الاثنين 15 صفر 1441هـ الموافق لـ 14 أكتوبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

عرض حالتي الخوف والتخوف على الثوابت

  1. بالنسبة لأمارة المؤمنين، فقد رأينا أنها هي المنوط بها الالتزام بالكليات، وأولها حماية الدين من الجهل والتطرف والتزييف والتسلط، وتنمية شروط القيام به بتسهيل سبل الإيمان، وتوفير شروط القيام بالأركان، ثم الاضطلاع بالمصالح، وما تقتضيه من ملائم الأسباب؛

ولاشك أن مزيد استبطان فكري لمؤسسة إمارة المؤمنين، من شأنه أن يبرز للجميع، أن هذه المؤسسة، بحيثياتها الدينية وتوجهها المؤسساتي في جميع المجالات، تتيح وضعية يمكن أن نسميها بوضعية "الفرق في الجمع"، على مستوى العلاقة المدنية مع الدين، بمعنى توفير الحل العملي المتين لمعضلة قائمة في آفاق الإسلام، حيث يتعذر الحل العلماني الذي هو سلبي قانونيا حتى في البلدان التي تتبناه.

  1. أما بالنسبة للمذهب، فالمطابقة مع الشريعة من خلاله قائمة، إذ هو المرجع في العبادات بما يقي من الفتنة ولاسيما في المساجد، وهو المرجع في القضاء، والاجتهاد القانوني في غير المنصوص عليه، قائم سلس متواصل، لا يتقيد إلا بمراعاة الضرورات وعدم مخالفة القطعيات.

ثم إن إعادة اكتشاف إمكانات المذهب، لاسيما بعد الاجتهاد في مدونة الأسرة، يجعله بعدا حاضرا ومسهما في الحلول الاجتماعية، مواكبا لهذه السيولة في التشريع، دون صدام مع القطعيات، الشيء الذي يضفي على القوانين صفة الشرع باسم المصلحة.

  1. أما بالنسبة للتصوف، فيمكن للخائفين على الخصوص الاستئناس في مراعاة حرمته بالأحكام المبدئية النسبية لبعض الأعلام، من أمثال الشيخ تقي الدين بن تيمية، كما وردت في كتبه، ولاسيما في مواضع شتى من الفتاوى، حيث ميز بين الصحيح منه والسقيم، وحيث ذكر ما سماه بصديقية الصوفية، وذكر أحوالهم وعبارتهم، وحيث قدم شهادته الطيبة في الإمامين الجنيد وعبد القادر الجيلاني، أما في تراث المغاربة، فلا يستأنس بأحسن من الشيخ زروق، وهو من قبيلة البرانس قرب تازا، توفى بليبيا عام 899 هـ، وقد جمع بين الفقه والتصوف وشخص الضمير المحتسب على المتصوفة، فأنصفهم وانتقد بعض أحوالهم، وبين أسباب الإنكار على بعضهم، ولا سيما في القاعدة 216 من قواعده.

وعلى كل حال فالتصوف من حيث المبدأ، له اعتبار إيجابي عند بعض الحداثيين، نظرا لرصيده المعرفي المنفتح، ولأن أصوليته روحانية فسيحة، وليست حرفية ضيقة.

أما الثابت الرابع، وهو العقيدة، فعلى أساس ما رأيناه من اعتدالها وكونها عقيدة أكثر من أربعة أخماس كافة المسلمين، فلا يخاف منها أو ينكرها إلا من يريد إحياء مشروع الفهم الحرفي للنصوص، أو من لديه مشروع سياسي فاسد.

وقلما أعارتها الأجيال العصرية اهتماما أو عرفت ماذا تعني بالذات، ولكن اكتشاف استعمالاتها خارج الأشعرية في حجج التكفير والإرهاب، وفي خطاب المؤطرين الأصوليين غير التقليديين، يجعل روحها في الاعتدال ونبذ العنف، تلتقي مع فكر الفئتين المذكورتين، في الجانب البراغماتي على أقل تقدير.

