كلمة السيد الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في الجلسة الافتتاحية للدورة العادية التاسعة عشرة للمجلس

الجمعة 19 ديسمبر 2014

كلمة السيد الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في الجلسة الافتتاحية للدورة العادية التاسعة عشرة للمجلس

ألقى السيد محمد يسف الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى في الجلسة الافتتاحية للدورة العادية التاسعة عشرة للمجلس، وذلك يوم الجمعة 19صفر الخير 1436هـ الموافق لـ 12 دجنبر 2014م، كلمة، فيما يلي نصها:

"بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين

معالي الوزير؛

أصحاب الفضيلة، السيدات الفاضلات،

أعضاء المجلس العلمي الأعلى؛

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

وبعد، فقد تفضل أمير المومنين رئيس المجلس العلمي الأعلى فأذن - أعزه الله - بعقد الدورة العادية التاسعة عشرة للمجلس، بعد الاطلاع على جدول أعمالها، ومكان وزمان عقدها.

فعلى بركة الله وبعونه تعالى وتوفيقه، وبإذن رئيسنا الأعلى أمير المومنين مولانا محمد السادس -المؤيد بالله-، تنطلق أشغال هذه الدورة، سائلين البارئ تعالى أن يسدد خطانا على الصراط المستقيم، فاللهم انهج لنا سبيلا تهدي إليك، وافتح بيننا وبينك بابا نفد منه عليك، فلك مقاليد السماوات والأرض، وأنت على كل شيء قدير.

وقد حكم قضاء الله تعالى الذي لا راد له، في أخينا العزيز الأستاذ العالم الفاضل المرحوم بكرم الله سيدي أحمد حدادي، رئيس مجلس فكيك الذي اختاره الله لجواره، اللهم اشمله بعفوك وفضلك ورحمتك، وبوئه مقاما كريما في كنفك، وألحقنا به مومنين وثبت قلوبنا على دينك حتى نلقاك ونحن كذلك.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

سيدي الوزير؛

السادة والسيدات العلماء والعالمات؛

لقد شاء الله أن تكون مدينة الرباط محطة النزول للدورة التاسعة عشرة هذه المرة، بعد أن طافت دورات المجلس قبلها في أرجاء الوطن جنوبا وشمالا، وشرقا وغربا ووسطا، تاركة أثرا لها في كل فج سلكته، وكل مفازة قطعتها، وفي نيتنا إعطاء هذه الرحلة معناها، وإبراز مغزاها وأهدافها وغاياتها بتدوين وثائقها وأحداثها، بإخراجها في حلة تليق  بها، وثيقة ناطقة شاهدة على حضور المؤسسة العلمية بكل مكوناتها في ربوع المملكة.

وبعد، فإن حرص المؤسسة العلمية على الوفاء بالتزاماتها وحضورها في مواعيدها التاريخية لمحاسبة نفسها، ولتجديد العهد على مواصلة السير في اتجاه المستقبل بعزم ثابت وإيمان راسخ، لدليل قاطع     على أن علماء العصر أدركوا ثقل الأمانة العامة المنوطة بهم، وما تقتضيه من تضحية وصبر، وقد عاهدوا الله على أن لا يولوا الأدبار، وأن لا يرتدوا على الأعقاب أبدا، مهما تكن الموانع، والطريق وعرا، فالعزم  ماض على قطع المسافة " فكل من سار على الدرب وصل "، وكما قيل " لا بد من صنعاء ولو طال السفر"، (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

 هذا، ولقد جرت عادتنا في سالف دورات المجلس، أننا كلما عقدنا العزم على مد خطوة جديدة على الطريق، تأهبنا لما هو آت، أن نذكر أنفسنا بما وفق الله إليه وهدى فيما مضى وفات، فلقد علم الله وهو عليم بذات الصدور من علماء هذه الأمـة، حســـن النية وصدق التوجه فقابل بفضله وإحسانه قليل عملهم فكثره، وجعله كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل حين بإذن ربها، أو كمثل "حبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة"، "فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله".

