الاثنين 23 محرّم 1441هـ الموافق لـ 23 سبتمبر 2019

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

جواب الهيئة العلمية للإفتاء حول استفتاء أمير المؤمنين في موضوع المصلحة المرسلة

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

قاعدة مراعاة المآل

قاعدة مراعاة المآل
وهذه من أعظم القواعد المميزة للمذهب المالكي، ومن أعمقها أثرا على المستوى النفسي والاجتماعي! وهي راجعة إلى اعتبار المآلات الْمُتَوَقَّعَةِ عند تنـزيل الأحكام الشرعية على عللها؛ تحقيقا لمناطاتها في ظروف الزمان والمكان وأحوال الإنسان. ومراعاةُ المآل في ذلك هي النظرُ فيما قد يؤول إليه الحكم الشرعي - بعد النطق به، أو بعد تنفيذه - بناءً على التوقعات الراجعة إلى كل تلك الاعتبارات. فهي إذن؛ "نَظَرٌ مستقبلي"، ودرءٌ للمفاسد المتوقَّعَة، وليس الواقعة فحسب! فيتم تكييف الحكم الشرعي بحسب تلك المعطيات المنهجية؛ رغم شهود النصوص الشرعية له بالاعتبار! لِمَا تبين من أدائه إن قيل به - على حسب تلك الظروف المقدَّرَةِ بقواعد الفقه لا بالهوى - إلى ضد ما شُرِعَ ذلك الحكم من أجله، من جلب المصالح أو درء المفاسد!

ونظراً لدقتها المنهجية نورد شرحا لأبي إسحاق الشاطبي رحمه الله، يقول: (النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام؛ إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ مشروعاً لمصلحة فيه تُستجلب، أو لمفسدة تُدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قُصد فيه؛ وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها! فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية! وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية؛ ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد! فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية! وهو مجال للمجتهد صعبُ المورد؛ إلا أنه عذبُ المذاق، محمودُ الغِبِّ، جارٍ على مقاصد الشريعة.)([1])

فما أحوجنا إلى هذا النوع من التفكير الفقهي! خاصة في زماننا هذا! وكيف لا؟ وهو أصيل في مذهبنا، ومتجذر في ثقافتنا الدينية والوطنية؛ لِمَا حدث من اندماج بينهما تاريخيا! ولا أضْمَنَ من مثل هذا المنهج؛ لضبط "فقه الموازنات"، وترتيب "فقه الأولويات" في مجال الوعظ والإرشاد! بل في مجال النشاط العمراني البشري جملة! والإمام الفقيه حقا، أو الواعظ، أو المرشد المتخرج على مثل هذا التصور؛ هو الذي تكون له القدرة على الجمع والتأليف في مجال الوعظ والإرشاد، ويكون أقدرَ من غيره على تَمَثُّلِ "النظرية الاندماجية" للشأن الديني حقيقة! وإليكم نصا لأبي إسحاق الشاطبي يصور هذه الحقيقة؛ وكأنما يعيش عصرنا ويَحْـيَى ظروفَنا! قال رحمه الله في وصف العَالِمِ الرَّبَّانِيِّ الحكيم:

إنه الذي (يَتَحَقَّقُ بالمعاني الشرعيةِ منـزلةً على الخصوصياتِ الفرعيةِ، بحيثُ لا يَصُدُّهُ التَّبَحُّرُ في الاِسْتِبْصَارِ بِطَرَفٍ؛ عَنِ التَّبَحُّرِ في الاِسْتِبْصَارِ بالطَّرَفِ الآخَرِ. فلاَ هو يَجْرِي عَلَى عُمُومٍ وَاحِدٍ منهما دون أنْ يَعْرِضَهُ علَى الآخَرِ. ثم يَلْتَفِتُ معَ ذَلِكَ إلى تَنَـزُّلِ مَا تَلَخَّصَ لَهُ على ما يليقُ في أفعالِ المكلَّفِين. (...) ويُسَمَّى صاحبُ هَذِهِ المرتبةِ: الرَّبَّانِيُّ، والْحَكِيمُ، والرَّاسِخُ في العِلْمِ، والْعَالِمُ، والفَقِيهُ، والعَاقِلُ؛ لأنه يُرَبِّي بِصِغَارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، ويُوَفِّي كُلَّ أحَدٍ حَقَّهُ حسبما يليق به! وقد تَحَقَّقَ بِالْعِلْمِ وصَارَ لَهُ كالْوَصْفِ الْمَجْبُولِ عَلَيْهِ، وفَهِمَ عَنِ اللهِ مُرَادَهُ. ومِنْ خَاصَّتِهِ أمْرَانِ، أحدُهُمَا: أنَّهُ يجيب السَّائِلَ على ما يليق به في حالتِه على الخصوص، إن كان له في المسألة حُكْمٌ خَاصٌّ (...) والثاني: أنه نَاظِرٌ في المآلاَتِ قَبْلَ الجوابِ عن السُّؤَالاَتِ!)([2])

ويزيد في بيان هذا الشرط: (أن لا يَذْكُرَ للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي! بل يربي بصغار العلم قبل كباره. وقد فرض العلماء مسائل، مما لا يجوز الفتيا بها، وإن كانت صحيحة في نظر الفقه!