وهكذا يتضح من كل ما حللناه، أن لا مبرر شرعيا في السياق المغربي للخوف على الدين أو التخوف منه، ما دامت تؤطره هذه الثوابت.            

إن الحالتين معا، حالة الخوف على الدين وحالة التخوف منه، تَصْدُرَان عن شعور سلبي، ومن هنا تأتي أهمية سؤال الحرية الذي يدور حول مسألتين، أولاهما تصور لدى الخائفين لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الفردي في الساحة العمومية، في نظر الدين، وثانيتهما اعتقاد عند بعض المتخوفين أن الحل يكمن في ما يسمى بالزمنية Secularism، أي سحب الدين من الساحة العمومية، غير أن العمل الإيجابي المطلوب، هو تدبير الحرية بأسلوب منسجم مع الثوابت الدينية، في مجتمع معروفة مبادؤه وقيمه، مفتوح شكله على الاجتهاد التاريخي للناس، لأن التاريخ متشوف إلى ليبيرالية متوازنة. وهكذا وبصدد مسألة تدبير الحرية فإن المغرب هو نوع المجتمع الذي لا معنى فيه للزمنية Secularism، لا رمزيا ولا موضوعيا، والمسألة الأهم هي نمط حضور الدين، وهو على التحقيق النمط الحالي في استمرار ترقية المؤسسات وترقية التعليم كما وكيفا. ومن شروط نجاح هذه السيرورة، ألا يكون في الناس من يرفع شعار الإكراه على أساس أن فيه خدمة الدين، قال الله تعالى في سورة يونس : ﴿وَلَوْ شَاَءَ رَبُّكَ لَاَمَنَ مَن فِي اِلاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُومِنِينَ﴾، وبالمقابل ألا يكون في الناس من يحسب أنه يبني تقاليد الحرية باستفزاز المتدينين، فللإسلام تصور في الحرية يجمع بين البعدين الفردي والجماعي، وهذا التصور ليس مجرد شعار، بل هو مقام يتوقف التأهيل له على أمور أساسية أهمها:

  تبني نمط عيش يسهل على الناس العبادة من جهة وقيام العدل بجميع أبعاده من جهة أخرى، وهذا مبحث لابد أن يضطلع به الفكر الإسلامي مستقبلا؛

  1.  تفعيل وازع القرآن من خلال الأسرة والمسجد والمدرسة، ومن خلال الاقتداء بنماذج روحية خيرة حية في العلماء والصلحاء والأئمة؛
  2. تفعيل وازع السلطان المتمثل في القانون الذكي، لأن كل معالجة للحرية بمجرد الزجر يمكن أن تحول المجتمع إلى مجتمع إكراه ونفاق وتقية.          

       

 

سؤال الحرية

إن الحالتين معا، حالة الخوف على الدين وحالة التخوف منه، تَصْدُرَان عن شعور سلبي، ومن هنا تأتي أهمية سؤال الحرية الذي يدور حول مسألتين:

أولاهما تصور لدى الخائفين لما ينبغي أن يكون عليه السلوك الفردي في الساحة العمومية، في نظر الدين، وثانيتهما اعتقاد عند بعض المتخوفين أن الحل يكمن في ما يسمى بالزمنية Secularism، أي سحب الدين من الساحة العمومية، غير أن العمل الإيجابي المطلوب، هو تدبير الحرية بأسلوب منسجم مع الثوابت الدينية، في مجتمع معروفة مبادؤه وقيمه، مفتوح شكله على الاجتهاد التاريخي للناس، لأن التاريخ متشوف إلى ليبيرالية متوازنة. وهكذا وبصدد مسألة تدبير الحرية فإن المغرب هو نوع المجتمع الذي لا معنى فيه للزمنية Secularism، لا رمزيا ولا موضوعيا، والمسألة الأهم هي نمط حضور الدين، وهو على التحقيق النمط الحالي في استمرار ترقية المؤسسات وترقية التعليم كما وكيفا. ومن شروط نجاح هذه السيرورة، ألا يكون في الناس من يرفع شعار الإكراه على أساس أن فيه خدمة الدين، قال الله تعالى في سورة يونس : ﴿وَلَوْ شَاَءَ رَبُّكَ لَاَمَنَ مَن فِي اِلاَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُومِنِينَ﴾، وبالمقابل ألا يكون في الناس من يحسب أنه يبني تقاليد الحرية باستفزاز المتدينين، فللإسلام تصور في الحرية يجمع بين البعدين الفردي والجماعي، وهذا التصور ليس مجرد شعار، بل هو مقام يتوقف التأهيل له على أمور أساسية أهمها:

