الخميس 9 رمضان 1442هـ الموافق لـ 22 أبريل 2021
اشترك بالرسالة الإلكترونية
من فضلك ادخل بريدك الإلكترونى

ثقافة الإمام

عوامل مساعدة على النبوغ المغربي في الحفظ والتحصيل

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


فإذا أحببنا أن نضع أيدينا على أهم العوامل والوسائل التي جعلت أهل المغرب أكثر الشعوب الإسلامية حفظا للقرآن، وجدناها قائمة على ما ذكره ابن خلدون صراحة أو ضمنا، وهي لا تخرج عن هذه المعادلة الثلاثية التالية:

  1. جعل القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات.
  2. التبكير بالقرآن بتعليمه للولدان في الصغر، ليكون راسخ في الوجدان.
  3. تدارس القرآن بين الأحياء في البوادي والأمصار، آناء الليل والنهار، مما يجعلهم أقوم على رسمه وحفظه من سواهم.

وهذا الأخير يتضمن اعتماد القراءة الجماعية وسيلة لتحقيق مقصدين وغايتين مشروعتين:

أ‌- قراءة الأسوار للشداة المتعلمين بقصد سرعة التحفيظ والتمتين للمحفوظ بكثرة المدارسة والتكرار.

ب‌- قراءة الحزب للحفاظ لتعاهده بصورة دائمة، خوف الذهول والنسيان، مما يجعل قارئ الحزب الراتب في رحلة قرآنية دائمة، ينتقل في مراحلها بشكل دائب مستمر عمره كله، على ما جاء في الحديث النبوي الشريف: أفضل الأعمال الحال المرتحل[1]، يعني: الذي يرتحل من ختمة أتمها، ويحل في ختمة أخرى استسهلها[2].



[1] - إشارة إلى ما رواه الترمذي وغيره من حديث عبد الله بن عباس قال: "قال رجل: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الحال المرتحل، قال: وما الحال المرتحل؟ قال: الذي يضرب من أول القرآن إلى آخره كلما حل وارتحل". سنن الترمذي: كتاب القراءات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ص 659 حديث 2948.

[2] - انظر إبراز المعاني من حرز الأماني لأبي شامة المقدسي على الشاطبية في القراءات السبع ص 737.

العلامة ابن خلدون وخصائص أهل المغرب

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


والعلامة ابن خلدون، وهو نتاج هذه الآفاق، الذي جال في أرجائها، واستبطن أحوال أهلها، وسبر أغوار ساكنتها، واستقرأ الثابت والمتحول عندها، كان أحذق علماء الحضارة الذين درسوا خصائص الشعوب والأمم، كما تبلور ذلك من خلال نظريته في العمران البشري التي ضمنها مقدمته المشهورة، وأملت عليه كتابة تاريخه الكبير المسمى ب "العبر"، وقد التفت بصفة أساسية إلى جملة من خصائص أهل المغرب والعوامل الكامنة وراءها، والبواعث التي أدت إلى سيادتها وفشوها في البلاد عبر العصور، واستمرارها فيه في الأقطار والأمصار.

ولعل أهم تلك الخصائص هي المتعلقة بمحورية القرآن الكريم في حياتهم الدينية ونظمهم التعليمية، ومالهم في حفظه وتحصيل علومه من النبوغ الذي لا يضاهيهم فيه شعب من شعوب ديار الإسلام، فحين يتحدث ابن خلدون في تاريخه عن هذه الساكنة، يلفت إلى هذه الخاصية فيقول في هذا السياق: "وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين لكتاب الله لصبيانهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم... ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم، التي كانت ملاكا لعزهم، ومقادا إلى سلطانهم وملكهم"[1].

وحين تحدث في مقدمته عن مذاهبهم في التعليم الأولي، وإشكالية ترتيب الأولويات فيه قال: "اعلم أن تعليم الولدان القرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض فنون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات".

ثم يتطرق لتفصيل ما أجمله ويفضي إلى مراده بالذات، وهو تقرير ما لأهل المغرب في هذا الشأن من الخصوصيات فيقول: "فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء الدراسة بالرسم ومسائله، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم، إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه، فيكون انقطاعه في الغالب انقطاعا عن العلم بالجملة، وهذا مذهب أهل الأمصار بالمغرب ومن تبعهم من قرى البربر أمم المغرب في ولدانهم، إلى أن يجاوزوا حد البلوغ إلى الشبيبة، وكذا مذهبهم في الكبير إذا راجع مدارسة القرآن بعد طائفة من عمره".

ثم يستخلص ابن خلدون نتيجة هذه الخاصية فيقول: "فهم لذلك على رسم القرآن وحفظه من سواهم"[2].

وهكذا ينتهي بنا ابن خلدون إلى إبراز أهم خصوصية للمغاربة في هذا المجال، وهي خصوصية عريقة في واقعنا التاريخي، وما يزال لها إلى اليوم في واقعنا الحاضر امتداد وشواهد تزكيها بحمد الله.

ولعله من واقع الحال المشهود عبر العصور، شاعت بين الأدباء هذه المقولة التي لا يدرى مصدرها، وهي تصف جانبا من خصائص الشعوب، وذلك في قول من قال: "نزل القرآن بلغة العرب، ففسره الفرس، وكتبه الترك، وقرأه المصريون، وحفظه المغاربة". وقد أصاب قائلها المفصل فيما نسبه للمغاربة من هذه الخصوصية الفريدة.



[1] - تاريخ ابن خلدون (105/6).

[2] - مقدمة ابن خلدون ص 538.

القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب بحث وتأصيل في المشروعية والتاريخ

د. عبد الهادي حميتو، أستاذ باحث خريج دار الحديث الحسنية، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


للشعوب، كما للأفراد، في العمران البشري خصائص وسمات، منها ما هو جبلي، وما هو مكتسب، فكما يتميز كل شعب عن غيره من الشعوب، يتميز أفراده عن أبناء الجنس المماثل كل بسماته الشخصية، وصفاته الخلقية والخلقية، حتى ينعدم التطابق التام بين شعب وشعب، وبين شخص وغيره في تكوين الفوارق الملحوظة بين الأجناس وبين الأفراد، مما يعكس بجلاء بدائع القدرة الإلهية في خلق هذا التنوع الذي يطبع أجناس الموجودات، ويشكل القاعدة التي لا تنخرم مهما تكن درجات التقارب، حتى بين التوائم أو أبناء البيت الواحد أو الشعب الواحد، كالتقارب والتشابه في صور الوجوه أو العيون أو الأنوف أو الألوان عند الصينيين واليابانيين والزنوج، وكالتقارب والتشابه بين شعوبها أيضا في الشمائل والاهتمامات وخصائص العادات، والسائد فيها من الأعراف والقيم الدينية والثقافات الشعبية.

وتلك المميزات في النهاية هي التي تكون عناصر الشخصية الاعتبارية للشعوب والأفراد، وتبني معالم الهوية الإنسانية التي تحول دون ذوبان شعب في شعب أو فرد في فرد، وتعصم النوع من حدوث ما يمكن تسميته بالاستنساخ، سواء تعلق الأمر بتخلق الشعوب أو تخلق الأفراد والقيم.

وكذلك شعب المغرب وساكنته، ليس خارجا عن هذا القانون العمراني في خصوصيته وكينونته، وملامح شخصيته وهويته، وخضوعه للعوامل البيئية والمنظومة القيمية التي آمنت بها ورسمت خط سيرها في هذا الركن القصي من العالم المعمور.

المنحى العقدي في تفسير ابن برجان بين الفهم الصوفي والنزعة الأشعرية

د. محمادي الخياطي، عضو المجلس العلمي الأعلى، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013


يستمد هذا العنوان دلالته، أو مضمونه، من طريقة ابن برجان في المزاوجة بين اعتماده مذهب الصوفية، وطريقتهم التأثيرية بمظاهر الكون وموجودات الدنيا في الاستدلال، وبين تبنيه المذهب الأشعري وانتقاد خصومهم المعتزلة.

يتحدث بعض الصوفية في كتبهم، عن تميزهم في فهم كثير من القضايا الاعتقادية، وفي وضع تعاريف خاصة للتوحيد. من ذلك ما أجاب به الشبلي من سأله عن حقيقة التوحيد: "... وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم، في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم".

انتقاد المعتزلة

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


وبسبب التأثير المباشر والظاهر للأسباب والوسائط، نسبت الأفعال إليها، ولهذا، ولغيره من الأسباب، قالت المعتزلة قولتهم المشهورة: الإنسان يخلق أفعاله.

وفهم ابن برجان من آية: "كلا نحد، هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك"[1] أن الأفعال كلها مخلوقة لله سبحانه، خيرها وشرها. وليس للإنسان إلا الاكتساب، بعد قدرة الله ومشيئته وإذنه. "إن الحسنات خلق لله، واكتساب للعبد، لكن بعد قدرته وإذنه وإرادته، والسيئات كذلك"[2] لكنه يستدرك أن الله يرضي الحسنات، ولا يرضي السيئات.

وفي نفي نسبة خلق الشر إلى الله – سبحانه – ينتقد ابن برجان المعتزلة، في شخص أحد مؤسسي المذهب الاعتزالي، عمرو بن عبيد،[3] الذي من آرائه، كما هو معروف، نفي نسبة خلق الشر إلى الحق، سبحانه، تنزيها له عما لا يليق بجلاله، اعتمادا على قراءة "شر" بالتنوين، من آية: "من شر ما خلق"[4].

"وقرأ عمرو بن عبيد[5] "من شر ما خلق"بالتنوين للراء، ويجعل ما نافية[6]، ... وتبعه على هذه القراءة المعتزلة، تعالى الله عن قبيح أفكهم، في قولهم: "إن الله لم يخلق الشر" كلمة مجوسية، الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار، "والله خلقكم وما تعملون"[7] ومن أعمالنا الخير والشر، نستغفر الله من فعلنا الشر، ونحمده ونشكره على فعلنا الخير"[8].

ومما يقوي نزعة ابن برجان الأشعرية، أو على الأقل التقاءه معهم، وتبنيه لآرائهم، أننا لا نعثر في تفسيره على أي انتقاد لهم، في حين تعددت انتقاداته للمعتزلة، تصريحا وتلميحا، وأحيانا بصورة قاسية. على غير عادته في اختيار ألفاظ محاورة مخالفيه من العلماء.

وفي تفسير آية: "أمن جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه"[9] جعلهم من الطوائف الضالة، الذين تتوجه إليهم هذه الآية، بعد أن أدخلهم في أهل القبلة "طائفة من أهل القبلة. هم القدرية"[10].

وفي تفسير آية: "قل من رب السماوات والأرض قل الله"[11]. يجمعهم مع الثنوية

والحشوية والمجوس، ويرى في الحجج المستخلصة من الآية ردا عليهم جميعا "وهذا رد على الثنوية والحشوية والمجوس، والقدرية من أهل الغفلة، أبعدهم الله"[12].