ومما يستدل به على هذا المنهج ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، فقلـت: يا رسول الله، أفلا أبشـر النـاس، قال: لا تبشرهم فيتَّكِلوا"؛ وفي رواية عن أنس قال فيها:"فأخبر بها معاذ عند موته تأثما".

وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله! فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة، فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم. وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية)([3]).

وفي ذلك ما فيه من مراعاة المحيطين الوطني والدولي، عند إنتاج الخطاب الديني، سواء على المستوى الوعظي أو المستوى الإرشادي.

فأي منهج أقدر على المواكبة والاندماج من مثل هذا التأصيل؟ فذلكم هو المذهب المالكي، وتلك هي منهجيته التأليفية التربوية. وبهذه الروح الاندماجية أسهم إلى حد بعيد في صياغة مجتمع مغربي منسجم ومتآلف وقوي.

[1]- الموافقات: 2/110.

[2]- الموافقات: 4-232.

[3]- الموافقات: 4/190-191.

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

قاعدة المصالح المرسلة

قاعدة المصالح المرسلة

وهي قاعدة مرجعية في الفقه المالكي، تحتكم إلى جلب المصالح ودرء المفاسد فيما لا نص فيه ؛ عملا بمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية. إلا أنها هي أيضا أسهمت في تشكيل ثقافة اجتماعية لدى الإنسان المغربي: وهي النـزوع إلى الصلاح والإصلاح على الصعيد العام، في تدبير الشؤون كلها، فيكون الاحتكام إليها في المبادرات، وعَقد الموازنات، وتحديد الأولويات؛ مما يعمق مفهوم المواطنة، ويطبع السلوك الديني إزاءها بالإيجابية والفعالية.

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

قاعدة مراعاة الخلاف

قاعدة مراعاة الخلاف

وهذه قاعدة ترجع عند مالك إلى العمل بدليل المخالف له، والخروج إلى مذهبه، بضوابط محددة على المستوى الأصولي، لا بما يمليه الهوى
الشخصي، أو الرغبة في الترخص غير المنضبط بقواعد الشرع. وإنما غايتها رفع ضرر ما، بعد وقوع نازلة معينة، مما قد لا تكون قواعد المذهب وافية برفعه في خصوص تلك النازلة. ولهذا فإن أغلب فقهاء المذهب لا يرون إعمال قاعدة مراعاة الخلاف إلا فيما بعد وقوع النازلة لا قبله، حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة، أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي؛ فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يُستدرَك قبل الدخول؛ إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع؛ فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.

 وذلك تفكير سديد حقا! فبغض النظر عن سياقه الفقهي، فقد صار له أثر كبير لدى المغاربة على المستوى السياسي والثقافي العام. وهو تربية المواطن على نفسية قبول المخالف، والتآلف معه والانسجام! ولهذا نجد المغرب، بحمد الله، من البلدان القلائل التي تميزت بتماسكها الاجتماعي، على كل المستويات السياسية والثقافية وغيرها. لأن المواطن المغربي قد تَكَوَّنَ تاريخيا على مثل تلك الممارسة التي (تراعي الخلاف)، فيضع في حسابه عند كل تصرف، وعند كل حكم ينطق به، في أي مجال ؛ كلَّ التوازنات، وكل الحساسيات، وكل الاتجاهات ؛ فيراعيها لدى اتخاذ القرار. وبهذا يكون الانسجام والاندماج فعلا. حتى صار ذلك شعورا لا إراديا، وتصرفا تلقائيا، في السلوك اليومي المغربي.


