السبت 18 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 16 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

‏ميثاق العلماء

أمير المؤمنين في خطاب تطوان شتنبر 2008 حول ميثاق العلماء بعد أربع سنوات من إعادة هيكلة الحقل الديني، أمير المؤمنين يعلن من داخل المسجد بتطوان يوم السادس والعشرين من رمضان 1429 الموافق لـ27 شتنبر 2008 عن تدابير جديدة في ميدان ترقية الخدمات الدينية ولا سيما تأهيل الأئمة في إطار "ميثاق العلماء"

‏أعلن أمير المؤمنين في خطابه. من داخل مسجد محمد السادس بتطوان يوم 28 ‏رمضان 1429 الموافق لـ 7 ‏شتنبر 2008‏، عن تدابير عدة للمضي قدما في طريق تعزيز إصلاح تسيير الشأن الديني. وقد وضع الخطاب السامي جانبا من هذه التدابير تحت شعار "ميثاق العلماء"، والمقصود به تذكير العلماء بالشطر الذي يرجع إليهم في ما يتعلق بالإعانة بالإرشاد والمواقف على أداء أمانة إمارة المؤمنين في حماية الملة والدين.

‏يتمثل جانب من وفاء العلماء بالميثاق الذي يربطهم بإمارة المؤمنين في قيامهم بتأطير أئمة المساجد في جميع أنحاء المملكة وعددهم (حينها)سبعة وأربعون ألفا، وذلك بتبصير هؤلاء الأئمة بالأسس الشرعية لالتزامهم في مهمتهم باعتبارهم أئمة وخطباء ووعاظا، وبالأسلوب المناسب لأداء تلك المهمة في وقتنا هذا .

‏يعد هذا الربط بين مهمة العلماء ومهمة الأئمة، مشروعا مبتكرا من لدن إمارة المؤمنين، وسيتحقق عمليا بخروج ألف وستمائة 1600من العلماء، مرتين في الشهر، ليلتقي كل واحد منهم مع جماعة من الأئمة، لا يتعدى عددهم أربعين، في مسجد معين، في جماعة قروية أو حضرية، وذلك حول برنامج يعده المجلس العلمي الأعلى، بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، في المحاور الآتية:

  • مدارسة الثوابت في العقيدة والمذهب وامارة المؤمنين ومقتضياتها في خطاب الإمام والواعظ والخطيب ;
  • مدارسة قواعد الإمامة والوعظ والخطبة، ومنهج تصريفها في الوقت الحاضر ;
  • مدارسة ما يتوقف عليه تمكن الإمام من دعم مصداقيته داخل جماعته، وتأهيله للأدوار الاجتماعية المنوطة به، كمرجع ديني أخلاقي، ولا سيما في دعم قوة الأسرة ووقاية الشباب من الانحراف.

 

تقارير المجالس العلمية

لحظة تقديم مجمل التقرير السنوي عن أحوال المجالس العلمية أمام أمير المؤمنين بمقتضى القانون الذي ينص على ذلك‏التقارير السنوية المرفوعة إلى حضرة أمير المؤمنين في موضوع أنشطة المجالس العلمية وسيرها ‏بناء ملى المادة 21 ‏من الظهير الشريف ‏بإعادة تنظيم المجالس العلمية:

‏عام 2005 ‏: ركز التقرير على دخول عهد جديد يغادر العفوية والفوضى في الإفتاء، وعلى جوانب من النشاط الداخلي في مهمات المجالس العلمية. من انفتاح على أنشطة اجتماعية، وعمل العلماء على إعادة تأهيل الوعي الديني، في مناخ المرحلة التاريخية التي يدخلها المغرب.

