وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
مديرية المساجد
مساجد المغرب
منجزات مديرية المساجد لسنة 2015

الصور

صور يوم المساجد
الوعظ والإرشاد الديني
تنظيم مهام القيمين الدينيين
معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات
المذكرات
islamaumaroc
Print Email

مدخل للمساجد المغربية عبر التاريخ

couv mosquee 2

سبق لأحد المؤرخين في فترة الحماية أن عرف جامع القرويين بفاس بكونه "المسجد الأم للمدينة". بهذه العبارة البسيطة أقر بواقع دال : لقد كانت الحياة اليومية بالحاضرة الإدريسية تنتظم على إيقاع أذان مؤذن الجامع الإدريسي، وعلى الإشارة الضوئية التي كانت تنبعث من صومعته بعد غروب الشمس ;ولا يزال "فاس البالي" (أي المدينة القديمة) يعيش على نفس الإيقاع إلى اليوم.

على أن ملاحظة هذا المؤرخ يمكن أن تنطبق وعلى مجموع التراب المغربي باعتبار أنك حيثما حللت وارتحلت، في الحواضر، كبيرها وصغيرها، أو في القرى والبوادي سيسترعي انتباهك حضور المسجد، باصما مجاله، ومنظما لحياة السكان في كثير من مناحيها.

يهدف هذا الكتاب إلى تقريب القارئ من مختلف المميزات التي تطبع عمارة المساجد المغربية على امتداد مسار تاريخها الطويل، دون أن يدعي استقصاء تاريخيا بالتدقيق ;فتاريخ هذه العمارة ما يزال في حاجة إلى بحث وتنقيب. ويبقى المبتغى هنا، إذن هو تقديم نبذة شمولية عما تتمتع به مساجد المغرب من خاصيات متفردة ترتقي بها إلى مصاف الإنجازات المعمارية العظيمة، تلكم الخاصيات والخصائص التي تتجلى في التصاميم الهندسية وفي الأحجام التي تحتلها مختلف مرافق المساجد والزخارف التي تتحلى بها، والتي كان لكل فترة من فترات التاريخ الطويل قسط معين في تثبيتها وترسيخه، صمن المنجزات الحضارية المتميزة.

إننا لا نعرف أولى المساجد التي بنيت في المغرب، سوى عن طريق ما احتفظت لنا به النصوص التاريخية التي وصلتنا، والتي تعود إلى فترات لاحقة متأخرة بكثير عن عهد فتح عقبة بن نافع لهذه الربوع. عل أن المعلومات التي تشير إليها المصادر، تبقى على أهميتها، مقتضبة وغير واضحة بالشكل المرغوب فيه، وهو ما يؤكد جدوى وضرورة العودة إلى المنجزات التي تم تنفيذها في منتصف القرن التاسع والقرن العاشر للميلاد من بعده، وذلك قصد الوقوف على أهم مميزات بيوت العبادة الأكثر عتاقة وقدما بالمغرب.

لقد حافظ كل من جامع القرويين وتوأمه جامع الأندلس، اللذان يعودان إلى القرن التاسع للميلاد، على بعض من مكوناتها الأصيلة سليمة تكاد تطابق هيئتها الأولى( جانب من أسندة وأقواس قاعة الصلاة)، كما حافظ، كل منهما، على بعض المقومات التي تعود إلى القرن اللاحق. وتعتبر صومعتا الجامعين اللتان تعودان إلى القرن العاشر للميلاد تحفتين فريدتين من حيث التصميم، فهما تعكسان أهمية التقاليد المحلية والخصوصيات والتأثيرات الخارجية لقرطبة وإفريقية، الواضحة في المعالم الهندسية المعمارية الدينية الأولى.

و إذا كان جامع القرويين قد عرف كيف يحافظ بحرص على معالم هي من أنجح ما أبدعه المرابطون وأكثرها توفيقا، فإن جامع الأندلس قد حافظ بدوره، على طابع كل من ناصر الموحدي والملوك المرينيين الأوائل. وقد حظي هذان الجامعان، كذلك بعناية خاصة من ملوك السعديين والعلويين.