قاعدة المصالح المرسلة

قاعدة مراعاة المآل

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

 

قاعدة مراعاة الخلاف

وهذه قاعدة ترجع عند مالك إلى العمل بدليل المخالف له، والخروج إلى مذهبه، بضوابط محددة على المستوى الأصولي، لا بما يمليه الهوى الشخصي، أو الرغبة في الترخص غير المنضبط بقواعد الشرع. وإنما غايتها رفع ضرر ما، بعد وقوع نازلة معينة، مما قد لا تكون قواعد المذهب وافية برفعه في خصوص تلك النازلة. ولهذا فإن أغلب فقهاء المذهب لا يرون إعمال قاعدة مراعاة الخلاف إلا فيما بعد وقوع النازلة لا قبله، حتى لا تكون مدعاة للتلاعب بالأحكام والتنقل العابث بين المذاهب. ومن هنا فمالك يجيز للمسبوق في الصلاة، إذا أدرك الركوع مع الإمام، وخاف فوات الركعة، أن يجعل تكبيره للركوع نفس تكبيرة الإحرام، رغم أنه لا يجيز ذلك في الأوضاع العادية. كما أنه راعى خلاف أبي حنيفة في زواج المرأة بغير ولي؛ فأجاز عقد من وقع منها ذلك ولم يُستدرَك قبل الدخول؛ إذ الحكم بدليله الأول الذي يمنع نكاح المرأة بغير ولي معناه تشريد أسرة قائمة الآن! فهذا زواج قد وقع؛ فيعمل بدليل المخالف لدرء هذه المفسدة النازلة.

 وذلك تفكير سديد حقا! فبغض النظر عن سياقه الفقهي، فقد صار له أثر كبير لدى المغاربة على المستوى السياسي والثقافي العام. وهو تربية المواطن على نفسية قبول المخالف، والتآلف معه والانسجام! ولهذا نجد المغرب، بحمد الله، من البلدان القلائل التي تميزت بتماسكها الاجتماعي، على كل المستويات السياسية والثقافية وغيرها. لأن المواطن المغربي قد تَكَوَّنَ تاريخيا على مثل تلك الممارسة التي (تراعي الخلاف)، فيضع في حسابه عند كل تصرف، وعند كل حكم ينطق به، في أي مجال ؛ كلَّ التوازنات، وكل الحساسيات، وكل الاتجاهات ؛ فيراعيها لدى اتخاذ القرار. وبهذا يكون الانسجام والاندماج فعلا. حتى صار ذلك شعورا لا إراديا، وتصرفا تلقائيا، في السلوك اليومي المغربي.

عمل أهل المدينة

عمل أهل المدينة

لقد كان عمل أهل المدينة بما هو أصل من أصول الاستدلال لدى مالك رحمه الله مميزا لمذهبيته على المستوى الفقهي، لكنه أحدث مع الزمن نوعا من الخصوصية النفسية والاجتماعية على المستوى الحضاري والعمراني. وذلك بأن شكَّل نسيجا اجتماعيا مطبوعا بحب الاستقرار والتآلف والاندماج؛ لأن الحكم الفقهي بما تواتر من عملٍ بين الناس واستمر؛ رسَّخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين. وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي - بالمغرب والأندلس - «ما جرى عليه العمل»، كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا...

وهذا وإن لم تكن له علاقة بعمل أهل المدينة من الناحية الفقهية؛ فهو شديد الصلة به من الناحية المنهجية، ذلك أن آثارهما النفسية واحدة، هي القصد إلى حفظ العمل الذي استقر عليه الناس وانسجمت بسببه بيئتهم، وانبنت عليه علاقاتهم، مما يربي المواطن بعد ذلك على حفظ الاستقرار في كل شيء، ويرسخ لديه نفسية هادئة، ويبعده من ردود الفعل المتشنجة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ...


قاعدة المصالح المرسلة

قاعدة مراعاة الخلاف

قاعدة مراعاة المآل

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

عمل أهل المدينة

لقد كان عمل أهل المدينة بما هو أصل من أصول الاستدلال لدى مالك رحمه الله مميزا لمذهبيته على المستوى الفقهي، لكنه أحدث مع الزمن نوعا من الخصوصية النفسية والاجتماعية على المستوى الحضاري والعمراني. وذلك بأن شكَّل نسيجا اجتماعيا مطبوعا بحب الاستقرار والتآلف والاندماج؛ لأن الحكم الفقهي بما تواتر من عملٍ بين الناس واستمر؛ رسَّخ في الوجدان الديني الرغبة في السير على المعروف من الأحكام، وعدم الإغراب في الدين والتدين. وهذا المعنى هو الذي طوره المغاربة على المستوى المنهجي، فأحدثوا ما يسمى في الفقه المالكي - بالمغرب والأندلس - «ما جرى عليه العمل»، كالعمل الغرناطي، والعمل الفاسي، والعمل السوسي، وهلم جرا...