  1. تبني نمط عيش يسهل على الناس العبادة من جهة وقيام العدل بجميع أبعاده من جهة أخرى، وهذا مبحث لابد أن يضطلع به الفكر الإسلامي مستقبلا؛
  2.  تفعيل وازع القرآن من خلال الأسرة والمسجد والمدرسة، ومن خلال الاقتداء بنماذج روحية خيرة حية في العلماء والصلحاء والأئمة؛

تفعيل وازع السلطان المتمثل في القانون الذكي، لأن كل معالجة للحرية بمجرد الزجر يمكن أن تحول المجتمع إلى مجتمع إكراه ونفاق وتقية.          

سؤال الحداثة

وفي مقابل الخائفين على الدين، توجد في المجتمع طائفة من المتخوفين من الدين، وهؤلاء هم أصحاب سؤال الحداثة، وهم كذلك فئتان: العقلانيون الحضاريون، والعلمانيون، بقطع النظر عن وجود متدينين بين هؤلاء وأولئك. والفئة الأولى تتخوف من اختزال الدين الواسع في تصديقات ضيقة، أو تصورات منغلقة غير منخرطة في المصير الجماعي ومتطلبات التاريخ، وتتخوف من سهولة الانقياد لمشيخات غير مؤهلة أو غير مستعدة لتنزيل النصوص على الوقائع، وتركب في نفس الوقت عددا من إمكانات التأثير والظهور في عصرنا، هذا العصر الذي تؤخذ فيه الكثرة على أنها حقيقة، مع أنها ليست في كل الحالات كذلك، لا دينيا ولا فلسفيا. أما ذو النزعة العلمانية، سواء كان فلسفيا أو سياسيا، فهو يضع نصب عينيه أمثلة من التاريخ الغربي ارتبط فيها التقدم السياسي، في أوصافه الحالية، بفصل الدين كمؤسسة عن الدولة، مع العلم بأن العلمانية في أوربا لم تناهض الدين، وإنما ناهضت مؤسسات لها سلطات التصرف باسم الدين. وقد يقف هذا الصنف العلماني حائرا أمام مفهوم الشعب، إذا غلب على الشعب فهم معين للتدين يحتمل تصريفه إلى الفعل السياسي المبني على الخوف.

سؤال الهوية

 يرتبط الخوف على الدين بالهوية عند من يرون أن الدين هو المقوم الأعظم في هويتهم، ويشعر هؤلاء بأن ما أتى به العصر الحديث من المستجدات الهائلة، كما وكيفا، يهدد هذه الهوية، وهؤلاء الخائفون على الدين من مظاهر العصر الحديث فئتان:

  1. أصحاب فكرة إصلاحية، مؤمنون بالمؤسسات من حيث الانخراط فيها، والمؤسسات أهم ما ولد العصر الحديث في التدبير السياسي، والافتراض هو أن من يؤمن بالمؤسسات يؤمن بالثوابت؛
  2. فئة ممن يسمون بالأصوليين. ولا توجد حالة خالصة لأي فريق منهم، وإنما هناك تغلب هذه السمة أو تلك.

أما الإصلاحيون فهم على العموم امتداد لتيار الإصلاح الذي جاء كرد على اللقاء بالغرب قبل الاستعمار وأثناءه، وكان من سمة هذا التوجه عند النهضويين، الإيمان بالتراث في مواجهة التحديات. وخوف الإصلاحيين يدور حول مدى مطابقة أسلوب الحياة المعيشة لأحكام الدين وأخلاقه، ومنهم من يقدر أن السلطة وسيلة لتحقيق هذه المطابقة، والأفق في فهم هذه المسألة يتسع بمقدار تحقيق أمور ثلاثة:

  1. تبني المنظور المقاصدي في الدين؛
  2. خوض تجريب تاريخي مصاحب بمزيد من اكتشاف الطابع المركب للهوية؛
  3. التخلص من الجاذبيات الأصولية التي قد تشوب هذا التيار وتقعد به.