وتتميز الحقبة الموحدية باحتضانها لمنشآت دينية هامة، وسواء تعلق الأمر بالمسجد الكبير بتازة أو بمسجد حسان بالرباط، أو تينمل، أو سلا، أو الكتبية، فإن الحقبة عكست بجلاء سمو فن العمارة لدى خلفاء الموحدين، الذي جاء على صورة توازي قوة دولتهم وإشعاع حضارتهم. فلقد أثرت منجزات القرن الثاني عشر للميلاد، باختياراتها السديدة و إسهاماتها الراسخة على الهندسة الدينية المغربية والمغاربية على امتداد القرون الموالية. على هذا الطريق الممهد سار الخلفاء المرينيون من بعد، أولا، وزادوا على ذلك فطبعوا منجزاتهم بأسلوب جديد قائم على تزيين شامل كاس للجدران والسقوف مميز بألوانه، وقائم على نظام ترتبي في توزيع الحوافز الفنية بداخل وخارج البنايات على السواء، وهو ما عوض، بالحذق والمهارة، النقص الذي لحق المساحات المشيدة، ومكن بالتالي المرينيين من تحويل بيوت عادية للصلاة-من قبيل مساجد الأحياء-إلى تحف هندسية حقيقية.

وبمجئ السعديين برز توجه جديد، تمثل في إنشاء مجمعات متعددة، لعل أهم نماذجها  هي تلك التي أقيمت بمراكش، حيث تم إدراج جامعي المواسين باب دكالة، ضمن اختيار أولن في مركز مرافق متنوعة ذات وظائف تعبدية:" قاعة الوضوء، غرفة الإمام) وتربوية " مدرسة، مكتبة، كتاب قرآني) أو اجتماعية (حمام، فسقية). بينما تم تركيز المرافق، ضمن اختيار ثان حول قبة الولي، وفي هذه الحال اندمج المسجد المتعلقات المرتبطة بالضريح.

وقد تواتر هذا التقليد لدى العلويين، الذين اهتموا بالمسجد كمركز ثقافي وروحي تحاذيه المدرسة، وتحفه مرافق ضرورية لممارسة الشعائر التعبدية والتعليمية في توافق وتكامل.

وعرفت هندسة المساجد لدى العلويين عهدا من المنجزات المختلفة والمتنوعة. فقد شيدت بيوت للعبادة داخل الإقامات الملكية بموازاة مع أمكنة عديدة للصلاة في مختلف مدن البلاد. وهي منشآت تتراوح بين بنايات متواضعة، وأخرى باذخة تستجيب في ذلك إلى حاجات محددة بعينها أو إلى ضرورات  مؤكدة. وإذا كانت المساجد المدمجة في القصور قد خصصت للملك والمقربين منه، فإن تلك المقامة في الحواشي المحاذية للإقامات الملكية خصصت لحرس السلطان وخدامه.

لقد قضت إرادة ملوك المغرب بإنشاء مؤسسات دينية في كل حي من أحياء المدينة، تستجيب لحاجات الساكنة إلى قرب دائم من بيوت العبادة والصلاة.

وقد بلور الملك محمد السادس، منذ اعتلائه العرش، هذه الرؤية للدور الديني-الثقافي للمسجد فأضفى عليه أبعادا حضارية جديدة ومنفتحة. وهو ما أدى إلى انتشار، لا نظير له لبيوت العبادة عبر مختلف أرجاء المملكة. وأفضى إلى إنشاء مركبات دينية ثقافية متعددة الفعاليات والتخصصات.

من كتاب مساجد المغرب إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية سنة 2011 عمل علمي يقدم رؤية شاملة عن مساجد المغرب عبر العصور. تم إعداده استنادا على بحث تاريخي أركيولوجي حول المساجد٬ وقام بتأليفه مجموعة من الجامعيين٬ وأشرف على تنسيقه الأستاذ عبد العزيز التوري..