وينتهي في انتقادهم إلى وصفهم بأقبح بل أقسى الأوصاف "مجوس هذه الأمة"[13].

وهذا جزء ن حديث، اشتهر على ألسنة خصوم المعتزلة، بصيغ مختلفة، تتفق في وصفهم بالمجوسية.

وقد تكلم فيه علماء الحديث، وبينوا ضعفه أو وضعه، وانتهى فيه المحقق عبد الرحمان المعلمي اليمني، بعد تعليق طويل، إلى أن "هذا الخبر يتعلق بعقيدة كثر فيها النزاع واللجاج، فلا يقبل فيها ما فيه مغمز، وقد قال النسائي، وهو من أكابر أيمة السنة: هذا الحديث باطل كذب"[14].

وهذا النقد القاسي من ابن برجان يحمل على اعتقاد أنه نتيجة صراع مذهبي كان يخوضه، لكن المعروف عن التسارات الفكرية، في عصر ابن برجان، بالأندلس، لاتزكي هذا الاعتقاد، إضافة إلى طبيعة ابن برجان المسالمة/ المفضلة للإصلاح والإرشاد برفق وهدوء، والمبتعدة عن الخصومات الكلامية، يتجلى ذلك في كثير من ردوده على المختلفين معه.

يضاف إلى ذلك أيضا أن المذهب الاعتزالي بالأندلس، في هذه المرحلة، لم يكن منتشرا وقويا بالشكل الذي يسمح له بفتح صراعات مذهبية.

وقد يزكي هذا الاحتمال الأخير، ابن رشد في حديثه عن طوائف أهل الملة، في العقائد الشرعية، قال عن المعتزلة: "لم يصل إلينا، في هذه الجزيرة من كتبهم شيء نقف منه على طرقهم التي سلوكها في هذا المعنى"[15].

ويبقى أن نفترض أن انتقاداته القاسية هذه صدرت عن اقتناع شخصي عقدي، دفاعا عن عقيدته السنية الصوفية، التي يلتقي فيها مع الاتجاه الأشعري، ولا تتعارض – في مجملها – مع الاتجاه السلفي عند المحدثين.

هذا، ومما يمكن استخلاصه من عرض منهج ابن برجان في عرض منحاه العقدي:

1-    أنه يزاوج بين الفهم الصوفي والمنهج الكلامي في صورته الأشعرية.

2-    أن ذلك التزاوج جاء – على الأرجح – نتيجة دراسته العقائد الإسلامية بالمنهج الكلامي الأشعري.

3-    أنه لم يتعصب لمذهبه الأشعري، بل انفتح على المنهج السلفي في فهم الصفات الإلهية وفي نظرية الكسب.

4-    أن ذلك يظهر تميزه في كل ما قدم من فهم واستنباط، ويعطي لتصوفه طابعه المتميز.

5-    وعلى افتراض صحة هذه النتائج فيمكن وصف منهجه الصوفي بأنه يحاول التوفيق بين الفهم الصوفي والفهم السلفي والاتجاه الأشعري، ويتجنب الانتقادات التي توجه لكل من المنهج الكلامي الجاف، والمنهج التقريري في حالة استخدامها منفصلين.



[1] - سورة الإسراء. آية: 20

[2] - تنبيه الأفهام: 264 ن. ط. وكرر الفكرة في تفسير آية: "هذا صراط على مستقيم" سورة الحجر. آية 41. 205 ن. ط.

[3] - ينظر فيه المنية والأمل للقاضي عياض عبد الجبار: 38 وتنظر مصادر ترجمته في سير أعلام النبلاء 6: 104

[4] - سورة الفلق. آية 2

[5] - قال ابن الجزري غاية النهاية 602 وردت عنه الرواية في حروف القرآن، روى الحروف عن الحسن البصري، وسمع

[6] - أبو حيان لا يرى تلازما بين قراءة التنوين وجعل ما مافية، "فلا ينبغي أن ترد" البحر المحيط 10: 575

[7] - سورة الصافات. آية: 96

[8] - تنبيه الأفهام: 236 ظ. ن. م.

[9] - سورة الرعد. آية 18

[10] - تنبيه الأفهام: 174 ن. ط

[11] - سورة الرعد. آية: 17

[12] - تنبيه الأفهام 165 ن. ط

[13] - تنبيه الأفهام 165 ن. ط

[14] - الفوائد المجموعة: 504-502

[15] - الكشف عن مناهج الأدلة: 64 ويعلق مصحح الكتاب: "ويبعد أن لا تكون وصلت إليه كتب المعتزلة في ذلك الزمن، لشدة عنايتهم بتبادل الأفكار" أقول: ربما يقصد ابن رشد – والله أعلم – أن مصادر مذهبهم المعتمدة لم يطلع عليها هو شخصيا، لا أنها غير موجودة في الأندلس أصلا.

علاقة الأسباب بالأقدار

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


وهذا الرأي التوفيقي الذي يجمع فيه ابن برجان بين الإيمان الغيبي، وبين متطلبات الحكم العقلي العلمي، يتجلى أيضا في دعوته إلى وجوب الجمع بين الإيمان بالقدر، وبين تقديم الحذر، في تفسير الآية نفسها.

"يجب على المؤمن العاقل عن الله الجمع بين الإيمان بالقدر، والأخذ بالحذر – السبب – مع علمه أنه لا يصيبه إلا ما شاء الله أن يصيبه"[1].

والإيمان بالقدر في تفسيره يتجلى في دعوته إلى وجوب اعتقاد العدل الإلهي، قضاء وتصريفا، وإلى الإيمان بأن كلا من الخير والشر من عند الله، إلا أن الخير ينسب إلى الإنسان كسبا – نظرية الكسب الأشعرية – لا حقيقة، "ما أصابك من حسنة فمن الله"[2] وأن الشر ينسب إلى الإنسان مسؤولية، "وما أصابك من سيئة فمن نفسك"[3].

ويتجدد إلحاحه على ذلك، تصريحا وتلميحا، بتعدد الآيات المتضمنة لذلك، ففي تفسير آية: "أفمن اتخذ إلهه هواه"[4] يعتمد على ما روي عن علي بن أبي طالب، - رضي الله عنه – في القدر، من أنه سر من أسرار الله وحجاب من حجبه، كمثل بحر عميق، في قعره شمس مضيئة، لا يطلعها إلا المدبر الحكيم، فإذا كشف عن القدر يوم القيامة، علم الخلق أن الله ليس بظلام للعبيد.

ويستخلص من هذا أن القدر لا ينفي العدل الإلهي، ولا يتعارض مع حرية الاختيار للعباد.

ويتصور ذلك في الأزل بأنه "لابد ولا محالة قد سبق علمه بما هم عاملون، لو جعل المشيئة إليهم، فكتب علمه في عمل كل واحد منهم بما هو محبه لنفسه، ومؤثره، إذا هو أوجده، لو كانت المشيئة إليه، ثم استعمل كلا بما علم به منه من مشيئته التي هو يشاؤها، لو جعل المشيئة إليه، فصار كل الخلق محمولا على ما علمه الله منه أن يفعله بمشيئته من نفسه لنفسه، وإرادته لذاته، مقصورا عليه، لابد من فعله، ولا خروج له عنه"[5].    

ومن قراءة فهم ابن برجان، وتصوره، اختيار الإنسان الغيبي، قبل وجوده الفعلي، يستخلص أن الحق سبحانه، لم يكتب، ويقدر، على العباد إلا ما علم أنهم سيختارونه بمحض إرادتهم، وعلى هذا الفهم ينبني اختياران:

اختيار في الأزل: عند الإيجاد الأول لأخذ العهد والميثاق، وبناء عليه، كتب الله وقدر عليهم ما اختاروه.

اختيار فعلي: وهو الذي يظهر منهم في هذه الحياة، وهو موافق للاختيار الأول، وعليه تكون المحاسبة.

ومن هذا الفهم تأخذ عبارة "سبق الكتاب" حتميتها، هذه الحتمية يلح عليها في تفسير كثير من الآيات[6]، مثل آية "إنك لا تهدي من أحببت"[7] ومنها يستخلص، تأكيدا، أن من سبق عليه الكتاب بالعذاب، فلن يقدر أحد على تخليصه، "فحتى لو أدخل النار فمكث فيها ألف عام، واستغاث وضمن الرجعة والإصلاح، فأرجع إلى الدنيا، لسبق عليه الكتاب فرده إلى الضلال"[8].

ومن فهم العلاقة بين الأسباب والأقدار، تتأكد مسؤولية الإنسان عن أفعاله وجميع تصرفاته، وهذا ما يفهمه من آية: "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر"[9]، فالإنسان عنده "منوط به فعله، مضاف إليه خيره وشره"[10] إلا أن يستدرك أن هذا الفعل "إن كان خيرا فمن الله، وإن كان شرا فمن نفسه"[11].

ويتحقق عنده الإيمان بالقدر في الجمع بين الإيمان بالغيب المقدر، والمشيئة الإلهية، وبين اتخاذ الأسباب والوسائط في إنجاز الأعمال، واتخاذ القرارات، دينيا ودنيويا.

ففي تفسير آية: "أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس"[12]، يقرر أن الذي يدخل الجنة مشيئة الله العالية، بواسطة طاعته، وابتغاء مرضاته، وأن الذي يدخل النار مواقعه: مواقع سخطه، بواسطة كفره.

ويرى في إيجاده سبحانه الأسباب والوسائط، تكملة حكمته في التقدير، ووحدانيته في التدبير، ففي تفسير آية "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها"[13]، يفهم أن المقصود بها الإعلام بأنه لا يفعل فعلا خاصا بالله إلا الله وحده"، وإن كان أوجد الوسطاء، ورتب الأسباب في مراتبها، فهو القائم على كل شيء"[14].



 - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن. م.[1]

 - سورة النساء. آية 78[2]

 - سورة النساء. آية 78[3]

 - سورة الجاثية. آية: 22[4]

[5] - تنبيه الأفهام: 158 و. ن. م

[6] - منها: "ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها" سورة السجدة. آية 13 ص: 97 و. ن. م. ومنها "ولو دخلت عليهم من أقطارها" سورة الأحزاب آية 14 ص: 99 ظ. ن. م.

 - سورة القصص. آية: 56[7]

[8] - تنبيه الأفهام: 77 ظ. ن. م

[9] - سورة القيامة. آية: 13

[10] - تنبيه الأفهام: 210 ظ. ن. م.

[11] - تنبيه الأفهام: 210 ظ. ن. م.

[12] - سورة المومنون. آية: 11-10

[13] - سورة فاطر آية: 20

[14] - تنبيه الأفهام: 180/و. ن. م

النزعة الأشعرية وانتقاد المعتزلة

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


ليس في تفسير ابن برجان ما يؤكد التزامه العقدي بخصوصيات المذهب الأشعري، أو يثبت دفاعه عنه مباشرة، كما لم ترد الإشارة إليه تصريحا أو تلويحا، لذلك وضع العنوان بهذه الصيغة، مما يسمح باقتراح عدة افتراضات.