ولمن شاء أن يتأكد من معية الله مع الصالحين المصلحين من عباده أن يفتح بصره جيدا ليرى برهان ذلك فيما أظهره من بركته ورضاه عن الذابين عن شريعته ودينه بإعلاء شأنهم، وتزكية عملهم، حتى شاهده من شاهده من أفقه البعيد، وقربه إليهم وقربهم إليه، حتى اختلط بهم واختلطوا به، وصدق الله العظيم القائل:(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقّ).

فثمت مؤشران اثنان لهما دلالة ناطقة على آياته الباهرة وتجليه سبحانه بما يختاره من صور التجلي على عباده.

من ذلك أننا رأينا، كما رأى كل ذي بصر يبصر، كيف جاء ذلك الإعجاب - دون سعي من أحد - بالنموذج المغربي في التدين وضبط مؤسسات التعبد الجماعي وما يقتضيه من تأهيل القيمين عليه تأهيلا يقي بيوت العبادة من الفتنة المفضية إلى الفرقة والتنازع، المفضي بدوره إلى الفشل والضياع، ثم ما زال حديث من يعنيهم أمر استتباب الأمن المعنوي   في ديارهم يتنامى لديهم الإعجاب بالنموذج الذي صنعه المغرب، حتى بات قبلة لهم وملاذا، فإمام المسجد الضابط للأمن الروحي فيه، وتمنيعه من الغلو والتطرف والتشدد، لا سبيل إليه إلا في هذه الديار التي جمع الله فيها قلوب أهلها على ثوابتهم الدينيــة والوطنيـة، بما في ذلك بلدان كانت قبل اليوم محصنة بعلم علمائها الذين كانوا ملء سمــع العالم الإسلامي وبصره، من أمثال سحنون وكتائب مدرسته، وابن أبي زيد القيرواني، والذين جاءوا من بعده، اخترق الإرهاب حماهم، واستولى على حصونهم، وتغلغل في النسيج الاجتماعي لساكنة بلدهم، فهم منه اليوم في أمر مريج.

وصورة أخرى لا تقل أهمية ودلالة على موصول العناية، ولكن بتجل آخر مختلف هذه المرة، فالشهرة التي اكتسبها النموذج المغربي في معالجة ظاهرة الإرهاب، جعلت الثقة به تخترق الآفاق لتنزل في قلب المنظمات الدولية المسؤولة عن مناهضة الإرهاب وفي ركبها، فهي بحكم مسؤوليتها تبحث عن أنجع التجارب لتستفيد منها في حربها عليه، ولما كانت التجربة المغربية قد أثبتت نجاعتها في هذا الباب، فقد وجهـت الدعـوة إلى معال الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، من لدن مجلس الأمن ليتحدث للعالم عن هذه التجربة الرائدة، فكنا كمؤسسة حاضرين مرتين: حضور  في شخصه، وحضور في متن المحاضرة. وقد التمسنا   من معالي الوزير أن يحدثنا عن هذا الموضوع في حصة النشاط الثقافي التي اعتدنا أن نجعله مسك ختام دورتنا فقبل ذلك بأريحية وكرم نفس  كما عودنا.

وبوصفنا علماء في مؤسسة دستورية، لها مصداقيتها، وعلى رأسها ولي أمر الأمة ورائد مسيرتها، أمير المؤمنين، فإنه يهمها ما يحدث في حياة أمتنا المغربية، وأمتنا الإسلامية، وما تقتضيه السياسة الحكيمة التي ينهجها أمير المؤمنين محمد السادس، والمتسمة بالحزم والصرامة ضد كل من سولت له نفسه المساس بأمن الوطن واستقراره، وإرهاب المغاربة، وشل حركـة نشاطهم، وإيقاف عجلة تطورهم وتقدمهم، والعمل بالمقابل على تجاوز كل ذرائع التخلف الفكري، والمادي، والمعنوي، والنهوض بمؤسسات الأمة وتأهيلها لأداء وظائفها في خدمة الوطن والمواطنين، وتحقيق العدالة والمساواة والكرامة بين أبناء الوطن قاطبة. فالحكومة والبرلمان والقضاء والتعليم والإعلام والسياسة والمال والاقتصاد، كل ذلك يجب أن يظهر أثره في حياة المواطن اليومية، وهو ثابت من ثوابت سياسة محمد السادس ومشروعه النهضوي.