وهذا وإن لم تكن له علاقة بعمل أهل المدينة من الناحية الفقهية؛ فهو شديد الصلة به من الناحية المنهجية، ذلك أن آثارهما النفسية واحدة، هي القصد إلى حفظ العمل الذي استقر عليه الناس وانسجمت بسببه بيئتهم، وانبنت عليه علاقاتهم، مما يربي المواطن بعد ذلك على حفظ الاستقرار في كل شيء، ويرسخ لديه نفسية هادئة، ويبعده من ردود الفعل المتشنجة في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلخ...

دليل الإمام وحفظ الخصوصية المغربية في الشأن الديني

 بادرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى وضع دليل الإمام ليكون دليلا منهجيا رهن إشارة كل الفاعلين في المجال الديني بالمغرب، وذلك لتحقيق انسجام كلي، وتفاعل اندماجي، في مجال الإمامة والخطابة والوعظ والإرشاد ؛ خدمةً للمقاصد الدينية، والمصلحة الوطنية العليا للأمة.

ولا يتم ذلك إلا إذا كان هذا الدليل يحقق الخصوصية المغربية في الشأن الديني، ويُمَكِّنُ الأئمة والخطباء والوعاظ والمرشدين الدينيين من الاندماج في تلك الخصوصية، ويسهل عليهم إمكانية تَمَثُّلِ عناصرها وأهدافها بصورة عملية.

ويتحقق ذلك بمراعاة الضوابط المنهجية الأربعة الآتية:

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

العقيدة الأشعرية

الضابط المنهجي الأول: العقيدة الأشعرية

قيل الكثير عن دواعي اختيار المغاربة للمذهب المالكي، لكن المؤكد أن رؤية أهل المغرب للمذهب المالكي كانت رؤية شمولية، استوعبت منه قضاياه العقدية على نحو ما استوعبت منه قضايا الفقه العملي.

وقد استهوى المغاربة من المذهب المالكي أنه ليس مذهبا فقهيا فقط، وإنما هو مذهب يبرز من نصوصه حرص مؤسسه على إبراز موقفه الصريح من كبرى القضايا العقدية، وهو ما حدد انتماء المذهب إلى تيار أهل السنة والجماعة.

لقد كتب شهاب الدين القرافي في كتاب الجامع من الذخيرة بحثا مطولا استعرض فيه مجمل اعتقاد مالك في الله وفي الأنبياء والصحابة، وفي التقليد في العقيدة، وفي البدع الفكرية. و علق القرافي على هذا المبحث فقال: "هذا الكتاب يختص بمذهب مالك لا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب"([1]).

وقد أدرك الفقهاء المالكية أهمية ربط المذهب الفقهي المالكي بالجانب العقدي تحصينا لعقيدة الناس أن يتسرب إليها من شبهات الطوائف الأخرى ما يفسدها. فصدروا بعض كتبهم بمباحث العقيدة على الرغم من أن العقيدة تنتمي إلى مجال معرفي آخر، هو مجال الأحكام الأصلية، ونجد لذلك أمثلة واضحة من مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، ومن مقدمة منظومة ابن عاشر، وكتاب الجامع من الذخيرة.

مثل التوجه العقدي للمذهب المالكي عنصر الممانعة والمقاومة الدائمة لكل الانحرافات الفكرية التي حاولت فرض نفسها بديلا عن التوجه السني، فاصطدم التيار العبيدي الشيعي في تونس بعقيدة المالكية التي كانت ترى أفضلية عائشة على سائر نساء بيت النبوة، وهي القضية التي دعاها القاضي عياض "قضية التفضيل"([2]).

وقد أفسد هذا المعتقد دعوى أحقية العبيديين بالخلافة لانتسابهم إلى فاطمة الزهراء، التي اعتبروها أفضل نساء بيت النبوة، واصطدم التيار العبيدي مرة أخرى في اعتقاد المالكية بعدالة الصحابة، فواجهوا برنامج العبيديين الذي قام على التحامل على الصحابة، بل وعلى سبهم على المنابر، باستثناء علي بن أبي طالب، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وسلمان الفارسي، وأبي ذر([3]).

لقد أحبط موقف فقهاء المالكية مشروع العبيديين الذي كان يطمح إلى اكتساح شمال إفريقيا.

وإثر تطور البحث العقدي تفرغ رجال كثير من المذاهب للتخصص في قضايا العقيدة، فاختار المغاربة لأنفسهم مذهب الإمام الأشعري الذي أصبح بجهود مؤسسه وتلامذته مذهبا متكاملا يمتلك قدرة فائقة على التأسيس والإقناع والمناقشة، فتمكن من مصاولة الأطروحات المغرية التي تبناها مذهب الاعتزال، فتغلغل في الثقافة الإسلامية من خلال قدرة رجاله على السجال والنقاش والالتفاف على النصوص التي لا تخدم آراءهم.