منها أن يلتقي معه في بعض الآراء فقط، ولا يتفق معه في الأخرى.

ومنها أنه ينتقي – عن قصد منه – ما يتفق مع آرائه واجتهاداته في بعض القضايا.

وعلى أي، فمن أهم ما تتجلى فيه هذه النزعة، أو هذا الالتقاء، رأيه في سببية بعض الأشياء وتأثيرها، وفي القضاء والقدر.

ففي تفسير آية: "وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها" إلى "ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ"[1] يفصل بعض علوم المتقين، ويشرح توحيدهم في نفي نسبة التأثير إلى الأشياء.

ينفي عنهم اعتقاد التأثير في الأشياء ذاتها، فليس عندهم الشفاء في الدواء، ولا الشبع في الطعام، ولا الري في الماء، لأنه "ليس عندهم في الأشياء معان تفعل بذاتها، بل الفاعل الحقيقي بها هو الله وحده، لا شريك له"[2].

ويفهم من آية: "قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم"[3]، دلالة واضحة على أن الأشياء كلها، أو ما في حكمها، ليست لها قوة التأثير بنفسها، "وإنما فعلها المنسوب إليها هو من الله – جل ذكره – وحده لا شريك له"[4].

ويعلل تأثيرها الظاهر، بأن الله قد أجرى سنته في النار بالإحراق، وفي السيف بالقطع، لكن ذلك كله بأمره وإذنه، "إن شاء أن يحرق بالذي به برد، وإن شاء يبرد بالذي به أحرق، وإن شاء أن يقسم بالذي شاء أن يبرئ به، وإن شاء أن يبرئ بالذي شاء أن يقسم به"[5].

ويستدل لهذا الفهم بأنه إذا كان الزعيم القادر من الناس، ولو كان نبيا رسولا، كما في آية: "وما رميت إذا رميت، ولكن الله رمى"[6]، غير قادر على التأثير، "فالجماد والموات، وما لا حياة له أحرى أن لا يوصف بذلك[7].

أطلق علماء المسلمين على الأسباب التي تبدو ظاهرا مؤثرة بنفسها، أسبابا جعلية، أي جعلت جعلا، وليست أسبابا ذاتية مؤثرة

وفي تفسير آية: "وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحا، لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات"[8]

يزيل عن الأسباب والعلل سرها الذي يجعل الناس ينسبون إليها التأثير المباشر، ويعتقدون فيها النفع والضرر، ويوضح أن ما يتراءى سببا يكون ناتجا ومسببا عن سبب آخر غيره، وهكذا إلى أن تنتهي الأسباب إلى اليبب الأعلى منها، "القائم على كل سبب ومسبب، قيامه على السبب الأدنى منه، كقيامه على المسبب الذي ليس بسبب لسواه[9].

ويرد نشأة العقيدة الوثنية، وعبادة غير الله عموما، إلى اعتقاد الناس التأثير في الأشياء بذاتها، وجهلهم المؤثر الحقيقي، وهو الله سبحانه.

وإنما قطع المبطلين عن الوصول إلى مسبب الأسباب العلي الكبير، القنوع بأول سبب، والاعتماد على ما شابهه، وما كان فيه منه شبه ما... حتى نحتوا الحجارة وعبودها، ونجروا الخشب وسجدوا له"[10].

وهكذا ينظر إلى فكرة السببية، ليس كفكرة نظرية معرفية فحسب، بل يستخلص منها نتيجة تتعلق بصميم عقيدة التوحيد.

وقد أطلق علماء المسلمين على الأسباب التي تبدو ظاهرا مؤثرة بنفسها، أسبابا جعلية، أي جعلت جعلا، وليست أسبابا ذاتية مؤثرة.

وفي تفسير آية: "وإنه لذو علم لما علمناه"[11] يلتقي ابن برجان مع رأي الغزالي في وجوب الجمع بين الإيمان بأن الله هو المتوحد بالحكم، وبين العلم بما جعل الله سبحانه في "الأشياء من نفع وضرر، وأن ذلك لا يكون منها إلا بمشيئة منه فيها وبها، فافهم"[12].


[1] - سورة هود. آية 108.

[2] - تنبيه الأفهام 111. ن.ط.

[3] - سورة الأنبياء. آية: 68

[4] - تنبيه الأقهام: 335 ن.ط.

[5] - نفسه: 111

[6] - سورة الأنفال. آية: 17.

[7] - تنبيه الأفهام 335 ن ط.

[8] - سورة غافر آية: 37 – 36.

[9] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن.ظ.

[10] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن.ظ.

[11] - سورة يوسف آية 68.

[12] - تنبيه الأفهام: 137 ظ. ن. م.

فهم ابن برجان للصفات الإلهية

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


في تفسير آية: "فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، إن ربك فعال لما يريد. وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، عطاء غير مجذوذ"[1]. يستعرض بعفوية وبدون ترتيب ممنهج بعض ما اعتبره قواعد، وهي تخص بعض القضايا الاعتقادية المشهورة التي تناولها، أو اختلف حولها، علماء الكلام وعلماء السلف بكثير من التفاصيل.

ويكفي أن نتوقف عند واحدة من تلك القضايا لنرى إلى أي حد التزم بمنهج معين، صوفي، أو سلفي، أو كلامي تأويلي، ولتكن هذه القضية نسبة الصعود والنزول والمجيء إلى الله سبحانه: "وإن شاء الله أن يصعد صعد، ولا يخلو منه السفل، وإن شاء نزل، ولا يخلو منه العلو، من غير تكييف لصعوده ولا نزوله، سوى الإيمان بأن له صعودا ونزولا، وأنه في كل مكان، ومع كل موجود دون مكان، ولا معية صحبة، ولا حركة ولا انتقال، بل هي صفات له وأوصاف يوصف بها، اتصف بها في وجوده الأزلي، ما ها هنا مأخوذ عما هنالك، ونلك منزهة عن أوصاف المخلوقين، ونعوت المحدثين"[2].

يقوم فهم ابن برجان هذا، لصفتي الصعود والنزول، على أساس عدم التكييف، وعدم التحيز في المكان، مع إثبات الصفتين معا، وهو فهم يلتقي فيه مع مذهب السلف، في تمرير هذه الصفات كما وردت، دون أي تأويل لها.

ويمكن تعميم فهمه هذا على باقي الصفات التي أولها علماء الكلام، وممرها، دون تكييف، علماء السلف.

يشهد لهذا التعميم انتقاده للفرقتين: المجسمة، والمعطلة[3]، في تفسيره لاسمه، سبحانه، "المصور"، وحكمه على آراء الفرقتين بالإلحاد في أسماء الله، سبحانه: "وإن من الإلحاد في الأسماء، الزيادة على ما أذن فيه، والنقصان عما أمر به، فالأول تشبيه، والثاني تعطيل.

فالمشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة جحدوا ما اتصف به. إنما ديننا، في معرفة ربنا، عز وجل، طريق بين طريقين: لا تشبيه ولا تعطيل، إثبات ذات غير مشبهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات، هنا رق الصراط ودق، حتى عاد أدق من الشعرة، وأحد من الموسى، وتفاوت الناس في المرور عليه"[4].

واضح من هذا النص أنه اختار عقيدة الوسط، عن وعي وفهم لآيات الصفات، دون تعطيل لدلالتها، أو جمود مع ظواهرها.

وبانتقاده المعطلة والمشبهة، ونفيه للتكييف، يعطي لفهمه الصوفي العقدي بعدا سلفيا حقيقيا، يلتقي فيه مع ما يشرحه ويدافع عنه الإمام ابن تيمية في أكثر من كتاب[5].

ويزيد موقفه هذا توضيحا وتأكيدا في تفسير آية: "وجاء ربك والملك صفا صفا".[6]

فبعد أن يذكر باختلاف علماء الأمة في فهم وصفه – جل جلاله – بالمجيء والإتيان والنزول، ونحو ذلك، يتخذ موقفا وسطا من الخلاف، ويعطي لكل رأي حظه من الصواب، لأن "الله جل ذكره، لم يخرج جملة الأمة من اعتقاد الحق، وإن كان فرقه بينهم، كل على المقدار الذي قد آتاه من الهدى والعلم"[7].

واقتصر من أقوال العلماء، دون ذكر الأسماء، في فهم هذه الصفات، على المذهبين المشهورين الرئيسين:

1-    مذهب التأويل: "فمنهم من تأول المجيء بأنه يجيء أمره"[8].

2-    مذهب التفويض: وهو الإيمان بالصفة دون تكييفها. "إنه يجيء، وإنه يتنزل وينزل، ولا أكيف، ولا أصفه بانتقال ولا زوال، أومن بالخبر، ولا أكيف ولا أشبه"[9].

ويستشف من عرض فهمه الخاص، أنه يرى الصواب في وجه من أوجه الرأيين مجتمعين، لا في أحدهما منفردا، لذلك حاول التوفيق بينهما، وعبر عن ذلك بأنه" فصل الخطاب في الإيمان بذلك ومعتقده، والله الموفق للصواب[10].

وتتجلى نتيجة الجمع بين الرأيين، في فهمه، أن الإتيان والمجيء يقعان على إتيان أمره بين يدي تجليه، وأما هو، بعد تصديق الخبر الحق بالإتيان والمجيء، فلا يتصور منه انتقال ولا حركة، إنما هو تجليه وظهوره حسب متى شاء، وكيف شاء، وأين شاء، وهو القريب الشهيد، كيف يتصور مجيء ممن لا يوصف بغيبة؟ كيف يتحقق إتيان ممن لم يكن منه ذهاب؟"[11].

ومما يمكن استخلاصه من قراءة شرحه لمحاولته التوفيقية، أنه يتجنب تخطئة كل من الرأيين، فيما ذهبا إليه، وأن محاولته نفسها تتضمن نوعا من التأويل، لأن قراءة – فهم – كل نص تعتبر تأويلا له بوجه ما، وأنه قرأ في الرأيين معا هدفهما، وهو تنزيه الحق، سبحانه، عن الشبه بالمحدثات، تنزيها يليق بجلالة عظمته.



[1] - سورة هود. آية 108-106

[2] - تنبيه الأفهام: 110 ن.ط.

[3] - يقصد بالمجسمة الحشوية، كما ورد وصفهم في ص. 65 ن.ط. ويقصد بالمعطلة المعتزلة، ويطلق عليهم في الغالب "القدرية"

[4] - ترجمان لسان الحق: 215. ونسخة باريس (شرح أسماء الله الحسنى)

[5] - ينظر كنموذج "موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" 314-315. ويقارن مع ما في الإعانة للشيخ زروق: 67.

[6] - سورة الفجر. آية 24

[7] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[8] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[9] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[10] - تنبيه الأفهام: 223 ظ.ن.م.

[11] - تنبيه الأفهام: 224 و.ن.م.