أما الأصولية فقد ظهرت في عدد من الطوائف الدينية حتى خارج الإسلام، مثل البروتستانت بأمريكا في آخر القرن التاسع عشر، غير أن هؤلاء الذين قاموا بإصلاح ديني مبني على الرجوع إلى أصل الكتاب في بداية العصر الحديث، إنما تصرفوا ضد حلول سلطة الكنيسة محل سلطة الكتاب، أما في الإسلام كما قد رأينا فإن الكتاب والسنة هما المنطلق عند جميع المذاهب. أما في هذا العصر الحديث فإن ميزة الأصوليات هي رفض عدد من مظاهر حياة العصر الحديث، والتحفظ إزاء نزعته الفردية على الخصوص. ومن المشترك بين الأصوليات في مختلف الأديان:

  1. رد فعلها على ما تعتبره تهميشا للدين في المجتمع؛
  2. استعمال عناصر وحجج منتقاة من تراثها الديني؛
  3. تغليب التفسير الحرفي للنصوص؛
  4. تبني ثنائية أخلاقية ترى العالم فاسدا يجب إصلاحه على أساس تصورها هي؛
  5. تنمية سلوكات خاصة بغرض التميز، تصاحبها علامات بالنسبة للجسم واللباس واللغة، رغبة في تأسيس مرجعية انفرادية؛
  6. اشتراط الولاء للزعامة المهيبة، إلخ.

 وهكذا فإن من يستقريء التاريخ يجد أن الإسلام لم ينتظر العصر الحديث ليكابد أزمة الخوف بسبب التغير المادي والاجتماعي السريع المثير للتشنج، بل وقع ذلك عدة مرات، تمظهرت أولاها في حركة التمسك بالنص والتفسير الحرفي والخوف من الرأي والعقل والتأويل، وذلك منذ القرن الثالث.

ويمكن التعرف ميدانيا على حالات يرفع فيها شعار الانتساب إلى الدين خارج التوجه الإصلاحي، مع تصنيفها بالمعيار الأصولي إلى عدة أصناف:

  1. حالة الإيمان بالثوابت وبالمؤسسات والعمل في الدعوة التربوية دون مشروع سياسي، فهذه حالة لا ينطبق عليه شرط الأصولية؛
  2. حالة الدعوة إلى ثوابت أخرى مع الانتساب إلى عقيدة قديمة تقوم على طاعة ولي الأمر، إنها حالة مشوبة بتناقض مرده إلى أن طاعة الأمر مقترنة بعدم مخالفة الثوابت، وقد يكون في الأمر تناقض ثان إذا ظهرت نية الدخول إلى السياسة من باب الدين؛
  3. حالة الانطلاق من الدين دون إظهار موقف صريح من المؤسسات، فلا فائدة في التساؤل في هذه الحالة حول الموقف من الثوابت، لأن التناقض قائم أصلا في ما هو مقرر في القانون حول تنافي المرجعية الدينية مع العمل السياسي.

يتبين من هذا التصنيف أن الأصولية يمكن التعرف على ألوانها المتدرجة من خلال الموقف من الثوابت ابتداء، لأن مناوشتها أو مخالفتها للثوابت يتراوح بين المقولات الخطيرة المستعملة في الإرهاب، والتي دحضها العلماء في ندوة الدار البيضاء عام 2007، وبين المناوشات المذهبية التقليدية التي بدأت بتزعمات شخصية منذ عدة عقود، ويكتشف أصحابها في الأوضاع الحالية فرصا للتموقع السياسي، دون حل التناقضات التي لا تؤهل أهلها في الواقع لممارسة سياسية سليمة.       

