السبت 18 ربيع الأول 1441هـ الموافق لـ 16 نوفمبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

المساجد

جانب من سقف المسجد الأعظم بمدينة سلا بعد ترميمه وقدمضى على تأسيسه أزيد من الف عامحيث إن المساجد لله. فهي لخدمة ما أجمعت عليه الجماعة، جماعة المؤمنين، وإجماع الجماعة في مجال الدين تمثله سياسة أمير المؤمنين التي بويع على أساسها والهادفة إلي حماية الملة والدين. فلا توجد في هذه المملكة المغربية مساجد خصوصية يتحكم في توجيه رسالتها أفراد أو جمعيات، ولا مساجد طوائف أو فآت، وهذا الوضع الخالص من كل الشوائب يوازيه حياد يضمن صيانة المساجد حتى تبقى في مقام الأمة، مما تحرص عليه الأمة بكامل مقوماتها .

‏كان هذا الطابع المميز للمساجد ، الحافظ لحيادها، هو من أولى المقتضيات التي انتقلت من مجال الحماية بالعرف، إلى مجال حماية القانون، عندما صدر قانون أماكن العبادة عام 984‏1، وهو يشمل كل المساجد مهما كان بانيها أو المنفق عليها، ويعتبرها هذا القانون، كما هو طبيعي، تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي تنفذ سياسة أمير المؤمنين، ومقتضى هذا الضابط أن المساجد لخدمة ثوابت الأمة.

‏على هذا الاعتبار أعطي الظهير الشريف المنظم للمجالس العلمية اختصاص تزكية أئمة المساجد للمجالس العلمية، كما أعطاها النظر في الترخيص بكل نشاط يكون محله المسجد.

يندرج عمل أمير المؤمنين اليوم في العناية بالمساجد في سياق رصيد تاريخي أسسه الملوك من أسلافه، وسارت علي نهجه بناء وعمارة مساجد المغرب التي يرجع بناؤها إلى مختلف العصور، غير أن من يتتبع عناية أمير المؤمنين يلحظ علاقته الوجدانية الخاصة بهذا الموضوع، تتميز عن علاقته بالمنشآت المختلفة الأغراض التي يأمر بها أو يشرف عليها ، فأنسب ما يقال عن هذا الموضوع هو أن محمدا السادس ملك قلبه معلق بالمساجد، يدرجها في مشروعه الكبير للتنمية، ويقضي فيها أوقانا معتبرة، ويأمر بإنشائها في قلب نهضته التعميرية، ويحرص على احترام طابعها المعماري المغربي، وعلى أن يكون للنساء فيها المكان اللائق، وعلى أن تشمل كبرياتها مرافق للوظائف التعليمية.والتوجيهية ويرمم عتيقها، ويوسع ضيقها، ويباشر مراقبة البرامج المتعلقة بإحداث مساجد جديدة للقضاء على الأماكن غير الصالحة للعبادة. وهو،حفظه الله، بالإضافة إلى كل ما ذكر، ينفق على مساجد كثيرة من ماله الخاص.

وفيما يلي أهم مظاهر العناية بالمساجد في العهد المحمدي الزاهر كما سطرها كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات :

 

 من كتاب محمد السادس إمارة المؤمنين في عشرة تجليات إعداد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية

تطهير المجتمع من الترف والغنى الفاحش

لقد شرع الله عز وجل الزكاة لمحو الفقر وما يثيره من فوارق في المجتمع، واغتناء طبقة على حساب أخرى، قال سبحانه: «كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكـم»(31).

وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم حين آخى بين الأنصار والمهاجرين وخص هؤلاء بأموال بني النضير حتى تتحقق المساواة كاملة، ولهذا ذم الإسلام الترف والغنى الفاحش لأنه تبذير لثروة الأمة في غير محلها، وإثارة للأحقاد والضغائن، ومن ثم ربط القرآن بين الترف والفساد في قوله تعالى: «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها، فحق عليها القول، فدمرناها تدميرا»(32) فكثرة المترفين في بلد من البلدان أو أمة من الأمم لابد وأن يؤدي إلى الهلاك والفساد، لأن الترف يؤدي إلى الفراغ وهو طاقة، وهذه الطاقة والقوة مع الفراغ يدفعان الفرد إلى طرق الفساد والرذيلة، وعندما تنتشر الرذيلة في أمة من الأمم فإنما تعلن عن فنائها ودمارها، قال سبحانه: «وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم»(33). 

