الاثنين 22 صفر 1441هـ الموافق لـ 21 أكتوبر 2019

العقيدة الأشعرية

التصوف

أربعون حديثا في اصطناع المعروف

جواب الهيئة العلمية للإفتاء حول استفتاء أمير المؤمنين في موضوع المصلحة المرسلة

اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

خلاصات عملية حول ضوابط خطبة الجمعة

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

خلاصات عملية حول ضوابط خطبة الجمعة

يمكن تلخيص ضوابط خطبة الجمعة في المسائل العملية التالية:

الصنف الأول: الضوابط الموضوعية، وهي راجعة إلى الاشتغال بالمعلوم من الدين بالضرورة، وحمل الناس على التوسط والاعتدال.
الصنف الثاني: الضوابط المنهجية، وهي قائمة على اعتماد الأمور المنهجية التالية:

  • توظيف أساليب التقريب والتحبيب في الخطاب؛
  • تجنيب المنبر المعارك الشخصية والسياسية والإعلامية؛
  • تجنب إعلان الفتوى من فوق المنابر ؛
  • مراعاة المستويات الثقافية والتخصصات المختلفة ؛
  • الإيجابية بدل العدمية ؛ بفتح باب الأمل للناس وعدم اعتماد خطاب التيئيس ؛
  • إخلاص القصد لله، وهو الحاكم على كل ما قبله.

الصنف الثالث: الضوابط الصناعية، و هي تتمثل فيما يلي:

  • الاختصار والتركيز؛
  • وحدة الموضوع والفكرة؛
  • حسن الإلقاء الخطابي صوتا وأسلوبا؛
  • جمالية الهندام

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

الضوابط الموضوعية لخطبة الجمعة

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

الضوابط الموضوعية لخطبة الجمعة

بما أن الموعظة هي المقصد الأساس من خطبة الجمعة؛ وبما أن المسلم المعاصر يعيش في عالم متداخل ومتواصل، المسلمون فيه يتلقون أكثر مما ينتجون؛ فإن الوعظ مدعو للاشتغال بما يسمى عند الفقهاء بالمعلوم من الدين بالضرورة؛ إذْ هو الأساس الذي ينبغي أن تعتمده خطب الجمعة اليوم موضوعا.

إن المعلوم من الدين بالضرورة، وكذا ما ينبني عليه من أصول الأخلاق في الإسلام، أو ما يسمى بأمهات الفضائل وأمهات الرذائل، كل ذلك وما في معناه يعتبر هو المجال الحيوي للخطاب الديني الراشد، الذي يفقه حال الزمان وأهله في هذا العصر.
وواضحٌ جداًّ أنْ لو استقام للمسلمين هذا الأمر لكان حالهم أفضل حال! فالمعلوم من الدين بالضرورة قد اجتمعت فيه كل أصول الإسلام العقدية والعملية، وكل ما يلزم المسلم لعبادة ربه من أركان الإسلام وأصول الإيمان. وفي الْحَوْمِ حول ذلك كفايةٌ لعمل المسلم، إذا صدق الله فعلا في طلب رضاه. نعم؛ لخصوص الناس مسالكُ من الدخول في نوافل الخيرات والصدقات والتبتلات، وشتى أنواع المجاهدات.. ولكن الكلام الآن إنما هو عن التوجيه العام للأمة، أي ما ينبغي أن يخاطب به عموم الناس، مما يصلح به دينهم على العموم، وهو موضوع خطبة الجمعة؛ فهذا إنما يحمل فيه على التوسط والاعتدال.
ومنذ القديم قال شيخ المالكية أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله كلاما نفيسا فيما ينبغي للمفتي أن يراعيه في مخاطبة الجمهور، قال: (المفتي البالغ ذِروة الدرجة هو الذي يَحمِلُ الناس على المعهود الوسط، فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهبَ الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال. والدليل على صحة هذا: أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة (...)
إن مقصد الشارع من المكلفِ الحملُ على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع. ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين.
وأيضاً فإن هذا المذهب كان المفهومَ من شأن رسول الله وأصحابه الأكرمين. وقد رَدَّ عليه الصلاة والسلام التبتل، وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: «أفَتَّانٌ أنت يا مُعاذ؟»(1)، وقال: «إنَّ مِنكم مُنَفِّرين»(2)، وقال: «سدِّدُوا وقارِبوا، واغْدُوا ورُوحُوا وشيءٌ من الدُّلْجة، والقصدَ القصدَ تَبلُغُوا..!»(3)، وقال: «عليكم من العملِ ما تُطِيقون؛ فإنَّ اللَّهَ لا يمَلُّ حتى تمَلُّوا..!»(4)، وقال: «أحبُّ العملِ إلى اللَّهِ ما دام عليه صاحِبُه وإن قَلَّ»(5)، ورد عليهم الوصال. وكثير من هذا.
وأيضاً: فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق؛ أما في طرف التشديد فإنه مَهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضاً؛ لأن المستفتي إذا ذُهب به مذهبَ العَنَتِ والْحِرَةِ بُغِّضَ إليه الدين! وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة! وهو مشاهد. وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة. والشرعُ إنما جاء بالنهي عن الهوى. واتباع الهوى مُهلك.)(6)

(1)- قالها صلى الله عليه وسلم لما أطال بالناس في الصلاة. ونص الحديث( يا معاذ! أفتان أنت ؟ فلولا صليت ب"سبح اسم ربك الأعلى" و"الشمس وضحاها" و"الليل إذا يغشى" فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة! ) أخرجه الحميدي 1246 والبخاري 673 ومسلم 465 وابن حبان 149/5 والبيهقي /85/3.

(2)- أخرجه أحمد 4/114 والبخاري 670 ومسللم 466 وابن ماجة 984 وابن حبان 5/508 والبيهقي 3/115

(3)- أخرجه البخاري 39 والنسائي 5034.

(4)- أخرجه أحمد 6/84 والبخاري 1970 ومسلم 785 وابن حبان 2/67

(5)-رواه بمعناه أحمد 6/46 والبخاري 43 ومسلم 785

(6)-الموافقات2/149


مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

خطبة الجمعة عبادة وصناعة

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

خطبة الجمعة عبادة وصناعة

تكتسي خطبة الجمعة أهميتها في الإسلام؛ ليس من حيث هي عبادة مفروضة فحسب؛ ولكن أيضا من حيث هي قناة أساسية لتلقين جموع المصلين المفاهيم الدينية، والتصورات العقدية، والأحكام الشرعية. وكذا محاولة لإقناعهم عبرها – من حيث هي صناعةٌ خطابية - بما لم يكونوا متخلقين به من قبل، فعلا وتركا، مما يخص بعض التصرفات، أو بعض المواقف، أو بعض التصورات. كما أنها قد تكون وسيلة للتحميس، وإيقاظ الهمم تجاه عمل ما، أو مشروع ما. وعلى العموم فخطبة الجمعة لا تخرج في إمكاناتها الوظيفية - بما هي فَنٌّ خَطابي - عن طبيعة الصناعة الخطابية وأهدافها. ولكن هي قبل ذلك كله عبادة. والعبادة لها في الإسلام خصائص وقواعد وشروط؛ فلا يمكن والحال هاته أن تنخرط خطبة الجمعة في سياق الجانب الفني والصناعي بغير ضوابط شرعية. بل لا بد من الموازنة بين ما هو شرعي وما هو صناعي؛ لإنجاح العمل الخطابي الديني في سياقه التعبدي.

ومن هنا؛ فكما يمكن أن تكون خطبة الجمعة وسيلة بناءة، في قصد التزكية والتربية على الأخلاق، والمفاهيم الدينية الأساسية؛ يمكن أيضا أن تكون وسيلة لهدم ذلك كله إذا كان الخطيب ممن لا يفقه من ضوابط الخطاب الشرعي وحكمته شيئا!
وعليه كان لا بد من فِقْهٍ لضوابط الخطاب الديني في خصوص خطبة الجمعة، بما هي موجهة إلى المتلقين على سبيل التعبد. هذا، ويمكن أن نصنف ذلك من الناحية المنهجية ثلاثة أصناف، وهي:


مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

 

خطبة الجمعة ودور الخطيب

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

خطبة الجمعة ودور الخطيب 


مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

الدور الإجتماعي للإمام والخطيب

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

الدور الاجتماعي للإمام والخطيب

ليس دور الإمام والخطيب مقتصرا على إمامة الناس فحسب؛ بل هو في حقيقة أمره إمام لهم أيضا في المجال الاجتماعي العام بالمعنى الشامل للكلمة. فهو مرجعهم ومناط مشورتهم في كل شؤونهم الدينية والدنيوية سواء. كذلك هو، وكذلك كان عبر التاريخ.

 وهذا معنى الانتصاب للإمامة الدينية عند العلماء. ذلك أن الإمامة قدوة دينية وخلقية قبل أن تكون وظيفة محرابية أو منبرية. فالابتلاء الاجتماعي - بما هو سلوك خلقي رفيع - هو أساس نجاح الإمام أو عدمه. ومن هنا من دعاء عباد الرحمن: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما"(الفرقان:74(

فإمامة المتقين قائمة أساسا على نيل صاحبها درجة عالية جدا من الصفة نفسها؛ حتى يكون أهلا للائتمام به فيها. وكفى بذلك امتحانا وابتلاء.

ذلك هو الأساس الذي به نال إبراهيم الخليل - عليه السلام - ما نال عند الله من إمامة الناس، قال عز وجل: "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين"(البقرة: 124(

فالإمامة إذن هي عَهْدُ اللهِ إلى خلقه، مَنْ نَقَصَهُ شيئا فقد ظلم! وإنما التوفية والإتمام أن يقوم الإنسان بحقها، على المستوى التعبدي المحض، وعلى المستوى الاجتماعي العام.

وبما أن أمير المؤمنين هو الإمام الأعظم، وهو أول من يُنَاطُ به عهدُ الله في مجال العمران البشري؛ فقد كان - حفظه الله - أولَ مُبادرٍ إلى تأسيس التوجه الاجتماعي في العمل الديني، بما اشتهر عنه - أعزه الله ونصره - من خُلُقٍ اجتماعي عالٍ ، وسلوك تعاطفي رفيع، وبما مارس من اندماج فعلي في الوجدان الشعبي؛ لتمتين روابط المجتمع المغربي، وتقوية أواصره الوطنية. وكل ذلك بمنهج ديني تعبدي محض !

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

وظائف الإمامة على المستوى الاجتماعي

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

وظائف الإمامة على المستوى الاجتماعي

ويمكن أن نلخص أهم وظائف الإمامة على المستوى الاجتماعي فيما يلي:


مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

توجيهات أمير المؤمنين للعلماء

المحور الأول: النظرية الاندماجية للشأن الديني

المحور الثاني: الوعظ والإرشاد من التنمية الروحية إلى التنمية الوطنية

المحور الثالث: تدبير الشـأن الديني ومراعاة المحيط الدولي

المحور الرابع: مراعاة المذهب في العبادات والأحكام

المحور الخامس: نماذج من الشعائر الدينية وما جرى به العمل: تأصيل وتخريج

المحور السادس: خطبة الجمعة ودور الخطيب

توجيهات أمير المؤمنين للعلماء

وبناء على النصوص الشرعية المتضافرة من كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن على الإمام النائب عن الإمام الأعظم - بما قلده من وظائف وخطط دينية، مِحْرَابِيَّةٍ أو خَطابيةٍ، أو وعظية وإرشادية - أن يجعل العمل الاجتماعي من أهم أولوياته، وخاصة من ذلك: الإنصات إلى جموع الشباب - كما اقتضته توجيهات أمير المؤمنين محمد السادس حفظه الله - وإبداء الاهتمام الجاد بما يشعرون به من مشاكل إزاء أسرهم، أو إزاء المجتمع، وما يعانونه من ضغوط العصر وقيمه المادية، وتفهم مشاكلهم النفسية والعاطفية والمالية؛ قصد تجاوزها.

وقد كان أمير المؤمنين واضحا في تقرير هذا الاتجاه الاجتماعي، بخطابه الملكي السامي، غداة تنصيب المجالس العلمية بالمملكة المغربيـة -حرسها الله- حيث قال جلالته:

(فإننا قد وضعنا طابعنا الشريف على ظهائر تعيين أعضاء المجالس العلمية، فيتركيبتها الجديدة، مكلفين وزيرنا في الأوقاف والشؤون الإسلامية بتنصيبها؛لتقوم من خلال انتشارها عبر التراب الوطني، بتدبير الشأن الديني عن قرب،وذلك بتشكيلها من علماء مشهود لهم بالإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها،والجمعبين فقه الدين والانفتاح على قضايا العصر، حاثين إياهم على الإصغاء إلىالمواطنين، ولا سيما الشباب منهم، بما يحمي عقيدتهم وعقولهم من الضالين المضلين![1] (

[1]- من خطاب جلالة الملك أمير المؤمنين محمد السادس أعزه الله غداة تنصيب المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية يوم الجمعة 30 أبريل 2004 

مجمل ضوابط ينبغي أن يلتزم بها القيمون الدينيون

القوانين المنظمة

 

العمل على تمتين العلاقات الاجتماعية بين الناس

 وذلك بالعمل على الصَّهْرِ الحكيم اللَّـَِّين للانتماءات القبلية، والنـزعات العرقية، وإدماجها جميعا في الرابطة الدينية الشاملة، الجامعة لمفهوم (الأمة) ومفهوم (الوطن). وإنما يكون ذلك بجعل لتقوى أساس التعارف الاجتماعي؛ مصداقا لقول الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم عن الله عليم خبير"الحجرات الآية 13

فالوطن وحدة منسجة تداخلت فيها عدة عناصر عبر التاريخ، لغوية وعرقية وثقافية...إلخ. وكان الدين هو الصاهر لها جميعا تحت ولاية أمير المؤمنين، في نسيج اجتماعي واحد. والإمام الخطيب أو إمام الصلاة - بما هو نائب عن أمير المؤمنين في وظيفته الدينية - وجب أن ينخرط في المحافظة على هذا النسيج، بل يجب أن يشتغل بتقويته وتنميته. وإنما يكون ذلك بجعل المفاهيم الدينية والتربوية مرجعا لكل العلاقات الاجتماعية، حيث يشعر المرء بأنه إذ يربط علاقة ما يدخل في معنى العبادة، تماما كما يدخل في فضاء الصلاة والزكاة. وليس عبثا أن جعل الإسلام صلة الأرحام -وهي علاقة اجتماعية بحتة- من أعظم العبادات! ورتب لها حكم الوجوب، وتوعد قاطعها بأشد الوعيد. ذلك أن دوام الدين واستمراره إنما يكون بدوام سلامة المجتمع من التمزق والتفرق والاختلال. ومن هنا قول الله تعالى المؤسس لهذا المعنى: "يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا"(النساء:1)

وعليه؛ فإن وطننا العزيز -وقد انطلق أساس تكوينه من هذا الأصل منذ أن من الله عليه بنعمة الإسلام - تنبني وحدته الاجتماعية على مفهوم (الرَّحِمِ الوطنية)، وهو مفهوم قائم على نسيج اجتماعي موحد، في صيغة شرعية تعبدية. فيُعدُّ وصل العلاقات الاجتماعية وتمتينها داخلا فيما أمر الله به أن يوصل، وراجعا إلى الوفاء بعهد الله وميثاقه، المتمثل في حفظ الدين وحفظ بيعة أمير المؤمنين. وذلك من أعلى مراتب التعبد. قال الله عز وجل يمدح أولي الألباب:"الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب "(الرعد:20-21)

وإنما نقم من الأمم السابقة بما نقضت من تلك المعاني العظمى، ففسقت عن أمر الله: "والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما امر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار"(الرعد:25)

فتمتين العلاقات الاجتماعية وحفظ النسيج الاجتماعي الوطني؛ إنما يتمان بالدخول في الأعمال الاجتماعية، القائمة على مقاصد التعاطف والتواد والتراحم. فهذه المعاني وأضرابها هي الكفيلة بضمان الصبغة الإيمانية للمجتمع، وهي العامل الرئيس في لَمِّ شمله، ورتق خرقه، واستمرار انسجامه. إلا أن الدخول في مثل هذه الأعمال في حاجة إلى صدق رفيع، وتجرد كامل من كل الأهواء والأغراض ؛ حتى يصفو الشعور التعبدي لصاحبه. وإلا فهو خاسر دنيا وأخرى! ولن يكون لعمله في الواقع أي أثر إيجابي! لأن الصدق هو صمام الأمان لنجاح الأعمال الاجتماعية؛ لِمَا تقوم عليه من معاني الثقة الشعبية، والتواصل الروحي، والتآلف القلبي الوجداني. وما أروع ذلك المثل النبوي المشهور الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للمجتمع الإيماني حيث أشار عليه الصلاة والسلام إلى معنى الصدق في بناء العلاقات الاجتماعية القائمة على الود والعطف والرحمة، بصيغ المشاركة الفعلية ذوقا ووجدانا! وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مَثَلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسدِ بالسَّهرِ والْحُمَّى..!)([1])

فالتَّوَادُّ والتَّرَاحُمُ والتَّعاطُفُ؛ كل ذلك أعمال قلبية وجدانية مشتركة صادرة عن جموع بشرية، تشكل نسيجا اجتماعيا واحدا؛ ولذلك صيغت مصادرها الصرفية باستعمال (صيغة التفاعل) ؛ للدلالة على التفاعل العاطفي الصادق. وهذا هو سر نجاح العمل الاجتماعي. فليحذر الإمام أن يخلطه بما يخرمه أو يثلمه من تحيزات سياسية، أو حظوظ دنيوية فانية! فإن مآل ذلك هو الفشل الذريع فيما وضعت الوظائف الدينية من أجله، وخسران المصالح الشرعية المرتَّبة عليه دينا ودنيا !



[1]- أخرجه أحمد 4/207 ومسلم برقم 2586 والبيهقي 3/353.

 

 

 

السعي في الصلح بين المتخاصمين ونشر المحبة والسلام بين الناس

ذلك أن «المحبة الاجتماعية» من أعظم مقاصد السلوك الديني في الإسلام، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعلها شرط دخول الجنة. فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تَحَابُّوا.. أوَلاَ أدلُّكُمْ على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أَفْشُوا السَّلام بينكم)([1]) وفي رواية مفصلة عن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دَبَّ إليكم دَاءُ الأمم قبلكم: الحسدُ والبغضاء ! هي الحالقة ! حالقة الدين لا حالقة الشعر ! والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ! ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أفلا أنبئكم بشيء إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أَفْشُوا السلامَ بينكم!)([2])

فالإمام إذن مطالب بتأسيس هذا المعنى العظيم في المجتمع، وبتزكيته، وتربية الخلق عليه؛ إيماناً وخُلُقاً. ثم هو مطالب بعد ذلك بحفظه من أن يخترمه شيطان بشيء من الخصومات والعداوات الناشئة بين الناس. وهو قول الله تعالى: وإن طائفتان من المومنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما"(الحجرات:9)

وقوله سبحانه: "إنما المومنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون"(الحجرات:10)

والإمام بما هو محل ثقة الجميع كان هو المرجع الأساس في فض النـزاعات حبيا؛ على المستوى الاجتماعي العام بين سائر المتخاصمين، كيفما كانوا: قبائلَ وعشائرَ واتجاهات؛ وعلى المستوى الأسري الخاص بين الزوجين، لإعادة إجراء مسالك المحبة والوئام بينهما. فوظيفة الصلح الأسرية قائمة به من باب أولى وأحرى. ذلك أن قوله تعالى: "وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحا والصلح خير"(النساء:128)

لن يجري على مستوى التطبيق إلا بتدخل أهل الفضل والصلاح في الأمر. ومَنْ أعلى قُدْوَةً وأنبلُ سلوكا من إمام القوم؟ وقد مر بيان قوله تعالى: "واجعلنا للمتقين إماما" (الفرقان:74)

 


[1]- أخرجه مسلم 54 وأبو داود 5193 والترمذي 2510 وابن ماجه 68.

[2]- أخرجه أحمد 1/164 والبزار 6/192 والبيهقي 10/232 وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/30 وقال رواه البزار وإسناده جيد.

 

 

السعي في مصالح الناس وقضاء حوائجهم

ولا تكتمل وظيفة الإمامة - في الحقيقة - حتى يكون صاحبها قد انخرط في الهم الاجتماعي؛ بالسعي الصادق في خدمة مصالح الناس، والاشتغال بقضاء حوائجهم ؛ إعانةً للمحتاج، وإغاثةً للملهوف، ومساعدةً للضعيف، وإرشادا للضال، وانخراطا في القضية الاجتماعية بكل دلالاتها، على المستويين: الرسمي والشعبي سواء. لكن دون أن ينـزلق إلى الانتماءات السياسية الضيقة، التي تصنفه ضمن طائفة خاصة، أو هيئة محدودة؛ فيكون ذلك سبب فشله في الجمع لكل الأصناف والألوان. وإنما الإمام - بما هو نائب عن أمير المؤمنين - أبٌ للجميع، ومحتضن لكل الشرائح الاجتماعية، ولكل الاجتهادات الوطنية، الدائرة ضمن الحق بدون استثناء، والمشمولة في إطار شعار المملكة: إيماناً بالله، وخدمةً للوطن، ووفاءً للملك.

ومن هنا حض الرسول الكريم على نفع الناس وخدمتهم بإطلاق، دون تمييز لأفكارهم ولا لأحوالهم، إذ الخير في الإسلام عام. فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! أيُّ الناس أحبُّ إلى الله ؟ فقال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ! وأحب الأعمال إلى الله - عز وجل - سُرُورٌ تدخله على مسلم، تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه دَيْناً، أو تطرد عنه جوعا! وَلَأَنْ أمشي مع أخٍ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد - يعني مسجد المدينة - شهراً..! ومن كظم غيظه - ولو شاء أن يمضيه أمضاه - ملأ الله قلبَه يوم القيامة رِضًى! ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يقضيها له ثَـبَّتَ الله قدميه يوم تزول الأقدام!»)([1])

  وبهذا تواترت النصوص تواترا كليا معنويا استقرائيا؛ مما يجعل العمل الاجتماعي من أهم كليات الإسلام الكبرى! الشيء الذي يوجب على الإمام - بمقتضى انتصابه للناس قدوةً - أن يكون دائم الاستماع إلى همومهم الخاصة، على المستوى الأسري والنفسي والمهني والعمراني العام...إلخ.

وبذلك جعل الله تفريج كرب الناس من أعظم القرب. فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسْلِمُهُ. مَنْ كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة!)([2])

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ نَفَّسَ عن مسلم كُرْبَةً من كُرَبِ الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كُرَبِ يوم القيامة ! ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ! ومن ستر على مسلم في الدنيا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة! واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.)([3])

وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (على كل مسلم صدقة. قيل: أرأيت إن لم يجد ؟ قال يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق! قال: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف. قال قيل له: أرأيت إن لم يستطع ؟ قال: يأمر بالمعروف أو الخير. قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: يمسك عن الشر؛ فإنها صدقة!)([4]).

بل إن استمرار النعمة على العبد رهين باستمرار انخراطه في التواصل الاجتماعي، والعمل الخيري؛ تعاطفا وإحسانا! وما قطع العبدُ صِلَةً إلا قطع الله بها عليه نعمةً، أبصرها أم لم يبصرها ! فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للهِ عند أقوام نِعَماً أقَرَّهَا عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين؛ ما لم يَمَلُّوهُمْ، فإذا مَلُّوهُمْ نَقَلَهَا إلى غيرهم!)([5]) وروي بلفظ آخر قريب منه، ونصه أنه r قال: (إن لله أقواما اختصهم بالنعم لمنافع العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم!)([6]) وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد أنعم الله عليه نعمةً فأسبغها عليه، ثم جَعَلَ من حوائج الناس إليه، فَتَبَرَّمَ؛ فقد عَرَّضَ تلك النعمةَ لِلزَّوَالِ!)([7])

والقاعدة العامة الحاكمة على هذا المعنى هي قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه زيد بن ثابت رضي الله عنه: (لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه!)([8]) وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)([9]).



[1]- أخرجه الطبراني في الكبير 12/453 وفي الأوسط 6/139.

[2]- أخرجه البخاري 2310 ومسلم 2580 وأبو داود 4893 والترمذي 1426 وابن حبان 2/291.

[3]- أخرجه مسلم 2699 وأبو داود 4893 وابن حبان 2/291.

[4]- أخرجه البخاري برقم 1376 ومسلم برقم 1008.

[5]- أخرجه الطبراني في الأوسط 8/186.

[6]- أخرجه الطبراني في الأوسط 5/228 والبيهقي في شعب الإيمان 6/117 وهو حسن لغيره.

[7]- أخرجه الطبراني في الأوسط 7/292. وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب 3/263 إليه وقال إسناده جيد.

[8]- أخرجه الطبراني 5/118 وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 8/193 وعزاه إليه وقال رجاله ثقات.

[9]- أخرجه أحمد 2/296 ومسلم وأبو داود4946 والترمذي 1425وابن ماجه225وابن حبان 2/292.

 

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يلقي خطابا ساميا أمام أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية العاشرة
facebook twitter youtube