المدخل للمنحى العقدي في تفسير ابن برجان

من مقال د. محمادي الخياطي، مجلة الجذوة، العدد الأول، السنة 2013، المجلس العلمي الأعلى


يستمد هذا العنوان دلالته، أو مضمونه، من طريقة ابن برجان[1] في المزاوجة بين اعتماده مذهب الصوفية، وطريقتهم التأثيرية بمظاهر الكون وموجودات الدنيا في الاستدلال، وبين تبنيه المذهب الأشعري وانتقاد خصومهم المعتزلة.يتحدث بعض الصوفية في كتبهم، عن تميزهم في فهم كثير من القضايا الاعتقادية، وفي وضع تعاريف خاصة للتوحيد. من ذلك ما أجاب به الشبلي من سأله عن حقيقة التوحيد: "... وكل ما ميزتموه بأوهامكم، وأدركتموه بعقولكم، في أتم معانيكم، فهو مصروف مردود إليكم، محدث مصنوع مثلكم".[2]

يفهم من جواب الشبلي عن التوحيد، أنه يمثل الاتجاه الصوفي الذي يرفض الاستدلال العقلي، إذ كيف، - حسب تعبير بعضهم -، يستدل بصفات من له نظير، على من ليس له مثل ولا نظير؟[3]

كما أن فكرة هذا الاتجاه مرتبكة بنظرته إلى محدودية العقل في عدم إدراكه حقيقة التوحيد[4]

وقد ذهب بعيدا الصوفي المغربي ابن مشيش في صلاته المعروفة بطلبه من الله أن ينشله من أوحال التوحيد: "وانشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في بحر الأحدية".

ومع هذا فإن جمهور الصوفية اعتمدوا في توجههم العقدي على مذهب السلف وأهل السنة، وبنوا قواعده "على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا به عقائدهم عن البدع، ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة، من توحيد، ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم، وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم"[5]

وهذا لا ينفي أن تكون بينهم اختلافات في بعض القضايا الاعتقادية، بسبب تنوع منابع ثقافتهم، وتعدد مشاربهم المعرفية.

ويمكن التعرف، - ولو جزئيا -، على القضايا المتفق عليها والقضايا المختلف فيها، من خلال منهج الكلاباذي[6] في عرضها.

أولا: القضايا المتفق عليها: وعبر عنها ب"وأجمعوا" وهي التوحيد، واتصافه بصفات ليست بجوارح ولا أعراض، وليست هي هو، ولا غيره، لا تتغاير، ولا تتماثل.

رؤيته سبحانه في الآخرة بالأبصار، ولا يرى في الدنيا.

إيمانهم بالقدر وخلقه أفعال العباد، كما خلق أعيانهم.

قدرة العباد مخلوقة لله سبحانه، لا يتنفسون نفسا إلا بقوة يحدثها.

إيمانهم أن لا يفعا بعباده إلا ما هو الأصلح لهم، وإن لم يكن ذلك ظاهرا.

إيمانهم بالوعيد المطلق للكفار والمنافقين، والوعد المطلق في المؤمنين المحسنين.

ثانيا: القضايا المختلف فيها: وصرح فيها ب: "واختلفوا".

في أسماء الله: هل هي الله، ولا غيره؟ أم أسماء الله هي الله؟

في الكلام: ومع حكاياته فيما سبق الاتفاق على أن القرآن غير مخلوق، فلم يستطع الفصل هنا بين الخلاف في قدم القرآن وحدوثه، وبين الخلاف في حقيقة كلام الله تعالى.

وفي إطار هذا الفهم الصوفي المتنوع لبعض القضايا، يمكن فهم وتقييم آراء ابن برجان الاعتقادية الصوفية، الموزعة في تفسيره بين مستنبطات مباشرة، وبين أفهام مستوحاة متباعدة.

الإيمان غريزة وفطرة، وعلم وعمل: يرى ابن برجان أن الإيمان غريزة في بني الإنسان، مغروزة في فطرهم، منذ أن أوجدهم الله الإيجاد الأول لأخذ العهد والميثاق.

ويفسر دعوة الرسل الناس إلى الإيمان، بأنها تذكير بذلك العهد القديم، وليس إنشاء لإيمان جديد بعيد عن أنفسهم، ويفسر كلمة: "يوفكون" التي تكررت في القرآن بياء الغيبة وتاء الخطاب[7]، بمعنى تصرفهم الشياطين عن الإيمان، وتعدل بهم عن سوء القصد. ومن تطبيقات هذا الفهم تفسيره جواب الكفار في آية: "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله"[8] بأن هذا هو معتقدهم المؤسس عليه جبلتهم، وعلمهم المغروز في أصل خلقتهم"[9]. وكذلك تفسيره "تقواها" في آية "فألهمها فجورها وتقواها"[10] بأنها معروفة الفطرة"[11]

قد يفهم من تفسير ابن برجان الإيمان الفطري، أن من يدفعه شعوره الإنساني النبيل، إلى إشاعة العدل بين الناس، ومحاربة الظلم بكل أشكاله، ويسعى إلى إسعاد البشرية دون تمييز، وتحمله خصاله الفطرية الحميدة على الترفع عن الدنيا. والتخلق بكل خلق فاضل، يكون مؤمنا مأجورا على عمله، وينتفع بهذا الإيمان الفطري.

هذا الفهم أو التساؤل قد يكون استشعره ابن برجان، لذلك أجاب عنه في تفسير آية "قد أفلح من زكاها" إجابة واضحة، لا يخلو من دلالة على نوع التصرف الذي كان يلتزم به، ويدعو إليه.

"قد يكون الهبد مجبولا على مروءة وكرم سجية، وعمل يقتضيه العقل الإنساني،... وهذا كله غير مجيره من النار ولا مزكيه، ولا موجب له الجنة، بل الإيمان بالله، وبما يجب الإيمان به، وبالإسلام والعمل بما أمر، واجتناب ما نهى عنه بعلم، وتعبد لمن أسلم وإلى من توجه بوجهته ونيته، يسر في ذلك ويعلن".[12]

وما اشترطه في هذا النص من وجود العلم، مع الإيمان والعمل، هو ما اعتبره من مفهوم خطاب آية: "قالت الأعراب آمنا، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا"[13]، إذ يرى "أن العلم بما شهد به هو الإيمان، فمن لم يمن له علم بما آمن به، وصدق به، وشهد به، فليس بمؤمن على التحقيق، إلا على القول بالعموم، بل هو مسلم، لكنه على سبيل خير، إن شاء الله"[14]، ويؤكد أن عموم الناس المظهرين لشعائر الإسلام، وحتى أكثر أصحاب الغفلة منهم، مسلمون غير مؤمنين "فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه، علما ويقينا، فهم المؤمنون"[15].

ووجه آخر من وجوه العلاقة بين الإيمان والإسلام، يتمثل في علاقتهما بالعمل، يتناول ابن برجان هذه الإشكالية تفهما من آية "ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا"[16] أول ما فهمه منها اشتراط العمل الصالح مع الإيمان، استدلالا بالوجود، شارحا استدلاله بأن الله سبحانه، هو السلام المؤمن، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، بكل وجه ومعنى، ثم هو جل جلاله، أوجد العرش والكرسي، وخلق السماوات والأرض وما بينهما، بحكمة وحجة، "ضمن ذلك شرعة الفطرة، وكرم الخلقة، فهذا منبعث اشتراط العمل مع الإيمان والإسلام"[17].

ويضيف إلى هذا الشرط انتقاده أو رفضه، المقولة المشهورة: "لا يضر مع الإيمان مع الإيمان معصية" "لقد خاب من (كذا في جميع النسخ، ولعلها "حاد عن") سنن الصواب، من اعتقد قول القائلين، الذين زعموا أنه كما ينفع مع الكفر عمل، فكذلك لا يضر مع الإيمان عصيان"[18].

وفي رفضه الواضح والصارم هذا يتجلى مظهر آخر من مظاهر تصوفه، ومؤشر على موقعه بين المتصوفة الأندلسيين خصوصا.

(العنوان بتصرف)



[1] - تنظر: "ابن برجان والتفسير الصوفي"، أطروحة مرقونة بمكتبة دار الحديث الحسنية بالرباط، كما تنظر بعض مصادر ترجمته في سير أعلام النبلاء 20: 71

[2] - اللمع: 50. والرسالة القشيرية 586: 2

[3] - المعرفة الصوفية: 138

[4] - نفس المصدر والصفحة

[5] - الرسالة القشيرية 27:1. ويقارن مع ما في الإعانة 67

[6] - في كتابه: "التعرف لمذهب أهل التصوف" ص 35 و39

[7] - بياء الغيبة 6 وبتاء الخطاب 4. المعجم المفهرس لألفاظ القرآن: 34

[8] - سورة لقمان: 24. والزمر: 36 والزخرف: 86

[9] - تنبيه الأفهام: 94 ظ. ن. م.

[10] - سورة الضحى. آية: 8.

[11] - تنبيه الأفهام: 226 و.ن.م

[12] - تنبيه الأفهام: 226 و.ن.م.

[13] - سورة الحجرات. آية: 14

[14] - تنبيه الأفهام 166 ظ.ن.م.

[15] - تنبيه الأفهام: 166 ظ.ن.م.

[16] - سورة الكهف. آية:2

[17] - تنبيه الأفهام 285 ن.ط.

[18] - تنبيه الأفهام 285 ن.ط.

أبو الحسن عند مترجميه إلى القرن الثامن الهجري

د.بشار عواد معروف، عضو أكاديمية آل البيت في الأردن، مجلة الجذوة، العدد الأول، أبريل 2013


‏الإمام أبو الحسن الأشعري علم من أعلام الأمة ومنارة من مناراتها ، تلقت الأمة سيرته بالتعظيم والإجلال، ولاسيما بعد أن بصره الله بالحق حين ترك الاعتزال، فظهرت عليه تباشير الخير وهوادي الصلاح باتباع عقيدة السلف في إثبات الصفات والعلو، بالنقل والعقل، ومباينة الله للمخلوقات، والقول بأن القرآن غير مخلوق، ونحو ذلك من أصول العقيدة السليمة.

 

‏وكان الإمام الأشعري ، لخبرته بالفرق الضالة التي عاش بين جنبات علمائها المدة الطويلة، ذا قدرة خارقة على إظهار تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ، فألف الكتب الداحضة لآرائهم الشاذة، وعقائدهم الفاسدة، فنال عند المسلمين الحرمة العظيمة والقدر الكبير نتيجة هذا الجهاد الذي جعله دينه ودَيْدَنه وهِجِّيراه.

 

‏ومن المعلوم، في بدائه العقول ومناهج البحث العلمي الرصينة، أن مؤلفات أي عالم أو مفكر هي من أكثر الينابيع صفاء، وأعلاها ثقة في بيان سيرته وعقيدته ومنزلته العلمية، ولاسيما إذا كان العالم ظاهر الشخصية في كتبه. ومن هنا فإن الوقوف على عقيدة هذا الإمام إنما تستشف من كتبه ومؤلفاته.