ولقد تنبه ابن خلدون إلى هذه السنة الإلهية، ففي الباب الثالث من مقدمته وهو يتحدث فيه عن قيام الدولة ونموها، ثم تدهورها وسقوطها، يورد تأكيدات مستمرة، ومن خلال زوايا، رؤية مختلفة ومتكاملة عن الدور الذي يلعبه الترف في دمار الدول وانحلالها(34).


وحين يتحدث القرآن عن تاريخ المترفين نلاحظ أنهم كانوا يقفون دوما في وجه حركات الأنبياء ودعاة الإصلاح، لأن دعوتهم كانت ترتكز على الرفع من مستوى الفقراء وكبح جماح المترفين. ومن ثم كان المترفون عائقا أمام عقيدة التوحيد. فخطورتهم إذن لا تقل عن خطورة الفقر، وضررهم لا يقل ضررا عنه لذلك كانت حرب الإسلام على الفقر هي في نفس الوقت حرب ضد الغنى الفاحش والترف المفظع، قال تعالى: «وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون»(35).


ولما كان الترف مخلا بالتوازن الاجتماعي فقد أهاب الله بالجماعة المسلمة أن تتحرك مقاتلة مجاهدة لإنقاذ المستضعفين في الأرض من أيدي ظالميهم، وجعل السيف الحكم الأخير عندما تعجز كل الوسائل عن وقف الظلم وتخليص البائسين، يقول ابن حزم: «والترف والغنى يدفع بصاحبه إلى منع حقوق الفقراء، ومانع الحق باغ على أخيه الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر ما نعي الزكاة»(36)، قال عز وجل: «ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها»(37)، ومحاربة الإسلام للترف لا تعني أن يقتر الإنسان على نفسه وأن يعيش عيشة الشظف والشغف، وإنما هو دعوة لسلوك طريق الوسط والاعتدال روى الأحوص الجشمي عن أبيه قال: رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعليّ أطمار (ثوب خلق) فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أي المال؟ قلت: من كل قد أتاني الله من الشاة والإبل.

قال: إذا أتاك الله مالا فلير أثر نعمته وكرامته عليك»(38).

إن أعظم آفة تصيب المجتمع وتهز كيانه هزا، وتنخر عظامه نخرا من حيث يشعر أو لا يشعر هي أن يوجد الثراء الفاحش إلى جانب الفقر المذقع، أن يوجد من يملك القناطر ومن لا يملك قوت يومه، أن يوجد من يلعب بالملايين ومن لا يجد الملاليم، أن يوجد من يموت من شدة التخمة، وآخر يموت من عضة الجوع.
لذا كانت مهمة الزكاة القضاء على هذا الفارق، وإشراك البشر جميعا فيما خلق الله لهم من نعم، قال تعالى: «هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا»(39)، وسواء أكانت لفظة – جميعا- تأكيدا للبشر أم الأرض، فكل فرد يجب أن يملك كفايته. والأرض كلها مائدة أزلية، لكل فرد فيها حظه الذي يعيش به ولابد، وبعدها يبقى لكل أحد الحق في امتلاك ما شاء حسب قدرته وعمله بضابط الصالح العام، ومقاصد الشريعة الإسلامية القائمة على جلب المصالح ودرء المفاسد. وهذه سنة إلهية، والترف والغنى الفاحش خرق لهذه السنة، لذلك استحق المترفون عقاب الله.

إن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، وستبقى تعمل عملها في حركة التاريخ وتتخذ من المترفين – الذين لا يراعون لغيرهم حقوقا- أداة تسوق بها الدول والقرى والجماعات نحو مصائرها المفجعة، «وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين»(40).