فلقد كان خطاب أمير المؤمنين بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لانطلاق المسيرة الخضراء لاسترجاع أقاليم المغرب الصحراوية الجنوبية، بمثابة انتفاضة قوية، وغضبة ملكية على العبثية والتلاعب فيما  لا يصح العبث والتلاعب فيه، كما كان إيقاظا للضمائر النائمة، واستنهاضا للهمم الفاترة والعزائم الخائرة، وقطعا لمادة الشك والتشكيك بسيف اليقين الحاسم، إن هذه الصحراء لن تكون أبدا إلا مغربية، كما كانت في سالف العصور وماضي الأزمنة إقليما من إقاليم هذه المملكة الراسخة جذورها في عمق التاريخ، ما بقي يمشي على تراب هذا الوطن مغربي واحد، تجري في عروقه دماء أسلافه الأباة الأحرار، ويبقـــى الباب مفتوحا في وجه من حسنت نيته، وعاد إليه رشده وصوابه، وسواء طال الزمان   أو قصر، فإن مهزلة ما يسمى بالدولة الوهمية ستنتهي، وينتهي معها سحر السحرة، فإن عصا الحق ستلقف ما أفك السحر، كما تلقفت عصا موسى حين ألقاها حبال السحرة وعصيهم، وسجل التاريخ يومذاك انتصار الحق ممثـلا في موسى وهارون، وانهزام الباطل ممثلا في فرعون وملئه، فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين. ولكن علم السحرة أنجاهم إذ أذعنوا للحق فسجدوا لما ظهر لهم، إذ علموا أن الذي مع موسى ليس سحرا كسحرهم فسجدوا، وضل عنهم ما كانوا يفترون.

وإذا كان المغرب – كما قال أمير المؤمنين في خطابه التاريخي الخالد – ليس لديه لا بترول ولا غاز، بينما الطرف الآخر لديه ورقة خضراء، يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية، فإن لدينا مبادءنا وعدالة قضيتنا، بل لدينا أكثر من ذلك: حب المغاربة وتشبثهم بوطنهم.

فمخطئ من يعتقد أن تدبير قضية الصحراء سيتم عبر تقارير تقنية مخدومة،أو توصيات غامضة تقوم على محاولة التوفيق بين جميع الأطراف.

ومخطىء – أيضا – من يحاول مقارنة الصحراء المغربية بتيمور الشرقية، أو ببعض النزاعات الترابية بأوربا الشرقية، فإن لكل قضية خصوصياتها، فارتباط سكان الصحراء بالمغرب ليس وليد اليوم، بل تمتد جذوره في أعماق التاريخ.

والذي يجب التأكيد عليه هنا، أن سيادة المغرب على كامل أرضه ثابتة، وغير قابلة للتصرف أو المساومة، ومبادرة الحكم الذاتي هي أقصى ما يمكن أن يقدمه المغرب في إطار التفاوض من أجل إيجاد حل نهائي لهذا النزاع الإقليمي.

وتأكيدا لموقف المغرب بهذا الشأن، يقول أمير المؤمنين: "لا لمحاولة تغيير طبيعة هذا النزاع الجهوي وتقديمه على أنه مسألة تصفية الاستعمار، فالمغرب في صحرائه، لم يكن أبدا قوة محتلة أو سلطة إدارية،  بل يمارس صلاحياته السيادية على أرضه".

لا، لمحاباة الطرف الحقيقي في هذا النزاع، وتمليصه من مسؤولياته، فكفى من المزايدات على المغرب، وكفى من استغلال فضاء الحقوق والحريات التي يوفرها الوطن للتآمر عليه.