 

وقد اتفق أكثر العلماء على أن آخر مؤلفاته هو كتاب" الإبانة "(1)وهو كتاب مكتنز بالفوائد والعوائد، وفيه عقيدته الحقة التي ارتضاها، وقد جاء فيه بعد أن ذكر أقوال أهل الزيغ والبدع(2): "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا قولكم الذي به تقولون ودياناتكم التي بها تدينون، قيل له:

‏قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب الله ربنا عزَّ وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روي عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون"(3).

 

‏ثم سرد بعد ذلك أسس هذه العقيدة وهو: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاءوا به من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله عز وجل إله واحد لا إله إلا هو، فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، وهو فوق العرش وفوق كل شيء وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وأن لِلَّه سبحانه وجها ويدين وعينين بلا كيف، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالا، وأن لِلَّه علما، ونثبت لِلَّه السمع والبصر والقوة، ونقول: إن كلام الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن فهو كافر، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله عز وجل، وأن لا خالق إلا الله، وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئا، وأن الله وفق المومنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم، وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان، وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره، ونعلم أن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن العباد لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا إلا بإذن الله، وندين بأن الله يرى في الآخرة بالأبصار، يراه المومنون وندين بأن لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ارتكبه ما لم يستحله، ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانا، وندين بأن الله عز وجل يقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، ولا ننزل أحدا من أهل التوحيد جنة ولا نارا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين، ونقول: إن الله عز وجل يخرج قوما من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونؤمن بعذاب القبر والحوض والميزان والصراط والبعث بعد الموت، وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وندين بحب السلف الذين اختارهم الله تعالى لصحبة نييه صلى الله عليه وسلم ونثني عليهم ونتولاهم أجمعين، وأن أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبوبكر ثم عمر ثم عثمان، ثم علي وخلافتهم خلافة النبوة لا يوازيهم في الفضل غيرهم، ونشهد بالجنة للعشر الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل عن النزول إلى سماء الدنيا وسائر ما نقلوه وأثبتوه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة، وأن الله يقرب من عباده. ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كل بر وفاجر، وأن المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر، ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وندين بإنكار الخروج بالسيف وترك القتال في الفتنة. ونقر بخروج الدجال، ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير، ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرا من الرؤيا في المنام نقر أن لذلك تفسيرا، ونرى الصدقة على موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن بأن الله ينفعهم بذلك، ونصدق بأن في الدنيا سحرة وسحرا، وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برهم وفاجرهم وتوارثهم، ونقر أن الجنة والنار مخلوقتان، وأن الأرزاق من قبل الله، وأن الشيطان يوسوس الإنسان ويشككه ويخبطه(4)،... ثم فصَّل هذه العقائد بابًا بابًا.

 

‏ومن هنا كان هذا الكتاب قذى في عيون المبتدعة لاسيما الروافض منهم، فأكثروا من الرد عليه، فاتهموا الإمام أبا الحسن الأشعري بأنه من المشبهة المجسمة، وبالافتراء على المعتزلة والروافض بما هم برآء منه فضلا عن الغباء وعدم الإدراك لمدلولات ‏الألفاظ وغير ذلك من الأقوال والتخاريف التي تدل على حقد دفين، الله وحده به عليم.

 

‏على أن دراسة كتب هذا الإمام من اختصاص الدارسين للعقيدة الأشعرية، والتطرق إليها والتعمق فيها ليس من وكدنا لأنه غاية بحد ذاتها، بحاجة إلى جهد جهيد، ونظر عميق يسبر غورها ويستخلص منها درر الفوائد والعوائد، ومن ثم سنركن عنايتنا على من ترجم له وعني به من المائة الرابعة والى المائة الثامنة.

 

‏وأقدم ترجمة وقفنا عليها لأبي الحسن الأشعري هي تلك التي كتبها النديم (ت 380 ‏هـ) في كتاب "الفهرست"(5) ذكر فيها اسمه وأنه من أهل البصرة، وأنه كان معتزليا "ثم تاب من القول بالعدل وخلق القرآن في المسجد الجامع بالبصرة في يوم الجمعة، رقي كرسيا ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي: أنا فلان كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وإن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا ثائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم، وكان فيه دعابة ومزح كثير"، وبيض لوفاته فلم يذكرها، وذكر له من الكتب:

  • اللمع ;
  • الموجز ;
  • إيضاح البرهان ;
  • التبيين عن أصول الدين ولعله "الإبانة" ;
  • الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل.

 

‏ثم قال: "ومن أصحابه الدمياني، وحموية وهما ‏من أهل سيراف، وكان يستعين بهما على المهاترة والمشاغبة. وقد كان فيهما علم على مذهبه، ولا كتاب لهما نعرفه".

 

‏ومن المعلوم أن النديم كان شيعيا معتزليا على حد وصف ياقوت (6)، وقال فيه الذهبي: "الأديب الشيعي المعتزلي"(7).

 

‏وقال ابن حجر: "ولما طالعت كتابه ظهر لي أنه رافضي معتزلي فإنه يسمي أهل السنة الحشوية، ويسمي الأشاعرة المجبرة، ويسمي كل من لم يكن شيعيا عاميا"(8).

 

‏ومن عجب أن تكون ترجمة أبي بكر الخطيب(ت 463 ‏هـ) لأبي الحسن الأشعري قصيرة جدا لا تتجاوز الصفحة الواحدة ذكر نسبه وأنه صاحب الكتب والتصانيف في الرد على الملحدة وغيرهم من المعتزلة والرافضة والجهمية والخوارج وسائر أصناف المبتدعة، وأشار إلى أنه بصري سكن بغداد إلى أن توفي بها، ونقل عن بعض البصريين أنه ولد سنة 260 ‏هـ ومات سنة نيف وثلاثين وثلاث مائة. ثم نقل عن شيخه أبي القاسم عبد الواحد بن علي الأسدي(9) أن الأشعري مات ببغداد بعد سنة عشرين وقبل سنة ثلاثين وثلاث مائة، وأنه دفن في مشرعة الروايا في تربة إلى جانبها مسجد وبالقرب منها حمام، وهي يسار المار من السوق إلى دجلة.

 

‏ومشرعة الروايا هذه بدرب الشعير من الجانب الغربي من بغداد(10) ، قريبة من المدينة المدورة التي ‏بناها أبو جعفر المنصور، ومشروعة الروايا كانت ترفأ إليها سفن الموصل والبصرة ، وكان قبره موجودا سنة 446 ‏هـ حيث دفن إلى جنبه أبو بكر ‏عتيق ابن عبد الله البكري الأشعري الواعظ(12)، ‏وهذا يرد على ابن الوردي الذي زعم أن قبره طمس خوفا عليه من الحنابلة. وقال نعمان الآلوسي: ورأيت في بعض تعاليق الوالد (محمد بن عبد الله) عليه الرحمة: أنه المحل الذي يعرف الآن بالسيف، سيف التمن، وفيه قبر يزار(13).

 

‏ثم نقل عن ابن حزم الأشعري مات سنة 324 ‏هـ : وإن له خمسة ‏وخمسين تصنيفا، لكنه لم يذكر أي من ‏مصنفاته(14).

 

‏وساق بسنده رواية عن بندار بن الحسين خادم الأشعري بالبصرة يذكر فيها أنه كان يأكل من غلة ‏ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة، وأن نفقته في السنة كانت سبعة عشر درهما.

 

وختم الترجمة برواية عن أبي بكر ابن الصيرفي ساقها بسنده إليه- يقول فيها: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله تعالى الأشعري فجحرهم في أقماع السمسم.

 

‏ويمكن إرجاع قصر الترجمة إلى أحد أمرين، أوكليهما: الأول منهما أن أبا الحسن الأشعري لم يكن مشهورا برواية الحديث.

 

‏وثانيهما أنه لم يكن بالشهرة التي صارت له فيما بعد حينما ‏كثر المعتنقون لمذهبه وانتشرت عقيدته بين الناس، والأول أولى.

 

 ‏وفي عصر الخطيب كتب ابن حزم "الفصل في الملل والنحل" تناول فيه عقيدة أبي الحسن الأشعري، لكنه لم يتطرق إلى جوانب حياته، وكان على عادته رحمه الله متشنجا في ردوده.

 

‏على أن أحد المقربين المشهورين وهو أبو علي الحسن بن علي بن إبراهيم الأهوازي الأصل ‏الدمشقي الدار المتوفى سنة 446 ‏هـ(16)، ألف ‏كتابا في مثالب أبي الحسن الأشعري(17)، نقل منه ‏الحافظ ابن عساكر الكثير في كتابه الذي ألفه في الرد عليه وسماه: "تبيين كذب المفتري فيما نسب ‏ إلى أبي الحسن الأشعري"(18) ،وبين الذهبي أن فيه أكاذيب(19).

 

‏وقد أقذع ابن عساكر في الرد عليه ووصفه ‏بكل قبيح حس وصل به الأمر إلى القول: "وكيف يتهم أولاد المجوس بالإلحاد والزندقة أبناء ذوي الهمة، ولاشك أن الأهواز من جملة البلدان التي ‏افتتحها أبو موسى الأشعري جدّ هذا الإمام - وذلك السبب عندي هو الموجب لهذه الجفوة والمورث للغلظة على ولده، والقسوة والمؤثر في شدة النفوس عن معتقده، والنبوة لأنه أدخل على أسلاف الأهوازي من المجوس بلية ومحنة، وأورثت قلبه لنسله عداوة وإحنة فلهذا استفرغ جهده في الإزدراء على أبي الحسن والتشنيع، ورماه بكل ما أمكنه ذكره من الأمر الشنيع، لأن البغض يتوارث والود ‏يتوارث...الخ"(20) .

 

‏وفي القرن السادس الهجري كتب محمد بن عبد الحكيم الشهرستاني المتوفى سنة 548 ‏هـ كتابه "الملل والنحل" تناول فيه "الأشعرية" ضمن الفرق المثبتة للصفات، فبين كيف انحاز أبو الحسن الأشعري إلى طائفة "الصفاتية" وأيد مقالتهم بمناهج كلامية "وصار ذلك مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية"(21).

 

‏وكتب أبو سعد السمعاني المتوفى سنة 562 ‏هـ ترجمة لأبي الحسن الأشعري في مادة "الأشعري" من كتابه الأنساب لخصها من تاريخ الخطيب ولم يزد عليها شيئا.

 

على أنّ صديقه ورفيقه أبا القاسم على بن هبة الله المعروف بابن عساكر المتوفى سنة 571 ‏هـ دفعته عقيدته الأشعرية إلى تأليف كتاب كبير في الرد على أبي علي الحسن بن علي الأهوازي المتوفى سنة 446 ‏هـ ‏والذي ألف كتابا في مثالب أبي الحسن الأشعري(22).

 

‏وقد سمى ابن عساكر كتابه "تييين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري"، وهو مطبوع منتشر - مشهور، صار فيما بعد المصدر الرئيسي في ترجمة الأشعري.

 

‏افتتح ابن عساكر كتابه بمقدمة تناول فيها النهي عن كتمان العلم، وساق أحاديث في تحريم الغيبة، ثم عقد بابا في "ذكر تسمية أبي الحسن الأشعري ونسبه والأمر الذي فارق عقد أهل الاعتزال بسببه"(23).

 

‏أما نسبه فنقله من تاريخ الخطيب ومعه شيء من ترجمة الخطيب له. ونقل عن أبي بكر بن فورك (محمد بن الحسن الأنصاري الأصبهاني المتوفى سنة 406 ‏هـ)(24) أن أباه إسماعيل بن إسحاق كان ‏سنيا حديثيا أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي الإمام المحدث البصري المتوفى سنة 307 ‏هـ(25) ، وقال:"وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة" (26).

 

‏أما سبب رجوع أبي الحسن عما كان عليه من عقيدة الاعتزال وتبرِّيه مما كان يدعو إليه فيعزوه الحافظ ابن عساكر إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وطلبه منه التعويل على سنته، وساق عدة منامات في ذلك، ثم ذكر قولا لأبي بكر اسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة(27) نصه: "الأشعري شيخنا وإمامنا ومن عليه ‏معولنا قام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وكان لهم إماما، ثم غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما فبعد ذلك خرج إلى الجامع، فصعد المنبر وقال: معاشر الناس إني إنما تغيبت عنكم في هذه المدة لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي حق على باطل، ولا باطل على حق، فاستهديت الله تبارك وتعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت انخلعت، كما انخاعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه، ورمى به، ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب " اللمع"، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب "كشف الأسرار وهتك الأستار" وغيرهما. فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة أخذوا بما فيها وانتحلوه واعتقدوا تقدمه ‏واتخذوه إماما حتى نسب مذهبهم إليه"(28).

 

‏وهذه الحكاية تناقلتها الكتب لتي جاءت بعده، وفيها نظر من عدة أوجه:

  • ‏الأول: أنها منقطعة فإن أبا بكر إسماعيل بن أبي محمد بن إسحاق القيرواني كان حيا سنة 403‏هـ (29)‏، وهو قيرواني لا نعلم له رحلة إلى العراق، وعمره ‏يبعد أن يكون قد اتصل بأبي الحسن الأشعري، فضلا عن أن أحدا لم يذكر ذلك.
  • ‏الثاني: قوله إنه أقام على مذاهب المعتزلة أربعين سنة، وهو قول انتشر-عند الأكثر، فإ‏ذا كان الأشعري قد ولد سنة 260 ‏هـ وأنه طلب العلم في العقد الثاني من عمره فمتى تاب وأناب وألف كل هذه الكتب في الرد على المعتزلة والروافض وغيرهم ؟ علما بأنه قد ترك الاعتزال وشيخه الجبائي على قيد الحياة، ‏وتوفي الجبائي سنة 303 ‏ه (30)، فيكون رجوعه قبل ‏هذا التاريخ، فكيف يصح بعد هذا أنه أقام أربعين سنة على الاعتزال ؟
  • ‏الثالث: قوله: "غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوما" ثم خرج بعد أن هداه الله ورمى لهم بالكتب، فنسأل: هل يعقل أنه ألف هذه الكتب في خمسة عشر يوما، يكاد أن يكون هذا مستحيلا.
  • ‏الرابع: قوله في المنام الآخر:"يا رسول الله كيف أدع مذهبا تصورت مسائله وعرفت أدلته منذ ثلاثين سنة لرؤيا؟"(31) فهذا يناقض الأربعين سنة.

 

‏وجميع المنامات والحكايات التي ذكرها الحافظ ابن عساكر في هذا الباب ضعيفة الأسانيد، وفيها شيء من التناقض، كما بينا بعضه قبل قليل، ولكن يصح القول أنه قضى - مدة ليست بالقصيرة على مذهب الاعتزال ثم عاد إلى مذهب أهل السنة وألف كثيرا من كتبه بعد ثوبته، وكان آخرها كتاب "الإبانة".

 

‏وانتقل ابن عساكر بعد هذا فذكر الأحاديث النبوية المبشرة بقدوم أبي موسى الأشعري وأهل اليمن، وإشارته إلى ما يظهر من علم أبي ‏الحسن(32) ، وبين أنه مجدد المائة الثالثة(33) ، وذكر في آخره وفاة أبي الحسن الأشعري نقلا من تاريخ ‏الخطيب، ورجح وفاته في سنة 324هـ (34).

 

‏ثم تناول فضائل أبي موسى الأشعري(35)، وابنه ‏أبي بردة(36)، وحفيده بلال بن أبي بردة(37)، ثم ‏ساق فضائله هو(38) ، وما اشتهر به من العلم و وفور المعرفة والفهم(39) ، وتطرق إلى مؤلفاته فاستقصاها ‏ما استطاع إلى ذلك سبيلا(40)، ثم انتقل إلى بيان اجتهاده في العبادة(41) ، وانه من خير القرون(42)، ‏ومجانبته لأهل البدع وجهاده في ذلك، وما رؤي له من المنامات الطيبة(44)، وختم الترجمة ‏بذكر ما مدح به من الأشعار(45) . أما بقية الكتاب ففي طبقات الأشاعرة المشهورين، والرد على من ينتقص الأشاعرة عامة، والرد على الأهوازي وأشياء أخرى.

 

‏ويلاحظ أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر قد جمع في هذا الكتاب كل ما وقف عليه من حكايات عن أبي الحسن الأشعري لاسيما المُشرق منها سواء أكانت صحيحة أم سقيمة، ومن ثم فإنه يحتاج إلى دراسة نقدية شاملة وتحقيق متقن لرواياته.

 

‏وفي نهاية القرن السادس الهجري كتب ابن الجوزي -توفي 597 هـ- ترجمة لأبي الحسن الأشعري اعتمد فيها على ترجمة الخطيب وما ذكره الأهوازي في مثالبه، وأظهر حقده عليه، فقال: "وكان على مذهب المعتزلة زمانا طويلا ثم عنَّ له مخالفتهم، وأظهر مقالة خبطت عقائد الناس، وأوجبت الفتن المتصلة..ثم نبع أقوام من السلاطين فتعصبوا لمذهبه وكثر أتباعه، حتى تركت الشافعية معتقد الشافعي ود‏انوا بقول الأشعري" ثم ذكر وفاته من تاريخ الخطيب وقال: "وقبره اليوم عافي الأثر لا يلتفت إليه" (46).

 

‏وابن الجوزي كثير الأوهام كما قرره أحد الحنابلة الكبار وهو سيف الدين أحمد ابن المجد، قال سيف: -ما رأيت أحدا يعتمد عليه في دينه وعلمه وعقله راضيا عنه... وعاتبه الشيخ أبو الفتح ابن المني في بعض هذه الأشياء التي حكيناها عنه يعني: (ما يخالف فيه السنة). ولما بان تخليطه أخيرا رجع عنه أعيان أصحابنا الحنابلة وأصحابه وأتباعه(47).

 

‏وعقب الذهبي فقال: وكلامه في السنة مضطرب، تراه في وقت سنيا، وفي وقت متهجما محرفا للنصوص(48).

 

‏وقريبا من هذا التاريخ أيضا كتب الإمام أبو القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماراني  ‏الشافعي(49) - توفي 605 هـ- رسالة صغيرة سماها:‏ "الذب عن أبي الحسن الأشعري"، ليس فيها جديد يضاف إلى ترجمته.

 

‏وفي القرن السابع الهجري كتب شمس الدين ابن خلكان (توفي 681 هـ) ترجمة مختصرة للأشعري ‏لا تزيد على الصفحة والنصف، مستمدة من تاريخ الخطيب والفهرس للنديم وتبيين كذب المفتري لابن عساكر، ليس فيها من جديد.

 

‏وفي فهرست أحمد بن يوسف بن يعقوب الليلي المتوفى سنة 691هـ معلومات عن أبي الحسن الأشعري وكبار علماء الأشاعرة: ذلك أن فهرَسته تعنى بترجمة رجال إسناده إلى أبي الحسن الأشعري من شرف الدين ابن التلمساني إلى أبي الحسن الأشعري، فترجم بعد التلمساني لشيخه تقي الدين أبي العز مظفر المعروف بالمقترح، ثم لشهاب الدين الطوسي، ثم لأبي حامد الغزالي، وأبي المعالي الجويني، وأبي القاسم الإسفراييني، وأبي بكر الباقلاني، وأبي الحسن الباهلي وابن مجاهد وصولا إلى أبي الحسن الأشعري، معتمدا في ترجمته المطولة على ما ذكره الخطيب وأبو القاسم ابن عساكر في"تبيين كذب المفتري" وبعض مقتطفات من هنا وهناك لأقوال أهل العلم فيه، فاستغرقت الترجمة قرابة الخمسين صفحة، ليس فيها من جديد سوى مزيد من الشتائم على الأهوازي وابن حزم.

 

‏وفي القرن الثامن تكثر الكتابات عن أبي الحسن الأشعري والأشعرية، ففي هذا القرن عاش فطاحل العلماء الذين عنوا بأبي الحسن الأشعري وآرائه، وهو عصر مشحون بالنزاعات العقائدية وبداية لحركة فكرية متميزة كان من بين أهدافها تنقية ما علق بالعقيدة الإسلامية من شوائب في العصور الماضية.

 

ومن ثم فإنني سوف أختار الشخصيات البارزة والمؤثرة في دراسة أبي الحسن الأشعري.

 

‏وأول هذه الشخصيات هو شيخ الإسلام الإمام تقي الدين ابن تيمية  - توفي 728 ‏هـ، لبيان موقفه من أبي الحسن الأشعري والأشاعرة.

 

‏ويتعين علي أن أشير آثر ذي أثير أن كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية تؤكد جميع مفاصلها على التفريق الواضح البين بين مذهب أبي الحسن الأشعري الذي هو مذهب أهل السنة والحديث وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل، ثم المذهب الأشعري الذي طوره العلماء الأشاعرة الذين جاءوا بعده وصار مذهبا يخالف في كثير من مفاصله مذهب الأشعري ولاسيما في إثبات الصفات الخبرية والعلو وأمثال ذلك(51)، فبين أن أبا الحسن من أهل إثبات الصفات(52)، وان مذهبه هذا هو ‏مذهب الإمام أحمد(53)، وقال:- إن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما، بل لم يفهموا غَوْرها، ولم يقدروا الأشعري قدره، بل جهلوا مقدار كلامه وحججه، وكان هو أعظم منهم قدرا، وأعلم بالمقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا، دع ما لم يبلغا، فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بوْنًا عظيمًا"(54).