لقد اختار المغاربة "مذهب الأشاعرة" لما لمسوه فيه من حفاظ على جوهر العقيدة، وحرص على درء التشبيه والتعطيل، ولما لمسوه فيه من وسطية تتجاوز القراءة الحرفية للنصوص، كما تتجاوز التأويل البعيد الذي يصادر دلالة النص من غير داع ملجئ إليه، وهكذا وقف الفكر الأشعري موقف العدل والاعتدال من كل القضايا التي بلغ التباين فيها حد التناقض.

فقد اختلفوا في قدم كلام الله، فقال بعضهم: إنه قديم حتى في أصواته ورسومه، و قالت المعتزلة: إنه مخلوق، لكن الأشعري توسط فميز بين الكلام النفسي الذي رآه قديما دون غيره.

واختلفوا في حرية العبد، فقالت الجبرية بانتفاء قدرة العبد، وجعلت نسبة الفعل مجازية، وقال المعتزلة بإثبات القدرة، لكن الأشعري قال بنظرية الكسب المثبت لفعل العبد، وخلق القدرة عند الكسب.

وقالت المشبهة برؤية الله بالأبصار في الآخرة، ونفتها المعتزلة، لكن الأشعري أثبت الرؤية ولكن من غير تحديد([4]).

لقد شكل المذهب الأشعري منظومة فكرية متكاملة، أسعفت جماهير الأمة الإسلامية بقدرة فائقة على الدفاع - الجامع بين النقل والعقل - عن جميع قضايا العقيدة، وتمكن المذهب الأشعري من وقف كثير من التيارات التي كانت تقدم نفسها للناس على أنها المتفردة بمخاطبة الفكر دون سواها.

[1]- الذخيرة 13/213.
[2]- ترتيب المدارك 5/118.
[3]- رياض النفوس للمالكي 2/45، ترتيب المدارك 4/376.
[4]- مذاهب الإسلاميين، د. عبد الرحمن بدوي 548-555-561.تيارات الفكر الإسلامي، د. محمد عمارة 168.

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية

الضابط المنهجي الثاني: المذهب المالكي ثقافة اجتماعية ونفسية

ليس المذهب المالكي بالمغرب مجرد منهجية أصولية في الاستنباط والاستدلال الفقهي ؛ ولا هو مجموعة من الأحكام التي قال بها مالك بن أنس رضي الله عنه، ومضى عليها العلماء من بعدُ متبعين، ومُخَرِّجِين عليها، ومجددين؛ وإنما هو - فوق ذلك - إرث حضاري، وثقافة اجتماعية، وهوية دينية، وقدرة تأليفية على المستوى النفسي والاجتماعي والسياسي.

والواعظ أو المرشد الديني عندما يغفل ذلك ولا ينضبط به ؛ يصطدم حتما مع الخصوصية الحضارية للمجتمع المغربي التي تشكلت عبر تراكم تاريخي أصيل ومتين ؛ ويترتب عن ذلك فشل خطابه الديني، وتشكيل جيوب مرضية منغلقة تؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي المغربي. وهو ما يخالف مقاصد الشريعة في التآلف والتعاطف والتواد.

وبيان ذلك أن المذهب المالكي قد صار بالمغرب ثقافة اجتماعية، تشكلت أولا عبر التفاعل الفقهي في مجال التدين؛ مما أعطى خصوصية حضارية للأمة المغربية، بحيث أسهم إلى حد بعيد في تشكيل النفسية الاجتماعية في المجال الديني والاجتماعي العام للمواطن المغربي. بل إنك لتجد السلوك المذهبي المالكي الخاص بالمغاربة حاضرا حتى خارج المسجد، وفي غير المجال التعبدي الخاص! لقد صار عندهم طريقة حياة، ومنهج تفكير، وطبيعة عمرانية واجتماعية؛ وذلك بما تشكل في خلفية المواطن - بما هو مغربي - عبر التاريخ من تفاعلات، مرجعها أحكام المذهب وأصوله المنهجية التي رسمت له نوعا معينا من التفكير، ومنهجية محددة للحياة، في كل مجالاتها ؛ فامتد ذلك عبر الأجيال إلى أن شكل نفسية اجتماعية عامة، تقوم على التعاطف والتآلف والانسجام. وهذا واضح جدا عند تَبُّين طبيعة الأصول المنهجية التي وضعها مالك رحمه الله لمذهبه، والتي اعتمدها المغاربة منذ أمد بعيد، وطبقوها بما يناسب الطبيعة الاجتماعية والبيئية للمغرب؛ مما جعل للمذهب المالكي بالمغرب خصوصيةً امتاز بها حتى على المذهب المالكي بالمشرق؛ بله المذاهب الأخرى. وهذا من الأمور المعروفة لدى فقهاء المالكية قديما وحديثا. ومن ههنا يمكن أن نشير إلى الآثار النفسية والاجتماعية – دون الفقهية – لأهم أصول المذهب التي شكلت هذه الخصوصية، وذلك  ما يمكننا أن نسميه بالأبعاد النفسية و الاجتماعية لأصول المذهب المالكي الخاصة