المغرب يرفض سياسة تبخيس مبادراته، وتضخيم الأحداث التي تقع بالأقاليم الجنوبية، مقابل الصمت والتواطؤ تجاه ما يقع في تندوف وفي بلدان الجوار.

الصحراء ليست قضية الصحراويين وحدهم، الصحراء قضية كل المغاربة، الصحراء قضية وجود وليست مسألة حدود.

والمغرب سيظل في صحرائه، والصحراء في مغربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

إننا نعرف جيدا أن هناك من يخدم الوطن بكل غيرة وصدق، كما أن هناك من يريد وضع الوطن في خدمة مصالحه.

كما نعرف أن هناك من يضعون رجلا في الوطن إذا استفادوا، ورجلا مع أعدائه  إذا لم يستفيدوا.

إن أي شخص إما أن يكون وطنيا أو خائنا، فليس هناك مرتبة وسطى بين الوطنية والخيانة، كما أنه ليس هناك درجات في الوطنية ولا في الخيانة، فإما أن يكون الشخص وطنيا، وإما أن يكون خائنا.

صحيح أن الوطن غفور رحيم، وسيظل كذلك، ولكن مرة واحدة لمن تاب ورجع إلى الصواب، أما   من يتمادى في خيانة الوطن فإن جميع القوانين الوطنية والدولية تعتبر التآمر مع العدو خيانة عظمى.

معالي الوزير؛

أصحاب الفضيلة؛

السيدات الفاضلات؛

وإنما أطلت الوقوف بعض الشيء أمام خطاب أمير المؤمنين:

أولا: في نظري أن هذه الدورة لو اتخذته موضوعا لها، واشتغلت على مضامينه، لاستخرجت منه برنامجا شاملا تتصدى من خلاله لمعالجة الأعطاب الحقيقية التي تستفحل في مجتمعات دنيا اليوم، فهو دليل عمل تربوي أخلاقي سياسي حقوقي نقابي، أماط النقاب عن أمراض خطيرة متغلغلة في المنظمات السياسية الصغرى والكبرى   على السواء، وإنه لخليق به أن يدرج ضمن منهج التربية والتعليـــم، وأن يقرأه السياسي، والنقابـي، والحقوقي، والجماعات، والجمعيات، والأحزاب، والمنتخبون، إنه عبارة عن نقد قوي صريح وشجاع.

ثانيا: لأنه يمثل بأسلوبه ومضمونه منحى جديدا في باب التربية على التشبث بالقيم الثابتة، والتحلي بالوطنية الصادقة، وبالشجاعة على الصدع بالحق، وشجب الغش والفساد، والتصدي لرذع الظلم مهما تكن شراسته، وكشف مستوره ولو بلغ من الشوكـــــة ما بلغ،    ولو تحصن في أعلى الحصون وأقواها مناعة، خصوصا إذا كان يجد مأوى له في ظل منظمات يحسن الناس الظن بها ثم يكتشفون أنهم واهمون، وإنما هي سوق تباع فيه حقوق الشعوب والأمم في المزاد السري والعلني، تحت غطاء الدولية والأممية "إن هذا لهو البلاء المبين".

وثالثا:أننا نلمس في ثنايا هذا الخطاب، وفي نبراته الموحية وكأن روح محمد الخامس  - رضي الله عنه - تطل من أفقها الأعلى، مذكرة بالأمانة العظمى الملقاة على عاتق مغرب اليوم الذي يقود على المحجة البيضاء خطاه، سليل عرش ماجد، يستطيع أن يقول بملء فيه: "لا" للذين يسيئون وهم  في موقع المسؤولية، ويتجاهلون حقوق ذوي الحقوق، ويبخسون الناس أشياءهم، كما قالها جده محمد الخامس في عهده لمن طغى في الأرض، ومشى مرحا، ولما غضبوا من لائه، ومدوا أيديهم بالسوء إليه، غضب الشعب كله غضبته الكبرى التي هدت أركان بنيان المعتدي، وأتت عليه من القواعد، فخر عليه السقف من فوقه.