 

‏لقد استفاد ابن تيمية من كتابات أبي الحسن الأشعري في الرد على الفرق الضالة لاسيما المعتزلة والخوارج الرافضة، وأثنى في كثير من المواضع ثناء عطرا على جهوده المحمودة في ‏الرد عليهم فقال معلقا على قول أبي بكر ابن الصيرفي إن الأشعري جحرهم في أقماع السمسم قال: هذا صحيح "بما أبداه من تناقض أصولهم، فإنه كان خبيرا بمذاهبهم إذ كان من تلامذة أبي علي الجبائي وقرأ عليه أصول المعتزلة أربعين سنة. ثم لما انتقل إلى طريقة أبي محمد عبد الله بن مسعود بن كُلاَّب، وهي أقرب إلى السنة من طريقة المعتزلة، فإنه يثبت الصفات والعلو، ومباينة الله للمخلوقات، ويجعل العلو يثبت بالعقل، فكان الأشعري لخبرته بأصول المعتزلة أظهر من تناقضها وفسادها ما قمع به المعتزلة، وبما أظهره من تناقض المعتزلة والرافضة والفلاسفة ونحوهم، صار له من الحرمة والقدر ما صار له، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة، وان تك حسنة يضاعفها ويؤتي من لدنه أجرا عظيما"(55).

 

‏أما بعض ما انتقده شيخ الإسلام من آراء أبي الحسن الأشعري فهو من نحو انتقاده لأي عالم يختلف معه في بعض الآراء بصرف النظر عن كونه يتفق معه اتفاقا كليا أو جزئيا في العقيدة والمذهب، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويترك ومن هنا يقول: "وما في كتب الأشعري مما يوجد مخالفا للإمام أحمد وغيره من الأئمة فيوجد في كلام كثير من المنتسبين إلى أحمد كأبي الوفاء ابن عقيل، وأبي الفرج ابن الجوزي(56)، وصدقة بن الحسين وأمثالهم ما هو أبعد عن قول أحمد والأئمة من قول الأشعري وأئمة أصحابه ومن هو أقرب إلى أحمد والأئمة مثل ابن عقيل وابن الجوزي ونحوهما كأبي الحسن التميمي وابنه أبي الفضل التميمي وابن ابنه رزق الله التميمي ونحوهم وأئمة أصحاب الأشعري كالقاضي أبي بكر ابن الباقلاني وشيخه أبي عبد الله بن مجاهد وأصحابه كأبي علي بن شاذان، وأبي محمد ابن اللبان، بل وشيوخ شيوخه كأبي العباس القلانسي وأمثاله، بل والحافظ أبي بكر البيهقي وأمثاله أقرب إلى السنة من كثير من أصحاب الأشعري المتأخرين الذين خرجوا عن كثير من قوله إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة(57).

 

‏كان ابن تيمية سعيدا بكتاب "الإبانة"الذي أكد غير مرة أنه آخر ما صنفه أبو الحسن ‏الأشعري(58)، ولذلك فهو يعده الممثل الحقيقي ‏لآرائه، ومن ثم فقد استشهد به واستدل في الرد على ‏‏الخصوم(59). وحينما وجد بعض الناس يزعم ‏أنه إنما صنف هذا الكتاب تقية وإظهارا لموافقة أهل الحديث والسنة من الحنبلية وغيرهم، كذبهم وقال: "هذا كذب على الرجل، فإنه لم يوجد له قول باطن يخالف الأقوال التي أظهرها، ولا نقل أحد من خواص أصحابه ولا غيرهم عنه ما يناقض هذه الأقوال الموجودة في مصنفاته، فدعوى المدعي أنه كان يبطن خلاف ما يظهر دعوى مردودة شرعا وعقلا(60).

 

‏وأشار ابن تيمية إلى أثر زكريا ين يحيى الساجي إمام أهل البصرة في زمانه في التكوين الفكري لأبي الحسن الأشعري فيما أخذه عنه من مذاهب أهل السنة والحديث والفقه.

 

‏وننتقل بعد ذلك إلى ما كتبه مؤرخ الإسلام شمس الدين أبو عبد الله الذهبي (ت 748 ‏هـ ) عن أبي الحسن الأشعري في كتبه، ولاسيما: " تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام "وهو أس كتبه التراجمية، ثم "سير أعلام النبلاء" الذي يمثل التراجم المنقحة من تاريخ الإسلام. وأما الكتب الأخرى فهي تكرار لما في هذين الكتابين.

 

‏استغرقت ترجمة آبي الحسن الأشعري "تاريخ الإسلام" أربع صفحات تقريبا(61)، فهي من التراجم المتوسطة، ساق فيها نسبه، ومولده، وشيوخه، وأنه كان معتزليا وتاب من الاعتزال، وقصة صعوده كرسيا يوم الجمعة بجامع البصرة وإعلانه التوبة من آراء المعتزلة، ومناظرته للمعتزلة وفرارهم منه، ونقله لرواية أبي بكر الصيرفي أنه حجر المعتزلة في أقماع السمسم، ونقل أقوالا لأبي عبد الله بن خفيف في مناظرة الأشعري للمعتزلة وهتكهم، ونقل عن ابن عساكر والخطيب أقوال بعض العلماء في بيان منزلته العلمية، وذكر بعض كتبه وبين أن كتاب "الإبانة" عامته في عقود أهل السنة، ثم أحال لمن أراد استزادة وتبحرا على كتاب "تبيين كذب المفترين " لأبي القاسم ابن عساكر. وزاد في هذه الترجمة فيما بعد: مناقشته لشيخه أبي علي الجبائي في مسألة الأصلح، ونقله رواية عن زاهر بن أحمد الفقيه أن الأشعري كان يلعن المعتزلة وهو في حال نزعه، ورواية أخرى عنه أنه قال عند حضور أجله أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة. ثم ذكر بعض الآخذين عنه، وتاريخ وفاته عن القراب وابن فورك وغيرهما ، وأنها سنة 324 ‏هـ.

 

‏وامتازت ترجمته له في "السير" إضافة لما ذكره في "تاريخ الإسلام" إبداء بعض الآراء النقدية، ومعلوم أن "سير أعلام النبلاء" أكثر نضجا من "تاريخ الإسلام"، وإن كانت معظم مادته مأخوذة منه، لتأخر تأليفه عن تاريخ الإسلام قرابة العشرين عاما، ولنضج أفكار الذهبي، وتطور قدرته على صياغة الترجمة، فمما جاء فيه زيادة عما في تاريخ ‏الإسلام(62):

  • إن الأشعري "كان عجبا في الذكاء وقوة ‏الفهم"، وله:"ذكاء مفرط، وتبحر في العلم، وله أشياء حسنة وتصانيف جمة تقضي له بسعة العلم.
  •  إنه لما برع في معرفة الاعتزال كرهه وتبرأ منه، وصعد للناس، فتاب إلى الله تعالى منه، ثم أخذ يرد على المعتزلة ويهتك عوارهم. ‏وفي هذه العبارة إشارة إلى أنه حين عرف الاعتزال على حقيقته كرهه وتبرأ منه، وأن لا دخل للمنامات في ذلك.
  •  قوله: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول، وبذلك أقول، وبه أدي، ولا تؤول".
  • جزم بموته سنة 324 هـ ، ثم ذكر رواية وفاته سنة 330 هـ على التمريض في آخر الترجمة.
  • أشار في هذه الترجمة إلى أن جماعة من الحنابلة والعلماء حطوا عليه، وأشار إلى أن الأهوازي ألف جزءا في مثالبه فيه أكاذيب، وأن أبا القاسم ابن عساكر جمع في مناقبه فوائد بعضها أيضا غير صحيح. ونقل عن ابن خلكان قوله: كان ‏فيه دعابة ومزح كثير(63).
  • وحين نقل ما رواه زاهر بن أحمد السرخسي من أن أبا الحسن الأشعري لما قرب حضور أجله -وكان ذلك بدار زاهر ببغداد- دعاهوقال له: اشهد علي أني لا أكفر أحدا من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات، قال:‏" قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحدا من الأمة ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم.

 

‏وفي الوقت الذي ذكر فيه أسماء خمسة من مؤلفاته في تاريخ الإسلام توسع في السير فذكر أسماء خمسة وعشرين كتابا، وأحال على كتاب التبيين في البقية.

 

ومعلوم أن منهج الذهبي في التراجع نقل آراء الموافقين والمخالفين في المترجم له ليقدم صورة متكاملة عنه، وهو طابع عام في كتابه نجد في كل ترجمة ‏من تراجمه(64)، كان يتحاشى ذلك في تراجم ‏الكبار ، وقد عاب على الخطيب البغدادي الحط ‏على الكبار(65). ومع كل هذا لم يسلم من نقد متعصبي الأشاعرة مثل تاج الدين السبكي (ت 771 ‏هـ) ممن كانوا يقتصرون على المدائح في كتبهم والذي انتقده في مواضع متعددة من كتابه "طبقات الشافعية ‏الكبرى(66)" وكتابه الآخر "معيد النعم"(67)، فقال في ‏ترجمته من الطبقات: "وكان شيخنا - والحق أحق ما قيل والصدق أولى ما آثره ذو السبيل- شديد الميل إلى آراء الحنابلة، كثير الازدراء بأهل السنة، الذين إذ ا حضروا كان أبو الحسن الأشعري فيهم مقدم القافلة، فلذلك لا ينصفهم في التراجم، ولا يصفهم بخير إلا وقد رغم منه أنف الراغم"(68).

 

‏وقال في موضع آخر "وأنت إذ ا نظرت ترجمة هذا الشيخ، الذي هو شيخ السنة، وإمام الطائفة في تاريخ شيخنا الذهبي ورأيت كيف مزقها، وحار كيف يصنع في قدره، ولم يمكنه البوح بالغض منه، خوفا من سيف أهل الحر، ولا الصبر عن السكوت لما جبلت عليه طويته من بغضه بحيث اختصر ما شاء الله أن يختصر في مدحه"(69).

 

‏ونحو ذلك من الأقوال التي أثارت نقاشا بين المؤرخين، ورد عليه الحافظ السخاوي(70) وابن عبد الهادي(71) وغيرهما مما أطلت الكلام فيه في كتابي: الذهبي ومنهجه(72).

 

ويرى القارئ أن الذهبي قد أنصف أبا الحسن الأشعري، وبنى له ترجمة رائقة في "تاريخ الإسلام" و"السير" و"تذكرة الحفاظ" ليس فيها أي انتقاص منه، بل وصفه بأجل الأوصاف من مثل قوله:"العلامة إمام المتكلمين" (73) و"العلامة الأصولي" (74).