 ‏.عام 2006: وصف التقرير عمل العلماء بأنه في اتجاه التنمية الرشيدة (التبليغ والتأطير)، والتحصين، لقطع الطريق على الأدعياء، مع ذكر أهمية شخصية العالم النموذجية في عملية التأطير

 ‏عام 2007 ‏: بيان تجذر العلماء في المجتمع. مما يؤهل مؤسستهم لتكون  المرجعية الشرعية الدينية والاجتماعية للناس، مع ذكر دور المرأة المؤهلة ضمن الهيكلة الجديدة لعمل العلماء .ويظهر نشاط العلماء المتجدد ،بالإضافة إلى دورهم في الأمن المعنوي، في مجهود محاربة الأمية وفي العناية بالشباب والجالية والعالم القروي .

 ‏عام 2008 ‏: التذكير بهرمية تأطير الشأن الديني التي على رأسها أمير المؤمنين، والتي تتكون أضلاعها من مؤسسة العلماء ، وفضاؤها هو المسجد ، والعاملون داخلها هم من قيمين دينيين يؤدون مهمتهم في إطار الثوابت في انسجام مع الاختيارات الجارية في السياسة والمجتمع والثقافة،وذلك يؤهل مؤسسة العلماء للقيام بواجب الحراسة الشرعي لضمير المواطنين، ولنشاطهم الديني بتصحيح المفاهيم .

‏عام 2009 ‏: التركيز على ما تحقق في باب تأهيل الأئمة وآفاق ضمن ميثاق العلماء، وفي باب العناية بالأحوال المادية للأئمة بفضل الزيادة من ميزانية الدولة.وفي باب الإعلام الديني،وذلك في ضوء ما جاء به خطاب أمير المؤمنين من داخل المسجد بتطوان يوم 26 ‏رمضان 1429 قصد المرور إلى مرحلة جديدة من تدبير الشأن الديني.

 ومما جاء في التقرير: ‏"إن عشر سنوات من العهد الباني لأمير المؤمنين قد أثمرت بالعمل الصادق وحب الخير للشعب اطمئنانا علىالدين،تؤازره عن عقيدة والتزام،مؤسسة علمية قوية،بحيث تقلص بعملها إلى حد يشبه الزوال، كل التباس في التوجه المذهبي، من قبيل ما كان رائجا خلال النصف الثاني من القرن العشرين ."

 

من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات

تنظيم المجالس العلمية

تلاوة الرسالة الملكية السامية الني أعلن فيها أمير المؤمنين حفظه الله عن انطلاق برنامج تأهيل الأئمة بتأطير من العلماء، وذلك أمام ألف خمسمائة من المؤطرين في هذا البرنامجإعادة تنظيم المجالس العلمية بظهير شريف رقم 300.03.1 ‏ صادر ‏في 2 ‏ربيع الأول 1425 ‏ الموافق22لـ ‏أبريل 2004 ‏

:تقرر بمقتضى هذه الإعادة ما يلي   

  • ‏وضع المجلس العلمي الأعلى تحت الوصاية السامية لأمير المؤمنين، باعتباره رئيسا لهذا المجلس ;
  • ‏تكوين المجلس من وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية والكاتب العام للمجلس وشخصيات علمية يعينهم أمير المؤمنين بصفة شخصية ومن رؤساء المجالس العلمية المحلية.
  • ‏وقد أنيطت به دراسة القضايا التي يعرضها عليه أمير المؤمنين، وإعداد البرنامج ‏ السنوي للمجلس والمجالس المحلية، وتوجيهها، وتنظيم الفتوى.
  • ‏يحدث في كل عمالة أو إقليم مجلس علمي محلي يتكون من رئيس وسبعة أعضاء من الرجال والنساء.
  • ‏ومن مهام المجالس المحلية، إرشاد المواطنين واختيار القيمين الدينين وتأهيلهم ومحاربة الأمية.
  • ‏وللنساء مكان في هذا التنظيم، مؤطرات ومستفيدات. 