وسبق للعلماء أن ناشدوا الساعين بدون هوادة   في إفساد ذات البين بين الإخوة في الدين، والنسب، والدار، والتاريخ المشترك، وقطع  كل الحبال الواصلة بين البلدين والشعبين ظنا من العلماء يومئذ أن ثمة لدى القوم بقية  من ضمير، وشيء من حقوق الجوار، فإذا هم   قد نسوا كل شيء اسمه القيم والأخلاق التي بها قوام حياة الأمم، وفيها سر قوتها، وجوهر إنسانيتها، وعنوان آدميتها، وصدق الله تعالى فيما قال في كتابه العزيز، مخاطبا نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَىٰ وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ)، وقوله سبحانه: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)، وقديما أنشدوا :

 وقد أسمعت لو ناديت حيا   *** ولكن لا حياة لمن تنادي.

ومع خيبة أملنا فيما رجونا، فقد حمدنا سعينا وأرضينا ضميرنا، وامتثلنا أمر ربنا سبحانه القائل: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ)وليس إنجاح المسعى بشرط في تحصيل الثواب، وإنما على المرء أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح، وقد أعاد هؤلاء القوم للذاكرة بسيء فعلتهم، صنيع ما حكاه القرآن الكريم  عن موقف مشركي مكة من دعوتهم إلى الإسلام: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ) وإذ لم تجد الدعوة إلى الخير لدى الجار ذي القربى آذانا صاغية، فلقد سمعت نداءها على بعد الدار أذن واعية، وتلقتها بالرضا والقبول قلوب نقية، لم يشنها نزغ الشياطين، ولا لوثتها لوثة جاهلية، فأقبلت بأريحية وسخاء نفس على الانخراط في بناء الجسور وشق الطرق الواصلة بين الشمال والجنوب. فهذه إفريقيا جنوب الصحراء تولي وجهها شطر الشمال مادة أدرعها نحو المملكة المغربية، حيث الصدر الرحب، وحرارة الاستقبال، فجعلت منها مجالا لنشاطها ومهوى لأفئدتها، وهذه وفودها على اختلاف أغراضها، وتنوع مصالحها، غادية رائحة، تنشئ المنشآت، وترسي قواعد البناء، وتؤسس لمشروع طويل الأمد، عميق الجذور، ستقطف الأجيال بعد حين ثماره، وتحمد عاقبته.

بيد أن كل ما يحدث اليوم أمام سمعنا وبصرنا،  لا يمكن أن ينسينا أن ما تتم صناعته اليوم من علاقات جديدة إنما هو بعث لذلك القديم، وإحياء لماض سبق أن وضع سلفنا حجر زاويته في تلك الأرض الطيبة، واستنبتوا فسيلته في تربتها الزكية، فأورقت وأزهرت وأثمرت، ثم خمدت جذوتها بعد حين بفعل عوامل الزمان، وتعاقب تصاريفه، ولكن وميضها لم ينطفئ حتى هبت عليه نسمات من ريح الصبا آتية من الماضي البعيد، على جناح الأثير المصاحب لموكب الإمامة العظمى، بقيادة سليل النسب الشريف، أمير المؤمنين محمد السادس الذي حل بالديار الإفريقية في رحلة ميمونة، لم تشغلها قضايا الحاضر ومستعجلاته عن النظر فيما وراء ذلك الحاضر، والنبش في المخزون العميق من الموروث المشترك الذي تحرك منبعثا كأنه نشط من عقال، فاهتزت له العواطف الكامنة، وصدحت أناشيد الحب في هتافات الجماهيــر الشعبية، احتفاء بمقدم زائر ليس كباقي الزائرين، وفي مناجاة روحية وجدانية تجلت فيها قوة الماضي المشترك الذي بقي ساكنا بين حنايا الضلوع، في انتظار موعد اللقاء الذي جاء في إبانه ليعيد للحياة سيرتها الأولى، ولتنساب المياه في مجراها العادي كما انسابت عبره رقراقة صافية في سالف عهدها، فلله ما أعظم ما يصنعه الإيمان في القلوب على يد الصادقين من صناعه.