 

مجلة دعوة الحق من مقالة للأستاذ أحمد امحرزي العلوي تحت عنوان أبعاد فريضة الزكاة العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية



تزكية النفس بالبذل والإنفاق

فكما أن الزكاة تطهير للنفس من البخل والشح فهي تزكية لها بالإنفاق والبذل، ولقد دعا القرآن الكريم في آيات شتى إلى الإنفاق، قال سبحانه وتعالى: «وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه»(17)، فالمال مال الله، وإنفاق الإنسان منه الذي استخلفه من جهة، وبآصرة الإنسانية من جهة أخرى، فوق ما فيه من تحرر شعوري من ربقة الحرص والشح. وهو في الوقت ذاته ضمانات اجتماعية لتكافل الأمة كلها وتعاونها، وبهذا تكون الزكاة ذات دلالات شتى في عالم الضمير وعالم الواقع، وهذا يقرر «أن السعادة الإنسانية الصحيحة في العطاء دون الأخذ، وأن الزائفة هي في الأخذ دون العطاء، وذلك آخر ما انتهت إليه فلسفة الأخلاق. فما المرء إلا ثمرة تنضج بموادها حتى إذ نضجت واحلولت كان مظهر كمالها ومنفعتها في الوجود أن تهب حلاوتها لغيرها، فإذا هي أمسكت الحلاوة على نفسها لم يكن إلا هذه الحلاوة بعينها سبب في عفنها وفسادها من بعد.

المال مثل الحصى في يدنا

                     فليس ينفع إلا حين ينتقل

في عالمنا المادي يسير كل أمر بالسرعة والفاعلية التي تتيحها الوسائل المادية، فالاقتصاد يعني تجميع المال، والناس فريقان: فريق يجمعه بالشح المضاعف، شح انتظار الفائدة، وفريق يجمعه بالغصب والاحتيال، وفي الطريق الإسلامي يكون برهان الصدق وعلامة الإيمان البذل، قال عليه السلام: «الصدقة برهان»(18)، ونهوض الإسلام إلى أن يبلغ غايته في حمل الرسالة يريد تربية النفوس على البذل والعطاء حتى تتخلق بأخلاق الله، فكلما اعتاد الإنسان البذل والعطاء ارتقى من حضيض الشح الإنساني إلى أفق الكمال الرباني، فإن من صفات الحق سبحانه إفاضة الخير والرحمة على عباده دون نفع يعود عليه. والسعي في تحصيل هذه الصفات بقدر الطاقة البشرية تخلق بأخلاق الله(19)، قال الإمام الرازي: إن النفس الناطقة يعني تلك التي صار بها الإنسان إنسانا، لها قوتان، نظرية، وعملية، فالقوة النظرية كمالها في التعظيم لأمر الله، والقوة العملية كمالها في الشفقة على خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إلى الخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم رافعا للآفات عنهم، ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم:

 «لا تختلقوا بأخلاق الله»(20)، وهو تخلق أيضا بأخلاق النبي عليه السلام قال صلى الله عليه وسلم: «ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم»(21).


وفي البذل وإيتاء الزكاة شكر لنعمة الله عز وجل، يقول الكساني «ودفع جزء من المال إلى الفقير من باب شكر النعمة، وإقدار العاجز، وتقويته على القيام بالفرائض، ومن باب تطهير النفس من الشح ومن الذنوب، وتزكيتها بالبذل والإنفاق، وكل ذلك لازم عقلا وشرعا».(22) ويقول الغزالي: «إن لله عز وجل على عبده نعمة في نفسه وفي ماله، فالعبادات البدنية شكر لنعمة البدن، والمالية شكر لنعمة المال، وما أخس من ينظر إلى الفقير وقد ضيق عليه الرزق، وأحوج إليه، ثم لا تسمح نفسه بأن يؤدي شكر الله تعالى على إغنائه عن السؤال وإحواج غيره إليه»(23) قال عليه السلام: «الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر»(24)، والزكاة بكونها شكرا لنعمة الله كانت نصف الإيمان.

وإيتاء الزكاة فوق أنها شكر لله هي ابتلاء أيضا، قال تعالى: «وجعلنا بعضكم لبعض فتنة، أتصبرون وكان ربك بصيرا»(25)، أي أتصبرون على شهود الحقيقة التي هي لب الثروة والبهجة، أو تجاذبكم سطحية النظر، وحسية الذوق، وخضوع إلى أنانية البشر، فلا يذكر الغني إلا امتيازه على سواء، ولا يذكر الفقير إلا لوعة الحسد في تمني القائلين: (يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون)(26) ، ولهذا كان من صفات المؤمنين أنهم ينفقون ابتغاء وجه الله «وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله»(27).


إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله خالصا مجردا، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه جزاء الإحسان لعباده، ويرتفع ويتطهر ويزكى بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل»(28)


والمراد بالإنفاق أن يبذل المرء ضمن حدود وسائله الاقتصادية لا أن تبذر أمواله ليصبح عالة على غيره، ولهذا كانت الزكاة هي أخذ قسط من المال للفقير على وجه لا يصير به الغني فقيرا، قال تعالى: «يسألونك ماذا ينفقون قل العفو»(29)، أي ما زاد عن الحاجات الأصلية. ولعمري أن من ضحى في سبيل الفقراء بدريهمات كفيل بأن يضحي في سبيل أمته بنفسه في وقت تئن فيه الأمة تحت وطأة الفقر وشدة أضراره. يقول مصطفى صادق الرافعي مخاطبا المسلمين: «لقد كان أسلافكم أيها المسلمون يفتحون الممالك فافتحوا أنتم أيديكم، كانوا يرمون بأنفسهم في سبيل الله، فارموا أنتم في سبيل الحق بالدنانير والدراهيم، ولنعلم جميعا أن كل قرش يبذله المسلم لأخيه المسلم يتكلم يوم الحساب، يقول أنا إيمان فلان»(30)

 

البعد التربوي للزكاة تطهير النفس من الشح والبخل

إن شح الأغنياء والضن بقسط مما في أيديهم على الفقراء والمحتاجين كان مقويا لظاهرة الفقر فيهم ومنميا لها، من أجل ذلك فرض الله عز وجل الزكاة وجعلها حقا في مال الغني تؤخذ منه كرها إن لم يدفعها طوعا.

والقرآن حين تحدث عن البخل اعتبره داء يصاب به المجتمع فيشل حركته، قال سبحانه: «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشبة الإنفاق، وكان الإنسان قتورا»(2) وقال صلى الله عليه وسلم محذرا أمته من الشح: «إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا».(3) وقال أيضا: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».(4)  فإذا كان الفقر طريق الفجور والموبقات وبه هلاك الأمم والجماعات فإن الشح لا يقل عنه خطورة وما اجتمعا في أمة إلا كان هلاكها بهما، لذلك كان من الضروري كلما ذكر الفقر أن يذكر الشح والبخل إلى جانبه، والإسلام لا يحارب الفقر فقط بل يحارب كل ما من شأنه أن يزيل صفة الإنسانية عن المسلم، أو يزرع في نفسه حب الأنانية. كالبخل فإنه شر ما بعده شر قال عليه السلام: «وأي داء أدوى من البخل»(5) وقال سبحانه: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم»(6). يقول أبو الحسن الماوردي: «ويحدث عن البخل من الأخلاق الذميمة وإن كان ذريعة لكل مذمة أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقــــوق»(7). فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في طلب الدنيا فيفوت الكادح على نفسه ما أمره الله به من العبادة وقد قيل: «ما رأيت إسرافا في شيء إلا وبجانبه حق مضيع»، وهذا الإسراف يدفع بصاحبه إلى جلب المال من أي جهة كان، لا يفرق بين ما يحل منها وما يحرم.

وأما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة، فعن ابن مسروق قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يجزيه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما يغنيه»، وقال بعض الحكماء: «الشره من غرائز اللؤم»(8(
وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال، وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا، لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره، وإن رأى فيها سوء اعتقده في الناس وقد قيل: «كل إناء ينضح بما فيه».
وأما منع الحقوق وهنا هو الأخطر (فإن نفس البخيل لما جلبت على حب المال واستعصى عليها تركه فلا تذعن معه لحق، ولا تجيب إلى إنصاف، بل تكون طائعة لكل فحشاء وفسق»(9)، وقد عبر الله عن ذلك بقوله: «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء»(10(.

يقول ابن القيم: قيل: «يعدكم» يخوفكم به، يقول إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، «ويأمركم بالفحشاء» هي البخل في هذا الموضع خاصة، فعن مقاتل قال: «كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا في هذا الموضع فإنها البخل»(11)، يقول سيد قطب: والفحشاء وإن كانت قد غلبت على نوع من المعاصي ولكنها شاملة. وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة، والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة، على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله فاحشة(12) وتهلكة قال تعالى: «وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة»(13) التهلكة الفردية بالعذاب في الآخرة، والتهلكة الجماعية بما يشيعه عدم الإنفاق في المجتمع من تفاوت وظلم وفتن وأحقاد وضعف وانحـــــــــلال(14(.