الأبعاد النفسية والاجتماعية لأصول المذهب المالكي


المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

التصوف تربية على المحبة

يعتبر التصوف كما أرسى قواعده السلوكية شيوخ المغرب من أهم المميزات للخصوصيات المغربية في المجال الديني؛ وذلك لِمَا تراكم أيضا في هذا المجال من رصيد تربوي، أسهم - عبر التاريخ - بصورة فعالة جدا، في تشكيل الوجدان الديني المغربي، والسلوك الاجتماعي الوطني؛ بما لا يمكن محوه أو تغييره. وهذه حقيقة تاريخية راسخة!

وعدم اعتبار هذه الخصوصية من لدن الوعاظ والمرشدين؛ من شأنه أن يؤدي بخطابهم الإصلاحي إلى عكس مقاصده التربوية تماما!

وقد كان للتصوف كما تمثله شيوخ المغاربة - ولا يزال - الأثرُ البالغ في تمتين الروابط الروحية، بين جميع المكونات الثقافية والاجتماعية والقَبَلِيَّةِ للمجتمع المغربي، تحت لواء واحد، هو: لواء المحبة! إذِ المحبة هي غاية التربية الروحية، والسلوك الصوفي، وذلك بالسير بالمريد عبر "مقامات" التربية، و"أحوال" التزكية؛ حتى يصل إلى تحقيق خُلَّةِ "المحبة" في نفسه؛ خُلُقاً تعبديا أصيلا صادقا، يمتد في سلوكه وطبيعته إلى سائر المجالات بعد؛ بما فيها المجال الاجتماعي، والسياسي، والثقافي...إلخ، بما هي علاقات، وتصورات، ومشاعر أيضا! لأن المحبة لا تَلْزَمُ في الوجدان الروحي حدا معينا، بل تفيض مواجيدها في السلوك العام للإنسان. وهذا سر القوة في التربية الصوفية، مما لا تجده في غيرها.

 ومن هنا كان السلوك بالناس في الخطاب الديني - تربيةً ووعظاً - بالتدرج بهم بين "المقامات" و"الأحوال" أمرا أساسيا جدا، في سياق تحقيق النظرية الاندماجية، وترسيخ الخصوصية المغربية، في تنظيم الشأن الديني، وحسن تدبيره. وبيان ذلك هو كما يلي:

فالمقامات هي ما يكتسبه العبد من منازل إيمانية؛ بمجاهداته الروحية في طريق العبادة والزهد. فإذا حصل العبد على مقامٍ ما كان له ذلك المقامُ خُلُقاً ثابتا، وصفةً راسخةً، يبني عليها ما بعدها؛ إلى أن يبلغ خلة الكمال.

ومن هنا قال أبو نصر السراج الطوسي رحمه الله: (فإن قيل: ما معنى المقامات؟ يقال: معناه مقام العبد بين يدي الله عز وجل، فيما يقام فيه من العبادات، والمجاهدات، والرياضات، والانقطاع إلى الله عز وجل (...) [قال:] وقد سئل أبو بكر الواسطي رحمه الله عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الأرواح جنود مجندة"([1]) قال: "مجندة" على قَدْرِ المقامات. والمقامات: مثل التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والرضا، والتوكل، وغير ذلك. (...) وأما معنى الأحوال: فهو ما يحل بالقلوب، أو تحل به القلوب من صفاء الأذكار. وقد حُكِيَ عن الجنيد رحمه الله أنه قال: "الحال نازلة تنـزل بالقلوب فلا تدوم".)([2])

وللإمام أبي الحسن الهجويري عبارة لطيفة في تعريف هذين المصطلحين بصورة أدق وأوضح. قال رحمه الله في سياق حديثه عن المريد: (الحال: معنى يرد من الحق على القلب، دون أن يستطيع العبد دفعه عن نفسه بالكسب حين يرد، أو جذبه بالتكلف حين يذهب. فالمقام: عبارة عن طريق الطالب وموضعه في محل الاجتهاد، وتكون درجته بمقدار اكتسابه في حضرة الحق تعالى. والحال: عبارة عن فضل الله تعالى ولطفه إلى قلب العبد، دون أن يكون لمجاهدته تعلق به؛ لأن المقام من جملة الأعمال، والحال من جملة الأفضال! والمقام من جملة المكاسب، والحال من جملة المواهب)([3])

