الأحد 20 ذو القعدة 1441هـ الموافق لـ 12 يوليو 2020
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

islamaumaroc

كلمة السيد أحمد التوفيق خلال حفل الإعلان عن صدور الترجمة الإنجليزية لكتاب الموطأ للإمام مالك بجامعة هارفارد

al Muwaṭṭaʾ the Royal Moroccan Edition 1

ألقى السيد أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، كلمة بمناسبة الإعلان عن صدور الترجمة الإنجليزية لكتاب الموطأ للإمام مالك بجامعة هارفارد، وفيما يلي نص الكلمة:

أيتها السيدات، أيها السادة

قبل كل شيء، أود أن أعبر عن شكري الجزيل لبرنامج الدراسات الشرعية في جامعة هارفارد وللأستاذة انتصار رب، الشكر على التعاون وعلى الدعوة لهذا اللقاء. إن صدور كتاب الموطأ في ترجمته الإنجليزية ضمن منشورات جامعتكم دليل على تقدير مكانة هذا النص في التراث الديني الإسلامي، وعربون على ما ستتيحه هذه الترجمة من إطلاع ملايين الناس، وعلى رأسهم الأكاديميون، على محتوى أول نص وُضع في فقه الدين الإسلامي، وهنا لابد من شكر الأستاذ إدريس أوعويشة الذي تحقق في رئاسته لجامعة الأخوين مشروع الترجمة، وشكر الأستاذين المترجمين محمد فاضل وكونيل مونيط على المجهود الفكري الجبار المبذول في عمل ترجمة هذا النص الاستثنائي.

أيها السيدات أيها السادة

قبل شهر من اليوم، قدمت إلى جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين، التقرير السنوي عن عمل المجالس العلمية، وقد أشرت فيه إلى هذه الترجمة ونشرها من قِبَل جامعتكم.

أيتها السيدات أيها السادة

يذكر المؤرخون أن الخليفة العباسي، أبا جعفر المنصور (754-775/136/158)، قد أراد ترسيم كتاب الموطأ مرجعا دينيا في بلدان الخلافة، ويذكر المؤرخون كذلك أن الإمام مالك لم يكن متحمسا لهذا التعميم، مما يفيد تَصوره لإمكان التعدد، وهو موقف يدل على ما هو معروف من شدة ورعه وسمو أخلاقه، وكان الأمر في ذلك الوقت يتعلق أساسا برواية الحديث، وبالفعل، فقد تعددت المذاهب السنية على أساس الاختلاف في جزئيات لها أهميتها، لاسيما عند العامة، وتشكلت خريطة جغرافية مذهبية على أساس اختيارات مجالية احترمتها الأمم الإسلامية على امتداد القرون، دون تبديع ولا تكفير، واطمأن بها كل في مجال مذهبه، إلى حجية الاجتهاد المُتبع في ممارسته الدينية.

أما في وقتنا الحاضر، فقد غدت هذه المسالة حيوية بسبب العنف الذي صارت تشهده خريطة المذاهب في بلدان المسلمين، أذكر هذه القضية لأنها حاضرة في خلفية إعادة تحقيق نص الموطأ في المغرب، في سياق تحضر فيه عناصر ثلاثة هي:

  1. 1 . المذهب المالكي الذي يؤسس له الكتاب؛
  2. 2 . العلماء الذين حققوا نص الموطأ ويؤطرون الناس في إطار هذا المذهب؛
  3. 3 . أمير المؤمنين باعتباره، بمقتضى نص البيعة، حاميا للملة والدين.

أخذ المغاربة بالمذهب المالكي منذ الربع الأخير من القرن الثاني للهجرة (الثامن الميلادي)، وتزامن هذا الاختيار مع إعطاء المشروعية السياسية، على أساس البيعة، لأسرة من الشرفاء من سلالة النبي، وهذا الارتباط بآل البيت، في إطار المذهب السني، حمى المغرب من التشيع، حيث أطر فقهاء المالكية تدين المغاربة ومرجعهم كتاب الموطأ، وكان من هؤلاء الفقهاء أفذاذ كابن رشد الحفيد الذي لم يمنعه الاشتغال بالفلسفة من أن يضع في الفقه المالكي كتابه بداية المجتهد، وكابن خلدون الذي كان قاضيا للمالكية عندما انتقل إلى مصر.

ولعل من عوامل استتباب المذهب المالكي في المغرب طابعه العملي الميداني الذي أتاح دمج عدد من الأعراف والعوائد الثقافية المحلية في الحياة الدينية.