إن ما يقوض المجتمع ويذهب بتماسك أفارده أن يشيع فيهم روح البخل فيقول كل عضو فيه نفسي نفسي ولا يقول أمتي، أمتي وهذا ما عملت الزكاة بمبادئها العادلة على محوه والقضاء عليه.
والزكاة كما تحقق معنى التطهير للنفس، تحقق معنى التحرير لها من ذل التعلق بالمال والخضوع له، وقد جاء في الأثر: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهـــــــم»(15). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم ولا أراهما إلا مهلكاكم»(16(.


انطلاقا من هذا كله حارب الإسلام الشح، ودعا المسلم إلى التجرد من حب المال، وما ذلك إلا لضبط السلطة القائمة في طبيعة التملك ليقيم التعاون الإنساني على أساسه العملي، وليقيم محاجزه بين المصالح الاقتصادية الطاغية حتى لا تأكل مصلحة مصلحة فتهلك، بها ويوجب أن تلد مصلحة مصلحة لتحيا بها.

من دعوة الحق مقالة للأستاذ أحمد امحرزي العلوي  تحت عنوان أبعاد فريضة الزكاة العدد 367 ربيع 1- ربيع 2/ماي-يونيو 2002  وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية


أبعاد فريضة الزكاة

 لقد أوضح الحق سبحانه وتعالى البعد الأسمى الذي من أجله فرض الزكاة وجعلها عبادة مالية، لا تصح العبادات إلا بها وذلك في قوله تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها»(1) والتطهير والتزكية لا يقتصران على شخص الغني والفقير بل يشملان كل نواحي الحياة، التربوية والاجتماعية والاقتصادية.

ففي الوقت الذي تربي فيه الزكاة نفس المسلم على البذل، وترفعها عن التعلق بالمال والضن به، تطهر المجتمع أيضا من شتى الأمراض التي تذهب بتماسكه وتخل بتلاحمه، وهي أيضا تطهير للاقتصاد الإسلامي من كل ما من شأنه أن يعرقل نموه، أو يجعله عاجزا عن توفير الحاجات الضرورية للإنسان.
وهنا تأخذ الزكاة بعدها العام في النظام الإسلامي، في أنها ليست قسطا من المال يصرف للفقير ومن به حاجة يسد به رمقه، بل هي ركيزة من الركائز تبني عليها الحضارة الإسلامية أسسها، وتحقق بها الأمة الإسلامية وجودها كخير أمة أخرجت للناس.

إمارة المؤمنين والخصوصية المغربية

الإسلام، كما لا يخفى، دين ودنيا، عبادة ومعاملة، دولة ونظام. نظم حياة الإنسان في علاقته بخالقه: رب العالمين، كما نظم علاقته بمحيطه ومجتمعه، وعلاقته بالآخرين، شعوبا وقبائل، أفرادا وجماعات ودولا. فلا عجب، إذن، إذا وجدنا أن الحديث عن الدولة والحكم وسياسة الخلق يأخذ حيزا ذا بال في تشريعات الإسلام ونصوصه. . . وفقه السياسة يحظى بالعناية التي يحظى بها فقه العبادات أو أكثر، تأسيسا على أن النظر في كل ما يصلح الناس في دنياهم، وعاجل أمرهم، داخل في صلب الدين وحقيقته، بل هو عبادة قد تفوق أحيانا في فضلها وثوابها، ثواب الممارسة الشعائرية المجردة للعبادة وفضلها، من صلاة وزكاة، وصيام واعتكاف، وحج وعمرة ونحوها من الفرائض والطاعات، والتكاليف، التي لا يتأتى أداؤها أداء سليما ، وممارستها على الوجه الصحيح، إلا في ظل نظام سياسي محكم، قادر على تحقيق أمن الناس واطمئنانهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وذلك ما يفسر لنا بوضوح تام، مسالة اشتغال الناس بالبحث عمن يتولى تدبير أمرهم في دنياهم ودينهم قبل أن يشتغلوا بأي موضوع آخر من أمورهم. فقد رأينا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بمجرد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وحتى قبل تجهيزه، ومواراة جسده الشريف في الثرى، إلى اختيار من يخلفه في قيادتهم، وتدبير شؤونهم، مخافة أن يحدث أي فراغ في حياتهم السياسية قد يفضي إلى تفكك جماعتهم واضطراب أحوالهم وانفراط عقدهم. 