ولذا كانت المنازل أو المقامات مراتب، إذا حصل عليها العبد وجب أن يحافظ عليها ؛ لأنها مستوى معين من التدين، والفهم للدين، والقرب من الله، لا يجمل به أن يتراجع عنه. فهو ثابت. وإذن ؛ فالمقام نتيجة العمل، والحال ذوق المقام ؛ فآل الجميع إلى العمل! وما أحسن قول أبي بكر الكلاباذي رحمه الله: (الأحوال مواريث الأعمال، ولا يرث الأحوال إلا من صحح الأعمال!)([4])

ولا يزال العبد يسلك هذا الطريق متخلقا، بين تهذيب وتشذيب؛ حتى تصفو روحه تماما لله، محققة الرضى الكامل بالله، بما تخلق من كلمة الإخلاص: (لا إله إلا الله)، سلوكا أبديا إلى الله؛ فينال نعمة المحبة صفةً ومقاما باقيا، وذلك هو نجاح التربية الصوفية في تربية الخلق؛ لأن مجتمعا يكون السواد الأعظم من أفراده على هذه الشاكلة، لن يصدر منه ما يمزق وحدته، ولا ما يضعف تماسكه، ولا ما يُبْلِي نسيجه الاجتماعي.

والسبب في ذلك أن التربية الصوفية تفتح باب الأمل دائما للناس؛ بما تسلك بهم من منازل على سبيل التدرج. والناس في الدخول إلى أول عتبات التربية جميعا مقبولون! وهذا معنى عظيم جدا ؛ فلا إقصاء لأحد! إذ التصوف يعتمد منـزلة التوبة بابَ أملٍ للعباد، مفتوحا أمام القلوب في كل وقت وحين. وهنا يكمن نجاح الفكر الصوفي السني في الاستيعاب الشامل للمجتمع، والإدماج الكلي للناس في حضنه الدافئ.

فالتوبة عند القوم: هي أول باب يلجه السالك في مسرى المحبة.

والتوبة بهذا المعنى توبتان:

توبة العبد الآبق الشارد عن باب الله، وتوبة العبد السالك إلى الله. قال أبو بكر الكلاباذي: (سئل الحسين المغازلي عن التوبة، فقال: تسألني عن توبة الإنابة أو توبة الاستجابة ؟ فقال السائل: ما توبة الإنابة ؟ قال: أن تخاف من الله من أجل قدرته عليك. قال: فما توبة الاستجابة ؟ قال: أن تستحيي من الله لقربه منك!)([5])

فأما الأولى فلا تكون إلا بعد مقام اليقظة، يقظة الإنسان من غفلته، واكتشافه أنه غارق في مستنقع الشهوات والمعاصي؛ فيشتاق إلى لحظة سعيدة مع الطاهرين، بعدما ضاقت أنفاسه بالروائح النتنة، المنبعثة من جيفة العلق المسنون! فيقرر بدء المصالحة مع الله ؛ وذلك أول الدخول إلى مقام (الإرادة)، مع قافلة الصالحين، هاربا من رفقته السابقة مع الأشرار الغفلة: "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدَوة والعشي يريدون وجهه ولاتعد عيناك عنهم تريد زينة الحيَوة الدنيا ولاتطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا" الكهف الآية 28.

سواء كان ذلك توبة من كفر صريح، أو من معصية دائمة. فهي في جميع هذه الأحوال خروج من فوضى الشرود ودخول إلى نظام المدار، حيث يستقيم العبد في السير إلى ربه. وتلك هي التوبـة النصـوح:"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا"(التحريـم: 8).

أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قُلْ آمنت بالله ثم استقم!)([6]).

والثانية توبة العبد المستقيم السالك إلى الله، إذ يصيبه الشيطان في طريقه ببعض الرشقات والنخسات ؛ فيصيبه القبض بعد البسط؛ وينتبه إلى ما به من أذى؛ فيجأر فارا إلى الله. وهي المشار إليها في قول الله تعالى يصف عباده السالكين: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر و الحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين" التوبة الآية 112.

