموجب قانون الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية لسنة 2001 ، والذي صدر بموجبه نظام البرامج الوقفية الخيرية لسنة 2005 ، وقد شملت البرامج كما نصت المادة(31) من القانون برنامجاً وقفياً للتعليم وآخر للرعاية الصحية وآخر للمساعدات الاجتماعية والرابع لشؤون المساجد والخامس هو عبارة عن برنامج وقفي خيري عام .

12.وقفية الحاج امين مرعي في مؤسسة تنمية اموال الايتام في المملكة الأردنية الهاشمية، فقد تبرع المرحوم بمبلغ 100 الف دينار توضع مع اموال المؤسسة الايتام وبحيث تستثمر وينفق ربحها في الايتام الفقراء وذوي الحاجة وذلك في منتصف الثمانينيات من القرن الماضى وكل عام تنفق المؤسسة ربحها فيما حدده المتبرع . وهذه الصيغة هي صيغة الوقف النقدي.   

13. وقامت في جامعة اليرموك الاردنية وقفية نقدية ثقافية ، تم  من خلالها إنشاء كرسي اكاديمي لتاريخ المسكوكات والحضارة الإسلامية ، وقد صدرت لذلك تعليمات بمقتضى المادة (20) الفقرة (ي)  من قانون جامعة اليرموك رقم (25) لسنة 1985 يقوم تمويله على ريع الوقفية النقدية التي قدمها المحسن سمير شما ، وتتولى الوقفية الانفاق من ريعها على عدة امور حيوية غير انشاء الكرسي منها التعينات ، البحوث ، و البعثات العلمية ، وإصدار مجلة ، وسلسلة علمية ، كما ورد تفصيله في التعليمات الخاصة بذلك .

14. ومن التوصيات العملية التي خرج بها المؤتمر الدولي الذي عقد في الفترة من          

22-26/4/2013 في جاكرتا العاصمة الاندونيسية بعنوان : الاسلام : حضارة وسلام . (في ظلال رسالة عمان ) بالتعاون بين الجهات المعنية في كل من اندونيسيا والأردن انشاء بنوك اسلامية للوقف النقدي ؛ فيكون الايداع فيها  وقفا نقديا  لمصلحة جهات الخير التي يحددها الواقف ؛ فيقوم البنك باستثمار هذه الودائع في كل اوجه الاستثمار التي تقوم بها البنوك الاسلامية ، وربح ذلك ينفق في جهات الخير التي حددها الواقف .

15.  وخير ما نختم فيه هذا البحث أن نذكر تبني  قانون الصندوق الهاشمي لأعمار المسجد الأقصى وقبة الصخرة المشرفة الوقف بعامة ،  والوقف النقدي بخاصة للاستفادة منها في تمويل أعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة فنصت المادة الخامسة منه الفقرة الثانية على أن للصندوق في سبيل تحقيق أهدافه القيام بتشجيع الوقف الخيري للأموال المنقولة وغير المنقولة ، وإنشاء وقفيات خيرية داخل المملكة وخارجها ، تمول من تبرعات المسلمين لأعمار المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة لسنة 2006م ؛ يصرف ريعها بما يحقق أهداف الصندوق ، ونصت المادة 7 الفقرة الثالثة المخصصة لبيان المهام والصلاحيات التي يتولاها مجلس أمناء الصندوق على ما يلي : إصدار صكوك الوقف الخيري النقدي لصالح الصندوق ووضع البرامج اللازمة لتسويقها ، وتشجيع المسلمين على المشاركة فيها .

وبمناسبة الحديث عن المحافظة على القدس الشريف  ودرتها المسجد الاقصى المبارك لابد ان اذكر بالتقدير و الاشادة انشاءكم صاحب الجلالة  وكالة بيت مال القدس  في اطار رئاستكم الجليلة للجنة القدس المنبثقة عن  منظمة التعاون الإسلامي  ؛  التي تقوم بإعمال كبيرة ومتميزة خدمة للمدينة المقدسة واهلها  ومن اجل المحافظة على هويتها العربية الاسلامية ؛ بدعمكم السخي المستمر ..... فجزاكم الله  يا صاحب الجلالة خيراً عن الاسلام والمسلمين .

وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعالى ان يوفق جلالتكم لما يحبه ويرضاه ، ويأخذ بأيدكم لمزيد من خدمة وطنكم وأمتكم ؛ وأنتم تقودون الركب في بلدكم بحكمة ودراية ، وحرص على تحقيق التقدم والانجاز ؛ على أساس الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، والعلم والايمان ، والمرونة والثبات ، داعيا الله سبحانه ان يحفظكم ، ويحفظ المغرب الشقيق آمنا مستقرا  تعمه كل مظاهر الازدهار والتقدم ... آمين يا رب العرش العظيم ... انه نعم المسؤول والمجيب ......

 والختم والدعاء لصاحب الجلالة والمهابة ....والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


[1]أنظر مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي العدد الثالث عشر : ج 1  ص 533-574  

[2]أنظرمجلة المجمع العدد الثاني عشر : ج1 ص247-267

[3]حاشية قليوبي على شرح المنهاج : ج3 ص97 .