 إمارة المؤمنين في عشرة تجليات مقالة تحت عنوان إمارة المؤمنين في تأصيلها الشرعي الدكتور محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

إمارة المؤمنين والخصوصية المغربية

الإسلام، كما لا يخفى، دين ودنيا، عبادة ومعاملة، دولة ونظام. نظم حياة الإنسان في علاقته بخالقه: رب العالمين، كما نظم علاقته بمحيطه ومجتمعه، وعلاقته بالآخرين، شعوبا وقبائل، أفرادا وجماعات ودولا. فلا عجب، إذن، إذا وجدنا أن الحديث عن الدولة والحكم وسياسة الخلق يأخذ حيزا ذا بال في تشريعات الإسلام ونصوصه. . . وفقه السياسة يحظى بالعناية التي يحظى بها فقه العبادات أو أكثر، تأسيسا على أن النظر في كل ما يصلح الناس في دنياهم، وعاجل أمرهم، داخل في صلب الدين وحقيقته، بل هو عبادة قد تفوق أحيانا في فضلها وثوابها، ثواب الممارسة الشعائرية المجردة للعبادة وفضلها، من صلاة وزكاة، وصيام واعتكاف، وحج وعمرة ونحوها من الفرائض والطاعات، والتكاليف، التي لا يتأتى أداؤها أداء سليما ، وممارستها على الوجه الصحيح، إلا في ظل نظام سياسي محكم، قادر على تحقيق أمن الناس واطمئنانهم على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وذلك ما يفسر لنا بوضوح تام، مسالة اشتغال الناس بالبحث عمن يتولى تدبير أمرهم في دنياهم ودينهم قبل أن يشتغلوا بأي موضوع آخر من أمورهم. فقد رأينا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بادروا بمجرد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وحتى قبل تجهيزه، ومواراة جسده الشريف في الثرى، إلى اختيار من يخلفه في قيادتهم، وتدبير شؤونهم، مخافة أن يحدث أي فراغ في حياتهم السياسية قد يفضي إلى تفكك جماعتهم واضطراب أحوالهم وانفراط عقدهم. 

 إمارة المؤمنين في عشرة تجليات مقالة تحت عنوان إمارة المؤمنين في تأصيلها الشرعي الدكتور محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

الخلافة الإسلامية أو إمارة المؤمنين

عرف فقهاء الشريعة الخلافة، بأنها الرئاسة العظمى والولاية العامة الجامعة القائمة بحراسة الدين و سياسة الدنيا.

 والقائم بها يسمى الخليفة، لأنه خليفة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ويسمى إماما لأن الإمامة والخطبة في عهد رسول الله وفي زمن الخلفاء الراشدين، كانت لازمة له، لا يقوم بها غيره، إلا بطريق النيابة عنه.

ويسمى كذلك «أمير المؤمنين». وأول من دعي بلقب «أمير المؤمنين» عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يدع أحد من الأمراء الحاكمين قبله بهذا اللقب. سماه به عدي بن حاتم، ولبيد بن ربيعة، حين وفدا عليه من العراق. وقيل سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل غير ذلك. ومهما يكن من أمر، فإن هذا اللقب نال الاستحسان والقبول من قبل الخليفة، فاتخذه - واقتدى به من أتى بعده من حكام المسلمين وملوكهم.

ولا يفوتنا في هذا السياق التذكير بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق اسم الأمير على عبد الله بن جحش،حين بعثه في سرية ، كما أطلق الصحابة لقب أمير المؤمنين على أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما.

 روى الحافظ السيوطي أن أبا بكر رضي الله عنه ، بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث أسامة بن زيد على جيش الشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير المؤمنين.

‏وروي كذلك. أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان إذا رأى أسامة، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقول له أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا !؟ فيقول له سيدنا عمر رضي الله عنه: لا أزال أدعوك الأمير ما عشت. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت علي أمير.

‏إن الخليفة، أو أمير المؤمنين في نظامنا الإسلامي، هو الوالي الأعظم الذي لا والي فوقه، ولا يشاركه في مقامه، ولا في سلطته غيره من الحكام، مهما علا قدرهم وعظم شأنهم. 