من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات

العلماء

أمير المؤمنين يعلن عن إعادة هيكلة الحقل الديني من حيث الآليات الإدارية ومن حيث تنظيم المجالس العلمية وتنظيم العناية بالمساجد وحمايتها، وذلك من داخل قصره العامر بالدار البيضاء 30 ابريل 2004يستعمل أمير المؤمنين، في سبيل القيام بمهمته في حماية الملة والدين، وازعين اثنين، وازع السلطان ووازع القرآن. أما وازع السلطان فهو عمل وزرائه وعماله وترتيبات دولته ومؤسساتها وأجهزتها ووسائلها وآلياتها، وأما وازع القرآن فهو عمل خلفائه العضويين في هذه المهمة بحكم مقامهم وعقيدتهم. وهم العلماءوأئمة المساجد والقائمون على مؤسسات التربية الدينية، المعروفون بأهل التصوف. 

‏فكل من اقتعد مقاما من هذه المقامات ترتبت علبه حقوق لأمير المؤمنين، وهي واجباته في القيام بدوره في تعزيزه ونصرته ونصحه واستيفاء، ما عليه من تلك الواجبات، بحسب ما تحدد بتقاليد متأصلة في الكتاب والسنة وتأيد بالتجربة التاريخية الناجعة.

‏وأقوى الناس حضورا، إلى جانب إمارة المؤمنين. في أداء أمانتها، عبر التاريخ. هم العلماء، ولولا أن الأدب كان يقتضي أن يتقدم عليهم الشرفاء لكانوا هم أول من يذكر في عقد البيعة.

‏كان أمراء المؤمنين يجالسون العلماء ويشاورونهم ويكلفونهم بالمهمات الدينية والتربوية، كما كانوا يسدلون على بعضهم وعلى ذويهم أردية التوقير والاحترام.

‏والعالم المشتغل اليوم في إطار سياسة أمير المؤمنين يشتغل عن اختيار حر للعمل في مقام معلوم، له ضوابط وشروط. وهو مؤسسة العلماء.

وهذا العالم إلى جانب كونه مطوقا بقيود وراثة النبوة، هو وريث لمشيخة العلماء كما اشتغلت عبر التاريخ، تلك المشيخة التي بنت رصيدها المغربي في إطار الثوابت العقدية والمذهبية، ومن ثمة فهو واع بذلك الميثاق الذي ربط على الدوام مشيخة العلماء بإمارة المؤمنين. وهو في الوقت نفسه متبصر بمقتضيات الأحوال المتجددة وما تتطلبه من أنواع الفقه والتنزيل، مستوعبا لما جد في هذا العصر من تغيرات كونية ومن ظروف داخلية، تتميز بمشاركة عدد من الفرقاء الذين ينبغي أن يعتبرهم العالم الملتزم شركاء له في السعي إلى النفع والصلاح، وهو فطن أحسن فطنة إلى الاختلاف معهم في الأسلوب واللغة والمرجعيات، باعتبار العالم في مقام الأمة الذي هو مقام إمارة المؤمنين، يقوم على الجامع من مقومات الدين، وما يستنبط منها من قيم، قيم يحتاج جميع الفرقاء السياسيون والاجتماعيون إليها ، لأنها تستمد من نور العلم الروحي الذي يحمله العلماء وحدهم ، لبثه في جميع العاملين على الإصلاح داخل المجتمع.

فالعالم الملتزم هو وحده عالم الأمة، وهو، وان كان مواطنا متمتعا بكامل الحقوق السياسية للمواطن، محايد في العلانية بالضرورة، حتى يستفيد منه مختلف الفاعلين السياسيين، مهما اختلفت اجتهاداتهم. ومن شاء أن يدرك معنى الحياد المطلوب من علماء الأمة فليتدبرالحديث الشريف الذي وصفهم بالعدول الحاملين لعلم الدين، إن هذه العدالة هي التي تتطلب، بل تفرض حياد العالم إزاء النقاشات السياسية في داخل المجتمع حتى يؤدي دوره أحسن أداء في مقام الأمة بجانب أمير المؤمنين.