[4]فتح التقدير :5/416،حاشية ابن عابدين:4/336

[5]منح الجليل شرح مختصر خليل:6/18.

[6]المغني لابن قدامة :5/597

[7]الوقف - أبو زهرة : ص5

[8]أنظر كتاب الملكية في الشريعة الاسلامية_د.عبد السلام العبادي:ج1ص 244-245.

[9]أنظر مغني المحتاج، ج2 ص9.

[10]أنظر أبو حنيفة – ابوزهرة: ص414.

[11]أنظر مذاهب العلماء بهذا الصدد: المغني لابن قدامة:ج6 ص4-6، الإشراف على مسائل الخلاف:ج2ص80،جواهر العقود:ج1 ص318’قواعد ابن رجب: ص394 ،الاختيار لتعليل المختار،ج2ص104 ،وأنظر الوقف- أبو زهرة:ص47 ومابعدها،أبوحنيفة_ أبو زهرة:ص412-415 حيث عرض فيها لاختلاف العلماء في رأي أبي حنيفة.

[12]أنظر الذخيرة: ج 6 / ص 19، وأنظر فتح القدير:ج5/  ص37، حاشية الجمل:ج 3 / ص587 ، كشاف القناع : ج2 /  ص448.وانظر الملكية في الشريعة الاسلامية – د.عبدالسلام العبادي : ج 1 ص 207 .

[13]أنظر فتح النقدير: ج5 ص431-432 ،المغنى-لابن قدامه: ج6 ص34، حاشية ابن عابدين: ج4 ص361،الفقه الاسلامي وادالته-الدكتور وهبة الزحيلي: ج8 ص163الى 164.

[14]الاختبار لتعليل المختار: ج3 ص42،المحلى ابن حزم: ج10 ص176.

[15]أنظر رسالة في جواز وقف النقود _ابوالسعود :،ص18 .

[16]أخرجه البخاري في الأدب المفرد ، باب بر الوالدين بعد موتهما ، ص 130 , واخرجه مسلم ، صحيح مسلم بشرح النووي : ج 11/ 85 ص .

[17]أخرجه البخاري ومسلم ، أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان : ج 2 / ص 164 - 165 ، البخاري بشرحه فتح الباري : ج6 / ص328-329 ، ومعنى غير متأثل : غير جامع مالاً ، أنظر لسان العرب : ج 11 / ص 9

[18]أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ، ج 1/ ص 204 - 205  لبخاري بشرحه فتح الباري : ج6 / ص 317 - 325 ، مسلم بشرح النووي: ج7 / ص84 .

[19]أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وذكر الحادثه البخاري في صحيحه .انظر فتح الباري   :  ج 6 ص 336 - 338  : سنن الترمذي : ج 5 / ص583 , سنن النسائي : ج 6/ ص235 , مسند أحمد : ج 1/ص75 , نيل الأوطار للشوكاني : ج 6/ص25   .

[20]أنظر البخاري بشرحه فتح الباري :  ج 6 / ص 415 ،ص 438 ، سنن البيهقي : ج 6 / ص160 .

[21]أنظر اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان: ج 2/ص 209 - 211 ،وأنظر بالتفصيل نيل الأوطار - الشوكاني : ج 6 / ص 86-88 .

[22]أخرجه أحمد والبخاري والنسائي: صحيح البخاري بشرحه فتح الباري:ج 6/ص397؛النسائي:ج 6 /ص 225 ؛ مسند أحمد:ج 2 / ص 374 ؛ نيل الأوطار : ج6 / ص 29.     

[23]اخرجه البخاري ومسلم , فتح الباري : ج 4/ص75 , صحيح مسلم شرح النووي : ج7/ص 56 .

[24]أخرجه أبو داود وابن خزيمة  : سنن أبي داود : 2/1 صحيح ابن خزيمة : ج 4/ ص361 .

[25]أخرجه النسائي وابن ماجه , نيل الأوطار : ج 6/ص 28.

[26]لسان العرب ج6 / ص425 الصحاح _ الجوهرى : ج2 / ص544.

[27]أنظر النقود وتقلب قيمة العملة - الدكتور محمد سليمان الاشقر ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي :العدد 15  / ج3 / ص1675.

[28]أنظر بحث ، أ.د.عبد الرحمن يسري أحمد بعنوان تدهور القيمة الحقيقية للنقود ومبدأ التعويض المقدم لمجمع الفقه الاسلامي الدولي: العدد12 / ج4 / ص102.

[29]أنظر مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي: العدد 5/ ج3 / ص 2261.

[30]أنظر قرارات مجمع الفقه الاسلامي التابع لرابطة العالم الاسلامي في دورته الخامس التي عقدة سنة 1402 هجري : ص 101 -  103 ، وأنظر بحث د. احمد بن عبد العزيز الحداد بعنوان وقف النقود واستثمارها، منشور في موقع مركز أبحاث فقه المعملات الاسلامية على شبكة الانترنت ص11-12 .