ومن المغرب امتد المذهب المالكي إلى بلدان إفريقيا الغربية حيث ارتبطت أسانيد علماء هذه البلدان في رواية الموطأ بأسانيد شيوخ مالكية المغرب.

كان هؤلاء العلماء بالمغرب منتظمين في مشيخات عرفية حيث يوجد في حضرة السلطان شيخ للجماعة وشيوخ على صعيد الحواضر يلتفون حول مشيخة الحضرة، ويلتف حولهم أفراد العلماء؛ كانوا على علم بالمذاهب الأخرى، متضلعين في ما يسمى بالخلاف العالي، ولكنهم يدافعون عن المذهب المالكي على صعيد الأحكام القضائية وعلى صعيد تدين العامة، يدافعون عنه كواحد من العناصر الأربعة للهوية الدينية، وهي العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي والتصوف الجنيدي وإمارة المؤمنين.

يؤطر العلماء هذه الاختيارات في إطار المساندة الشرعية لإمارة المؤمنين المبنية على البيعة، فمما هو معلوم أن المملكة المغربية تتميز في العالم الإسلامي بالحفاظ على البيعة التي لا تترجمها كلمة allegiance في اللغات الغربية، لأن الكلمة في اللغة العربية مشتقة من قاموس المعاملات، من فعل باع يبيع، وهذا يعني أن الأمة على امتداد القرون، يمثلها الموقعون على عقد البيعة، وهم العلماء والأشراف وشيوخ الزوايا ورؤساء القبائل وأعيان التجار وأمناء الحرف ورؤساء العسكر وبقية الأعيان، تُبايع الأمة أمير المؤمنين، أي تَبيع له مشروعية الحكم، بمقتضى وثيقة يكتبها القضاة ويلتزم فيها المبايع بالمبادئ المعروفة بكليات الشرع الخمس، وذلك بأن يحمي للأمة خمسة أمور:

  1. 1 . دينها الذي يعطي للحياة معناها: من أين جاء الإنسان، وإلى أين هو ذاهب، وكيف يحسن به أن يسلك في الحياة؛
  2. 2 . أمنها، بحفظ حياة الأفراد والجماعات حتى تعيش في استقرار يضمن اليقين الذي هو شرط صحة في جميع المعاملات؛
  3. 3 . عقلها، يعني نظام الاحتكام إلى الشرع بقواعده ومصالحه المرسلة؛
  4. 4 . مالها، ويشمل ما يتعلق بالحياة الاقتصادية من تملكات ومستحقات؛
  5. 5 . كرامتها، المعبر عنها بمصطلح العرض.

تُكتب هذه الوثيقة في بداية كل تولية، ويتم تجديدها، إلى يومنا هذا، كل عام في عيد العرش، من طرف المنتخبين في الجماعات المحلية الذين حلوا محل الأعيان، كما يتجدد تأكيدها كل أسبوع في صيغة الدعاء للأمير في منابر خطبة الجمعة.

وحيث إن حماية الدين بمقتضى البيعة تدخل فيه حماية ثوابت الأمة، ومنها المذهب الفقهي، وحيث إن العلماء هم الموكل لهم تأطير هذه الحماية بالتبليغ ومساندة مشروعية الإمارة ما دامت تجتهد في الوفاء بتلك الكليات، فإننا نفهم مغزى طلب أمير المؤمنين الموجه إلى العلماء لإعادة نشر نسخة من موطأ الإمام مالك، ولمزيد من التوضيح لابد من الإشارة إلى أن من منجزات حماية الدين في هذا العصر قيام أمير المؤمنين بتجديد مشيخة العلماء بجعلها مؤسسة قانونية دون المس بهيبة المشيخة الأصيلة واستقلاليتها، وهي المجلس العلمي الأعلى، وتُراعى في اختيار أعضائه من الرجال والنساء الكفاءة العلمية والعدالة، ومنها عدم الانخراط في أي نشاط سياسي حزبي. يوجد مركز المجلس في العاصمة، وله اثنان وثمانون فرعا في مختلف الأقاليم، يُؤطر هذا المجلس حياة الناس الدينية بالإرشاد، ويختص بالفتوى في الشأن العام، ويُشرف على التكوين المستمر لأئمة المساجد، وعددهم ثلاثة وخمسون ألفا، وله لجان مركزية عدة، منها لجنة الفتوى، واللجنة العلمية التي عُهد إليها بتحقيق كتاب الموطأ.  