 

من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات

عناية الدولة العلوية بالحديث الشريف

 أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله خلال ترؤسه لأحد الدروس الحسنية الرمضانية كانت بالمساجد الكبرى بالمملكة تحت رعاية ملوك الدولة العلوية الشريفة، حلقات دراسية وكراسي تعليمية خاصة بتدريس الحديث ومدارسته والوعظ والإرشاد به، وكان لبعضها أوقات خاصة. فقد ورثت الدولة العلوية من الدول المغربية السابقة عناية بالحديث الشريف، فزادت في هذه العناية وصانت وابتكرت.

وقد كان للمولى رشيد مجلس للعلماء، من بين مواده تدارس السيرة والحديث.

وتحدث المؤرخون عما كان لكتاب صحيح البخاري في عهد المولى إسماعيل من مكانة خاصة.

 ولم يكتف السلطان سيدي محمد بن عبد الله بالعناية بالحديث، بل وضع فيه تآليف شخصية، وأدخل كتبا من الصحاح لم تكن رائجة في المغرب.

و كانت المجالس الحديثية في عهد المولى سليمان من أفخم مجالس العلم، وقد عمل الجهد للحصول على نسخة صحيح البخاري التي بخط الحافظ الصدفي، حيث عثر عليها بعض المهتمين في طرابلس.

وكان المولى عبد الرحمان يحضر الدروس الحديثية بالمساجد الكبرى.

 ومما اشتهر به ابنه سيدي محمد بن عبد الرحمن أنه كلف من نسخ، بخط بديع، الجزء الناقص من نسخة ابن سعادة من صحيح البخاري، وهي النسحة المعروفة بالشيخة. وقد اتخذ لها صندوقا ثمينا مزخرفا تحمله دابة أمام ركبه.

وفي عهد المولى الحسن استمرت المجالس الحديثية، ولما بنى قصره بالرباط دشنه بحفلة قراءة صحيح البخاري بمحضر العلماء والوزراء.

وفي عهد المولى عبد العزيز، استمرت إقامة المجالس الحديثية، وكان من  المدرسين فيها بمجلسه الملكي أحمد بن الطالب بن سودة.

وعندما بويع المولى عبد الحفيظ استأنف الدروس الحديثية، واشتهر بالمشاركة فيها أعلام من العلماء، كما أنشأ كرسي قراءة الحديث من صحيح البخاري وشفا القاضي عياض بالضريح الإدريسي، شروق كل يوم.

 وفي عهد المولى يوسف استحدثت قراءة كتاب جده سيدي محمد بن عبد الله في الحديث و ذلك بقصره في الرباط.

وقد اشتهرت الدروس الحديثية في عهد سيدي محمد بن يوسف  بمن كان يحييها في شهر رمضان من كبار العلماء داخل القصر

وهذا التقليد السني هو ما تجلى في عهد أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني في أمرين : ابتكار الدروس الحسنية، وإنشاء دار الحديث الحسنية.1

وفيما يلي بعض مظاهر عناية أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله بالحديث النبوي الشريف:

 

1-من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات

 

 

محور الثوابت وأسئلة الحاضر

 مولاي أمير المؤمنين   

لقد رأينا بعد إطلالات وجيزة على وجهي التأصيل والتفاعل لكل ثابت من الثوابت الأربعة، أن لها صفة مشتركة، هي صفة "الجمع"، فإمارة المؤمنين قد جمعت بين النسب الشريف وبين المذهب السني، والمذهب المالكي قد جمع بين الاستناد إلى النص وبين إعمال الرأي عند الضرورة، والعقيدة الأشعرية قد قامت على الاعتدال بين التشبيه والتنزيه،بين الأثر والتأويل، والتصوف الجنيدي قد جمع بين الشريعة والحقيقة. فالتوفق إلى هذه الاختيارات فضل عظيم من الله تعالى على المغاربة، ونعمة كبرى توجب الشكر، والأمر من باب الأسباب، ثمرة حصافة الأسلاف واجتهادهم ونضالهم.