[31]أنظر الموسوعة الفقهية الكويتية : ج 24 / ص 167 ، المغنى،لابن قدامة : ج 6 / ص 34، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : ج 4 / ص 77،المجموع شرح المهذب : ج 14 / ص 577 ، درر الحكام في شرح غرر الاحكام - ملا خسروه: ج 2 / ص 137 .

[32]فتح القدير - الكمال ابن الهمام :ج 5 / ص 431.    

[33]بداية المجتهد ونهاية المقتصد :  ج 1 / ص 251 .. نقلا عن بحث الدكتور محمد عبد الحليم عمر ، الاستثمار في الوقف.. مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي العدد 15 /ج 3 / ص 238.

[34]أنظر بحث : (الاستثمار في الوقف وغلاته وريعة ) ، د. محمد عبد الحليم عمر ، مجلة مجمع الفقه الاسلامي الدولي ، ج 15 / ص 238 .

[35]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الثاني عشر: ج1 / ص 45 - 317.      

[36]أنظر مجلة مجمع الفقة الإسلامي _ العدد الثالث عشر : ج 1 / ص457 -669.

[37]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الخامس عشر : ج 3 /  ص 223 - 528.     

[38]أنظر مجلة مجمع الفقه الإسلامي العدد الخامس عشر : ج3  / ص 527.

 [39]أنظر رسالة في وقف النقود_ابو السعود :  ص 29-30 .                   

[40]المرجع نفسه  : ص 20.

[41]نقلا عن رسالة في وقف النقود ص 19 بين محققها ان هذا الكتاب مطبوع على هامش الفتاوى الهندية ج 1 ص 259.                                                                        

[42]رسالة وقف النقود ص 20 .

[43]فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج 6 / ص 334 .

[44]صحيح البخاري بشرحه فتح الباري ج 6  ص 334 .

[45]فتح القدير : ج 5 / ص 432

[46]فتاوى ابن تيمية : ج 31 / ص 234.

[47]أنظر حاشية رد المختار _ إبن عابدين : ج 4 / ط 2 / ص 363.

[48]المرجع نفسه : ج 4 / ص 364.

[49]أنظر المجموع  شرح المهذب- محمد نجيب المطيعى ج 14 / ص 577.

[50]أنظر موقع سماحة الشيخ على الشبكة العنكبوتية الفتوى رقم 1059 .

[51]أنظر ملخص بحثه على شبكة الانترنت .

[52]من روائع حضارتنا - د. مصطفى السباعي ص :11- 12 ، ويقع في طليعتها حديث المرأة التي دخلت النار بسبب هرة  حبستها ...والرجل الذي دخل الجنة بسبب كلب سقاه...

[53] المرجع نفسه :  ص 115

[54]أنظر نماذج آجرى على الشبكة الانترنت بحثاً بعنوان : (الوقف في الاسلام ودوره الحضاري) موقع العربي .

[55]أنظر بحث محمد المعصراني  بعنوان : ( اثر الوقف في التكافل الاجتماعي ) ، موقع حملة السكينة للحوار على شبكة الانترنت .

[56]للمزيد أنظر على شبكة الانترنت  الموقع الخاص بالبيمارستانات .

[57]أنظر الوقف الاسلامي : تطوره ، ادارته ، وتنميته ، دكتور منذر قحف ، ص 192 وما بعدها ، وأنظر في ضرورة الاهتمام بالوقف النقدي في هذه الايام ، وأنظر بحث د. شوقي احمد دنيا : الوقف النقدي مدخل لتفعيل دور الدين في حياتنا المعاصرة ،مجلة مجمع الفقه الاسلامي العدد 13 ص511  وما بعدها.

[58]أنظر الدراسة التى اعدها د.محمد الارناؤوط عن تطور وقف النقود في العهد العثماني ص7 وما بعدها

 [59]أنظر عدداً من البحوث المقدمة للمؤتمر الدولي السابع لتاريخ بلاد الشام والذي عقد في عمان في الفترة من 17-21 شعبان 1427ه الموافق 10- 14 ايلول سنة 2006م بعنوان : ( الأوقاف في بلاد الشام  منذ الفتح العربي الإسلامي إلى نهاية القرن العشرين) .

[60]المرجع نفسه.

 لمشاهدة درس الأستاذ عبد السلام العبادي بحضرة أمير المؤمنين ضمن سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية لعام 1434 هـ المرجو التأشير على هذ الرابط أو الصورة أو الإعلان بالدرس أعلاه

للاطلاع أيضا

توفيق الغلبزوري: الضوابط الشرعية لترشيد الفتوى المعاصرة

دور الإيمان في المحافظة على صحة النفوس والأبدان للأستاذة أمينة عراقي

شد الرحال إلى المسجد الأقصى للشيخ محمد أحمد حسين مفتي القدس والديار الفلسطينية

أي دور للمسجد في حياتنا العامة للأستاذ المصطفى زمهنى

شوقي علام وارتباط المعاملات بالأخلاق

أحمد التوفيق والشعور الوطني عند المغاربة

للمزيد من المقالات