إن الارتباط بين العلماء وبين الإمارة في المغرب استمر عبر التاريخ على أساس أنهم شهود عليها في الاجتهاد للوفاء بالالتزامات الواردة في البيعة إجمالا، ثم إن العلماء والإمارة جهتان تشتركان في الحرص على اتقاء الفتنة التي تضر بالدين كما تضر بالسياسة.

يتبين من هذه العناصر أن عملية تحقيق الموطأ ونشره قد تبدو جزئية عادية، لكن قيمتها السياسية والرمزية بارزة من خلال ما ذكرناه، وفي سياق مغرب يبني نموذجا قائما على ثوابت أصيلة منفتحة، وفي بناء هذا النموذج، يدبر العلماء، بوعي تام، تحديات متولدة من ضرورة التلاؤم مع مختلف جوانب الحياة في تمظهراتها الحديثة، لاسيما في ما يتعلق بتدبير الحرية، وبوجود تأثيرات إسلاموية سياسية ومذهبية هامشية، وبعدد من الالتباسات المتولدة عن النظام العالمي السائد. وبصدد التطرف فإن علماء المغرب في المجلس العلمي الأعلى قد أصدروا عام 2007 كتابا تضمن دحض إحدى عشرة من حجج الإرهاب.

ويمكن أن أقول، بناء على تجربتي ومن موقعي، بأن هذا النموذج قد قطع أشواطا بعيدة، مع العلماء من جهة، ومع الفاعلين السياسيين من جهة أخرى، فإذا اعتبرنا خطبة الجمعة، على سبيل المثال، كمؤشر على جدوى تأطير العلماء المالكية، فإن الخطباء، وهم أحرار في إنشاء خطبهم، لم تعد تصدر منهم انزياحات تُخل بالنظام العام أو بالتعددية إلا في حدود بضع عشرات من الحالات في كل سنة، من مجموع ما يزيد عن مليوني خطبة كل عام. وأما من جهة الفاعلين السياسيين، سواء في البرلمان أو في ساحة الإعلام أو المجتمع المدني، فبالرغم من أن الحساسية الدينية مغرية بالاستعمال السياسي، فإن التوجه من قِبل معظم الأطياف، هو الاقتناع سنة عن سنة، بأن النموذج المتمثل في اختصاص إمارة المؤمنين بالشأن الديني، وحياد العلماء على الصعيد العمومي، هو عنصر أساس في السكينة المطلوبة في كل تقدم.

ولابد من الإشارة إلى أن الحرص على المذهب، وعلى كتابه الأساس وهو الموطأ، من باب الحرص على سكينة عموم المؤمنين في المساجد وغيرها، لا يمنع العلماء عند الاجتهاد من الاستئناس بما ورد في المذاهب الفقهية الأخرى، مثل ما فعلوه عند وضع مدونة الأسرة.

وفي الأخير، أجدد لكم الشكر على الدعوة، فقد أتحتم لي فرصة الكلام عن سياق ظهور النص المُترجم في المغرب، وفرصة عودة ولو قصيرة إلى هذه الربوع التي كان لي بها مرتين مُقام كريم حافل بجميل الذكريات وعظيم الفوائد.

للاطلاع أيضا

السيد التوفيق: فتح المساجد أمام المصلين سيتم بعد قرار السلطات المختصة بعودة الحالة الصحية إلى وضعها الطبيعي

أحمد التوفيق : وزارة الأوقاف ترصد 150 مليون درهم لترميم أزيد من 140 مرفقا بمدينة فاس

برنامج التنمية الحَضرية لأكادير يوازن بين الروحي الديني والمعاش اليومي

مديرية المساجد تحصل على شهادة ISO الخاصة بنظام الجودة

السيد أحمد التوفيق: كلمة افتتاح الدورة الثالثة للمجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة

السيد أحمد التوفيق: كلمة افتتاح الدورة الثالثة للمجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة (2)

ملخص حصيلة أنشطة المجالس العلمية والشأن الديني

أمير المؤمنين يسهر على حفظ دين الأمة وفق نموذج يستجيب لحاجيات المؤمنين

أحمد التوفيق : الإفتاء والتاريخ

برنامج محو الأمية بالمساجد : كلمة وزير الأوقاف والشئون الإسلامية أمام صاحب الجلالة أعزه الله حول البرنامج

للمزيد من المقالات

إمارة المؤمنين

أنشطة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أعزه الله لسنة 2020

الوزارة

facebook twitter youtube