وهكذا نمر إلى المحور الثالث، وهو موقع الثوابت في العلاقة بأسئلة الحاضر. والمنطلق هو أن الأغلبية العظمى من الأمة، كما أشرنا في البداية، مطمئنة إلى دينها وحياتها في إطار الثوابت، غير أن أطرافا في المجتمع تعبر أو تتصرف وكأن لديها مزيد حاجة إلى فهم هذه الثوابت، وللصادقين منهم حق في الشرح والبيان، وأسئلتهم في نظرنا أسئلة ثلاثة: من ثلاثة منابع: الهوية، والحداثة، والزمنية secularism. أما سؤال الهوية فهو، في الغالب، سؤال الخائفين على الدين، وأما سؤال الحداثة فهو سؤال المتخوفين من الدين، وأما سؤال الزمنية، فهو سؤال الحرية والدين في علاقة بالسلوك في الساحة العمومية.

محور التفعيل والتفاعل

مولاي أمير المؤمنين،

بعد أن رأينا تأصيل الثوابت، نأتي إلى المحور الثاني لنرى كيف كان تفعيلها والتفاعل معها في تاريخ المغاربة.

محور التأصيل

 

محور التأصيل: العقيدة الأشعرية

لم يكن هذا السؤال موضوعا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث جاء يقول :"أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"، فكان إيمان من تلقوا دعوته صافيا بسيطا تلقائيا، وكذلك كان الأمر في عهد خلفائه قبل الفتنة والتفرق، فلما ظهرت الفرق من خوارج ومعتزلة ورافضة وغيرها، لم يقف أصحاب هذه الفرق عند المعارضة السياسية، بل أحدثوا كلاما حول فهم ألفاظ وردت في القرآن، تتعلق بالله والإنسان، وواجهوا مشاكل نظرية منها المشكل اللغوي الفلسفي المتعلق بدلالة الألفاظ ما بين الوضع والاستعمال والحمل. فبالإضافة إلى أمور الخلافة، تكلموا في القرآن، هل هو قديم أم مخلوق، ثم في صفات الله ورؤيته، وفي الحلول وأفعال الإنسان والتأويل والإيمان والشفاعة، وما أشبه ذلك.

وكان أهل السنة والجماعة في البداية غير مقبلين على تعاطي الكلام، وهو العلم الخائض في هذه القضايا، فتجرأ عليهم أهل الفرق بالاستفزاز والتشويش، إلى أن قيض الله رجلا تمهر في صف المعتزلة في الكلام ثم عارضهم، وهو أبو الحسن الأشعري، المتوفى ببغداد عام 324 هـ. يقول عنه القاضي عياض في المدارك: "أقام الحجج على إثبات السنة ما نفاه أهل البدع...إلى أن يقول: وإنما جاء خلاف ذلك من غلاة المعتزلة، ومن قوم أيضا ينتسبون إلى مذهب ابن حنبل، أغلوا في ترك التأويل حتى وقعوا في التشبيه، وأكثرهم ليس من العلم بسبيل، ولكنهم لانتسابهم إلى السنة والحديث، قبل العامة أقوالهم".

وقد بين ابن عساكر الدمشقي في كتابه "تبيين كذب المفتري"، منهج الأشعري في الأخذ بالوسطية والاعتدال ومجانبة التطرف في العقائد، ومن ذلك أنه قال: "قالت المعتزلة إن صاحب الكبيرة مع إيمانه وطاعته مائة سنة لا يخرج من النار قط، فقال رضي الله عنه: المؤمن الموحد الفاسق هو في مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عاقبه بفسقه، ثم أدخله الجنة".

والواقع أن أهل السنة قد جروا في الماضي إلى الخوض في العقائد جرا، أما اليوم فإن التقريب بين أهل العقائد من السنة يستدعي التجاوب مع دعوه الشيخ ابن بية إلى التجديد في علم الكلام، وهو تجديد لابد أن ينظر إلى طروحات الكلام في إطار تاريخ الفلسفة العام، لأنها كإشكاليات نظرية بدأت مع الفيلسوف فيلو الإسكندري في القرن الميلادي الأول، وتداولها آباء الكنيسة، وحسمت منهجيا مع سبينوزا في القرن السابع عشر، وعليه فمن العبث أن يركب عليها بعض المسلمين أحكام التبديع والتكفير.       