 

 وقد كتب السبكي ترجمة طويلة لأبي الحسن الأشعري في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى"اعتمد فيها على ما جاء في كتاب الذهبي وكتاب "تبيين كذب ‏المفتري" لابن عساكر استغرقت قرابة المائة صفحة (75) ‏تناولت ترجمته، ورده على الذهبي في مجادلته لشيخه الجبائي في الأصلح، ثم مناظرة بينهما في أسماء الله هل هي توقيفية، وساق مسألة فقهية عن الشيخ، وذكر تصانيفه نقلا من التبيين، وطبقات الأشاعرة نقلا منه أيضا. وعقد مبحثا لبيان أن طريقة الأشعري هي التي عليها المعتبرون من علماء الإسلام، وذكر أثناء ذلك بعض الاستفتاءات، وساق قصيدة طويلة من نظمه في الخلاف، وبيان أن إنكار الرسالة بعد الموت مكذوبة على أبي الحسن الأشعري، وتطرق إلى الفتنة التي وقعت بنيسابور أيام الوزير الكندري المعتزلي الرافضي وما قرره من لعن الأشاعرة على المنابر، فأطال النفس فيها. وذكر قصيدة لابن دقيق العيد في مدح الرسالة المسماة "زجر المفتري على أبي الحسن الأشعري" لضياء الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عمر القرطبي ‏بعد أن ساقها وأنهى بها الترجمة.

 

‏والحق أن ترجمة التاج السبكي اشتملت على مباحث متصلة بالعقيدة الأشعرية والموقف منها والدفاع عنها تجاه الخصوم.

 

‏أما التراجم الأخرى مثل ترجمة اليافعي(76) ‏(ت 768 ‏هـ) ، وابن كثير(77)(ت 774 ‏هـ) ، وعبد القادر ‏القرشي(78)(ت 775 ‏هـ)، وابن فرحون(79)(ت 799 ‏هـ) وابن قاضي شهبة(80)(ت 851 ‏هـ) ، وابن تغري بردي(81) (ت 874 ‏هـ) ، وابن العماد الحنبلي(82)(ت 1089 ‏هـ) ‏وغيرها فليس فيها من جديد، وإنما هي تراجم مختصرة رددت ما ذكره المتقدمون، لذلك أعرضت عن ذكرها.

 

ومما يلاحظ أن بعض المؤلفين في رجال الحنفية والشافعية والمالكية قد ادعوه فترجموا له في كتبهم.


الهوامش

1- الرسالة التّدمُرية 4 ‏والفتوى الحموية الكبرى 44 ، وقال فيه: "وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه".

2‏- الإبانة 14-19 "ط. الدكتورة فوقية حسين محمود، القاهرة 1988 ‏م"

3 ‏- الإبانة 20 ‏- 21 ‏.

 4 ‏- الإبانة: 33 ‏- 21‏.

5 ‏- الفهرست 649 ‏- 648 ‏/ 1 "ط.الدكتور أيمن فؤاد السيد"

6‏- معجم الأدباء 2427/6 "ط. الدكتور إحسان عباس.

7 ‏- تاريخ الإسلام 833‏/8 ‏"بتحقيقنا".

8 ‏- لسان الميزان 83 ‏/ 5 "ط. دار الفكر، بيروت".

9 ‏- عكبري الأصل سكن بغداد وتوفي بها سنة 456ه "تاريخ الخطيب 12/270، والمنتظم 236‏/8 ‏وسير أعلام النبلاء 124 ‏/ 18 ".

10 ‏- تاريخ الخطيب 437/1 و278/8 و 124/18".

‏11 ‏- معجم البلدان 308 ‏/ 1 ‏،وتعليقنا على كتاب الحوادث،ص 116.

12 ‏- التاريخ المجدد لابن النجار 129/2.

13 ‏- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين 247 ‏، وقال متعقبا قول ابن الوردي: "قلت وسيأتي تصريحه في كتابه الإبانة إلى أنه رجع إلى مذهب أحمد في العقائد وعليه مات رحمه الله تعالى".

14- لا أعلم من أين نقل الخطيب هذا النص.

15 - القمع: غطاء الثمرة وأقماع السمسم صغيرة فمثل بذلك على انجحارهم في أضيق شيء.

16 - ننظر ترجمته في معرفة القراء الكبار للذهبي 1 ‏/ الترجمة 343 ‏وما ذكرناه من مصادر هناك، ومقدمة كتابه الوجيز في شرح قراءات القراءة الثمانية، تحقيق الدكتور دريد حسن أحمد، دار الغرب 2002 ‏م.

17- منه نسخة في ‏دار الكتب الظاهرية بدمشق برقم 4521 ‏عام، ‏تم طبع.

18- هكذا يتعين قراءتها، لأن المفتري هو الأهوازي وهو الذي نسب إلى أبي الحسن الأشعري.

19 - سير أعلام النبلاء 79/15.

 ‏20- تبيين كذب المفتري 365 ‏/ 366 ‏.

21 ‏- الملل والنحل 91 ‏/1 " ط دار المعرفة بيروت 1404 هـ"

22 ‏- نشرة حسام الدين القدسي يرحمه الله سنة 1347هـ بدمشق.

 23 ‏- تبيين كذب المفتري 34 ‏.

24 ‏- ينظر عن ابن فورك: تبيين كذب المفتري 232 ‏، و‏تاريخ الإسلام للذهبي 109‏/9-111.

25- قال الذهبي في تاريخ الإسلام:" وكان من الثقات الأئمة، وسمع منه الأشعري وأخذ عنه مذهب أهل الحديث 118/7

26 ‏- تبيين كذب المفتري 35 ‏.

27 ‏- توفي في أوائل المائة الخامسة، وله ذكر في الصلة لابن بشكوال 1/55، 88 ، 223 ‏بتحقيقنا في التكملة لابن الأبار 129‏/4 ‏.

28 ‏- ينظر مثلا طبقات السبكي 347 ‏/ 3 ‏- 348 ‏ودرء التعارض لابن تيمية 406 ‏/ 3 ‏.

29 ‏-تنظر الصلة البشكوالية 223 ‏/ 1 ‏بتحقيقنا حيث قرأ عليه حاتم بن محمد التميمي المعروف بابن الطرابلسي سنة 403 ‏أو سنة 404 هـ

 30 ‏- تاريخ الإسلام 80 ‏/7.

31 ‏- تبيين كذب المفتري 41 .

32 ‏- التبيين 45 ‏فما بعد.

33 ‏- نفسه 52 ‏- 53 ‏.

34 ‏- نفسه 55 ‏- 56.

35 ‏-نفسه 57 ‏- 58.

36 ‏~ نفسه 85 ‏- 88.

37 ‏-نفسه 88 ‏- 89‏.

38 ‏-نفسه 89 ‏- 125‏.

39 ‏-نفسه 125 ‏- 128 ‏.

40 ‏-نفسه 128- 140 ‏.

41 ‏-نفسه 141 ‏- 142 ‏.

42 ‏- نفسه 142 ‏- 148 ‏و أعاد هنا تواريخ مولده ووفاته.

43 ‏- نفسه 165 ‏- 148.‏

44 ‏- نفسه - 165 ‏.

45 ‏- نفسه 167-176.

46 ‏- المنتظم 6 ‏/ 332 ‏- 333.

 47 ‏- تاريخ الإسلام 1113/12..

49 ‏- ترجمه المنذري في التكملة 2 ‏/ الترجمة 1062‏ وتعليقنا عليها.

50 - طبعت.

51 ‏- تنظر العقيدة الأصبهانية 84 ‏- ط. الرشد، الرياض 1415.

52 ‏- المسألة المصرية 19 ‏، والعقيدة الأصبهانية 104.

53 ‏- أحكام المرتد 200 ‏/ 1 ‏و 434 ‏، والعقيدة الأصبهانية 24 ، 50 ‏.

54 ‏- بيان تلبيس الجهمية 347/ 2‏.

55 ‏- الفتاوى 629‏/ 6 ، وتنظر الفتوى الحموية 44 ‏باختلاف لفظي يسير.

56 ‏- وقال ابن تيمية في موضع آخر:- الأشعري وأئمة أصحابه أتبع لأصول الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من أحواله، وممن اتبع ابن عقيل كأبي الفرج ابن الجوزي في كثير من كتبه- درء التعارض 341 ‏/ 1 ‏تحقيق محمد رشاد سالم، الرياض 1491هـ.

57 ‏- تنظر الفتاوى 584‏/ 6 ‏، والعقيدة الأصبهانية 108.

58 ‏. الرسالة التدمرية 4 ‏، والفتوى الحموية الكبرى 44 ‏حيث قال: ‏وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه وعليه يعتمدون في الذب عنه من يطعن عليه.

59 ‏- ينظر مثلا: الفتاوى 385 ‏/ 1 ‏و 369 ‏/ 6 ‏، ودرء التعارض 328 ‏/ 2 ‏، وأحكام المرتد 473 ‏/ 1 ‏، والفتوى الحموية 44 ‏، والكيلانية 19، والمسألة المصرية في القرآن 19 ‏، وبياتن تلبيس الجهمية 420‏/ 1 ‏و 15‏/ 2 ‏، 347 ‏، 348 ‏، 397 ‏، 433 ‏...الخ.

60 ‏- المسألة المصرية.

‏61 ‏- تاريخ الإسلام 494 ‏- 498 ‏/ 7.

62 ‏- سير أعلام النبلاء 85 ‏- 90 ‏/ 15 .

63 ‏- بينا فيما سبق أن هذه العبارة التي ذكرها ابن خلكان مقتبسة من كتاب "الفهرست" للنديم الشيعي المعتزلي، وانظر ما علقنا عليه من ترجمة النديم فيما تقدم.

64- .......          

65 ‏- ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه 458 ‏(القاصرة 1976 ‏)

 66 ‏- سير أعلام النبلاء 279 ‏/ 17

67 ‏- أنظر مثلا 13/2 و352-399/3  و 353-356/4  و133.148/4  و103-154/9

68 ‏- معيد النعم 84 ‏- 88

69 ‏- الطبقات 104 ‏/ 9

70 ‏- الطبقات 352 ‏/ 3

71 ‏- الإعلان بالتوبيخ 469 ‏فيما بعد

72 - معجم الشافعية، الورقة 48 ‏- 47 ‏(من نسخة الظاهرية)

73 ‏- الذهبي ومنهجه 465 ‏- 457

74 ‏- سير أعلام النبلاء- 75 ‏/ 15

75 ‏- تذكرة الحفاظ 721 ‏/ 3

76 ‏- الطبقات الكبرى 449 ‏- 348 ‏/ 3

77 ‏- مرآة الجنان 309 -297/ 2  

78 ‏- البداية والنهاية 178/11

79- الجواهر المضيئة 354-353/1  ‏ثم أعاده في الكنى 247-248/2

80 ‏- الديباج المذهب 96 ‏- 94 ‏/ 2

86 ‏- طبقات الشافعية 114 ‏/ 1 ‏نقلا من طبقات الشافعية لابن الصلاح

82 ‏- النجوم الزاهرة 259‏/3

انتهى

إمارة المؤمنين

جلالة الملك يترأس حفل إطلاق مشروع تعميم الحماية الاجتماعية وتوقيع الاتفاقيات الأولى المتعلقة به
مفكرة الوزارة
لا أحداث
facebook twitter youtube