محور التفعيل والتفاعل:العقيدة الأشعرية

ليس من المستغرب أن يتخلق الفقهاء من أتباع مالك بخلق إمامهم الذي لم يكن يقبل إلا على ما هو نافع من العلم، مع شدة الشفقة على عامة الناس من الفتنة بالجدال. ففقهاء العهد المرابطي لم يكونوا قاصرين في الجدال المتعلق بالتوحيد والأصول، حتى يقال إن ابن تومرت أفحمهم في مناظرته بمراكش، فقد دخلت علوم الاعتقاد إلى المغرب مع الحضرمي المعروف بالمرادي الذي توفي قاضيا في أطار بشنقيط، وعنه أخذ الكلبي الضرير، المتوفى بمراكش عام 520 هـ، أي قبل وفاة ابن تومرت بأربع سنوات، أما اعتقادات ابن تومرت في رسائله، فهي مزيج من الأشعرية وغيرها، وهو على الخصوص ليس أشعريا خالصا بالنسبة لأخطر قضية عقدية سياسية، وهي قضية مرتكب الكبيرة، حيث يقول بتكفيره في بعض الحالات، وليس الأمر مستغربا، لأن ابن تومرت كان صاحب مشروع سياسي، وحجر العثرة أمام مشروعه هم الفقهاء المالكية الذين لا تقول عقيدتهم بالثورة على المتولي. وقد استعمل ابن تومرت كتاب الموطأ، لا للدعوة إلى المذهب، بل ليحرض العامة ضد شروح الفقهاء في الدين، وهذه وسيلة ما تزال ترى مستعملة من قبل تيارات تتشوف إلى السلطة من خلال إغراء عامة الناس بالقفز إلى الأصول. ومن علماء الاعتقاد أيضا عثمان السلالجي الذي مات بمراكش عام 564 هـ، ويقال إن كتابه البرهانية في هذا الفن قد ألفه لإحدى تلميذاته بفاس، وكان فيه أشعريا خالصا بعدم تكفير مرتكب الكبيرة.

ومع عودة السلطة للمذهب وفقهائه في العهد المريني، عاد التوحيد يدرس للعامة على الأساس الأشعري، وتوالى حضور النظار العارفين بقضايا أصول الدين مع توالي العصور، إلى أن جاء ابن عاشر في نهاية القرن التاسع، وقال في بداية منظومته الشهيرة:     وبعد فالعون من الله المجيد   في نظم أبيات للأمي تفيد

                     في عقد الأشعري وفقه مالك   وفي طريقة الجنيد السالك

فقد تحدث عن الثوابت كمنظومة مترابطة، ولم يذكر الإمامة العظمى، لأن نظمه وضع للمبتدئين، ومبحث الإمامة اختصت به كتب أصول الدين الموضوعة للمتقدمين.

 

محور التفعيل والتفاعل :تبني التصوف

قبل الكلام عن تفاعل غالبية المغاربة مع التصوف كاختيار، لابد أن نتساءل كيف يمكن النظر إلى هذا الاختيار من جهة الحكم الشرعي، هل يدخل في الوجوب أم في الندب أم في الجواز أو في الحرمة أم في الكراهة؟ والجواب هو أن حكمه عند أهله، كما بينا، هو حكم الإحسان من الإيمان والإسلام، أي حكم تشوف إلى كمال، والناس على درجات في هذا الطموح الذي لا إلزام فيه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتَابَ اَلذِينَ اَصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اِللَّهِ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾. وعلى كل حال فإن اعتبارات شتى توجب للتصوف في السياق المغربي الحرمة المبدئية، لأن انتقاده المبدئي في العلن ينبئ في الغالب عن فساد طوية المتكلم إزاء الثوابت الأخرى.

إن استقراء مظاهر تفاعل المغاربة مع تصوف الجنيد، يقوم على نتائج تاريخية تتجاوز المساجلات النظرية، حيث نجده عظيم الأثر على الكيان الجمعي والأخلاقي والحضاري، إذ أثمر شفوفا مثلته نماذج بشرية راقية من العامة ومن العلماء على السواء، وما من قبة ضريح في المدن والبوادي، إلا وتحتها قبر شخص ارتبط عند معاصريه بالتوحيد، أي بالدعوة إلى الله وحده أولا، وبقيمة إنسانية سامية، ثانيا. ولقد قامت الطرق الصوفية منذ القرن السادس الهجري بأدوار نافعة شتى: دينية وعلمية وتعليمية واجتماعية واقتصادية وسياسة نبيلة، غير أن اختصاص أهل التصوف وميزتهم العظمى هي التربية على محاسبة النفس، وما عدى ذلك فهو من الزوائد التي لا تخلو من المستحسنات، وحيث لا توجد التربية على محاسبة النفس لا يوجد التصوف.

إن المشرب الصوفي المغربي مصحوب بالصحو، في أجوائه يتعلم الناس المودة والرحمة والصبر، وكل ما يشمله مفهوم "الوسع" من فقه وفتح وتحمل.

أما إشعاع هذا التصوف فقد امتد عبر القرون إلى آفاق القارات، ولاسيما عبر شرايين الأجسام الكبرى الثلاثة، الشاذلية والقادرية والتجانية.

 

محور التفعيل والتفاعلل: المذهب المالكي

لقد دخل الأمران معا، إمارة المؤمنين والمذهب المالكي، في وقت واحد إلى المغرب، على أيدي الأدارسة. فقد توفي الإمام مالك بعد عشر سنوات من تاريخ وقعة فخ، أي بعد سبع سنوات من بيعة المولى إدريس في المغرب، ولما وفد أعلام من العرب على المولى إدريس الثاني عام 189 هـ، أي بعد عام من بيعته، كان من بينهم عامر القيسي، وقد وصف بأنه كاهن أهل الورع والدين، سمع من الإمام مالك وروى عنه كثيرا، وقد ولاه المولى إدريس القضاء. وفي استقضائه تكريس رسمي للمذهب المالكي، وكان المغاربة قبل ذلك يبحثون عن وجهتهم المذهبية عند أصحاب أبي حنيفة وغيره، وفي هذا ما يخالف قول ابن خلدون إن تبني المذهب كان بسبب تردد المغاربة على المدينة لا على العراق حيث ظهرت المذاهب الأخرى. ومع توالي القرون دخل المذهب في كيان الدولة كمرجع وآلية لقيام إمارة المؤمنين بواجبها في حماية الملة والدين، كما استعمل الفقهاء روح المذهب ومنطقه لإدماج عدد من العادات الثقافية المحلية، وكان المذهب عنوان وحدة الأمة بالعمل به في المساجد والمحاكم على السواء. وكان مناضلوه يحملون هم هذه الوحدة، وهكذا لم تأت مكانة الفقهاء المالكية في الدولة المرابطية بالصدفة، وإنما تأتت بتراكم سلطتهم في القرنين السابقين، وبنفس الرصيد الراسخ يمكن تفسير عودتهم إلى المرجعية في الفقه والشورى في العهد المريني. ثم إن المغاربة خدموا هذا المذهب بتأطير العبادة بالإرشاد بأحكامه، وبالتصنيف في قواعده الكلية، وبشرح فروعه لغايات عملية، وكان لهم فيه التجديد دون تجاهل رصيد التقليد. وعلى هذه الفلسفة بنوا عملهم الميداني عبر فقه النوازل مع إعطاء العرف والعمل أهمية في حل مشاكل تهم الصناع والعمال والشركاء الفلاحيين، وحقوق النساء، والانخراط في الشورى لإمارة المؤمنين، وكلها مظاهر جعلت المذهب الفقهي هوية وطنية داخل كيان الأمة الكبرى.