خلاصة درس الثوابت الدينية للمملكة المغربية

وخلاصة القول من الدرس أنه من غير المفيد إعادة الكلام عن الثوابت الدينية، إلى طاولة الاختيارات، ولاسيما في الجانب العقدي والمذهبي، لأن ذلك سيعيدها إلى درجة الصفر، أي إلى جذورها في السياسة، يوم كانت السياسة عاجزة عن حل مشكل المشروعية والعدل بآليات ذلك الوقت ولغته، وحيث دفعها هذا العجز إلى لباس قناع الدين وسيلة للاحتجاج. أما الآن وقد وجد النقاش في المشروعية والعدل السياسيين الآليات المؤسساتية الملائمة في سيرورة تطور حكمي متنام، فلا سبيل إلى العودة إلى الطروحات الإيمانية بعد اختيارات كرسها المغرب عبر القرون، وصاغ على أساسها ثقافته الدينية وهويته الوطنية. غير أن الضرورة تقتضي نوعا من مأسسة هذه الثوابت، وبفضل توجيهاتكم يا مولاي، تم قطع أشواط في هذا الاتجاه، وذلك بإصدار عدد من الضوابط القانونية التي تهم الشأن الديني، وجاء الدستور الأخير ليكرسها في جانب مؤسسة إمارة المؤمنين واختصاصها في تدبير هذا الشأن.

وهنا نختم بالآية القرآنية التي اخترناها منطلقا للدرس، إذ بناء على ما انتهينا إليه، فإن المنطق المبني على الاستقراء الذي اتبعناه لعرض الثوابت، يفيد اعتبار المغاربة من الذين آمنوا واستقر إيمانهم في إطار هذه الثوابت، أي أنهم حسموا أمرهم وتحصنوا من جهة التساؤلات الإيمانية، ولاسيما وهم مؤطرون بإرشاد علماء الأمة، ولا يبقى مطروحا في حياتهم العامة، إلا النقاش في العمل الصالح، بـآليات السياسة ولغتها، نقاشا يؤدي إلى التنافس على برامج إنتاج الخيرات والتكثير منها، وإقامة الإنصاف في تدبيرها، بما يكفل سلامة حياة الدين والدنيا، والتوافق ضروري حول هذا النظر بين الأطراف الفاعلة في الأمة، على أساس الاقتناع بأن تقدم البلد لن يتأتى إلا عبر المؤسسات السياسية التي تضمن الشروط المنصوص عليها في كليات الشرع المبنية عليها البيعة.

وعلى هذا الأساس، فإن آفاق النموذج المغربي في علاقة الدين بالسياسة، يقوم على التوازي بين المؤسسات السياسية والثوابت الدينية، وعلى حماية الثوابت الدينية بالدستور، وترجمة هذه المعادلة تكون بالمقولة التالية: "التزام الدولة ممثلة في إمارة المؤمنين بحماية الملة والدين، كما جرى به العمل على امتداد التاريخ، وفي مقابل ذلك التزام الفاعلين السياسيين والجمعويين بجميع أطيافهم ومواقعهم، مدبرين ومؤطرين، التزامهم بالحياد إزاء الدين"، ويلحق بهذا تفسير مقتضى الدستور بعدم تأسيس الهيآت على أساس الدين من هذا المنظور. وتبقى المهمة الأساسية في مواكبة هذه السيرورة التاريخية هي مهمة العلماء، في شرح الثوابت شرحا دينيا سياسيا واضحا، في ضوء الأثر والتاريخ والمقاصد ومقتضى التنزيل على حال عصرنا، وذلك واجبهم في حماية العامة وما يقتضيه ذلك من المجادلة بالتي هي أحسن، لاسيما مع الصادقين من الخائفين والمتخوفين. قال الله تعالى: ﴿اِنَّ اَلذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمُ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ صدق الله العظيم، والختم من مولانا أمير المؤمنين.            

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube