الثلاثاء 16 صفر 1441هـ الموافق لـ 15 أكتوبر 2019
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

كلمة السيد التوفيق في الذكرى الخمسينية لتأسيس دار الحديث الحسنية

ahmed-ceremonie-du-50-eme-anniversaire-fondation-dar-alhadith-alhassania

احتفالا بالذكرى الخمسينية لتأسيس مؤسسة  دار الحديث الحسنية، ألقى السيد محمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى نيابة عن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السيد أحمد التوفيق، كلمة بالمناسبة، وذلك يوم الخميس 18 رجب 1436هـ الموافق لـ 7 مايو 2015 بمقر مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط.

وفيما يلي نص كلمة السيد الوزير:

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم تسليما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه

أيتها السيدات، أيها السادة،

نحن في دار الحديث نبارك لها عامها الخمسين، والمناسبة مواتية والشرط قائم لكي نستهل الكلام بالحديث الشريف الذي أورده البخاري في كتاب العلم من طريق معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".

ولا يفوت قارئ هذا الحديث أن يتدبر الربط بين تقريراته الثلاثة: اقتران الخير بالفقه في الدين، واقتران القسم بالعطاء، واقتران القيام على أمر الله بالأمان من ضرر المخالفين.

ومن التداعيات المفيدة أن يذكر إلى جانب هذا الحديث العام المتحدث عن الأمة ذلك الحديث الخاص الوارد في فضل أهل المغرب وهو في صيغة صاحب الحلية مرويا عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال أهل المغرب ظاهرين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة".

والحديث بصيغ أخرى كما هو معلوم مروي عن طريق مسلم بن الحجاج بسنده إلى سعد، كما روي عن طريق بقي بن مخلد في مسنده، وهو النص الذي نوقش في رسالة مقدمة إلى دار الحديث، فرحم الله المحقق.

ما أحوجنا اليوم إلى الوقوف عند الحديثين، الحديث العام والحديث الخاص، وذلك لسببين أساسين، أولهما أن التفقه لا يقف عند مجرد التعلم، فالتفقه هو ربط العلم بمشروعه، بفكرته وبمقصده على صعيد الأمة وعلى صعيد بلد بعينه، ولعل الأحاديث الواردة في فضائل البلدان تنأى بنا عن قرن الوطنية بالجاهلية، وثانيهما أن المخالفة واردة وأنها شر يحمي منه القيامُ على الحق وهو من جهة مؤسسة للتعليم مرادف لحسن التفقه المرادف لحسن التبليغ.

فمؤسسة دار الحديث مؤسسة للتبليغ، والتبليغ هو المهمة العظمى للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى: "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته والله يعصمك من الناس"، وبقطع النظر عما ورد عند المفسرين ولا سيما عند الفخر من نقاش حول موقع هاتين الآيتين من سورة المائدة وهي آخر ما نزل، فإن الذي يستدعي التنبه إليه في ما نحن بصدده هو أن التبليغ يقتضي التفقه أي الجمع بين العناصر الثلاثة المكونة لمهمة النبي وهي التزكية وتعليم الكتاب والحكمة، ومن هنا يستنتج أن التعليم خاليا من هذين العنصرين يمكن أن يكون مصدرا للمخالفة أو للتزعم بالدين بحذلقة اللسان وكثرة المحفوظات أو الوقوف عند مظاهر سمت الخارج.

ومن نافلة القول أن جميع ما يُعلمه الإنسان أو يتعلمه يقصد به معرفة الطبيعة أو الإنسان وإنتاج حاجات أو حالات يحتاج إليها الإنسان في حياته، أما المعلومات المحمولة في تبليغ الدين فالقصد منها هداية الإنسان لا مجرد نوع من الاستهلاك أو الترفه، ومن ثمة ضرورة الربط بين المبلِّغ ومادة التبليغ والمبلَّغ لهم. وهنا تكمن خصوصية ما سمي اليوم بالدراسات الإسلامية، وتكمن بالخصوص ميزة علم الأمة في الإسلام.

فالحماية من المخالفة والمخالفين هي حماية الدين التي عُرفت في هذه المملكة من شروط إمارة المؤمنين، فلنتذكر عقد الستين من القرن الماضي في بلدنا، كانت الظروف ظروف مخالفة بتأثير رياح من المشرق ورياح من المغرب، ولكن رصيد هذه الإمامة، إمارة المؤمنين، رصيدها في الثبات أمام عواصف التاريخ، جعلت جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله يفكر في الأمانة التي تطوق عنقه، أمانة حفظ الدين بالتبليغ، وانطلاقا من ذلك الشعور أسس دار الحديث الحسنية.

ولما تخرج من هذه الدار عدد من العلماء أعاد تحيين مشيختهم التاريخية في صورة مجالس علمية، لتقوم بتأطير التبليغ، ولتقوم على الخصوص بالحسبة في هذا التبليغ.

وكان قبل ذلك جدد فتح الكتاتيب القرآنية لإحياء تقاليد المغاربة في الحفظ الكامل للقرآن الكريم، ثم أتم رحمه الله إشارات هذه الأمانة ببناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء. فهذا مشروع متكامل لمن ألقى السمع وهو شهيد.

ثم تابع وارث أمانته صاحب الجلالة الملك محمد السادس حماية التبليغ فعدد وأبدع وزاد الرعاية في كل المجالات، ومن رعايته لهذه الدار أن أقام لها هذا المقر الجديد وأن أحلها هذا المقام المشيد.

وبسديد رأيه وتوافق سياسته صار يتأكد للناس أن الدين هو الأمر الأول للأمة وأن ولي أمرها هو المنوطة به صيانة الثوابت وضمان الخدمات وتوفير التأطير وترشيد الخطاب كل ذلك حتى لا تكون الفتنة في الدين، وأن العلماء هم له على ذلك أعوان وقد ذكَّرهم بميثاقهم إزاءه في خطاب تطوان قبل سبع سنوات.

وبالرغم من أن البيئة الفكرية في العقود الأخيرة في غاية التلوث حولنا فإن الخطاب في المنابر قد نأى عن المزالق إلا اللمم، ومما لا يقل أهمية عما ذُكر ما تحقق من وعي الطبقة السياسية بضرورة مراعاة مقام الحياد للدين بالنسبة لكل البرامج التدبيرية المتنافس فيها، وهو الأمر الذي وضع إمارة المؤمنين بالمملكة المغربية في عمق نموذج لا محيد عن استلهامه لأي مسيرة في عموم بلدان الإسلام، وحيث تراعى القوانين الضابطة للحرية والتعبد والمبادرة.

ولابد من الإقرار بهذا الصدد أن السياسة كانت رائدة، وأن العلماء تجاوبوا معها عملا بمقتضى لزوم البيعة على العقد المبني على الكليات، وهذا من تجليات قيام أهل المغرب على الحق، حق التبليغ، لا يضرهم من خالفهم إلى يوم القيامة، والمخالفون الأبلغ صورا هم المشوشون على الناس من أبناء جلدتهم سيما إذا كانوا من المُوَسوسِين.

وفي هذا السياق فإن كل مؤسسة للتعليم أو دار للتبليغ لا تنجح في أداء رسالتها بقدر ما تزود به روادها من معلومات من علوم الدين بل بقدر ما تستحضر في تعليمها شروط التبليغ وما يتوقف عليه من الالتزام بالثوابت وما يصاحبه من الحذر من الغلو والانتحال. وهذا يعني أن يتميز عالم الأمة عن صاحب الصناعة وعن حامل البضاعة، وذلك بأن يكون ذلك المتفقه في الدين الملتزم بتاريخ بلده داخل أمته ماضيا وحاضرا ومستقبلا، وأن يكون باختصار فاهما فطنا له قسط من نور العلم يعمل ويصبر ويصابر ويتحمل الأذى في مواجهة المخالفة.

إن هذا شرف عامة العلماء، ومن واجب أفذاذ منهم أن يرتقوا بالنظر لمعالجة دائمة لبعض الإشكالات وأخص اثنتين منها:

  1. الإدراك المتين لكل ما جد في باب الأدوات التي اشتغل بها الأجداد في التعامل مع النصوص لأنهم إن لم يفعلوا حاجَّتهم فئة من المتمرسين بتلك الأدوات التي لا قدسية لها على الإطلاق؛
  2. النظر في التاريخ الذي جرى من بعد انقطاع الوعي وفهمه بما يحفظ الأمة في الدعوات السطحية والتصورات المختزلة للدين والحياة.

إن الارتقاء بمؤسسات تخريج مؤهلات يمكن أن يكون منها علماء هو القضية الفكرية الأولى التي تواجه المسلمين، ولو أُجري مسح للوضعية الحالية من منظور القيام على الحق وما يقابله من المخالفة، لأسفر عن وجود أصناف عديدة في الفضاءات التي تدرس علوم الدين:

  • صنف يدرس هذه العلوم يروم القيام على الحق بحيث يستحضر ما ينبغي من الاقتران بين التعليم والتزكية والحكمة وذلك في أفق تخريج علماء الأمة الملتزمين مع إمامتها العظمى لنشر وازع الخير بالحال والمقال؛
  • وصنف يدرس هذه العلوم كما يدرس الأدب والجغرافيا، وذلك بقصد إعادة تدريسها أو البحث فيها أو غير ذلك من المقاصد الذاتية التي لا ترتبط بالضرورة بمشروع؛
  • وصنف يدرس هذه العلوم وفي نية المشرفين عليه استعمال المعلومات في الدين لزرع المخالفة لمشروع الأمة انطلاقا من تصورات شاذة للدين والسياسة؛
  • وصنف رابع من الفضاءات العمومية للمدرسين فيها إمكانية التصرف بمنطق أحد الأصناف الثلاثة المذكورة، فتجد كلا يعمل على شاكلته يهدم هذا ما يبنيه ذاك. والذي ينبغي توضيحه في وقتنا أن مجالات المخالفة الجادة الواضحة مفتوحة في الفضاء السياسي بما يتمتع به من الحرية وما يضبطه من القواعد، فلا ضرورة اليوم للانطلاق في الدين أو استعماله للمخالفة السياسية، والدين دين الأمة أي دين الجميع.

ليس للأمة سوى هذا النزع لاتباعه بعد توضيحه لذوي النوايا الحسنة والمقاصد الشريفة، وليس للأمة من مخرج سليم لضبط هذه العلاقة بين الكلام في الدين واستعماله في إثارة الفتنة، والفتنة في وقتنا هي التصرف خارج القانون ولو لمقاصد خيرة في الظاهر.

وفي ما عدا هذا فإن العالم من حول المسلمين يظهر كل يوم ما يشير إلى أنه مستعد لكي يتعامل مع حالات المسلمين فيما بينهم وفيما بينهم وبين غيرهم تعاملا بمقتضى منطقه ومصالحه دون أن يضيره شيئا ويمكن أن يستمر ذلك لعدة عقود من الانزلاق في متاهات الإفلاس المعنوي قد يصحبه إفلاس مادي إذا ظلوا يعتمدون على موارد صائرة إلى النفاذ. 

أنظر أيضا: الشريط الوثائقي بعنوان مؤسسة دار الحديث الحسنية رؤية ورسالة ومسار 50 سنة من العطاء

للاطلاع أيضا

برنامج محو الأمية بالمساجد : كلمة وزير الأوقاف والشئون الإسلامية أمام صاحب الجلالة أعزه الله حول البرنامج

كلمة وزير الأوقاف والشئون الإسلامية بمناسبة الإذن المولوي الشريف بفتح المساجد الجديدة

أحمد التوفيق : استثمار قيم الدين في نموذج التنمية

موسم الحج: الزيادة في حصة المؤطرين المغاربة لتبلغ 750 مؤطرا

التوفيق: ترميم حمام الصفارين بفاس يحيي صفحة من تراثنا التاريخي

كلمة السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بمناسبة زيارة قداسة البابا

تقرير : حصيلة أنشطة المجالس العلمية وعن الشأن الديني

أحمد التوفيق : حضور الرسول صلى الله عليه وسلم في حياة المغاربة ماضيا وحاضرا

السيد أحمد التوفيق: النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان دائما مرآة أمته الاسلامية وحاضرا في كل أوجه الحياة اليومية للمغاربة

الدروس الحديثية... تجسيد لحماية مؤسسة إمارة المؤمنين للدين الإسلامي والدفاع عنه

للمزيد من المقالات

facebook twitter youtube