محور التفعيل والتفاعل: إمارة المؤمنين

أولا: إمارة المؤمنين: عندما بدأ انفتاح المغرب للإسلام في العقد السابع من القرن الهجري الأول، كانت الأزمة قد استحكمت بظهور الفرق واستمرار المعارضة للأمويين ثم للعباسيين، ولاسيما من أنصار آل البيت. وبينما كان هؤلاء يعانون من اضطهاد الدولتين المذكورتين، بين عام أربعين للهجرة، تاريخ تولي معاوية، وعام 169 هـ، تاريخ مقتل الحسين بن علي بن الحسن المثلث، في وقعة فخ قرب مكة، كان قد مضى قرن من الزمن من سوء تدبير عدد من عمال الأمويين ثم العباسيين على المغرب، ولاسيما في الجبايات وتصرفات أخرى يذكرها المؤرخون، وفي هذا السياق من الظلم المشترك، لجأ إدريس بن عبد الله إلى المغرب، وقد نجا من القتل في موقعة فخ، فكان أول أمير للمؤمنين بويع خارج نطاق الحرب والانقلاب بعد الخلفاء الراشدين الثلاثة الأول. كانت بيعته اختيارا طوعيا ذكيا متجليا في أربعة مظاهر:

  1. أن إمارة المؤمنين أعطاها المغاربة لآل البيت المضطهدين، على أساس بناء صرح لدولة السنة في غربي أرض الأمة الإسلامية؛
  2. أن إمارة المؤمنين شكلت القطب الذي خلق الانسجام في ضمير المغاربة بين السياسة والدين؛
  3. أن هذه الإمارة اتخذت صبغة روحية مصدرها التعلق بآل البيت، وهو تعلق خلاق للتعبئة الوطنية؛
  4. أن هذه الإمارة قد شكلت القطب الذي تبلور حوله بناء الدولة في استمرارها، والأمة في وحدتها، والمجتمع في تعدديته.

ومن المهم أن نلاحظ أن الأمازيغ قد تداولوا إمارة المؤمنين في قرون إمبراطورياتهم الكبرى بنفس المضمون والرسوم، وعندما أعاد المغاربة الأشراف السعديين ثم العلويين إلى إمارة المؤمنين، والمغرب يتعرض لضغوط أوروبا في بداية العصر الحديث، لم ينظروا إلى هؤلاء الأشراف على أنهم من جنس العرب، وإنما اعتبروا حماهم الروحي، وأقروا، عن تجربة، بنجاعتهم السياسية في التحكيم.

محور التأصيل:التصوف

إذا كان سؤال الإمارة هو: من يحكم وكيف يحكم، وكان سؤال الفقه هو كيف ينبغي أداء العبادات والقيام بالمعاملات، فإن سؤال التصوف، هو كيف يمكن إحسان العبادة بتحقيق الانسجام بين الظاهر والباطن. ولطالما استشهد الصوفية بالحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه، والذي شرح فيه جبريل معنى الإسلام والإيمان، وأن الإحسان يطابق حالة من الحضور مع الله، بأن تعبده كأنك تراه. وقد خرج التصوف أول ما خرج من طائفة أوائل الزهاد، والمحقق أن ذلك وقع قبل التقاء الفكر الإسلامي بفلسفة اليونان وروحانية الهنود، كانت حياة هؤلاء الزهاد وأحوالهم تقابل، وكأنها تحتج عليها، أحوالا حياتية أخرى تميزت بالتنافس في طلب الجاه، والتقاتل في طلب السلطان، وبالتهافت على كسب الثروة، وبالرياء في العلم والرضا منه بالقشور.فتاريخ الإسلام الديني إنما يزداد وضوحا في ضوء تاريخه الاجتماعي.

في سياق هذا التمهيد الزهدي ظهر المؤسسون، ومنهم أبو القاسم الجنيد الذي يستند المغاربة إلى مشربه في التصوف، منشؤه بالعراق. مات وهو يصلي عام 298 هـ على الأرجح. وهو بتعبير السبكي: سيد الطائفة، اجتمع له العلم والحال، وكل أقواله تأكيد على أن لا حقيقة بدون شريعة، وأن لا باطن بلا ظاهر، وأهم أركان التصوف عنده ثلاثة:

  1. ذكر مع اجتماع 2. ووجد مع سماع 3. وعمل مع اتباع.

وهو القائل: "الطريق مسدود على خلق الله عز وجل إلا على المقتفين أثر رسول الله والتابعين لسنته".           