 

إمارة المؤمنين في عشرة تجليات مقالة تحت عنوان إمارة المؤمنين في تأصيلها الشرعي الدكتور محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

الخلافة الإسلامية أو إمارة المؤمنين

عرف فقهاء الشريعة الخلافة، بأنها الرئاسة العظمى والولاية العامة الجامعة القائمة بحراسة الدين و سياسة الدنيا.

 والقائم بها يسمى الخليفة، لأنه خليفة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ويسمى إماما لأن الإمامة والخطبة في عهد رسول الله وفي زمن الخلفاء الراشدين، كانت لازمة له، لا يقوم بها غيره، إلا بطريق النيابة عنه.

ويسمى كذلك «أمير المؤمنين». وأول من دعي بلقب «أمير المؤمنين» عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يدع أحد من الأمراء الحاكمين قبله بهذا اللقب. سماه به عدي بن حاتم، ولبيد بن ربيعة، حين وفدا عليه من العراق. وقيل سماه به المغيرة بن شعبة، وقيل غير ذلك. ومهما يكن من أمر، فإن هذا اللقب نال الاستحسان والقبول من قبل الخليفة، فاتخذه - واقتدى به من أتى بعده من حكام المسلمين وملوكهم.

ولا يفوتنا في هذا السياق التذكير بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق اسم الأمير على عبد الله بن جحش،حين بعثه في سرية ، كما أطلق الصحابة لقب أمير المؤمنين على أسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهما.

 روى الحافظ السيوطي أن أبا بكر رضي الله عنه ، بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث أسامة بن زيد على جيش الشام، فكان الصحابة في ذلك السفر يدعونه أمير المؤمنين.

‏وروي كذلك. أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان إذا رأى أسامة، قال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فيقول له أسامة: غفر الله لك يا أمير المؤمنين، تقول لي هذا !؟ فيقول له سيدنا عمر رضي الله عنه: لا أزال أدعوك الأمير ما عشت. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت علي أمير.

‏إن الخليفة، أو أمير المؤمنين في نظامنا الإسلامي، هو الوالي الأعظم الذي لا والي فوقه، ولا يشاركه في مقامه، ولا في سلطته غيره من الحكام، مهما علا قدرهم وعظم شأنهم. 

 

إمارة المؤمنين في عشرة تجليات مقالة تحت عنوان إمارة المؤمنين في تأصيلها الشرعي الدكتور محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

حكم نصب الخليفة

إن نصب خليفة لسياسة المسلمين وقيادتهم من أتم مصالح الناس، وأعظم مقاصد الدين. ومن أجلها أجمع العلماء على أن ذلك من الواجبات الكفائية التي إذا قام به أهلها سقط طلبها عن الباقين، وهو موضع اتفاق بين أهل السنة خلافا لمن قال غير ذلك.

والخلاف بين المذاهب إنما هو في مستند الوجوب الكفائي، ففريق يقول: هي واجبة بالعقل لما في طباع عقلاء البشر من الانقياد والتسليم لحاكم يمنعهم من التظالم، ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولاه لكانوا فوضى مهملين وهمجا مضاعين، وأنشدوا :

ولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

‏كما أعادوا إنشاد بيت الأفوَه الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

‏وفريق آخر يقول: إن الخلافة واجبة بالشرع، لأن الخليفة يقوم بأمور شرعية، كان من الجائز أن لا يرد التعبد بها عقلا،
‏مستشهدا بنصوص من القرآن وأخرى من السنة النبوية، منها حديث: "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ".
‏وتتميز الخلافة الإسلامية القائمة على أحكام الشريعة بأنها:

‏1- حكومة عامة تقوم على التكامل بين الشؤون الدينية والدنيوية;
2- وأنها مقيدة بتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية;
3- وأنها تقوم على فكرة غاية قصوى هي الوحدة بين المسلمين في جميع أقطارهم وأمصارهم.

 

إمارة المؤمنين في عشرة تجليات مقالة تحت عنوان إمارة المؤمنين في تأصيلها الشرعي الدكتور محمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

إمارة المؤمنين

أمير المؤمنين يترأس بمراكش حفلا دينيا إحياء لليلة المولد النبوي الشريف
facebook twitter youtube