 إنها صورة ذات إشعاع بهي، ترى فيها قافلة المحبين تقطع المسافات إلى الله توبةً، وعبادة، وحمدا، وسياحة، وركوعا، وسجودا.. آية تعبر بتصويرها الجميل هذا عن حركة السير! ألا ترى أن الركوع والسجود إنما هما فعل واحد هو: الصلاة ؟ لكن الله تعالى ذكر كلا منهما على حدة؛ لترى العبد في حركة دائمة بين ركوع وسجود! فيوحي لك ذلك بالاستمرار والتجدد في الأفعال المستفادة مما سبق من عبـارات: (التائبون العابدون الحامدون السائحون) رغم أن التعبير باسم الفاعل (الفاعلون) دال بذاته على ذلك؛ ولكن تتأكد الصورة المتحركة السائرة باستمرار إلى درجة التشخص الحي ! تماما كما في قوله تعالى:"تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود"(الفتح:29) ]تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[ أي لا يفترون، يحدوهم الشوق، في حركة سائرة أبدا إلى الله ؛ إلى أن يلقوه على المحبة والرضى!

فهم هنا إذن المؤمنون (التائبون) باستمرار.. المجددون لتوبتهم بلا انقطاع. قال عليه الصلاة والسلام: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها..!)([7])

وابن آدم لا بد أن يذنب؛ فمن هنا كان هو ابن آدم، قال تعالى:"وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" طه 121-122

وقال سبحانه: "فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم "البقرة 37

ثم تلك هي إرادة الله الجميلة في خلقه، وكرمهالفياض من أنوار أسمائه الحسنى. جاء في الحديث النبوي: "ولو لم تذنبوا لجاءالله بقوم يذنبون كي يغفر لهم"![8]

والتوبة بجميع معانيها من أبهى منازل العبادة في الإسلام.. إنها خضرة الأمل الممتدة في أفق السير إلى الله، المتصلة بمنازل الرجاء، والمحبة، والشوق، والأنس بالله.. ظلال من النور البهي تظلل العبد أبدا وهو يتنقل من منزل إلى منزل، ويسبح من فلك إلى فلك؛ وهو يمضي صعدا في اتجاه السماء، عبر مدارج المحبين!

مقام التوبة إذن يتيح لك أن تعرف الله! ومعرفة الله قربى، واقتراب.. ومن اقترب من الجمال أحبه! والحب غايته الوصال، ومن وصله الحبيب كان حاله أنسا وسرورا! فأنى له إذن أن يقنط أو ييأس؟ هنا في ظلال الله لا قنوط ولا يأس.. وإنما أبواب السماء تنهمر بواردات من النور، ذات رواء علوي، يملأ الوجدان بأنداء المحبة.. قال عز وجل لعباده الغارقين في أوحال الذنوب: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو التواب الرحيم" (الزمر: 53).

إنها لتعجز الكلمات والعبارات البشرية عن وصف ما ينفتح عنه هذا الباب السماوي الفسيح، من خيرات ورحمات! (إن الله يغفر الذنوب جميعا!)..

الكل إذن مقبول عند الله، مأذون له في الدخول إلى حضرته تعالى، موعود بموعد للوصال.. موعد غير بعيد ولا عسير، لا تحجبه الوسائط، ولا تثقله البروتوكولات! " ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما"(النساء:110)

وإنما أنت.. أنت أيها العبد المحب عليك أن تسأل.. أن تسأل فقط!

"ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده وياخذ الصدقات و أن الله هو التواب الرحيم" التوبة 104

 ذلكم الله الذي يعطي قبل أن يُسْأَلَ، فكيف إذا سئل؟

وعليه، فالتصوف بما يملك من طاقة تربوية هائلة، في تخليق القلوب بالمحبة؛ كفيل بترقية الخطاب الديني لدى الوعاظ والمرشدين عموما إلى مستوى الدلالة على الله! ومن كان كذلك كان أثره فعالا على الحقيقة في ترشيد السلوك الديني العام؛ بما يؤمنه روحيا، ويدمجه اجتماعيا، ويمتنه وطنيا.

ولكي يتيسر على الخطيب والواعظ استثمار التراث الصوفي في ترسيخ القيم السامية في نفوس الناس، فعليه أن يتحدث انطلاقا مما قدمه المنتسبون إلى التصوف في خدمة الناس في الجوانب الدينية والتعليمية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 [1]- أخرجه البخاري 3158 ومسلم 2638.

[2]- اللمع 65-66.

[3]- كشف المحجوب: 409.

[4]- التعرف لمذهب أهل التصوف للكلاباذي: 97.

[5]- التعرف لمذهب أهل التصوف: 108-19.

[6]- أخرجه أحمد 3/413 ومسلم 38 وابن حبان 3/221 والبيهقي 6/458.

[7]- أخرجه أحمد 5/153 والدارمي 2/415 والترمذي 1987.
 
[8]- أخرجه أحمد 2/304 وابن حبان 16/396.

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يوجه خطابا ساميا إلى الأمة بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب
facebook twitter youtube