محور التأصيل: المذهب الفقهي

كان من بين مظاهر السلوك الرصين الذي واجه به أهل السنة تحديات ذلك التاريخ العصيب، عكوف أعلام من الخواص على بناء العلوم الإسلامية، قصد الاستجابة لحاجات الناس المباشرة في باب ضبط العمل بالدين، أي بناء الفقه.

والأصل الموضوعي في الفقه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينتظر الوحي، فإذا نزل وقع العمل به، فإذا لم يوح إليه عمل برأيه واجتهاده في تبيين حكم الوقائع. ولما مات ترك أصحابه الذين عاشروه وشهدوا أفعاله وسمعوا أقواله، وكانوا يسألونه فيجيبهم، ومنهم كان الراشدون، فقد كانوا يراعون تعاليم القرآن وأقوال النبي وروح الدين في المستجدات، وكانوا إذا لم يتوفر النص يحكمون في الغالب برأيهم أو بالعرف، ما لم يعارض حكم الدين، وقد تفرق الصحابة في البلدان، فكانت القضية تعرض في بلد، وقد يكون فيها حكم عن النبي عند صحابي في بلد آخر. وهكذا نشأ الفقه في حالة من اللامركزية، ولكن المدينة المنورة كانت لها مكانتها المتميزة.

وبينما انشغل الحكام العباسيون بقضايا شتى من أمور الدولة، تصدت ثلة من العلماء لبناء الفقه مادة ومنهجا. وتميزت مدرستان، مدرسة كانت تعطي للرأي مجالا أوسع في استنباط الأحكام من النصوص، ومدرسة كانت تركز على الحديث، ويعكس هذا التوجه الثاني مظهرا من مظاهر الخوف على الدين. وقد برز من مؤسسي مدارس الفقه عند أهل السنة أكثر من عشرة أئمة، وما بقي وانتشر إلا مذاهب الأربعة المشاهير وهم: الإمام أبو حنيفة النعمان المتوفى عام 150 هـ، والإمام مالك بن أنس المتوفى عام 179 هـ، والإمام محمد بن إدريس الشافعي المتوفى عام 204 هـ، والإمام أحمد بن حنبل المتوفى عام 241 هـ.

اتفقت المذاهب كلها على المكانة الأساسية لمصدري الفقه، القرآن الكريم والسنة النبوية الغراء، وتميز مذهب عن الآخر في عدد الآليات المستعملة في الاستنباط من هذين الأصلين وترتيبها في الأهمية، فقد غلب على أبي حنيفة القول بالرأي، وغلب على ابن حنبل الاستناد إلى الحديث، ووضع الشافعي رسالته المنهجية بحثا عن طريق بين أهل الرأي وأهل الحديث.

أما الإمام مالك فله وزنه المرموق من حيث العلم والورع، ولكون منهجه أشمل وأكثر انفتاحا وتوازنا بخصوص وسائل استنباط الأحكام. قال عنه تلميذه الشافعي:"مالك أستاذي وعنه أخذت العلم، وما أحد أمن علي من مالك". وقال عنه ابن حنبل: "هو إمام في الحديث والفقه". فإلى جانب سعة أصول مذهبه وتوسطه واعتداله، تميز ببعد عقلاني ميداني، حيث كانت حياة الناس في المدينة حاضرة في اجتهاده، فقد اعتمد القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، أي أغلبية الصحابة، واعتمد القياس وعمل أهل المدينة وقول الصحابي والاستحسان، وهو تدقيق في القياس، والاستصلاح، أي مراعاة المصلحة، ومراعاة العرف، والاستصحاب، وفيه إدماج للعوائد الثقافية، ومراعاة الخلاف. ومن مناقب مالك الكبرى التي تستوقفنا لإكبارها في عصرنا هذا، كونه مؤسس ما يمكن أن نسميه بالورع السياسي في الإسلام، وذلك بأمرين: رفضه تكريس كتاب "الموطأ" مرجعا رسميا في وقت لم يجمع فيه الحديث بعد، وتحفظه في الإكثار من رواية الحديث، ومضمون هذا الورع مراعاة العواقب على الأمن العام.        

facebook twitter youtube