معالي الوزير العزيز؛

أصحاب الفضيلة؛

السيدات الفاضلات؛

أعتذر على هذا الاستطراد الذي أحسست أن لمؤسستنا فيه نصيبها في قديم أمرها وجديده، فحيث ما كانت الإمامة العظمى فثم شرع الله ودينه ورجاله المنافحون عنه.

وبعد، فإن أمام هذه الدورة ملفات تنتظر إمعان النظر واتخاذ القرار الملائم والحاسم، يتصدرها ملف الإمام المؤطر، وهو - كما نعلم - ابتكار رائد غير مسبوق، إنه عبارة عن مشروع باركه أمير المؤمنين وزكاه، وأشهــد الأمة قاطبة عليه،  وهو - كما نعلم - لم يأت ارتجالا، وإنما كان ثمرة تأمل طويل، وتفكير عميق، ثم اشتغلت عليه فرق علمية وإعلامية وإدارية وتقنية متخصصة. ونحن اليوم نقف على عتبة تنزيله على أرض الواقع، ليشاهد الناس أثره، ويجنون ثماره جمهور غفير من شباب أئمة المساجد، عددهم ألف وأربعمائـة أو يزيدون، أعــدوا له إعدادا علميا وإعلاميا وتطبيقيا، وهم على أهبة النزول إلى الميدان يحذوهم الإيمان والعزيمة والثقة في النفس.

المجالس العلمية المحلية هي قطب الرحى، وعليها المعول، ومعها مندوبيات الوزارة داعمة ومواكبة، ومساعدة، وستجري عملية التنزيل تحت المجهر وفي ضوء الشمس الكاشفة،  وعلى هذه الدورة أن تقلب النظر في الموضوع من كل أطرافه، وقد اتخذت جميع الترتيبات الضرورية والتجهيزات الأساسية لذلك، بما فيها اقتناء الدراجات النارية لتنقل الأئمة المؤطرين بين مساجد الجماعات، كما أنجزت عملية التأمين عليها بشكل كامل، وأغتنم هذه المناسبة لأشيد بالدور الذي قامت به بعض المجالس في توفير هذه الوسيلة الضرورية، بما تملكه من سلطة معنوية ونفود علمي، وقبول كبير لدى الساكنة. ومجموع الدراجات التي وفرتها المجالس: 224 دراجة نارية.

محو الأمية

وضع أمير المؤمنين بين يدي المجلس العلمي الأعلى موضوع محو الأمية، لغاية النظر في اقتراح الأسلوب الكفيل بتسريع وتيرة تصفية هذا الملف المزعج.

وقد نظرت الدورة الثامنة عشرة في الموضوع، بعد استماعها إلى العرض الذي قدمه مشكورا أمام الجلسة العامة للدورة المسؤول عن محو الأمية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

وأثناء النقاش قدمت بعض الاقتراحات التي يمكن أن تكون مفيدة، ولعل من أبرزها: التصدي للأمية عن طريق القيام بتصفيتها داخل كل جماعة محلية على حدة، بتجنيد فرق  من المؤطرين والمؤطرات على عدد الجماعات التي يمكن لكل مجلس علمي محلي أن يعالج الأمية فيها بإمكاناته الخاصة، أو بتعاون مع قطاعات من نفس المحيط، شريطة الالتــزام بأجل معين يتم في نهايته الإعلان عن عدد الجماعات التي تم تحويلها بالكامل إلى مجتمع قارئ كاتب، دون أن ندخل في الجزئيات والإجراءات الممهدة لذلك.

وقد ارتضى الجميع هذا الأسلوب لما يتيحه من إمكانية تقدير الكم المستهدف، أفرادا وجماعات.

والمنتظر أن تقدم الدورة 19 ورقة علمية محكمة دقيقة مستوفية للقواعد والضوابط، التي يمكن تعميمها على المجالس العلمية المحلية، كما أن هذه الخطة تمكننا من تقديم رأي له قيمته لأمير المؤمنين قد يحظى لديه بالرضا والقبول كجواب عن سؤاله إن اقتضى الحال.

البحث العلمي

إن المؤسسة العلمية باعتبارها الجهة الدستورية المخول لها النطر في كل ما هو شرعي -عقدي - مذهبي - تهذيبي سلوكي، لا يمكنها إلا أن تكون هي المرجعية الأولــى الموثوق بما يصدر عنها منظوما كان أو مكتوبا، والاحتكام إليها في كل نازلة أو اجتهاد ذي صلة بثوابت الأمة واختياراتها الدينية.

وتأسيسا على ذلك، يتعين أن تكون قاعدة مركزية جامعة للبحث العلمي والاجتهاد الشرعي- حصريا - في كل ما له صلة بقضايا العقيدة، والمذهب الفقهي، والتزكية الروحية والسلوكية، وقضايا الإمامة العظمى من حيث هي مؤسسة شرعية دينية ودنيوية.

وتوجد بين يدي البحث العلمي ورقة تمثل الأرضية الصالحة للنقاش والتأمل، في اتجاه صياغة وثيقة دقيقة يتم اعتمادها أساسا لسن سياسة بحثية متميزة، مطبوعة بطابع جامع بين تالد الاجتهاد وطريفه.

مراقبة التحويلات البنكية:مهمة جديدة تدخل في صلاحيات المجلس العلمي الأعلى، ويتعلق الأمر بمراقبة التمويلات البنكية الجديدة التي ستدخل حيز التطبيق في السوق المالية للملكة عما قريب.

واستعدادا لممارسة المجلس للمهمة الجديدة، تقرر أن تعقد لقاءات بين المجلس العلمي الأعلى، وبين فريق من الخبراء في التدبير البنكي والإدارة المالية، يمثلون بنك المغرب، وإدارة السوق المالي (البورصة)، وإدارة التأمينات.

 وقد تم لحد الآن عقد لقاءين برحاب الأمانة العامة للمجلس، استمع فيهما فريق العلماء إلى عروض قدمها الخبراء، كل في دائرة اختصاصه، وسيتواصل اللقاء في الأيام المقبلة، والغاية من ذلك، اطــلاع العلماء على طريقة اشتغال المؤسسات البنكية والمالية، والقواعد التنظيمية التي تحكم القطاع، وتدبر دواليبه، بصفة عامة، والتمويلات المالية الجديدة التي تخضع في معاملاتها لقواعد الشريعة الإسلامية.

وهكذا، فإن المؤسسة العلمية ستمارس إلى جانب مهامها العادية ونشاطها المعهود، نشاطا علميا جديدا يجعلها في قلب الحياة الاقتصادية والمالية اليومية.

حضرات السادة

لا أحب أن أختم كلمتي قبل أن أتقدم بالشكر الصادق لإخواني رؤساء المجالس العلمية الذين وجهوا لي الدعوة لأشرف بالحضور إلى جانبهم في التظاهرات العلمية المفيدة التي أقاموها، فحرمت متعة الحضور على كره مني، بيد أننا نتابع نشاطهم من بعيد، ونحمد الله على الذي وفقهم إليه من صالح عملهم النافع.

وإني إن نسيت شيئا فلن أنسى ما حييت، ذلك الدعم الموصول والاهتمام الكبير لمعالي الوزير المحترم، والأخ العزيز سيدي أحمد التوفيق بالمؤسسة العلمية والذي لا يزيده كر الليالي والأيام، وتعاقب السنين والأعوام إلا رسوخا وشموخا، فباسمكم جميعا، أعرب له عن سعادة العلماء برفقته الممتعة والنافعة في هذه الرحلة التي قطعنا فيها أشواطا، وراكمنا فيها من التجارب أنماطا، ورافقنا فيه من التوفيق ما نسأل الله أن يباركه ويديمه بدوام هذه الصحبة التي أثمرت في قلوبنا جميعا احتراما كبيرا. تظله وترعاه تلك الرعاية المولوية التي ترعى مسيرة هذه الأمة الناهضة  في ظل عرشها الخالد.

والحمد لله رب العالمين".